طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خادم الحرمين يؤكد الحرص على توطيد العلاقة مع العراق    ||    اليمن.. انطلاق مهمة "القبضة الحديدية" في حضرموت    ||    ليبيا.. تراجع حاد بأعداد المهاجرين في مركز تهريب البشر    ||    ميليشيات الحوثي تداهم المنازل بصنعاء وتختطف 40 فتاة    ||    مشاعر محبوسة    ||    انطواء طفلك.. بيدك أنت!    ||    مخالفات قولية عند نزول المطر    ||    الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة الغلو والتطرف    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15593

تراحموا يا مؤمنون

المكان : المملكة العربية السعودية / القصيم - عنيزة / حي السليمانية / ابي موسى الأشعري /
التصنيف الرئيسي : الأخلاق المحمودة التربية
تاريخ الخطبة : 1439/10/22
تاريخ النشر : 1439/12/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/اتصاف الله بأكمل أوصاف الرحمة 2/حاجة الناس إلى التراحم 3/إرسال النبي صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين 4/كيف تكسب رحمة الله؟ 5/أولى الناس بالرحمة 6/حاجة المستضعفين والعصاة للرحمة
اقتباس

والنَّاسُ فيما بينَهُم على اختِلافِ أعْمَارِهِمْ وَأجْنَاسِهِمْ وَجِنْسِيَّاتِهِمْ يَحتاجُونَ إلى رِعَايَةٍ وَبَشَاشَةٍ تَمنَحُهم رَحْمَةً وَأَمَانَاً، وَهُمْ كَذَلِكَ بِحاجَةٍ إلى قَلْبٍ كَبِيرٍ، يَحملُ هُمُومَهم، وَيسعى لِمَصَالِحِهم، ولن تتأتَّى هذه الخصالُ إلا لِمَن يَتَمَثَّلُ بِالرَّحْمَةِ قولاً وَعَمَلاً وَمَنهَجَاً! فاللهُمَّ اجْعَلْنَا مِن عِبَادِكَ الرُّحَمَاءِ…

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ لله وَسِعَ كُلَّ شيءٍ رَحْمَةً وعِلمًا، نَشهدُ ألَّا إلهَ إلَّا اللهُ وحده لا شريكَ لَهُ، عَمَّ بِإحسانِهِ كُلَّ حَيٍّ، ونشهدُ أنَّ محمَّدَاً عبدُ الله ورسولُهُ بَعَثَهُ ربُّهُ رَحْمَةً وهُدىً، صلَّى اللهُ وسلَّمَ وباركَ عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ ومن بِهُداهمُ اهتدى.

 

أمَّا بعدُ: فاتَّقوا الله -عبادَ الله-، واستجلِبوا رحمتَه بِتقَواهُ: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَآمِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ)[الحديد:28].

 

عبادَ الله: رَبُّنا مُتَّصِفٌ بِرَحْمَةٍ لا تُشبِهُ صِفَاتِ الْمَخلُوقِينَ؛ فَهو أَرحَمُ الرَّاحِمينَ، وَخَيرُ الرَّاحِمِينَ، وملائِكَةُ الرَّحمةِ يُثنُونَ عليهِ ويقولونَ: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ)[غافر:7].

 

واللهُ -عزَّ وجلَّ- لَمَّا خَلَقَ الْخَلْقَ، كَتَبَ فِي كِتَابِهِ، فَوْقَ عَرْشِ: “إِنَّ رَحْمَتِي تَغْلِبُ غَضَبِي“؛ فاللهُ -تَعَالى-: خَيْرُ الرَّاحِمِينَ، وَأَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.

 

عِبَادَ اللهِ: والنَّاسُ فيما بينَهُم على اختِلافِ أعْمَارِهِمْ وَأجْنَاسِهِمْ وَجِنْسِيَّاتِهِمْ يَحتاجُونَ إلى رِعَايَةٍ وَبَشَاشَةٍ تَمنَحُهم رَحْمَةً وَأَمَانَاً، وَهُمْ كَذَلِكَ بِحاجَةٍ إلى قَلْبٍ كَبِيرٍ، يَحملُ هُمُومَهم، وَيسعى لِمَصَالِحِهم، ولن تتأتَّى هذه الخصالُ إلا لِمَن يَتَمَثَّلُ بِالرَّحْمَةِ قولاً وَعَمَلاً وَمَنهَجَاً! فاللهُمَّ اجْعَلْنَا مِن عِبَادِكَ الرُّحَمَاءِ.

 

والرَّحمةُ -يا كِرامُ- مِن خِصَالِ الفِطرَةِ السَّوِيَّةِ، وَهِيَ تَحملُ صَاحِبَها على البِرِّ والتَّقوى، وإذا تَبَلَّدَ الْحِسُّ، وَجَفَا القلبُ، وغَلُظَتِ الطِّباعُ – هَوَى الإنسانُ إلى البَهَائِمِ أو أحطَّ؛ بل إنَّ البَهائِمَ لَتَتَرَاحَمُ بَينها فِي بَعْضِ الأحْوالِ أَحسَنَ من بعضِ بني البَشَرِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: “جَعَلَ اللهُ الرَّحْمَةَ مِائَةَ جُزْءٍ، فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ وَأَنْزَلَ فِي الْأَرْضِ جُزْءًا وَاحِدًا، فَمِنْ ذَلِكَ الْجُزْءِ تَتَرَاحَمُ الْخَلَائِقُ، حَتَّى تَرْفَعَ الدَّابَّةُ حَافِرَهَا عَنْ وَلَدِهَا، خَشْيَةَ أَنْ تُصِيبَهُ“.

 

إخْوانِي: إسْلامُنَا دَعَانا إلى التَّرَاحُمِ، بَلْ جَعَلَهُ مِن كَمَالِ الإيمانِ، قالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: “لن تُؤمِنُوا حتى تَرَاحَمُوا” قالوا: يا رسولَ اللهِ، كُلُّنا رَحيمٌ، قالَ: “إنَّهُ لَيسَ بِرَحمَةِ أحدِكُم صَاحِبَهُ، وَلَكِنَّها رَحمَةُ العَامَّةِ“. وَالمُؤْمِنُونَ كَالجَسَدِ الوَاحِدِ فِي تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ.

 

وَاخْتُصَّ رَسُولُنَا بِأنَّهُ نَبِيُّ الرَّحمَةِ للعَـالَمِينَ؛ لأنَّ في قلبِهِ من العلمِ والْحِلمِ، وفي خُلُقِهِ من الإيناسِ والبِرِّ، وفي طَبعِهِ من السُّهُولَةِ والرِّفقِ، ما جَعَلَهُ أوسعَ النَّاسِ رَحمَةً، وَأَرْحَبَهُم صَدْرَا،ً وصَدَقَ المولى: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)[التوبة:128]. وكانَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- يُعطِي أصحابَهُ دُرُوسَاً عملِيَّةً في الرَّحمةِ؛ فَكانَ يَدخُلُ في الصَّلاةِ يُريدُ إطالتَها فَيسمَعُ بُكاءَ الصَّبِيِّ، فَيَتَجَوَّزُ فِيها رَحمةً بِأمِّهِ!

 

وَفِي يَومٍ رُفِعَ إِلَيْهِ صَبِيٌّ يُصَارِعُهُ الْمَوْتُ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنَّةٍ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا هَذَا؟ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: “هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ“.

 

وبعدَ غزوةٍ إسلامِيَّةٍ: قُدِّمَ لِرَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- سَبْيٌ، وإِذْ بامْرَأَةٍ مِنَ السَّبْيِ، تَبحثُ عن ابنٍ لها، قد فُجِعَتْ بِفَقْدِهِ، فَإِذَا هيَ تَجِدُهُ فِي السَّبْيِ، فَأَخَذَتْهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا وَأَرْضَعَتْهُ، فَلَمَّا رأى رَسُولُ اللهِ هذا الْمَنظَرَ الْمُؤَثِّرَ قالَ لأصحابِهِ: “أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ “قالوا: لَا يا رسولَ اللهِ، فَقَالَ: “لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ بِوَلَدِهَا“. حَقَّاً: “مَنْ لاَ يَرْحَمُ لاَ يُرْحَمُ“.

 

أيُّها المُؤمِنُونَ: وكُلَّما كانَ الإيمانُ أتَمَّ، كانتِ الرَّحمةُ أَوفَرَ وأوسَعَ؛ فَليسَ من المَطلُوبِ قَصْرُ الرَّحمَةِ على مَنْ تَعرِفُ مِنْ قَرِيبٍ أو صَدِيقٍ، وَلَكِنَّها رَحمَةٌ عَامَّةٌ تَسَعُ الخَلقَ كُلَّهُم، مُؤمِنُهم وَكَافِرُهم، بَرُّهم وَفَاجِرُهُم، حتى البَهَائِمَ تُدخِلُكَ النَّارَ أوِ الجنَّةَ بِرَحمَتِكَ بِها، أو تَعذِيبِكَ إيَّاها! في الصًّحِيحِ قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: “الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ“.

 

أمَّةَ الرَّحمَةِ: لَنْ نَنَالَ رَحمَةَ اللهِ وَرِضْوَانَهُ، إلَّا بِطَاعَةِ اللهِ وَطَاعَةِ رَسُولِهِ! فاللهُ -تَعَالى- يقُولُ: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)[آلعمران:132].

 

فَالَّلهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّحِمِينَ.

 

أقُولُ مَا سَمِعتُمْ وأستغْفِرُ لي وَلَكُمْ وَلِلمُؤمِنِينَ، والحمدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ.

 

 

الخطبَةُ الثانيةُ:

 

الحمدُ للهِ الرَّحيمِ الرَّحمنِ، نَشهَدُ ألا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شَريكَ لهُ ذو الفَضلِ والإحسانِ، وَنَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً عبدُ اللهِ ورسُولُهُ، رَحْمَةٌ للِإنْسِ وَالجَآنِّ، صلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَليهِ، والتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإيمَانٍ وَإحْسَانٍ.

 

عِبَادَ اللهِ: أَتُرِيدُونَ رَحمَةَ اللهِ -تَعالى-؟ طَبِّقُوا هَذِهِ الآيَةَ؛ لِتَنَالُوهَا: يَقُولُ -تَعالى-: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)[التوبة:71].

 

أيُّها الأَخُ المُؤمِنُ: أَتُرِيدُ رَحمَةَ اللهِ -تَعالى- كَذَلِكَ؟ تَذَكَّرْ قَولَ البَارِي -جَلَّ وَعَلا-: (لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)[النمل:46].

 

مِن أَجْلِ هذا -رَحِمَكَ اللهُ-؛ فَإنَّهُ كُلَّمَا قَوِيَّ إيْمَانُكَ تَمَيَّزْتَ بِقلْبِ رَحِيمٍ، تَمُدُّ يَدَكَ لِلمُحْتَاجِ، وَتُغِيثُ الْمَلهوفَ، وَتَنْفِرُ مِن الإِيذَاءِ، وَتَكرَهُ الْخِصَامَ والاعتِدَاءَ.

 

أيُّها الرَّاحِمُونَ: وأَولَى النَّاسِ بِرَحمَتِكَ وبِرِّكَ وإحسَانِكَ هما الوالِدانِ؛ فَمَاَ أَحوَجَهُمَا إلى رَحمَتِكَ؛ خاصَّةً حالَ الكِبَرِ، وعند الْمَرَضِ؛ فَمَا أَحوَجَهُما إلى رَحمَتِكَ وَحِلمِكَ؛ فَلا تُهمِلْهُمَا، ولا تَنْشَغِلْ عنهُما، أَكرِمْهُمَا وَلا تُهنْهُما ردِّدْ: (رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا)[الإسراء:24].

 

ثُمَّ مِن بَعِدِهم فَلَذَاتُ الأَكبَادِ، أَولاَدُكَ وَبَنَاتُكَ؛ فقد كانَ رسُولُنا يُقعِدُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ والحَسَنَ بنَ عليٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يَضُمُّهُمَا، ويَقُولُ: “اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمَا فَإِنِّي أَرْحَمُهُمَا“، وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: “مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللهِ“.

 

وَزَوجَتُكَ، وإِخوانُكَ، أَحوَجُ ما يَكُنُونَ إلى رَحْمَتِكَ وإحسَانِكَ، “وخَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ“.

 

وَأَحوجُ النَّاسِ إلى رَحْمَتِكَ مَنْ قَلَّدَكَ اللهُ أَمرَهُم مِن العُمَّالِ والْمُستَخدَمِينَ؛ فاستَمِعِ لِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- فِيهُمُ حَيثُ قالَ: “إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ؛ فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ“. ومعنى “إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ”: أي الذِينَ يُصلِحُونَ أُمُورَكُم.

 

عبادَ اللهِ: أَحسِنُوا إلى الْمُستَضعَفِينَ، واجْبُروا خَوَاطِرَهُم بالرِّفقِ والرَّحمَةِ والَّلينِ،؛ طَلَباً لِرَحْمَةِ رَبِّ العَالَمِينَ، واحذَرَوا: “فَمَنْ ضَرَبَ سَوْطًا ظُلْمًا اقْتُصَّ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ“! أَمَّا الصِّغَارُ فَهُم مُحتَاجُونَ إلى عِنَايَةٍ خَاصَّةِ، وَرَحمَةٍ حانِيَةٍ، وقد قالَ نَبِيُّنَا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ-: “لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا“.

 

عبادَ اللهِ: وَتعظُمُ الْحَاجَةُ لِلرَّحمَةِ بِأَهْلِ الذُّنُوبِ والمَعَاصي من إخوانِنَا المُسلِمِينَ! نَعَمْ نُبْغِضُ مَعْصِيَتَهُمْ، مَعَ بَقَاءِ حُبِّهمْ بِقَدْرِ إيمَانِهِمْ، كَمَا أنَّ لَهُمْ وَاجِبَ السِّتْرِ علينَا مَا دَامُوا لَمْ يُجَاهِرُوا بِمَعْصِيَتِهِمْ. وَلْنَحْذَرْ مِنْ الشَّمَاتَةِ بِهِمْ أَو التَّشَفِّي مِنْهُمْ!؛ فَفِي حَدِيثٍ أَنَّ نَبِيَّنَا -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ- قالَ: “لاَ تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لأَخِيكَ فَيَرْحَمَهُ اللَّهُ وَيَبْتَلِيكَ“.

 

وَالعُصَاةُ أحْوَجُ مَا يَكُونُونَ إلى الرِّفْقِ وَالنُّصْحِ والتَّوجِيهِ؛ فلا تَسْتَغْرِبْ هَذا فَقَدْ أُتِيَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِسَكْرَانَ، فَأَمَرَ بِضَرْبِهِ؛ فَمِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ يَضْرِبُهُ بِيَدِهِ وَمِنْهُمْ بِنَعْلِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَضْرِبُهُ بِثَوْبِهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رَجُلٌ: مَا لَهُ أَخْزَاهُ اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “لاَ تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ“. إنَّهَا رَحْمَةٌ عَظِيمَةٌ حَتَّى مَعَ العُصَاةِ والمُخَالِفينَ الذينَ لَمْ يُجَاهِروا وَيُفْسِدوا!

 

أَلا فَاتَّقُوا اللهَ -رَحِمَكُمُ اللهُ-، وَتَواصَوا بالصَّبْرِ، وَتَواصَوا بِالمَرحَمَةِ.

 

ثُمَّ صَلُّوا وَسَلِّمُوا على نَبِيِّ الرَّحمَةِ والْمَلحمَةِ؛ فَالَّلُهمَّ صَلِّ وَسَلِّم وَبَارِكْ على عَبدِكَ وَرَسُولِكَ مُحمَّدٍ وعلى آلِهِ وَأصْحَابِهِ، وَمن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّينِ.

 

اللهمَّ طَهَّر قُلُوبَنَا من الغِلِّ والحقدِ والحَسَدِ، اللهمَّ أسبِغ علينا رحمةً من عندكَ تُغنِينَا بِها عَمَّن سِوِاكَ.

 

رَبَّنا اغفر لنا ولِوالِدينا وارحمهما كما ربَّيانا صِغَاراً، اللهمَّ أعنَّا على بِرِّهما وهم أحياءً وَمَيِّتينَ.

 

اللهمَّ أقِرَّ أعيُنَنا وأسعِد قُلوبَنَا بِصلاحِ شَبَابِنَا وَفَتَيَاتِنَا، اللهمَّ اجعلنا وذُريَّاتِنا مُقِيمِي الصَّلاةِ ربَّنا وتقبل دعاء.

 

اللهم أعزَّ الإسلامَ والمُسلِمينَ وَفِّقْ ولاةَ أُمُورِنا لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى أعنْهُم على البِرِّ والتَّقوى، انْصُر جُنُودَنَا واحفَظْ حُدُودَنَا، وانْصْرَنا على مَنْ بَغى علينا ياربَّ العالَمِينَ.

 

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[البقرة:201]، (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ)[آلعمران: 8].

 

(وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ)[العنكبوت:45].

الملفات المرفقة
تراحموا يا مؤمنون
عدد التحميل 73
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات