ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15599

الرسول صلى الله عليه وسلم زوجا

المكان : المملكة العربية السعودية / الخبر / حي العقربية / جامع عمر بن عبد العزيز /
تاريخ الخطبة : 1438/01/06
تاريخ النشر : 1439/12/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/أخلاق النبي -صلى الله عليه وسلم- مع زوجاته منقطعة النظير 2/عدل النبي -صلى الله عليه وسلم- بين نسائه 3/إحصائيات عن عنف المجتمعات الغربية ضد المرأة 4/صور من حسن معاشرة النبي -صلى الله عليه وسلم- لزوجاته.
اقتباس

هذه قطوف من سيرته العطرة، وحياته الجميلة، ومعاشرته الحسنة لزوجاته الطاهرات المطهرات -رضي الله عنهن أجمعين-، فخُذها أخي الزَّوج، وطبِّقها في بيتك ومع زوجتك، ستجد السعادة والراحة. ما أحوج الأزواج إلى تعلم ما كان عليه -صلى الله عليه وسلم- من معاملة حسنة وعشرة…

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70، 71].

 

أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشرَّ الأمور محدثاها، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

عباد الله: لقد كان النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أحسن الناس خُلقًا وأدبًا، وأكرمهم وأتقاهم، وأنقاهم معاملة، قال عنه ربُّه تبارك وتعالى مادحًا وواصفًا خُلقه الكريم -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[القلم: 4].

 

يا من له الأخلاق ما تهوى العُلا *** منها وما يتعشَّقُ الكُبراءُ

زانتْكَ في الخُلُق العظيمِ شمائلٌ *** يُغرَى بهن ويُولعُ الكُرماءُ

 

وبأخلاقه الجميلة ومعاملاته الحسنة عاش -صلى الله عليه وسلم- مع زوجاته الطاهرات حياةً سعيدة طيبة، تمثِّل تطبيقًا عمليًّا لقوله -تعالى-: (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ)[النساء: 19]، والمعروف كلمةٌ جامعةٌ لكلِّ فعلٍ وقولٍ وخُلقٍ نبيل، فقد كان خيرَ النَّاس في تعامله مع زوجاته، وهو القائل: “خَيرُكم خيركم لأهله، وأنا خيرُكم لأهلي“؛(أخرجه الترمذي 3895، وابن ماجه 1977، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 285).

 

لقد كانت معاملته لزوجاته معاملة منقطِعة النَّظير، يرى فيها الناظر إلى سيرته من أول وهلة حُسن تلك العشرة، وجميل تلك المعاشرة.

 

تقول أمُّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- عن موقف وقَع لها -رضي الله عنها- لمسَت فيه الرَّحمةَ والعطف: “خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره، حتى إذا كنَّا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقدٌ لي، فأقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على التماسه، وأقام الناس معه وليسوا على ماءٍ، فأتى الناس إلى أبي بكرٍ الصديق، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله -صلى الله عليه وسلم- والناس وليسوا على ماءٍ، وليس معهم ماءٌ، فجاء أبو بكرٍ ورسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- واضعٌ رأسه على فخذي قد نام، فقال: حَبستِ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والناس، وليسوا على ماءٍ، وليس معهم ماءٌ، فقالت عائشة: فعاتبني أبو بكرٍ، وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي، فلا يمنعني من التحرُّك إلا مكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على فَخِذي، فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين أصبح على غير ماءٍ، فأنزل الله آيةَ التيمُّم، فتيمَّموا، فقال أسيد بن الحضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكرٍ، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه، فأصبنا العقد تحته“؛(أخرجه البخاري 334، ومسلم 367).

 

فانظر إلى هذه الرَّحمة منه -صلى الله عليه وسلم-؛ حيث أوقف الجيش كلَّه لأنَّ عقدًا لزوجته انقطع، ولا يريد أن يُدخِل على قلبها الهمَّ والحزن على فقدانها لعقدها، بل قام بالتماسه بنفسه وقام أصحابه معه، ولم يبرح ذلك المكان حتى وجدت زوجته عقدها.

 

عباد الله: كان -صلى الله عليه وسلم- يدخُل على نسائه في بيوتهنَّ، ويملأ تلك البيوت أُنسًا بما يقوم به من أعمال طيبة؛ فيسلِّم عند دخوله ويدعو لهن بالخير، بل ويقبِّل ويباشر، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: “كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا صلَّى الصبح جلس في مصلَّاه، وجلس الناس حوله حتى تطلع الشمس، ثم دخل على نسائه امرأةً امرأةً، يسلِّم عليهنَّ، ويدعو لهن، فإذا كان يوم إحداهن جلس عندها“؛(أخرجه الطبراني في الأوسط 8764، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: “فيه عبدالله بن صالح كاتب الليث، قال عبدالملك بن شعيب بن الليث: ثقة مأمون، وضعَّفه أحمد وغيره” 4/ 644).

 

وفي المساء كان يَدخل عليهنَّ ويؤانسهن ويحدِّثهن، تقول عائشة -رضي الله عنها-: “كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا انصرف من العصر دخل على نسائه، فيدنو من إحداهن“؛(أخرجه البخاري 5216)، أي: فيقبِّل ويباشر من غير جِماع؛(“فتح الباري”؛ لابن حجر 9/ 379).

 

قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: “الذي كان يقع في أوَّل النهار سلام ودعاء محض، والذي في آخره معه جلوس واستئناس ومحادثة”؛(“فتح الباري”؛ لابن حجر 9/ 379).

 

وفي الليل كنَّ يجتمعن -رضي الله عنهن- في بيتٍ واحدٍ، فيأتيهنَّ -صلى الله عليه وسلم- ويحادثهنَّ ويؤانسهن، ويأكل معهنَّ العَشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها(تفسير ابن كثير 1/ 576).

 

يقول أنس بن مالك -رضي الله عنه-: “كان للنَّبي -صلى الله عليه وسلم- تسع نسوةٍ، فكان إذا قسم بينهنَّ لا ينتهي إلى المرأة الأولى إلا في تسعٍ، فكنَّ يجتمعن كل ليلةٍ في بيت التي يأتيها“؛(أخرجه مسلم 1462)، حتى إنه عند زواجه بزوجة جديدة لم يترك المرور على نسائه والسلام عليهنَّ؛ فقد تزوَّج بزينب بنت جحش وخرج إلى حُجَر نسائه فسلَّم عليهنَّ جميعًا.(أخرجه البخاري 4792).

 

– أمَّا عدله -صلى الله عليه وسلم- بينهن والمبيت عندهنَّ، فكان أشهر من أن يُذكر، تقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: “كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يفضِّل بعضنا على بعضٍ في القسم من مكثه عندنا، وكان قل يومٌ إلا وهو يطوف علينا جميعًا، فيدنو من كل امرأةٍ من غير مسيسٍ(“من غير مسيس”؛ أي: من غير جِماع؛ كما هو موضح في رواية أخرى: “من غير وقاع”، وهو المراد هاهنا؛ عون المعبود 6/ 122)، حتى يبلغ إلى التي هو يومها فيبيت عندها“؛(أخرجه أبو داود 2135) بلفظه، وأحمد 24244، وقال الألباني في صحيح أبي داود: حسن صحيح 2135)، قال الصنعاني: “فيه بيان حُسن خلقه -صلى الله عليه وسلم-، وأنه كان خير الناس لأهله”؛(سبل السلام 3/ 258).

 

فالعدل منه -صلى الله عليه وسلم- سجية لا كلفة فيه، كيف وهو الداعي إلى ذلك، وهو الذي حذَّر من الميل إلى إحدى الزوجات؟ فقال: مَن كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، جاء يوم القيامة وشقُّه مائلٌ“؛(أخرجه أبو داود 2133، والدارمي 2206، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 2133).

 

ومن تمام عدلِه وحرصه عليه وعدم تفريطه فيه أنه حتى في مرض موته، كان يطاف به عليهنَّ، تقول عائشة -رضي الله عنها-: “إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يَسأل في مرضه الذي مات فيه: “أين أنا غدًا؟”؛ يريد يوم عائشة، قالت: فأذِنَ له أزواجه أن يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة حتى مات عندها“؛(أخرجه البخاري 4185)، وفي رواية قالت: “لمَّا ثَقل النبي -صلى الله عليه وسلم- واشتدَّ وجعه، استأذن أزواجَه أن يمرَّض في بيتي، فأذِنَّ له…”؛(أخرجه البخاري 195 بلفظه، ومسلم 418).

 

هذا هو هَديه -صلى الله عليه وسلم- في العَدل بين زوجاته، فلم يفضِّل واحدةً منهن على الأخرى بعطيَّة ولا هديَّة، ولا يسافر بها اختيارًا دون قرعة، ولا يبيت عند واحدة أكثر من غيرها، بل كلهنَّ أخذن حقهنَّ وافيًا غير منقوص، فلم تشعر واحدة منهن أنه ظلَمها في مِثقال ذرَّة، أو أنه فضَّل غيرها عليها بأدنى عطية، فتمتعن كلهنَّ بعدله ورحمته وعطفه -صلى الله عليه وسلم-.

 

أيها المسلمون: لم يُنقل عن نبينا -صلى الله عليه وسلم- في يوم من الأيام أنه ضرَب امرأة، أو حقرها، أو أهانها، لقد عاشت زوجاتُه معه عيشة كريمة ملؤها المحبَّة والوئام، فلا صخب بينهم ولا صياح ولا صراخ ولا عنف، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: “ما رأيتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- ضرب خادمًا له قط، ولا امرأةً له قط، ولا ضرب بيده شيئًا قط، إلَّا أن يجاهد في سبيل الله“؛(أخرجه أحمد 25392، وصححه الألباني في مختصر الشمائل 299).

 

حياة كريمة عِشنها معه -صلى الله عليه وسلم-، لم يعرفن ولو مرَّة واحدة حتى على واحدة منهن أنه أهانها ولو بكلمة، وكم كان يحصل منهن الهفوات -رضي الله عنهن تجاهه، ولكن هيهات أن يجدن منه غير الصَّفح والإحسان والعفو والتجاوز.

 

ولك أن تتصوَّر مقدار العنف الذي تمارسه المجتمعات الغربية ضد المرأة التي تنادي بحقوقها.

 

فهذه بعض الإحصائيَّات مما تعانيه المرأة هناك؛ فمثلًا في بريطانيا تستقبل شرطة لندن وحدها مائة ألف مكالمة سنويًّا من نساء يضربهنَّ أزواجهن، على مدار السنين الخمس عشرة الماضية؛ (كانت هذه الإحصائية عام 1422هـ 2001م)، وأن 79% من الأمريكيين يضربون زوجاتهم، و83 % دخلن المستشفى سابقًا مرَّةً واحدة على الأقل للعلاج من أثر الضرب، وإن مائة ألف ألمانية يضربهن الرجال سنويًّا، ومليوني فرنسية يضربهنَّ الرجال سنويًّا؛(“ماذا يريدون من المرأة؟”؛ عبدالسلام البسيوني ص 65)، فأين حقوق المرأة المزعومة في تلك المجتمعات؟

 

عباد الله: تمر على الإنسان فترات منها أفراح ومنها أحزان، وهذه سنَّة الله في الخلق، وزوجات المصطفى -صلى الله عليه وسلم- جرَت عليهن هذه السنَّة، ولكن كان بجانبهن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، يواسي الحزينة، ويعطف على المريضة، فلا يترك أي واحدة منهنَّ وحيدة تعاني مما نزل بها، بل يقِف بجانبها، ويسمع شكايتها، ويتعرَّف على مشاكلها، ثم يعطيها الدواء النَّاجع، والبلسم الشافي؛ فهذه عائشة -رضي الله عنها- عندما حاضت في الحجِّ دخل عليها -صلى الله عليه وسلم- وهي تَبكي، فقال: “ما لكِ أنَفِسْتِ؟”، قالت: نعم، قال: “إنَّ هذا أمر كتَبه الله على بنات آدم؛ فاقضي ما يقضي الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت“؛(أخرجه البخاري 5228).

 

هذه الكلمات الجميلات التي قالها النَّبي -صلى الله عليه وسلم- لها فيها تسلية لخاطرها، وتطييب لنَفسها، وتذكير لها بأنَّها ليست وحدها يحصل لها هذا الأمر، بل هو شيء كتَبه الله على بنات آدم، ثمَّ بعد ذلك علَّمها كيف تعمل حتى تتمَّ نسكها.

 

وهذه أم المؤمنين صفيَّة -رضي الله عنها- كانت معه -صلى الله عليه وسلم- في سفر، فأبطأت في المسير، فاستقبلها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهي تَبكي وتقول: حمَلتَني على بعير بطيء، فجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يَمسح بيديه عينيها ويسكتها…”؛(أخرجه النسائي في السنن الكبرى 9117، وحسن إسناده ضياء الدين المقدسي في الأحاديث المختارة 5/ 106).

 

فهذه اللمسات الحانية التي أضفاها -صلى الله عليه وسلم- على زوجته من خلال مسحه لدموعها التي انسكبت على خدَّيها، وكلماته الدافئة التي أخذ يسكت بها شريكةَ حياته حتى يخفِّف عنها من بكائها، ويهدئ من حزنها – يشعرنا بمقدار المواساة التي كان -صلى الله عليه وسلم- يواسي بها زوجاته -رضي الله عنه-ن.

 

عباد الله: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- عاش مع زوجاته عيشة ملؤها التواضع ولِين الجانب، فلَم يتعالَ على زوجاته ويترفَّع عليهن، كما يفعل كثير من الأزواج، وانظروا – يا عباد الله – إلى تلك العِشرة الحسنة والمعاملة الكريمة مع زوجاته؛ سئلت عائشة: ما كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصنع في بيته؟ فقالت: كان يكون في مهنة أهله -تعني خدمة أهله – فإذا حضرَت الصلاة، خرج إلى الصلاة“، وفي رواية أخرى: “ما كان إلا بشرًا من البشر؛ كان يفلي ثوبَه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه”؛(أخرجه ابن حبان 5675، وأحمد 26237، وصححه الألباني في السلسة الصحيحة 671)، “كان يخيط ثوبَه، ويخصف نعلَه، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم“؛(أخرجه أحمد 24947، وابن حبان 5677، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير 9068).

 

أما اليوم، فحدِّث ولا حرج عن أحوال بعض الأزواج؛ فهم يتأفَّفون من إعانة زوجاتهم، ولا يريدون أن يكون لهم أدنى مشاركة في أعمال المنزل، بل يعد بعضهم هذا الأمر عيبًا، أو نقصًا من رجولته، وهذا كله خلاف ما كان عليه -صلى الله عليه وسلم-.

 

أيها المسلمون: من صور تلك المعاملات الحسَنة والعِشرة الطيِّبة: ما كان يفعله -صلى الله عليه وسلم- في عشِّ الزوجية من مداعبة ومضاحكة؛ حتى يُدخل السرور على قلوبهنَّ، تقول عائشة -رضي الله عنها-: قدِم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من غزوة تبوك أو خيبر وفي سهوتها؛(شيء شَبِيه بِالرَّفِّ وَالطَّاق يُوضَع فيه الشيء) سترٌ، فهبَّت ريحٌ فكشفَت ناحية الستر عن بناتٍ لعائشة “لُعبٍ“، فقال: “ما هذا يا عائشة؟”، قالت: بناتي، ورأى بينهنَّ فرسًا له جناحان من رقاعٍ (جمع رقعة؛ وهي الخرقة وما يكتب عليه)، فقال: “ما هذا الذي أرى وسطهن؟“، قالت: فرسٌ، قال: “وما هذا الذي عليه؟”، قالت: جناحان، قال: “فرسٌ له جناحان؟!”، قالت: أما سمعتَ أن لسليمان خيلًا لها أجنحةٌ؟ قالت: فضحك حتى رأيتُ نواجذه؛(أخرجه أبو داود 4932، وصححه الألباني في آداب الزفاف ص 203).

 

فكم أدخلَت تلك الضحكة منه -صلى الله عليه وسلم- من السرور على قَلب زوجته، وكم كان لتلك المداعبة من الأثر الحسن على مشاعر زوجته!

 

بل إنَّه -صلى الله عليه وسلم- حثَّ الأزواج على هذا الأمر؛ لأنه يجلب المسرَّةَ للقلوب، ويحبب الطرفين بعضهما إلى بعض، يقول النَّبي -صلى الله عليه وسلم- لجابر بن عبدالله لما تزوَّج: “هلَّا جاريةً تُلاعِبها وتلاعبك، أو تُضاحِكها وتضاحِكك“؛(أخرجه البخاري 6024) بلفظه، ومسلم 715)، فالملاعبة والمضاحكة بين الزَّوجين تملأ القلوب مسرَّة، والبيت أُنسًا ومحبَّة، فتقوى الرابطة الزوجية، وتتعمق الألفة والمودَّة.

 

ومن صور المعاشرة الجميلة ما كان يفعله -صلى الله عليه وسلم- مع عائشة -رضي الله عنها-؛ فإنَّه كان يضع فاه على موضع فيها عند الشرب، ويَستاك بالسواك الذي استاكت به، تقول -رضي الله عنها-: “كنتُ أشرب وأنا حائض، ثمَّ أناوله النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، فيضع فاه على موضع فِيَّ فيشرب، وأتعرَّق العَرْقَ(“أتعرَّق العرق” هو العظم الذي عليه بقية من لحم)، وأنا حائض، ثم أناوله النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، فيضع فاه على موضع فيَّ“؛(أخرجه مسلم 300).

 

وتقول: “كان نبي الله -صلى الله عليه وسلم- يَستاك، فيعطيني السواك لأغسله، فأبدأ به فأستاك، ثم أغسله، وأدفعه إليه“؛(أخرجه أبو داود 52، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود بنفس الرقم).

 

قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله ربِّ العالمين، وأصلِّي وأسلم على البشير النذير، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

 

أيها المؤمنون: لقد كان نبينا -عليه الصَّلاة والسَّلام- يراعي مشاعرَ زوجاته، ويعرف تلك المشاعر التي عندهن من رضًا أو غضَب، فلم يكن من الرِّجال الذين لا يبالون بمشاعر زوجاتهم، رضين أم سخطن، بل يهتمُّ بمشاعرهنَّ فيسلي من كانت غاضبة، ويَفرح مع من كانت مسرورة، فها هو يقول لعائشة -رضي الله عنها-: إني لأعلم إذا كنتِ عنِّي راضيةً، و إذا كنتِ عليَّ غضبى“، قالت: فقلت: من أين تعرف ذلك؟ فقال: “أمَّا إذا كنتِ عني راضيةً، فإنك تقولين: لا وربِّ محمَّدٍ، وإذا كنتِ عليَّ غضبى قلتِ: لا وربِّ إبراهيم“، قالت: قلت: أجل واللهِ يا رسول الله، ما أهجر إلا اسمك؛(أخرجه البخاري 4930، ومسلم 2439).

 

ومن ذلك مراعاته لمشاعر أمِّ المؤمنين صفيَّة -رضي الله عنها- عندما دخل عليها وهي تَبكي؛ لأنَّ حفصة عيَّرَتها بأبيها؛ لأنها كانت ابنة يَهودي، فطيَّب خاطرها -صلى الله عليه وسلم- بكلام يشرح الصدر.

 

يقول أنس بن مالك -رضي الله عنه-: بلَغ صفيَّةَ أن حفصة قالت: بنت يهودي، فبكَت، فدخل عليها النبي -صلى الله عليه وسلم- وهي تبكي، فقال: “ما يبكيكِ؟”، فقالت: قالت لي حفصة: إني بنت يهودي، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إنَّك لابنة نَبي، وإن عمَّك لنبيٌّ، وإنك لتحت نبيٍّ، ففيمَ تفخر عليك؟”، ثم قال: “اتَّقي الله يا حفصة“؛(أخرجه الترمذي 3894، وأحمد 11984، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي 3055)، قوله: “إنَّك لابنة نَبي“؛ أي: هارون بن عمران عليه السلام، “وإن عمَّك لنَبي“؛ أي: موسى بن عمران عليه السلام، “وإنك لتَحتَ نبي” الآن، “ففيمَ تفخر عليكِ؟”؛ أي: في أيِّ شيء تَفخر حفصة عليكِ؟، ثمَّ قال: “اتَّقي الله“؛ أي: مخالفته، أو عقابه بتَرك مثل هذا الكلام الذي هو من عادات الجاهلية.(تحفة الأحوذي؛ للمباركفوري 10/ 269).

 

وكان من هَديه -صلى الله عليه وسلم- أنَّه يُظهر حبَّه لزوجاته، ويصرِّح بذلك الحب ولا يجد غضاضة في ذلك، وحبه لعائشة -رضي الله عنها- أشهر من أن يذكر، ولم يحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- امرأة حبها، حتى إنَّ عمرو بن العاص سأل النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-: أي الناس أحب إليك؟ قال: “عائشة“، قلت: من الرجال؟ قال: “أبوها“، قلت: ثمَّ من؟ قال: “عمر“، فعدَّ رجالًا، فسكتُّ مخافة أن يجعلني في آخرهم. (أخرجه البخاري 4100، ومسلم 2384).

 

فكون النَّبي -صلى الله عليه وسلم- يظهر حبَّه وعاطفته لعائشة -رضي الله عنها-؛ فمعنى هذا أنَّه يلاطفها ويدلِّلها ويعطي الزوجةَ ما تتمنَّى سماعه من زوجها وحبيبها، وهذا مقام عالٍ في التعامل بين الزوجين؛ ولهذا روى ابن حبان عن عائشة -رضي الله عنها- أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال لها: أما ترضين أن تكوني زَوجتي في الدنيا والآخرة؟”، قلت: بلى والله، قال: “فأنتِ زوجتي في الدنيا والآخرة“؛(أخرجه ابن حبان 7095، والمستدرك للحاكم 6729، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 2255). كيف ستكون نفسيَّة عائشة -رضي الله عنها- ومشاعرها عندما تَسمع هذه الكلمات التي تعطيها الأمن والأمان بالحبِّ والمودة في الدنيا والآخرة؟

 

وكان يقول -صلى الله عليه وسلم-: “حُبِّب إليَّ من الدنيا النساء والطِّيب، وجعل قرة عيني في الصلاة“؛(أخرجه النسائي 3939، وأحمد 12315، وقال الألباني في صحيح الجامع الصغير: حسن صحيح 3124).

 

فالزوجة تريد من زوجها أن يشعِرها أنه يحبُّها، ويصرِّح لها بذلك، ويذكر ذلك بالاستمرار، فلا يكفي أن يقول لها مرَّةً ويتركها فترة طويلة دون أن يكرِّر ذلك لها.

 

عباد الله: ومن حُسن معاشرته -صلى الله عليه وسلم- لزوجاته تحمُّله لما يَحصل منهنَّ؛ إما من رفع صوت، أو مراجعة، حتى إنَّه لتهجرُه الواحدة منهنَّ إلى الليل وهو متحمل ذلك كله منهنَّ، ولا يعاملهنَّ بالمثل، كل ذلك من حُسن عشرته -صلى الله عليه وسلم-، فعن النعمان بن بشير قال: “جاء أبو بكرٍ يستأذن على النبي -صلى الله عليه وسلم-، فسمع عائشة وهي رافعة صوتَها على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأذِن له، فدخل، فقال: يا ابنة أم رومان، وتناوَلَها، أترفعين صوتك على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قال: فحال النَّبي -صلى الله عليه وسلم- بينه وبينها، قال: فلمَّا خرج أبو بكرٍ جعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول لها يترضاها: “ألا ترين أنِّي قد حلتُ بين الرجل وبينك“، قال: ثم جاء أبو بكرٍ فاستأذن عليه، فوجده يضاحكها، قال: فأذن له، فدخل، فقال له أبو بكرٍ: يا رسول الله، أشركاني في سِلمكما كما أشرَكتماني في حربكما”؛(أخرجه أحمد 18418، وصححه الألباني في الصحيحة 2901).

 

هذه قطوف من سيرته العطرة، وحياته الجميلة، ومعاشرته الحسنة لزوجاته الطاهرات المطهرات -رضي الله عنهن أجمعين-، فخُذها أخي الزَّوج، وطبِّقها في بيتك ومع زوجتك، ستجد السعادة والراحة.

 

ما أحوج الأزواج إلى تعلم ما كان عليه -صلى الله عليه وسلم- من معاملة حسنة وعشرة جميلة مع أزواجه، فهو القدوة والأسوة، وأقواله وأفعاله منهج حياة ومصدر سعادة.

 

ألا وصلُّوا وسلِّموا على مَن أُمِرتم بالصلاة والسلام عليه: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56]، وأكثِروا من الصلاة عليه؛ فإن من صلَّى عليه واحدة، صلى الله عليه بها عشرًا.

 

اللهمَّ اغفر لنا وارحمنا، وعافنا واعف عنَّا، اللهم أصلح أحوالنا، وأحوال المسلمين…

 

والحمد لله رب العالمين.

الملفات المرفقة
الرسول صلى الله عليه وسلم زوجا
عدد التحميل 20
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات