طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15573

الغيرة القاتلة

المكان : المملكة العربية السعودية / الخبر / حي العقربية / جامع عمر بن عبد العزيز /
تاريخ الخطبة : 1438/01/27
تاريخ النشر : 1439/12/11
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/حقيقة الغيرة 2/الغيرة عند النساء 3/الغيرة المحمودة... والغيرة المذمومة 4/أسباب ودوافع الغيرة المذمومة 5/أضرار الغيرة المذمومة 6/آداب الغيرة.
اقتباس

إن الغيرة غريزة فطريَّة، خلقها الله داخل كل شخص منَّا، مثلها مثل أيِّ صفة توجد في الإنسان، وهي شعور مثله مثل كثير من المشاعر والأحاسيس، ولكنه قد يتحوَّل إلى شعور مؤلِم إذا تعدَّى حدَّه.. فإذا زادَت الغيرة عن حدِّها، كانت نِقمة على الشخص، وعلى مَن حوله، فكثير مما يسمَّى جرائم العِرض والشرف، قد ترتكب…

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70، 71].

 

أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشرَّ الأمور محدثاها، وكل بدعة ضلالة.

 

عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله -عزَّ وجل-؛ فهي وصية الله للأولين والآخرين، كما قال –تعالى-: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)[النساء: 131].

 

أيها المسلمون: إن الغيرة هي: تغيُّر القلب، وهيجان الغضب؛ بسبب الإحساس بمشاركة الغير فيما هو حقُّ الإنسان، فهي حمية تشتعل في النَّفس لمزاحمة الآخرين لها في شيء تحبه، وتحمل صاحبَها على ما لا يليق؛ من الأقوال، والأعمال.

 

وأشد ما يكون ذلك بين الزوجين، وما من خُلق إلَّا وله طرفان ووسط، والغيرة المعتدلة من الأخلاق المحمودة في الإسلام، بل من منازل: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)[الفاتحة: 5] مَنزلةُ الغيرة.(مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين 3/ 44).

 

والرسول -صلى الله عليه وسلَّم- هو إمام الغيورين؛ حيث كان لا يغضب إلا إذا انتُهكَت حُرمات الله -عز وجل-، وكان لا يداهِن ولا يجامل في ذلك أبدًا، فعن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله، أما تغار؟ قال: “واللهِ إنِّي لأغار، والله أَغْيَرُ منِّي، ومن غيرته نَهى عن الفواحِش“؛(أخرجه أحمد 8122)؛ ولهذا غضِب غضبًا شديدًا على حِبِّه وابنِ حبِّه أسامة بن زيد عندما جاء ليشفع في تلك المرأة المخزومية، وقال له: “أتشفع في حدٍّ من حدود الله؟! والله، لو سرقَت فاطمةُ بنت محمد، لقطعت يدها“؛(أخرجه البخاري 3475، ومسلم 1688)، فالغيرة على مَحارم الله هي سِمة عباد الله الصالحين، وجنده المفلحين.

 

وقد ثبت عنه –عليه الصلاة والسلام– أنه قال: “إنَّ مِن الغيرة ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله -عز وجل-…؛ فأمَّا الغيرة التي يحب الله -عز وجل-: فالغيرة في الريبة، وأما الغيرة التي يبغض الله -عز وجل-: فالغيرة في غير ريبة…”؛(أخرجه النسائي 2558، وابن حبان 295، وأحمد 23750، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم 2221).

 

وقال ابن القيم -رحمه الله-: “وملاك الغيرة وأعلاها ثلاثة أنواع: غيرة العَبد لربِّه أن تُنتهك محارمه وتضيع حدوده، وغيرته على قَلبه أن يَسكن إلى غيره وأن يأنس بسواه، وغيرته على حُرمته أن يتطلَّع إليها غيره، فالغيرة التي يحبُّها الله ورسوله دارت على هذه الأنواع الثلاثة، وما عداها: فإمَّا من خدع الشيطان، وإما بلوى من الله؛ كغيرة المرأة على زوجها أن يتزوَّج عليها“(روضة المحبين ونزهة المشتاقين ص: 315).

 

فطَر الله المرأةَ على الغيرة الشديدة، وخاصَّة من ضرتها (كان ابن سيرين يكره تسميتها ضرة، ويقول: إنها لا تضر ولا تنفع ولا تذهب من رزق الأخرى بشيء، إنما هي جارة)، وقد بيَّنَت السنَّة المطهرة ذلك؛ ففي البخاري عن أنس -رضي الله عنه- قال: كان النبي -صلى الله عليه وسلم- عند بعض نسائه، فأرسلَت إحدى أمَّهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربَت التي النَّبي -صلى الله عليه وسلم- في بيتها يدَ الخادم فسقطَت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي -صلى الله عليه وسلم- فِلَقَ الصحفة، ثم جعل يَجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة، ويقول: “غارَت أمُّكم“؛(أخرجه البخاري 5225).

 

فقوله: “غارَت أمُّكم” قال الحافظ: “الخطاب لمن حضر، والمراد بالأمِّ هي التي كسَرَت الصحفة، وهي من أمَّهات المؤمنين كما تقدَّم بيانه…، وفيه إشارة إلى عدم مؤاخذة الغيراء بما يصدر منها؛ لأنها في تلك الحالة يكون عقلها محجوبًا بشدَّة الغضب الذي أثارَته الغيرة، وقد أخرج أبو يعلى بسندٍ لا بأس به (فتح الباري؛ لابن حجر 9/ 325) عن عائشة مرفوعًا: “إنَّ الغيراء لا تبصر أسفلَ الوادي من أعلاه“؛(أخرجه أبو يعلى 4550، وضعفه الألباني في الضعيفة 2985).

 

ومما يدلُّ أيضًا على غيرتهنَّ، ما جاء عن عائشة، قالت: افتقدت النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة، فظننتُ أنه ذهب إلى بعض نسائه، فتحسَّستُ ثم رجعت، فإذا هو راكع أو ساجِد، يقول: “سبحانك وبحمدك، لا إله إلا أنت“، فقلت: بأبي وأمِّي، إنك لفي شأنٍ، وإني لفي آخر“؛ (أخرجه مسلم 485).

 

وسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عائشةَ يومًا: “أغرتِ؟”، فتعجَّبَت، وقالت: “وما لي أن لا يَغار مثلي على مثلك؟“؛(أخرجه مسلم 2815).

 

وعنها قالت: “ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة؛ من كثرة ذِكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لها”، قالت: “وتزوَّجني بعدها بثلاث سنين“؛(أخرجه البخاري 3817)، هكذا هي الغيرة في النِّساء، فإذا دخلن الجنَّةَ نُزعَت منهنَّ الغيرة، يقول ابن القيم في تفسيره قوله تعالى: (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[البقرة: 25]: “أي: طهرن من الحيض والبول، وكل أذًى يكون في نساء الدنيا، وطهرت بواطنهنَّ من الغيرة، وأذى الأزواج، وإرادة غيرهم”؛(روضة المحبين ج1 – ص244).

 

وقد أرشد النَّبي -صلى الله عليه وسلم- بفعله وقوله إلى أهميَّة مراعاة ما طُبعَت عليه المرأة من الغيرة، فكان -عليه الصلاة والسلام- يتيح لنسائه أن ينفذنَ شيئًا من غيرتهنَّ، بحيث لا يتجاوزنَ الحدَّ المشروع، ويضفي على فعلهنَّ المرح والابتسامة، فعن أبي سلمة قال: قالت عائشة: زارتنا سَودة يومًا، فجلس رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- بيني وبينها؛ إحدى رجليه في حجري، والأخرى في حجرها، فعملتُ لها حريرة، أو قال: خزيرة، فقلت: كلي، فأبَت، فقلت: لتأكلي أو لألطخن وجهك، فأبت؛ فأخذت من القصعة شيئًا، فلطخَت به وجهها، فرفع رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- رجلَه من حجرها تستقيد منِّي، فأخذت من القصعة شيئًا فلطخَت به وجهي، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- يَضحك، فإذا عمر يقول: يا عبدالله بن عمر، يا عبدالله بن عمر، فقال لنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “قوما فاغسِلا وجوهَكما، فلا أحسب عمر إلَّا داخلاً“؛(أخرجه النسائي في السنن الكبرى 291، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة 3131).

 

وليست الغيرة خاصَّة في النساء فقط؛ وإنما هي خُلق يَشترك فيه الرجال والنساء، إلا أنَّ غيرة المرأة أشد، فالرجل يَغار على مَحارمه، ويحفظهنَّ من كل ما يَخدش شرفهنَّ، ويمتهن كرامتهنَّ؛ فهذا سعد بن عبادة -رضي الله عنه- يقول: لو رأيتُ رجلاً مع امرأتي، لضربتُه بالسيف غير مصفح“، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “أتعجبون من غَيرة سعد! لأنا أَغيَر منه، والله أغير منِّي“؛(أخرجه البخاري 6846، 6866، ومسلم 1499).

 

فأشرفُ النَّاس وأعلاهم همَّة أشدُّهم غَيرة، فالمؤمن الذي يَغار في محلِّ الغيرة، قد وافق ربَّه في صِفة من صفاته، ومَن وافقه في صِفة منها، أخذت تلك الصفة بزمامه، وأدخلته عليه، وقرَّبتْه من رحمته.

 

فالغيرة في مَوضعها مظهر من مظاهر الرجولة الحقيقيَّة، وفيها صيانة للأعراض، وحِفظ للحرمات، وتعظيم لشَعائر الله، وحفظ لحدوده، وهي مؤشر على قوَّة الإيمان ورسوخه في القلب، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لا أحد أَغيَر من الله -عز وجل-؛ لذلك حرَّم الفواحشَ ما ظهر منها وما بطن“؛(أخرجه البخاري 4634، ومسلم 2760)، وفي رواية: “إنَّ الله يَغار، وإنَّ المؤمن يَغار، وغيرة الله أن يَأتي المؤمن ما حرم عليه؛(أخرجه مسلم 2761).

 

عباد الله: والغيرة نوعان؛ نوع يحبه الله ورسولُه؛ وهي الغيرة المحمودة، التي تكون نتيجة رِيبة أو شك لوجود دواعيها، هذه التي يُحبها الله؛ لكي يحفظ المسلم عِرضَه، ويحوط أهله، ويغار على أهله من مزاحمة الأجنبي؛ ولهذا يُروى عن علي -رضي الله عنه- أنه قال: “أمَا تغارون أن تخرج نساؤكم؟ فإنه بلَغَني أن نساءكم يخرجن في الأسواق، يزاحمن العلوج“؛(أخرجه أحمد 1118).

 

قال شيخ الإسلام: “فالغيرة المحبوبة هي ما وافقَت غيرةَ الله تعالى، وهذه الغيرة هي أن تُنتهك مَحارم الله، وهي أن تُؤتى الفواحش الباطِنة والظاهرة، لكن غيرة العبد الخاصَّة هي مِن أن يشركه الغيرُ في أهله، فغيرته من فاحِشَة أهله ليست كغيرته من زنا الغير؛ لأنَّ هذا يتعلَّق به، وذاك لا يتعلَّق به إلا من جِهَة بغضه لمبغضة الله؛ ولهذا كانت الغيرة الواجبة عليه هي في غيرته على أهله، وأعظم ذلك امرأته، ثم أقاربه، ومن هو تحت طاعته”؛(الاستقامة 2/ 7).

 

ونوع يَكرهه الله ورسوله، وهي الغيرة المذمومة، وهي التي تَكون غيرة زائدة عن الحدِّ المحمود، وتكون بدون دواعٍ صحيحة، فيكون فيها تلمس العثرات، أو تخوين الأهل، دون وجود قرينة، هذه غيرة يبغضها الله؛ لأنها شديدة على النفوس، وفيها اتِّهام وتخوين، وفيها طَعن في الأعراض؛ ولذلك نَهى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- أن يَطرق الرجل أهلَه ليلاً، يتخونهم، أو يلتمس عثراتهم.؛(أخرجه البخاري 5244، ومسلم 715).

 

قال ابن القيم: “وإنما الممدوح اقتران الغيرة بالعُذر، فيغار في محلِّ الغيرة، ويَعذر في موضع العذر، ومن كان هكذا فهو الممدوح حقًّا“؛(الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي الداء والدواء) ص: 67)، ولكل من هذين النوعين صور عدة، وأشكال شتى، ومواقف مختلفة.

 

أيها المسلمون: وقد ذكر ابن القيم أنواعًا أخرى من الغيرة المذمومة، منها: غيرة يحمل عليها سوء الظنِّ، فيؤذي بها المحبُّ محبوبَه، ويغري عليه قلبه بالغضَب، وهذه الغيرة يَكرهها الله إذا كانت في غير ريبة، ومنها: غَيرة تَحمله على عقوبة المَحبوب بأكثر مما يستحقُّه، كما ذُكر عن جماعة أنهم قتلوا محبوبهم، وكان ديك الجن الشاعر له غلام وجارية في غاية الجمال، وكان يهواهما جميعًا، فدخل المنزل يومًا، فوجد الجاريةَ معانقة للغلام تقبِّله، فشد عليهما فقتلهما، ثمَّ جلس عند رأس الجارية، فبكاها طويلاً، ثم قال:

يا طلعةً طلع الحمام عليها *** وجنى لها ثمرَ الرَّدى بيديها

روَّيت مِن دمها الثرى ولطالما  *** روَّى الهوى شَفتيَّ من شفتيها

 

وقد يغار المحبُّ على محبوبه من نفسه -وهذا من أعجب الغيرة- وله أسباب، منها: خشية أن يكون مفتاحًا لغيره، كما ذُكر أن الحسن بن هانئ وعلي بن عبدالله الجعفري اجتمعا، فتناشدا، فأنشد الحسن:

ولما بدا لي أنَّها لا تودُّني *** وأنَّ هواها ليَ عنِّي بمنجلي

تمنَّيتُ أن تُبلى بغيري لعلَّها *** تذوق حرارات الهوى فترقُّ لي

 

فأنشده علي:

ربما سرَّني صدودك عنِّي *** في طلابيك وامتناعك منِّي

حذرًا أن أكون مِفتاحَ غيري *** فإذا ما خلوت كنت التمنِّي

 

وكان بعضهم يَمتنع من وصف محبوبه، وذِكر محاسنه؛ خشية تَعريضه لحبِّ غيره له، كما قال علي بن عبس الرافقي:

ولست بواصف أبدًا خليلاً *** أعرِّضه لأهواءِ الرِّجالِ

وما بالي أشوِّق قلبَ غيري  *** ودون وصاله ستر الحجالِ

 

وكثير من الجهَّال وصف امرأتَه ومحاسنَها لغيره، فكان ذلك سبب فراقها له، واتصالها به.

 

ومنها: أن يحمله فَرط الغيرة على أن ينزل نفسه منزلةَ الأجنبي، فيغار على المحبوب من نفسه، ولا ينكر هذا؛ فإنَّ في المحبة عجائب، وقد قال أبو تمام الطائي:

بنفسي من أغار عليه منِّي *** وأحسد مقلةً نظرتْ إليه

ولو أنِّي قدرتُ طمست عنه *** عيونَ الناس من حَذري عليه

حبيب بثَّ في جسمي هواه *** وأمسك مُهجتي رهنًا لديه

فروحي عنده والجسم خالٍ *** بلا روح وقلبي في يديه؛(روضة المحبين ونزهة المشتاقين ص: 313).

 

قال ابن القيم: “فإن قيل: فمن أيِّ الأنواع تعدون غيرةَ فاطمة رضي الله عنها ابنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على عليِّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- لما عزم على نِكاح ابنة أبي جهل؟ وغيرة رَسول الله -صلى الله عليه وسلم- لها؟

 

قيل: من الغيرة التي يحبُّها الله ورسوله، وقد أشار إليها النَّبي -صلى الله عليه وسلم- بأنها بَضْعَة منه، وأنه يؤذيه ما آذاها، ويريبه ما أرابها، ولم يكن يحسن ذلك الاجتماع ألبتة؛ فإنَّ بنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يحسن أن تجتمع مع بنت عدوِّه عند رجل، فإن هذا في غاية المنافرَة، مع أن ذكر النَّبي -صلى الله عليه وسلم- صهره الذي حدَّثه فصدقه، ووعده فوفى له، دليل على أن عليًّا -رضي الله عنه- كان مشروطًا عليه في العقد – إمَّا لفظًا، وإما عرفًا وحالاً – أن لا يريب فاطمة ولا يؤذيها، بل يمسكها بالمعروف، وليس من المعروف أن يضمَّ إليها بنت عدوِّ الله ورسوله، ويغيظها بها؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلِّق ابنتي، ويتزوَّج ابنة أبي جهل“؛(أخرجه البخاري 5230، ومسلم 2449).

 

والشرط العرفي الحالي كالشرط اللَّفظي عند كثير من الفقهاء…، على أنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خاف عليها الفتنةَ في دينها، باجتماعها وبنت عدوِّ الله عنده، فلم تكن غيرته لمجرَّد كراهية الطبع للمشاركة، بل الحامل عليها حرمة الدين، وقد أشار إلى هذا بقوله: “إني أخاف أن تفتن في دينها“؛(أخرجه البخاري 3110، ومسلم 2449)”؛ (روضة المحبين ونزهة المشتاقين ص: 315).

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية

 

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعد: أيها المسلمون: إن الغيرة غريزة فطريَّة، خلقها الله داخل كل شخص منَّا، مثلها مثل أيِّ صفة توجد في الإنسان، وهي شعور مثله مثل كثير من المشاعر والأحاسيس، ولكنه قد يتحوَّل إلى شعور مؤلِم إذا تعدَّى حدَّه، فهناك مَن تكون هذه الغريزة لديه مَعقولة، وهناك من تتعدَّى اللامعقول، فتصبح خُلقًا مذمومًا.

 

فإذا زادَت الغيرة عن حدِّها، كانت نِقمة على الشخص، وعلى مَن حوله، فكثير مما يسمَّى جرائم العِرض والشرف، قد ترتكب بسبب الشائعات، مما ترتب عليه إزهاق الأرواح في بعض الأحيان دون وَجه حقٍّ بسبب الغيرة القاتلة، وحينئذٍ يخرج الأمر من نِطاق المدح إلى نِطاق الذَّم، ومن دائرة الخير إلى محيط الشرِّ، ويصير هذا الأمر مما يبغضه الله -عز وجل-.

 

أسباب ودوافع الغيرة المذمومة: إنَّ الغيرة المذمومة لها أسباب كثيرة ومختلفة، يمكن تَجنُّبها، والحذر منها، كل هذا بعد دعاء الله وتوفيقه، من تلك الأسباب التي تولد الغيرة المذمومة:

  • التنافس القَبيح، والأثَرة وحب الذَّات، والحرص والطَّمع، والتي يمكن تداركها خاصة بين الضرائر والأبناء، وبين الأمَّهات والآباء، والإخوان والأخوات من ناحية، والزوجات من ناحية أخرى.

 

  • ضعف الإيمان في القلب، وعدم الخوف من الله، مما يجعل المرأة تتكلَّم على أختها المسلمة، أو على زوجها؛ حتى تروي غليلَ غيرتها.

 

  • ما يبثه الشيطان في قلوب النِّساء من أوهام وخيالات، وظنون سيِّئة، مما يجعل المرأة تشك في تصرُّفات مَن حولها، وقد أخبرنا النَّبي -صلى الله عليه وسلم- أنَّ الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدَّم.؛(أخرجه البخاري 2038، ومسلم 2174).

 

  • الحقد والحسَد، وحب السُّمعة، وهذا يظهر من خلال بعض الأقوال أو الأفعال السيِّئة التي تَظهر على سلوك المرأة والرجل الغيورين.

 

  • الإحساس بالنَّقص عند المرأة، فقد يَنقدح في ذهنها أنَّ غيرها من أخواتها أفضل منها، بدليل أنَّ عندهنَّ ما لا تملكه، فيكون سببًا قويًّا، ودافعًا لغيرتها، وتنقيصها للأخريات.

 

الغيرة الزَّائدة ربما تَفتك بالزوجين وتنهي ما كان بينهما من الحبِّ، وربما كانت سببًا لكثير من المشاكل التي تَنشأ بين الزوجين، وبين المحبين، وقد تَطغى هذه الغيرة أحيانًا فتصل إلى حدِّ الشكِّ والظن والحرمان، وقد تولد انعدام الثِّقة بين الزوجين، وربما دفعَت الغيرة الإنسانَ ليعمل أعمالاً طائشة.

 

أيها المسلمون: إنَّ الغيرة كسائر الأمراض النفسيَّة، إذا زادت عن حدِّها، تفتك بصاحبها، فيختل توازنه، ويضطرب حَبل شَخصيَّته، وتضطرب حياته الوجدانيَّة، وينبري جسمه، وتنحط قواه العقليَّة، ويقل إنتاجه، ومما لا شك فيه أنَّ لكلِّ داء دواء، إلا أدواء معلومة، وأمراضًا مفهومة؛ منها الموت، والهرم.

 

فالغيرة لها آداب يَنبغي مراعاتها، وإلا أدَّت إلى اضطراب في الحياة، وتعاسة وشقاء، ومن هذه الآداب:

  • أن يكون لها مبرِّر، كوجود ريبة؛ لحديث: “إنَّ من الغيرة ما يحبُّه الله، ومنها ما يبغضه الله؛ فأمَّا الغيرة التي يحبها الله، فالغيرة من الريبة، والغيرة التي يبغضها الله، فالغيرة من غير ريبة…”؛ فالغيرة مَطلوبة عند وجود ريبة، وأن تكون باعتدال، فلا إفراط، ولا تفريط.

 

قال شيخ الإسلام: “وأمَّا الغيرة في غير ريبة، وهي الغيرة في مُباح لا ريبة فيه، فهي مما لا يحبُّه الله، بل ينهى عنه إذا كان فيه تَرك ما أمر الله؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “لا تَمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله“؛(أخرجه البخاري 900، ومسلم 442)، وأمَّا غيرة النِّساء بعضهن من بعض، فتلك ليس مأمورًا بها، لكنها من أمور الطباع؛ كالحزن على المصائب”؛(الاستقامة 2/ 7).

 

ولهذا قيل: فما أحسن الغيرة في حينها، وما أقبحها في غير حين، وأنشد بعضهم في الغيرة:

ما أحسنَ الغيرةَ في حينها *** وأقبحَ الغيرةَ في غيرِ حينْ!

مَن لم يزل متهمًا عِرْسَه *** متَّبعًا فيها لقول الظنونْ

يوشك أن يغريَها بالَّذي *** يخاف أن يبرزها للعيونْ

حسبك من تحصينها وضعها *** منك إلى عرضٍ صحيحٍ ودينْ

لا يُطلَعَنْ منك على ريبة *** فيَتْبَعَ المقرونُ حبل القرينْ

(الأبيات منسوبة للخزيمي، في عيون الأخبار 4/ 78).

 

  • ومنها: عدم إكثار الإنكار على المرأة ومراقبتها؛ لأنَّ ذلك بمثابة التُّهمة لها، قال السفاريني رحمه الله في غذاء الألباب: “ولا تكثر الإنكار عليها؛ فإنَّك تقوِّي العين عليها، فإن فعلتَ “تُرْمَ” زوجتُك بسبب كثرة إنكارك عليها “بتهمة” في نفسها، فيقول الفسَّاق وأهل الفجور: لولا أنَّه يعلم منها المكروهَ لما أكثر من إنكاره عليها…”؛(غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب 2/ 400).

 

وفي الفروع: “قال سليمان عليه السلام لابنه: يا بني، لا تكثر الغيرة على أهلك من غير ريبة، فتُرمى بالشرِّ من أجلك، وإن كانت بريئة”؛(الفروع وتصحيح الفروع 8/ 383).

 

  • ومن الآداب الدُّعاء، وهو من أعظم العِلاج لإطفاء نار الغيرة المذمومة، وقد دعا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- لأمِّ سلَمة -رضي الله عنها- أن يذهب ما تجده في قلبها من مذموم الغيرة؛(أخرجه مسلم 918).

 

  • تقوى الله -عز وجل-؛ إذ هي عاصِم من كلِّ ما يخل، كما قالت عائشة رضي الله عنها عن زينب بنت جَحش يوم لم تخض مع الخائضين في حادث الإفك: “فعَصَمها الله بالورع”؛(أخرجه البخاري 2661، ومسلم 2770).

 

  • تذكُّر ما أعدَّه الله لمن جاهدَت نفسها وصبرت، وجاهدَ نفسه وصبر، في دفع غوائل الغيرة، فقد أعطى الله الصابرين من الأجر ما لم يعطِ غيرهم، فقال: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)[الزمر: 10].

 

  • حسن الظن؛ فإن الكثير من الغيرة تبدأ من سوء الظنِّ، والوساوس التي يلقيها الشيطان في قلب الغيور، وبعض الأزواج مريض بمرض الشكِّ المر الذي يحيل الحياة الزوجيَّةَ إلى نكد لا يطاق، ويحول استقرار البيوت إلى بُركانٍ محموم، وهذا شرٌّ مستطير، وأذًى كبير، فلا يصح أن يسيء الرجل الظنَّ بزوجته، ولا العكس، وليس له أن يُسرِف في تقصِّي كل حركاتها وسكناتها، وهي كذلك؛ فإن ذلك يفسِد العلاقة الزوجية، ويقطع ما أمر الله به أن يوصل.

 

  • القناعة: فالغيور تنظر إلى ما في يَد الآخرين، وتستقل ما في يدها ولو كان كثيرًا، فتسخط وتَغار، ولا ترضى بما قسَم الله لها، وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “قد أَفلَح مَن أسلَم، ورُزِق كفافًا، وقنَّعه الله بما آتاه“؛(أخرجه مسلم 1054).

 

  • تذكُّر الموت والدار الآخرة؛ فإنَّ من أعظم ما يكف النَّفسَ إذا جمحت ذِكرَ هادم اللذات، ومفرِّق الجماعات.

 

  • ومن أعظم الدواء لهذا المرض: الإعراض عنه، وعدم الاستجابة لداعيه، مع الاستعانة بالله -عز وجل-، وكثرة ذِكره ودعائه أن يرفع البلوى، ويكشف الغمَّة، وهو سبحانه سميع مجيب.

 

عباد الله، ثمَّ اعلموا رحمكم الله أنَّ الله تعالى أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

اللهم صلِّ وسلم وزِد وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأزواجه وذريته وصحابته، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين…، اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين.

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات