طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خادم الحرمين يؤكد الحرص على توطيد العلاقة مع العراق    ||    اليمن.. انطلاق مهمة "القبضة الحديدية" في حضرموت    ||    ليبيا.. تراجع حاد بأعداد المهاجرين في مركز تهريب البشر    ||    ميليشيات الحوثي تداهم المنازل بصنعاء وتختطف 40 فتاة    ||    مشاعر محبوسة    ||    انطواء طفلك.. بيدك أنت!    ||    مخالفات قولية عند نزول المطر    ||    الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة الغلو والتطرف    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15566

تربية الأولاد

المكان : المملكة العربية السعودية / الخبر / حي العقربية / جامع عمر بن عبد العزيز /
التصنيف الرئيسي : الأسرة والقرابة التربية
تاريخ الخطبة : 1438/02/18
تاريخ النشر : 1439/12/11
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/الأولاد بين النعمة والأمانة 2/خطوات في تربية الأولاد 3/الدعاء للأولاد بالصلاح والهداية والخير 4/رحمتهم، وإبداء العطف والحنان تجاههم 5/العدل في الأولاد 6/القدوة الحسنة في الوالدين.
اقتباس

فدَور الأبوين مهم جدًّا في تحديد مَسار الأولاد، وكما أنَّهما سبب في صلاحه، فهما سبب رئيس في فساده، يقول ابن القيم -رحمه الله-: “وكم ممن أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله، وترك تأديبه، وإعانتِه له على شهواته، ويزعم أنه يكرِمه وقد أهانه، وأنَّه يرحمه وقد ظلمه وحرَمَه، ففاته انتفاعُه بولده، وفوَّت عليه حظه في الدنيا والآخرة، وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد، رأيتَ عامَّته من قِبَل الآباء…

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يَهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70، 71].

 

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

عباد الله: إن من أعظم النِّعم التي ينعم الله بها على عِباده نعمة الأولاد، فهم – إذا صلحوا – عملٌ صالح يستمر للأبوين حتى بعد موتهما، فقد قال النَّبي -صلى الله عليه وسلم-: “إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلَّا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يَدعو له“(أخرجه مسلم 1631).

 

ومع صلاحهم ينال الأبوان برَّهم، وطاعتهم، ونفعهم، وهكذا تكون نِعمة الأولاد تعود على الأبوين بالخير في الدنيا والآخرة، وهم زينة الحياة الدنيا: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)[الكهف: 46]، والأولاد المقصود بهم الأبناء والبنات، والخير في البنات في الشريعة الإسلامية جاء التأكيد عليه؛ لما كان من كراهية أهل الجاهلية للبنات.

 

والأولاد مع ما فيهم من فضل وخير، ومع كونهم نِعمة، فهم أمانة يجب تأديتها كما يحبُّ الله -جل في علاه-، وهو القائل: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا)[النساء: 58]، بل إن ذلك من أعظم الأمانات التي تجب على الإنسان، وخيانتها من أعظم الخيانات: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)[الأنفال: 27]، هي والله أمانة؛ لأن الأمر من الملك الجبار جاء بوجوب وقاية الأولاد من النار، وأن يبعدهم المسؤول عنهم عن كلِّ طريق يوصل إلى جهنم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ)[التحريم: 6]؛ “أي: فقِّهوهم، وأدِّبوهم، وادعوهم إلى طاعة الله، وامنعوهم عن استحقاق العقوبة بإرشادهم وتعليمهم، ودلَّت الآية: على وجوب الأمر بالمعروف في الدين للأقرب فالأقرب، وقيل: أظهِروا من أنفسكم العبادات؛ ليتعلَّموا منكم، ويعتادوا كعادتكم”(لطائف الإشارات؛ للقشيري 3/ 607).

 

وجاء البيان من رسول ربِّ العالمين بأنَّ المرء يُسأل عن رعيَّته يوم الدين، فبأي شيء يجيب مَن ضيَّع أولاده؟ وبماذا سينطق مَن خان الأمانة؟ يقول عليه الصلاة والسلام: “كلُّكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته…، والرجل راعٍ في أهله وهو مسؤول عن رعيَّته، والمرأة راعية في بيت زَوجها ومسؤولة عن رعيَّتها“(أخرجه البخاري 893، ومسلم 1829)، فتربية الأولاد ورعايتهم مسؤوليَّة قد يتسبَّب إهمالها وعدم حفظها في مَصير مؤلم ينتظر الوالدين، فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “ما مِن عبد يَسترعيه الله رعيَّةً، يموت يوم يموت وهو غاشٌّ لرعيَّته، إلا حرَّم الله عليه الجنَّة“(أخرجه البخاري 7151، ومسلم 142، بلفظه).

 

والمولود يولد على الفِطرة التي فطر الله الناس عليها، فما على الوالدين إلَّا الحفاظ على الخير الذي فيه، وصيانته من كلِّ الشرور التي تتربَّص به، لكن المصيبة أن يكون الوالدان مع تقصيرهما في حِفظ ولدهما هما سبب الانحراف، وطريق الغَواية، ومفتاح الشرِّ، ووقود الهلكة، وسبيل الغواية، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ما مِن مولود إلَّا يولد على الفِطرة، فأبواه يهوِّدانه، أو ينصِّرانه، أو يمجِّسانه…”، ثم قرأ أبو هريرة -رضي الله عنه-: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)[الروم: 30].(أخرجه البخاري 1358 بلفظه، ومسلم 2658).

 

فدَور الأبوين مهم جدًّا في تحديد مَسار الأولاد، وكما أنَّهما سبب في صلاحه، فهما سبب رئيس في فساده، يقول ابن القيم -رحمه الله-: “وكم ممن أشقى ولده وفلذة كبده في الدنيا والآخرة بإهماله، وترك تأديبه، وإعانتِه له على شهواته، ويزعم أنه يكرِمه وقد أهانه، وأنَّه يرحمه وقد ظلمه وحرَمَه، ففاته انتفاعُه بولده، وفوَّت عليه حظه في الدنيا والآخرة، وإذا اعتبرت الفساد في الأولاد، رأيتَ عامَّته من قِبَل الآباء“(تحفة المودود بأحكام المولود؛ لابن القيم ص 242)؛ صدق الإمام ابن القيم -رحمه الله-، وهذا هو الواقع والمُشاهَد في زمننا هذا، وهو الحاصِل في كل زمان.

 

إننا لعِلمنا بالمسؤوليَّة الكبيرة الملقاة على عاتقنا من تربية أولادنا وإنشائهم نشأة صالحة لا بدَّ من اتباع خطوات مهمَّة نصَّ عليها القرآن، وتكلَّم بها الرسول الكريم، ومضى عليها في حياته، وفعلها الأنبياء والصالحون.

 

من هذه الخطوات: الدعاء للأولاد بالصَّلاح والهداية والخير، فها هو الخليل إبراهيم عليه السلام يدعو فيقول: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ)[إبراهيم: 35]، وقال أيضًا: (رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ)[إبراهيم: 40]، ورفع أكفّ الضَّراعة إلى ربه قائلًا: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ)[البقرة: 128]، وها هم عباد الرَّحمن يدْعون بأن يهب الله لهم ما تقر به أعينهم من الذريَّة الصالحة: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)[الفرقان: 74]، وزكريا -عليه السلام- لا يطلب الذرية فقط؛ بل يطلبها مع كونها طيِّبة صالحة: (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ)[آل عمران: 38]، ودعاء الوالد لولده من الدعاء المستجاب الذي يُرجى أن يتحقَّق بإذن الله -عز وجل-؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ثلاث دعوات مستجابات لا شكَّ فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة الوالد، ودعوة المسافر“(أخرجه أحمد 9840 بلفظه، وأبو داود 1536، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب 3132).

 

والله -تعالى- الذي خلَق الوالدَ وجعل فيه الرحمة على ولده، وحبه لفلاح ولده ونجاحه في الدنيا والآخرة، وشفقته عليه من كل ما يؤذيه؛ جعل دعوته مستجابةً لولده، والوالدةُ رحمتُها وشفقتها أكبر؛ فهي داخلة في استجابة الدعاء من باب أولى.

 

يعلِّل المناوي -رحمه الله- سبب استجابة دعاء الوالد لولده: “لأنه صحيح الشفقة عليه، كثير الإيثار له على نفسه، فلما صحَّت شفقته، استجيبت دعوته، ولم يذكر الوالدة مع أنَّ آكدية حقها تؤذن بأقربية دعائها إلى الإجابة من الوالد؛ لأنه معلوم بالأولى”(فيض القدير؛ للمناوي 3/ 301)، فدعوة الوالد مستجابة، سواء لأولاده أو عليهم.

 

ففي روايات أخرى: “… ودعوة الوالد على ولده“(أخرجه الترمذي 1905، وأحمد 8375، وحسنه الألباني في صحيح الجامع 3031)؛ لذلك نَهى النبي -صلى الله عليه وسلم- صراحة عن الدعاء على الأولاد، فقال: “لا تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تَدعوا على أموالكم؛ لا توافقوا من الله ساعةً يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم“(أخرجه مسلم 3014).

 

وكثير من النِّساء إلَّا مَن رحِم الله لا تدع أبناءها إلَّا وقد دعَت عليهم عند الوقوع في الخطأ أو ما شابه ذلك، يقول المباركفوري -رحمه الله-: “وقد كثرَت وغلبت هذه البليَّة في النساء؛ فإنهنَّ يدْعون على أولادهنَّ عند الضجر والملال”(مرعاة المفاتيح؛ للمباركفوري 7/ 350).

 

وقد قال بعض أهل العلم بعدم قبول الدعاء على الأهل عند الغضب مستدلِّين بما استدلَّ به مجاهد رحمه الله، وهو قول الله -تبارك وتعالى-: (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ)[يونس: 11]، يقول ابن رجب -رحمه الله-: “وأمَّا ما قاله مجاهد في قوله تعالى: (وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ)؛ وذكر الآية، قال: هو الواصِل لأهله وولده وماله إذا غضب عليه، قال: اللهمَّ لا تبارِك فيه، اللهم العَنْه، يقول: لو عجل له ذلك، لأهلك مَن دعا عليه، فأماته، فهذا يدلُّ على أنه لا يستجاب جميع ما يدعو به الغضبان على نفسه وأهلِه وماله، والحديث دلَّ على أنه قد يستجاب لمصادفته ساعة إجابة”(جامع العلوم والحكم؛ لابن رجب 1/ 373، 374).

 

ويوجِّه النبي -صلى الله عليه وسلم- أمَّتَه إلى الدعاء للذريَّة قبل أن تولد؛ فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لو أنَّ أحدهم إذا أراد أن يأتي أهله قال: بسم الله، اللهمَّ جنِّبنا الشيطان، وجنِّب الشيطان ما رَزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولَد في ذلك، لم يضره شيطان أبدًا“(أخرجه البخاري 141، ومسلم 1434 بلفظه)، وكان يدعو للصبية؛ كما ذكرت ذلك عائشةُ -رضي الله عنها- إذ قالت: إنَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان يؤتى بالصبيان فيبرِّك عليهم، ويحنِّكهم(أخرجه مسلم 286)، وكم حصل من الخير للأولاد الذين فقه آباؤهم وأمَّهاتهم هذا الأمر العجيب الذي هو الدعاء، فكان ذلك سببًا في صلاح دينهم ودنياهم وآخرتهم.

 

ومن الخطوات التي يحرص عليها في تربية الأولاد: رَحمتهم، وإبداء العطف والحنان تجاههم، وهذا من أهمِّ الأمور التي يحتاجها الأولاد، فكم من فَراغ عاطفي عاشه الأولاد، سبَّب الكثير من المشكلات التي عجز الوالدان فيما بعد عن الوقوف أمامها، وكان الحل الأمثل لها قُبلة في جبين ذلك الابن أو تلك البنت، وضمَّة مِن قِبَل الوالدين، وكلمة حانية تَخرج من القلب إلى القلب، لقد كان النَّبي -صلى الله عليه وسلم- المثلَ الأعلى في ذلك، وكان يحذِّر من القسوة في التعامل مع الأولاد، ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قبَّل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الحسنَ بن علي وعنده الأقرع بن حابِس التميمي جالسًا، فقال الأقرع: إنَّ لي عشرةً من الولد ما قبَّلتُ منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قال: “مَن لا يَرحم لا يُرحم“(أخرجه البخاري 5997، ومسلم 2318).

 

وينزل من المنبر وهو يَخطب بالمسلمين عندما رأى الحسنَ والحسين يَمشيان ويتعثران، فلم يَصبر على هذا المنظر؛ رحمةً بهم، وحبًّا لهم؛ فعن أبي بريدة -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يَخطبنا، إذ جاء الحسن والحسين عليهما قَميصان أحمران يَمشيان ويعثران، فنزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من المنبر فحملهما ووضعهما بين يديه، ثم قال: “صدَق الله: (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ)[التغابن: 15]، فنظرتُ إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران، فلم أصبِر حتى قطعتُ حديثي ورفعتهما”(أخرجه الترمذي 3774 بلفظه، والنسائي 1413، وأحمد 22486، وصححه الألباني في تحقيق المشكاة 6168).

 

بل يطيل السجود -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنَّ الحسين -رضي الله عنه- قد ركب على ظهره، فعن عبدالله بن شداد عن أبيه قال: “خرج علينا رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- في إحدى صلاتي العشاء وهو حاملٌ حسنًا أو حُسينًا، فتقدَّم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فوضعه، ثم كبَّر للصلاة فصلَّى، فسجد بين ظهراني صلاته سجدةً أطالها، قال أَبي: فرفعتُ رأسي وإذا الصَّبي على ظهر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو ساجدٌ، فرجعتُ إلى سجودي، فلما قضى رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- الصلاةَ، قال الناس: يا رسول الله، إنك سجدتَ بين ظهراني صلاتك سجدةً أطلتَها، حتى ظننا أن قد حدث أمرٌ، أو أنه يوحى إليك؟ قال: “كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني؛ فكرهتُ أن أعجله حتى يَقضي حاجته“(أخرجه النسائي 1141، وأحمد 15603، وصححه الألباني في صحيح النسائي 1140).

 

ويوجز في الصلاة ويختصر رحمةً بصبيٍّ سمعه يبكي، فأوجز لانشغال أمِّه به، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “إنِّي لأدخل في الصلاة وأنا أريد إطالتها، فأسمع بكاءَ الصَّبي؛ فأتجوَّز في صلاتي مما أعلم من شدَّة وَجْدِ أمِّه من بكائه“(أخرجه البخاري 709).

 

أقول ما سمعتم، وأستغفر اللهَ لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:

 

ومن الخطوات المهمَّة في تربية الأولاد: العدل بينهم؛ لأنَّ العدل يدفع الكثيرَ من السلوك السيِّئ الذي يُخشى على الأولاد منه، فبسبب الظُّلم تنشأ الأخلاق السيِّئة، وتنشأ التصرُّفات الغريبة؛ ولذلك كان حرص النبي -صلى الله عليه وسلم- ملحوظًا في التحذير من الظلم بين الأولاد، فعن النعمان بن بشير -رضي الله عنهما-: أن أباه أتى به إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: إني نحلتُ ابني هذا غلامًا، فقال: “أكلَّ ولدك نحلتَ مثله؟”، قال: لا، قال: “فارجعه“(أخرجه البخاري 2586 بلفظه، ومسلم 1623).

 

وصرَّح بالأمر بالعدل بين الأولاد؛ كما في روايةٍ أخرى للحديث السابق، فقال: “فاتَّقوا الله واعدِلوا بين أولادكم“(أخرجه البخاري 2587)، وبيَّن في رواية مسلم سببًا من أسباب العدل، وهو أنَّ الظلم قد يكون سببًا في عقوق الأولاد، وسببًا في انعدام الطاعة من قِبل المظلومين من الأولاد، قال -عليه الصلاة والسلام-: “أكلَّ بنيك قد نحلتَ مثل ما نحلتَ النعمان؟”، قال: لا، قال: “فأشهِد على هذا غيري“، ثم قال: “أيسُرك أن يكونوا إليك في البرِّ سواء؟”، قال: بلى، قال: “فلا إذًا“(أخرجه مسلم 1623)، فكما أنَّ الوالدين يريدان من الأولاد أن يبروا بهما، فلا بدَّ من العدل بينهم؛ حتى يكون البر من الجميع.

 

ومن الخطوات المهمَّة أيضًا في تربية الأولاد: القدوة الحسنة في الوالدين، فالولد يَفتح عينيه على أبويه، ومنهما يأخذ طريقتَه في الحياة، وأسلوبه في العيش، وعلى خطاهما يَسير، وما كان من انحراف في الأمم السَّابقة إلَّا بسبب فَساد مبدأ القدوة عند الوالدين، فها هم قوم نوح عليه السلام يصدون عن سبيل الله، وما عذرهم؟ وما سبب ذلك الصدود؟ (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ)[المؤمنون: 24].

 

وها هم قوم إبراهيم -عليه السلام- على نفس الحالة: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ)[الأنبياء: 51 – 53]، وموسى -عليه السلام- يقول لقومه: (أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ * قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ)[يونس: 77، 78].

 

ونفس الحجَّة هي التي قالها قوم صالح -عليه السلام-: (قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ)[هود: 62]، وقوم شُعيب -عليه السلام-: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ)[هود: 87].

 

وهي الحجَّة الداحضة التي واجَهَ بها كفارُ قريش نبيَّنا -صلى الله عليه وسلم- حين صدوا عن سبيل الله -عز وجل-: (أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ * بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ)[الزخرف: 21 – 23].

 

فأكثر ما يكون سببًا في انحراف الأولاد هو انحِراف الوالدين، أو أحدهما؛ فكذب الأب يعني كذب الولد، وارتكاب المعاصي من قِبل الوالدين يعني ارتكاب الأولاد للمعاصي، وهكذا، وفي المقابل تديُّن الوالدين، وحُسن خلقهما سبَبٌ رئيس لصلاح الأولاد، وأخلاق الأمِّ تَنطبع على أخلاق الأولاد؛ كما قال معروف الرصافي:

هيَ الأخلاقُ تنبت كالنباتِ *** إذا سُقيَت بماء المكرماتِ

تقوم إذا تعهَّدها المربِّي *** على ساق الفضيلةِ مثمراتِ

وتَسمو للمكارم باتِّساق *** كما اتَّسقَت أنابيب القناةِ

وتُنعش من صميم المجد روحًا *** بأزهارٍ لها مُتضوعاتِ

ولم أرَ للخلائق من محلٍّ *** يهذِّبها كحضن الأمهاتِ

فحضن الأمِّ مدرسةٌ تسامَت *** بتربية البنين أو البناتِ

وأخلاق الوليد تُقاس حسنًا *** بأخلاق النِّساء الوالداتِ

 

هذه خطوات مختصرة، ولَمحات سريعة مقتضبة، في تربية الآباء والأمَّهات، للأبناء والبنات، نسأل اللهَ -تعالى- أن يصلح أبناءَ المسلمين، وأن يكتب الخيرَ في كلِّ بيت من بيوت المسلمين.

 

اللهمَّ من أراد أبناء المسلمين بسوء فاشغله في نفسه، واجعل كيدَه في نحره، وأدرِ الدائرة عليه.

 

اللهمَّ احفظ أبناءَ المسلمين من كيد اليهود والنصارى وأذنابهم من المنافقين المنحرفين يا قوي يا متين.

 

اللهمَّ أصلح الراعي والرَّعية، وأعنَّا على أداء كل أمانة أنيطت بنا يا رب العالمين، اللهم آمِنَّا في الأوطان والدور، وأصلح الأئمةَ وولاة الأمور، يا عزيز يا منان يا غفور.

 

عباد الله، أمركم الله بأمر بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكة قدسه، وثلث بخلقه من جنه وإنسه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)[النحل: 90]، فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، وقوموا إلى صلاتكم.

الملفات المرفقة
تربية الأولاد
عدد التحميل 29
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات