ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15542

من مشاهد حجنا نعيش قيامتنا!

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
التصنيف الرئيسي : الحج الحياة الآخرة
تاريخ الخطبة : 1439/12/06
تاريخ النشر : 1439/12/02
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/في كل تشريعات الله حكمة وإن خفيت 2/أعظم فائدة من الحج التذكير بيوم العرض الأكبر 3/أوجه الشبه بين مشاهد الحج ومشاهد القيامة 4/الحج موعظة عظمى توقظ الناس من غفلتهم
اقتباس

فَإِحْرَامُهُ هُوَ كَفَنُهُ الَّذِي سَيُدْفَنُ فِيهِ، وَكَأَنَّمَا هُوَ مَيِّتٌ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ، وَرَفْعُهُ بِالتَّلْبِيَةِ اسْتِجَابَةً لِنِدَاءِ الْحَجِّ إِنَّمَا هُوَ بِمَثَابَةِ اسْتِجَابَةِ الرُّوحِ لِنِدَاءِ الْمَوْتِ؛ “اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ”… إِلَّا أَنَّ مَنْ يَتَلَذَّذُونَ بِتِلْكَ الْمَشَاعِرِ الْمُقَدَّسَةِ وَيَعْشَقُونَ رُوحَانِيَّتَهَا وَأَجْوَاءَهَا الْإِيمَانِيَّةَ طَامِعِينَ فِي الْأَجْرِ وَرَاجِينَ الثَّوَابَ تَهُونُ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الْمَتَاعِبُ…

الخطبة الأولى:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ، لَا خَيْرَ إِلَّا مِنْهُ، وَلَا فَضْلَ إِلَّا مِنْ لَدُنْهُ، أَحْمَدُهُ عَدَدَ مَا لَبَّى الْحُجَّاجُ وَأَهَّلُوا، وَطَافُوا بِالْبَيْتِ الْحَرَامِ وَسَعَوْا، وَعَدَدَ مَا رَمَوْا مِنَ الْجِمَارِ وَكَبَّرُوا، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ، وَالْمُتَّبِعِينَ لِسُنَّتِهِ وَالْمُقْتَفِينَ هَدْيَهُ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)[الْحَجِّ: 1-2].

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: هَا هِيَ وُفُودُ اللَّهِ أَقْبَلَتْ وَالْحُشُودُ تَوَارَدَتْ وَتَدَاعَتْ مُجِيبَةً نِدَاءَ الْخَلِيلِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-؛ “أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَحُجُّوا بَيْتَهُ الْحَرَامَ فَحَجُّوا”، فَمَا إِنْ سَمِعَتِ الْبَشَرِيَّةُ هَذَا النِّدَاءَ حَتَّى انْكَفَأَتْ مُسْتَجِيبَةً مُلَبِّيَةً “لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ”؛ إِلَى هُنَاكَ حَيْثُ قِبْلَةُ الْمُسْلِمِينَ وَمَأْوَى أَفْئِدَةِ الْمُؤْمِنِينَ حَيْثُ الْبَيْتُ الْحَرَامُ، وَزَمْزَمُ وَالْحَجَرُ وَالْمَقَامُ، وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةُ وَمِنًى وَعَرَفَةُ وَالْمَشْعَرُ الْحَرَامُ، وَالْجِمَارُ وَالْحَلْقُ وَالذَّبْحُ وَالْوَدَاعُ وَبِهِ يَكُونُ التَّمَامُ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: فِي كُلِّ تَشْرِيعَاتِ الْخَبِيرِ حِكْمَةٌ؛ فَهُوَ اللَّطِيفُ الْعَلِيمُ، وَهُوَ كُلَّ يَوْمٍ فِي شَأْنٍ، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ؛ وَإِذَا كَانَ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ عَبَثًا؛ (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا)[ص: 27]، فَكَيْفَ يَخْطُرُ عَلَى عَقْلِ لَبِيبٍ أَنْ يَكُونَ خَلْقُ الْإِنْسَانِ ذَاكَ الَّذِي كَرَّمَهُ فَسَوَّاهُ بِيَدِهِ وَأَسْجَدَ لَهُ مَلَائِكَتَهُ عَبَثًا أَوْ يَكُونَ سُدًى، وَاللَّهُ يَقُولُ: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ)[الْمُؤْمِنُونَ: 115].

 

وَحِينَ نُدْرِكُ -أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ- أَنَّ خَلْقَ الْإِنْسَانِ كَانَ لِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ وَهَدَفٍ شَرِيفٍ؛ وَهُوَ الْخِلَافَةُ فِي الْأَرْضِ وَفْقَ نَوَامِيسَ إِلَهِيَّةٍ دَقِيقَةٍ وَتَشْرِيعَاتٍ رَبَّانِيَّةٍ مُقَنَّنَةٍ، نَجِدُ -بِمَا لَا يَدَعُ مَجَالًا لِلشَّكِّ- أَنَّ اللَّهَ -سُبْحَانَهُ- جَعَلَ تِلْكَ التَّشْرِيعَاتِ حَنِيفِيَّةً سَمْحَةً تَحْوِي مَنَافِعَ دُنْيَوِيَّةً عَاجِلَةً وَمَصَالِحَ أُخْرَوِيَّةً آجِلَةً، يُدْرِكُهَا الْمُسْلِمُ وَيُقِرُّ بِهَا غَيْرُهُ.

 

وَمِمَّا شَرَعَ اللَّهُ لِعِبَادِهِ وَأَوْجَبَهُ عَلَيْهِمْ حَجُّ بَيْتِهِ وَقَصْدُ حَرَمِهِ لِأَدَاءِ فَرِيضَتِهِ وَإِقَامَةِ رُكْنِهِ؛ يَتَنَقَّلُ ضُيُوفُهُ فِيهَا بَيْنَ مَنَاسِكِهِ وَيَقِفُونَ عَلَى مَشَاعِرِهِ، وَفِي كُلِّ هَذِهِ الْأَنْسَاكِ يَجِدُونَ الْحِكَمَ الْبَالِغَةَ، وَبَيْنَ هَذِهِ الْمَشَاعِرِ يَلْمِسُونَ الْمَقَاصِدَ الْبَاهِرَةَ؛ الْتِي يَعُمُّ نَفْعُهَا مَنْ حَجَّ وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ وَالْمُسْلِمِينَ وَغَيْرَهُمْ.

 

أَلَا وَإِنَّ أَعْظَمَ مَنْفَعَةٍ وَأَجَلَّ فَائِدَةٍ نَسْتَلْهِمُهَا -أَيُّهَا الْنَّاسُ- مِنْ شَعِيرَةِ الْحَجِّ هِيَ التَّذْكِيرُ بِيَوْمِ الْعَرْضِ الْأَكْبَرِ، لِقَاءِ الْعِبَادِ بِرَبِّهِمْ؛ (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى)[النَّجْمِ: 31]؛ لِمَا يَجْمَعُهُمَا مِنْ تَشَابُهٍ كَبِيرٍ فِي كَثِيرٍ مِنْ صُوَرِهِمَا.

 

عِبَادَ اللَّهِ: لَقَدْ كَانَ التَّذْكِيرُ بِالْقِيَامَةِ مِنْ أَسَاسِيَّاتِ مَا بَدَأَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَّرَ بِهِ فِي مَكَّةَ، فَكَانَ مِمَّا قَالَهُ: “وَاللَّهِ لَتَمُوتُنَّ كَمَا تَنَامُونَ، وَلَتُبْعَثُنَّ كَمَا تَسْتَيْقِظُونَ، وَلَتُحَاسَبُنَّ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ، وَإِنَّهَا لَجْنَةٌ أَبَدًا أَوْ نَارٌ أَبَدًا“، كَمَا رَسَّخَ ذَلِكَ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ فِي آيَاتِهِ وَفَصَّلَ فِيهِ الْقَوْلَ وَصَرَّفَ فِي الْبَعْثِ وَمَشَاهِدِ الْقِيَامَةِ؛ لِأَنَّ التَّذْكِيرَ بِلِقَاءِ اللَّهِ -تَعَالَى- هُوَ السَّبِيلُ لِإِصْلَاحِ الْقُلُوبِ، الْكَفِيلُ بِسَلَامَتِهَا، وَإِذَا صَلَحَتِ الْقُلُوبُ وَتَعَافَتْ أَذْعَنَتْ لِشَرْعِ اللَّهِ فَاسْتَجَابَتِ الْجَوَارِحُ وَانْقَادَتْ لِلْعَمَلِ اسْتِعْدَادًا لِلِّقَاءِ؛ فَمَا فَسَدَ مَنْ فَسَدَ وَلَا وَجَانَبَ الْحَقَّ وَتَنَكَّبَ عَنِ الصِّرَاطِ وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَغَفَلَ عَنِ الْأُخْرَى إِلَّا حِينَ غَابَتِ الْآخِرَةُ عَنْ قَلْبِهِ وَفِكْرِهِ فَتَعَلَّقَ بِالدُّنْيَا وَانْشَغَلَ بِهَا؛ فَكَانَ الْجَزَاءُ؛ (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ)[ص: 26].

 

وَهُنَا نُدْرِكُ سِّرَّ افْتِتَاحِ سُوَرِ الْحَجِّ بِالتَّذْكِيرِ بِالسَّاعَةِ وَحَالِ الْخَلْقِ مَعَ أَحْدَاثِهَا وَمُتَغَيِّرَاتِهَا؛ إِذْ كَانَ الْمُتَبَادِرُ إِلَى الذِّهْنِ افْتِتَاحَ السُّورَةِ بِالْحَدِيثِ عَنِ الْحَجِّ مَكَانَةً وَفَضْلًا حُكْمًا وَتَشْرِيعًا؛ لَكِنَّهَا افْتَتَحَتْهَا عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ)[الْحَجِّ: 1-2].

 

إِنَّهُ نِدَاءٌ عَامٌّ لِلْبَشَرِيةِ جَمْعَاءَ يَتَضَمَّنُ تَحْذِيرًا مُخِيفًا وَوَصْفًا رَهِيبًا لِهَوْلِ يَوْمٍ عَبُوسٍ قَمْطَرِيرٍ؛ وَهَذَا أَكْبَرُ دَلِيلٍ وَأَعْظَمُ شَاهِدٍ أَنَّ الْحَجَّ تَذْكِيرٌ وَذِكْرَى وَمَوْعِظَةٌ وَدُرْبَةٌ؛ فَمِنْ ذِكْرَى الْحَجِّ لِلْعَالَمِينَ:

فِي تَلْبِيَةِ نِدَاءِ الْحَجِّ؛ (وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ)[الْحَجِّ: 27]؛ تَذْكِيرٌ بِمُنَادِي الْخَلَائِقِ لِلْمَحْشَرِ؛ قَالَ اللَّهُ: (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ * يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ)[ق: 41 – 42]؛ فَيُبَعْثَرُونَ مِنْ قُبُورِهِمْ إِلَى أَرْضِ الْمَحْشَرِ مُجِيبِينَ الدَّاعِيَ؛ (يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ)[الْمَعَارِجِ: 43]؛ فَتُلَبِّي الْجُمُوعُ الدَّاعِيَ سِرَاعًا؛ (يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ)[طه: 108]؛ هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ.. هَلُمُّوا إِلَى رَبِّكُمْ.. فَيَقُومُ النَّاسُ جَمِيعًا لِرَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَالْحَجُّ هُوَ الْمَحْشَرُ الْأَوَّلُ وَالِاجْتِمَاعُ الَّذِي يُهَيِّئُ الْبَشَرِيَّةَ لِمَوْعُودِهَا بِرَبِّهَا؛ هُنَاكَ فِي أَرْضِ الْمَنْشَرِ وَالْمَحْشَرِ؛ وَالْحُجَّاجُ هُنَا يَفِدُونَ إِلَى الْمَشَاعِرِ مَنْ كُلِّ قُطْبٍ وَيَتَقَاطَبُونَ إِلَيْهَا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ.

 

فِي الْحَجِّ مُغَادَرَةٌ لِلدِّيَارِ وَالْأَوْطَانِ وَمُفَارَقَةٌ لِلْأَهْلِ وَالذُّرِّيَّةِ وَالْخُلَّانِ، وَتَرْكٌ لِلْمَالِ وَالتَّخَلِّي عَنِ الْجَاهِ وَالسُّلْطَانِ وَمَا يُحِبُّ الْعَبْدُ وَيَمْلِكُ فِي سَفَرٍ بَعِيدِ الشُّقَّةِ، يَقْطَعُ الْفَيَافِيَ وَيَجْتَازُ الْقِفَارَ، وَهَكَذَا الْعِبَادُ يُحْشَرُونَ إِلَى اللَّهِ فِي رِحْلَةٍ شَاقَّةٍ وَمَوْقِفٍ صَعْبٍ فُرَادَى مُخَلِّفِينَ وَرَاءَهُمْ كُلَّ شَيْءٍ؛ (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ)[الْأَنْعَامِ: 94].

 

وَحِينَ يَتَجَرَّدُ الْحَاجُّ مِنْ ثِيَابِهِ وَيَغْتَسِلُ وَيَتَطَيَّبُ قَبْلَ إِحْرَامِهِ ثُمَّ يَلْبَسُ إِحْرَامَهُ؛ فَإِنَّمَا ذَلِكَ اسْتِعْدَادٌ مِنْهُ لِلِقَاءِ رَبِّهِ؛ فَإِحْرَامُهُ هُوَ كَفَنُهُ الَّذِي سَيُدْفَنُ فِيهِ، وَكَأَنَّمَا هُوَ مَيِّتٌ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ، وَرَفْعُهُ بِالتَّلْبِيَةِ اسْتِجَابَةً لِنِدَاءِ الْحَجِّ إِنَّمَا هُوَ بِمَثَابَةِ اسْتِجَابَةِ الرُّوحِ لِنِدَاءِ الْمَوْتِ؛ “اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ” وَقَوْلِهِ: (ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً)[الْفَجْرِ: 28].

 

وَالْحَجُّ كَمَا يَرْبُطُ الْمُسْلِمِينَ بِبَعْضِهِمْ، وَالْأَجْسَامَ بِأَصْلِهَا؛ وَهُوَ التُّرَابُ كَذَا يَرْبُطُ الْأَرْضَ بِالسَّمَاءِ وَالدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَالْأَرْوَاحَ بِخَالِقِهَا، وَكَمَا سَوَّى فِي مَشْهَدِ الْحَجِّ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ عَلَى اخْتِلَافِ طَوَائِفِهِمْ وَأَلْوَانِهِمْ وَلَهَجَاتِهِمْ وَطَبَقَاتِهِمْ وَجِنْسِيَّاتِهِمْ أُمَّةً وَاحِدَةً لِرَبٍّ وَاحِدٍ فِي مَوْقِفٍ وَاحِدٍ وَلِبَاسٍ وَاحِدٍ وَأَفْعَالٍ وَأَقْوَالٍ وَاحِدَةٍ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ)[الْمُؤْمِنُونَ: 52].

كَذَلِكَ فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ تُحْشَرُ الْخَلَائِقُ جَمِيعُهَا مِنْ لَدُنْ آدَمَ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- وَحَتَّى نِهَايَةِ الدُّنْيَا؛ (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا)[مَرْيَمَ: 93 – 95]؛ سَوَاسِيَةً لَا فَرْقَ بَيْنَ أَوَّلِهِمْ وَلَا آخِرِهِمْ، “تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ؟! فَقَالَ: الْأَمْرُ أَشَدُّ مِنْ أَنْ يُهِمَّهُمْ ذَاكِ”. صَدَقَ فِيهِمْ قَوْلُ الْقَائِلِ:

مَثِّلْ لِنَفْسِكَ أَيُّهَا الْمَغْرُورْ *** يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاءُ تَمُورْ

قَدْ كُوِّرَتْ شَمْسُ النَّهَارِ وَأُضْعِفَتْ *** حَرًّا عَلَى رُوسِ الْعِبَادِ تَفُورْ

وَإِذَا الْجِبَالُ تَعَلَّقَتْ بِأُصُولِهَا *** فَرَأَيْتَهَا مِثْلَ السَّحَابِ تَسِيرْ

وَإِذَا النُّجُومُ تَسَاقَطَتْ وَتَنَاثَرَتْ *** وَتَبَدَّلَتْ بَعْدَ الضِّيَاءِ كُدُورْ

وَإِذَا الْوُحُوشُ لَدَى الْقِيَامَةِ أُحْضِرَتْ *** فَتَقُولُ لِلْأَمْلَاكِ أَيْنَ نَسِيرْ

فَيُقَالُ: سِيرُوا تَشْهَدُونَ فَضَائِحًا *** وَعَجَائِبًا قَدْ أُحْضِرَتْ وَأُمُورْ

وَإِذَا الْجَنِينُ بِأُمِّهِ مُتَعَلِّقًا *** خَوْفَ الْحِسَابِ وَقَلْبُهُ مَذْعُورْ

هَذَا بِلَا ذَنْبٍ يَخَافُ لِهَوْلِهِ *** كَيْفَ الْمُقِيمُ عَلَى الذُّنُوبِ دُهُورْ

 

أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ خَطِيئَةٍ وَعِصْيَانٍ؛ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ الرَّفِيقِ بِخَلْقِهِ، اللَّطِيفِ بِعِبَادِهِ، الرَّحِيمِ بِأَوْلِيَائِهِ، ذَكَّرَهُمْ بِلِقَائِهِ، وَخَوَّفَهُمْ مِنْ غَضَبِهِ وَأَنْذَرَهُمْ مِنْ نَارِهِ، وَرَغَّبَهُمْ لِجَنَّتِهِ وحَثَّهُمْ لِجَوَارِهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنْ بَعَثَهُ رَبُّهُ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَعَلَى صَحَابَتِهِ، مَنْ لِنَبِيِّهِ اصْطَفَاهُمْ وَلِلْأُمَّةِ اخْتَارَهُمْ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا؛ أَمَّا بَعْدُ:

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: حَالَةٌ مِنَ الْخُشُوعِ وَالسَّكِينَةِ يُرَافِقُهَا لَحَظاتٌ مِنَ الْهَلَعِ وَالْفَزَعِ فِي كَثْرَةِ الْجُمُوعِ وَشِدَّةِ الزِّحَامِ وَهَوْلِ الْمَوْقِفِ؛ وُفُودُ الرَّحْمَنِ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ تُظِلُّهُمُ السَّمَاءُ وَتَحْمِلُهُمُ الْأَرْضُ، يَتَعَرَّضُونَ لِأَشِعَّةِ الشَّمْسِ الْحَارِقَةِ بِرُؤُوسِهِمْ الْمَكْشُوفَةِ؛ وَعَرَقُهُمْ عَطِرًا يَتَصَبَّبُ عَلَى وُجُوهِهِمْ، وَطِيبًا يَتَصَبَّغُ بِهِ إِحْرَامُهُمْ، وَصَدَى تِلْكَ الْبِقَاعِ تَرْتَجُّ، وَآفَاقُهَا تَعِجُّ بِأَصْوَاتِ الْمَلَايِينِ الْمُلَبِّينَ، فِي لَحَظَاتٍ لَا يَسَعُ الْحَجِيجَ فِيهَا أَكْلٌ وَلَا شُرْبٌ وَلَا اسْتِرَاحَةٌ.

 

إِنَّهَا بِحَقٍّ -يَا عِبَادَ اللَّهِ- صُورَةٌ حَيَّةٌ مُصَغَّرَةٌ مِنْ صُوَرِ جُمُوعِ الْبَشَرِيَّةِ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ وَالشَّمْسُ فَوْقَ الرُّؤُوسِ عَلَى مِقْدَارِ مِيلٍ؛ قُلُوبٌ كَاظِمَةٌ، وَعُيُونٌ دَامِعَةٌ، وَآذَانٌ صَاغِيَةٌ فِي أَرْضٍ قَدْ جُمِعَ فِيهَا الْجِنُّ وَالْإِنْسُ وَالْوَحْشُ وَالطَّيْرُ وَالْمَلَكُ؛ (وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا)[طه: 111]، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ فِي الْأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ آذَانَهُمْ“!!

 

إِنَّ فِي اسْتِقْرَارِ الْحَجِيجِ يَوْمَ عَرَفَةَ حَالَةً مُشَابِهَةً لِاسْتِقْرَارِ الْبَشَرِيَّةِ بَعْدَ وُقُوفِهَا الطَّوِيلِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، وَتَطْوَافِهَا الشَّاقِّ بَيْنَ أُولِي الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ بَحْثًا عَمَّنْ يَشْفَعُ لَهَا، وَالْكُلُّ يَعْتَذِرُ وَيُحِيلُ عَلَى سَيِّدِ الْأَنْبِيَاءِ وَخَاتَمِ الْمُرْسَلِينَ.

 

وَفِي تَعَدُّدِ الْمَشَاعِرِ وَتَنَوُّعِهَا ابْتِدَاءً مِنَ الْمَوَاقِيتِ وَمُرُورًا بِالْحَرَمِ وَمِنْه إِلَى مِنًى وَعَرَفَاتٍ وَمُزْدَلِفَةَ وَالْجِمَارِ وَانْتِهَاءً بِالْحَرَمِ؛ يُذَكِّرُنَا بِتَنَقُّلَاتِ الْبَشَرِيَّةِ وَمَا يَجْرِي لَهَا عَلَى أَرْضِ الْمَحْشَرِ؛ فَمَا إِنْ تُزَلْزَلِ الْأَرْضُ حَتَّى تُبَعْثَرَ الْقُبُورُ فَتَخْرُجَ الْخَلَائْقُ مِنْ قُبُورِهِا مُجِيبِينَ الدَّاعِيَ سِرَاعًا لِيَقِفَ النَّاسُ بَعْدَهَا مَوْقِفًا طَوِيلًا فِي مُعَانَاةٍ لَا تَنْتَهِي؛ دُونَ حِسَابٍ وَلَا عِقَابٍ مَعَ تَغَيُّرَاتٍ كَوْنِيَّةٍ هَائِلَةٍ، ثُمَّ الشَّفَاعَةُ وَالْبَدْءُ بِالْحِسَابِ فَيَوْضَعُ الْمِيزَانُ وَتَتَطَايَرُ الصُّحُفُ وَتَجِيءُ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ، وَيُوضَعُ الصِّرَاطُ وَالْقَنْطَرَةُ ثُمَّ إِلَى جَنَّةٍ أَوْ إِلَى نَارٍ. نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ.

 

وَإِذَا كَانَ الشَّيْطَانُ فِي عَرَفَةَ -تَحْدِيدًا- لَا يُرَى أَحْقَرَ وَلَا أَصْغَرَ مِنْهُ يَوْمَئِذٍ مِمَّا يَرَى مِنْ عِتْقِ اللَّهِ وَغُفْرَانِهِ لِعِبَادِهِ الَّذِينَ طَالَمَا جَرَّهُمْ إِلَى الْمَعَاصِي وَأَرْكَسَهُمْ فِيهَا؛ هُوَ نَفْسُهُ ذَلِكَ الْيَوْمُ الْعَظِيمُ تَزْدَادُ حَسْرَتُهُ وَتَعْظُمُ نَكْبَتُهُ يَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لِعِبَادِهِ؛ فَكَيْفَ سَيَكُونُ حَالُهُ وَهُوَ يُشَاهِدُ أَفْوَاجًا مِنَ الْمُخْلِصِينَ الَّذِينَ نَجَوْا مِنْ ضَلَالِهِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ تَسْتَقْبِلُهُمُ الْمَلَائِكَةُ مِنْ كُلِّ بَابٍ؛ (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ)[الزُّمَرِ: 73].

 

عَبْدَ اللَّهِ: وَمَعَ كَثْرَةِ الْمَنَاسِكِ وَتَفَرُّقِهَا وَمَا يَنْتِجُ جَرَّاءَ ذَلِكَ مِنْ تَعَبٍ وَزِحَامٍ وَعَرَقٍ؛ إِلَّا أَنَّ مَنْ يَتَلَذَّذُونَ بِتِلْكَ الْمَشَاعِرِ الْمُقَدَّسَةِ وَيَعْشَقُونَ رُوحَانِيَّتَهَا وَأَجْوَاءَهَا الْإِيمَانِيَّةَ طَامِعِينَ فِي الْأَجْرِ وَرَاجِينَ الثَّوَابَ تَهُونُ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الْمَتَاعِبُ؛ وَتَسْهُلُ عَلَيْهِمْ تِلْكَ الصَّعَابُ، وَهَكَذَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَمَعَ طُولِ الْوُقُوفِ وَشِدَّةِ الْحِسَابِ يَبْقَى فَرِيقٌ لَا يُصِيبُهُمْ مَا يُصِيبُ غَيْرَهُمْ مِنَ الْحَرِّ وَالْخَوْفِ وَغَيْرِهِ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ * لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ * لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ)[الْأَنْبِيَاءِ: 101-103].

 

إِنَّ رُجُوعَك لِلْحِلِّ وَلُبْسَ الْمَخِيطِ وَعَوْدَتَكَ لِحَيَاتِكَ الطَّبِيعَةِ لَهِيَ تَذْكِرَةٌ أُخْرَى بِأَنَّ اللَّهَ -تَعَالَى- مَنَحَكَ فُرْصَةً لِلْحَيَاةِ مِنْ جَدِيدٍ بَعْدَ أَنْ عِشْتَ مَوَاقِفَ الْآخِرَةِ وَصُوَرَ الْمَحْشَرِ؛ فَالْيَوْمَ عُدْتَ لِلْحَيَاةِ وَغَدًا لَا عَوْدَةَ، وَهُنَا رَجَعْتَ وَهُنَاكَ لَا رَجْعَةَ.

 

أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ: تَوْدِيعُ النَّاسِ لِلْبَيْتِ وَذَهَابُهُمْ عَنْهُمْ وَهُمْ فَرِحُونَ، يُذَكِّرُنَا بِفَوْزِ الْمُؤْمِنِينَ حِينَ أَخْذِهِمْ كُتُبَهُمْ بِأَيْمَانِهِمْ، وَيَوْمَ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُمْ بِحَسَنَاتِهِمْ، وَحِينَ يَتَجَاوَزُونَ الصِّرَاطَ وَهُمْ يَلْهَجُونَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَالشُّكْرِ لَهُ؛ (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ)[الزُّمَرِ: 74]، (دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[يُونُسَ: 10].

 

وَزِيَارَةُ الْحُجَّاجِ لِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْ مَنَاسِكَ الْحَجِّ- هِيَ أَيْضًا تُذَكِّرُكَ بِأَنَّ اللَّهَ -عَزَّ وَجَلَّ- سَيَجْمَعُكَ يَوْمًا مَا مَعَ الْحَبِيبِ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، تُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَعَلَى أَصْحَابِهِ، تَرِدُ حَوْضَهُ وَتَشْرَبُ مِنْ يَدِهِ وَتَشْرُفُ بِجِوَارِهِ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: الْحَجُّ مَوْعِظَةٌ كُبْرَى، وَصَاعِقَةٌ عُظْمَى تُوقِظُ النَّاسَ مِنْ سُبَاتِهِمْ وَالْعِبَادَ مِنْ غَفْلَتِهِمْ، وَدَرْسٌ بَلِيغٌ يَرْدَعُ الْعَاصِينَ عَنْ عِصْيَانِهِمْ، وَتَذْكِرَةٌ تَطْرُقُ الْآذَانَ، وَتَلْفِتُ الْأَبْصَارَ وَتُحْيِي الْقُلُوبَ لِمُلَاقَاةِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ؛ قَالَ اللَّهُ: (أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِ الْعَالَمِينَ)[الْمُطَفِّفِينَ: 1 – 6].

 

اللَّهُمَّ سَلِّمِ الْحُجَّاجَ وَالْمُعْتَمِرِينَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْهُمْ حَجَّهُمْ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُمْ، وَتَجَاوَزْ عَنَّا وَعَنْهُمْ. اللَّهُمَّ بَلِّغْنَا مِنَ الْمَنَازِلِ وَالدَّرَجَاتِ أَفْضَلَ مَا بَلَّغْتَ عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ وُلَاةَ أُمُورِنَا لِمَا فِيهِ صَلَاحُ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ وَفِّقْهُمْ لِهُدَاكَ، وَاجْعَلْ عَمَلَهُمْ فِي رِضَاكَ. اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ فَرَجًا قَرِيبًا وَنَصْرًا عَاجِلًا لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلِّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.

الملفات المرفقة
عشر ذي الحجة قطوف وعزوف
عدد التحميل 52
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات