ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15495

حكم تأخير حج الفريضة مع الاستطاعة

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / الداخلة /
التصنيف الرئيسي : الحج
تاريخ الخطبة : 1439/11/14
تاريخ النشر : 1439/11/18
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/توضيح معنى الاستطاعة في الحج 2/خطأ من يؤخر حج الفريضة لغير عذر مع القدرة 3/لا بد أن تكون النصيحة برفق 4/بيان صلاة الكسوف وفضلها
اقتباس

من الناس -أيضًا- مَنْ يستطيع حجَّ الفريضة، لكنَّه يخاف على نفسه أن يصيبه شيءٌ من الآفات في حجه، فيؤخِّر فريضة الحج لذلك، ويقال لهذا: “إنَّ الحج فرضه الله مرةً في العمر، لا يجوز تأخيرُه مع الاستطاعة، وأمَّا الخوف فلا مبرِّر له…

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، له الحمد كله، وإليه يُرجع الأمرُ كلُّه، علانيته وسره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، فرض على المستطيع من عباده الحجَّ مرَّةً في العمر، وجعله خامس أركان الإسلام، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله وَصَفِيُّه وخليله، بعثه اللهُ رحمةً للعالمينَ، وجعله خاتم الأنبياء والمرسلين، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا.

 

أما بعد: فاتقوا الله حقَّ التقوى، وأطيعوا ربكم واستغفروه من ذنوبكم، وتعاونوا على الخير.

 

معاشر المسلمين: إنَّ الله فرض على عباده خمسةَ أركانٍ، ومنها حج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا، قال تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا)[آل عمران: 97]، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “أيها الناسُ، قد فرض اللهُ عليكم الحَجَّ فحُجوا” (أخرجه مسلم في كتاب الحج، باب فرض الحج مرةً في العمر برقم: (1337)).

 

عباد الله: إنَّ الاستطاعة في الحج هي أن يكون المكلَّف واجدًا ما يكفيه من المال في حَجِّهِ، زيادةً على ما يحتاجه مَنْ يجب عليه النفقةُ عليهم، وأن يكون مستطيعًا ببدنه، وتزيد المرأةُ على الرجل بوجوب الْمَحْرَم.

 

معاشر المسلمين: إنَّ من الناس مَنْ يستطيع الحجَّ، ولكنَّه يُسوِّف ويؤخِّر، في كلِّ سنة يقول: “سأحج العام المقبل“؛ إما تهاونًا أو تكاسلًا، قال الإمام ابن باز -رحمه الله-: “من قدر على الحج ولم يحج الفريضةَ وأخَّره لغير عذر، فقد أتى منكرًا عظيمًا ومعصيةً كبيرة، فالواجب عليه التوبةُ إلى الله من ذلك والبدار بالحج” (مجموع فتاوى ابن باز (16/ 353-354)).

 

معاشر المسلمين: لقد أرشد النبي -صلى الله عليه وسلم- أُمَّتَهُ إلى التعجل إلى الحج وعدم تأخيره، قال عليه الصلاة والسلام: “مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ” (أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن العباس -رضي الله عنهما- برقم: (1973)، وأبو داود في كتاب المناسك، باب التجارة في الحج برقم: (1732))، زاد في رواية عند البيهقي: “فإنَّه قد يمرض وتضل الضالة وتعرض الحاجة” (السنن الصغير للبيهقي في كتاب المناسك، باب تأخير الحج برقم: (1482))، وقال صلى الله عليه وسلم: “تعجَّلوا إلى الحج –يعني: الفريضة – فإنَّ أحدكم لا يدري ما يعرض له” (أخرجه الإمام أحمد في مسنده من حديث عبد الله بن العباس -رضي الله عنهما- برقم: (2867)).

 

معاشر المسلمين: من الناس -أيضًا- من يستطيع حجَّ الفريضة، لكنَّه يخاف على نفسه أن يصيبه شيءٌ من الآفات في حجه، فيؤخِّر فريضة الحج لذلك، ويقال لهذا: “إنَّ الحج فرضه الله مرةً في العمر، لا يجوز تأخيرُه مع الاستطاعة، وأمَّا الخوف فلا مبرِّر له، فالحمد لله في كل عام يحج ما يقارب من مليونَيْ حاجٍّ، يؤدون مناسك حجهم بيسر وسهولة، وأمن وطمأنينة مع توفُّر الوسائل الكفيلة براحة حجاج بيت الله، يبيتون في مخيمات مكيفة مصنوعة ضد الحرائق، ويأكلون أطيب الأطعمة، وقلَّ أن تكون حملة إلا ومعها مرشِد متخصِّص في العلم الشرعي، يجيب عن أسئلة الحجاج، وكذلك يكون بصحبة حملة الحج طبيب، كلُّ ذلك ليتفرغ الحاجُّ لأداء المناسك، وللعمل الصالح، ولكثرة ذِكْر الله -تعالى-، فالحمد لله على نِعَمِهِ العظيمةِ، فلقد أصبح الحجُّ أسهلَ وأيسرَ بكثير من السابق، وفي كل عام تكون الخدمات أكثرَ من العام الذي قبلَه، خدمات أمنية ورعاية طبية وخدمات إرشادية، وخدمات تموينية، وخدمات توعية، وخدمات تُقدَّم من كافة الأجهزة الحكومية، كلُّ ذلك لأجل خدمة وفود الرحمن حجاج بيت الله الحرام.

 

فيا أيَّها المستطيع لحج الفريضة: حُجَّ هذا العامَ، وإياكَ إياكَ أن تؤخِّر الحجَّ، فإنَّك تأثم بذلك، ولا تدري فقد يَحُول دونَكَ ودونَه الموتُ، فإذا بكَ لم تؤدِّ الفريضةَ، أو قد يصيبكَ مرضٌ أو يعرض لكَ عارضٌ يصعب معه أن تحجَّ، حتى المرأة إن كانت مستطيعةً للحج ووجدت المحرمَ، فلا يجوز لزوجها منعُها، ولو قُدِّر أنَّه منعها، فإنَّها تحج ولو لم يكن موافقًا.

 

كذلك أنتَ -أيها الشاب المكلَّف المستطيع للحج-: بَادِرْ بأداء الحج ولا تسوِّف كما سوَّف غيرُك وما حَجَّ، ثم ندم على تأخره لعارض عرض له، وكذلك الفتاة المكلفة المستطيعة الواجدة للمحرم، عليها أن تبادر إلى الحج، فإنَّه كلَّما بادرت كلَّما صار الحج عليها أسهل.

 

معاشر المسلمين: إنَّ الحج قديمًا، فيه مخاوف ومشاقّ، ويستغرق وقتًا طويلًا للوصول إلى مكة، حجٌّ على الإبل، أو سيرًا على الأقدام، يسيرونَ لمدة عشرين أو ثلاثين يومًا أو أكثر، وقد يتعرضون في الطريق لمخاطِرِ النهبِ والسرقةِ، وقد تنفد النفقةُ، وقد يعتدي معتدٍ عليهم، ومنهم من يغيب عن أهله ثلاثة أشهر أو تزيد لأجل الحج، أمَّا الآن فالسفر بواسطة وسائل النقل السريعة الطائرة أو السيارة، وليس في ذلك جهد أو تعب كما لو كان سيرًا على الأقدام أو ركوبًا على الراحلة، والطريق آمِنَة، وكافة الخدمات موفَّرة، ولا يستغرق الحج إلا بضعة أيام، ومنهم من يصل إلى أهله في ثالث أيام التشريق أو بعدَه بيوم أو يومين، فالحمد لله حمدًا كثيرًا على توفيقه وتسهيله على عباده لأداء مناسك حجهم.

 

معاشر المسلمين: انصحوا برفق، وحُثُّوا المستطيعَ ممن تعلمونه مؤخِّرًا لحج الفريضة، وبيِّنوا له حكمَ تأخيره، فإنَّ من حق المسلم على المسلم النصيحة له، وبيِّنوا له بأنَّ الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وأنَّ مَنْ حجَّ فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمُّه، وأنَّ الحجاج هم وفد الله، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة” (أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب وجوب العمرة وفضلها، برقم (1773) ومسلم في كتاب الحج، باب فضل الحج والعمرة ويوم عرفة برقم (1349)).

 

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “مَنْ حجَّ هذا البيتَ، فلم يرفث، ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه” (أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب قول الله -عَزَّ وَجَلَّ-: (وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) برقم: (1820)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “وفدُ اللهِ ثلاثةٌ: الغازي، والحاج، والمعتمر” (أخرجه النسائي في سُنَنه في كتاب مناسك الحج برقم: (2625)، وابن حبان في صحيحه في كتاب الحج، باب فضل الحج والعمرة برقم: (3692)، والحاكم في المستدرَك في كتاب الصوم برقم: (1611)، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح برقم: (2537)).

 

وقال كعب -رضي الله عنه- عن هؤلاء الوفد الثلاثة: “دعاهم اللهُ فأجابوه، وسألوا اللهَ فأعطاهم“. اللهم وَفِّقِ الحجاجَ في حجهم، ويسِّر وسهِّل أمورَهم، وتقبَّل منا ومنهم.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذِّكْر الحكيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

خسوف القمر:

 

الحمد لله حمدا يليق بجلاله وعظيم سلطانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، له الملك وله الحمدُ وهو على كل شيء قدير، وأشهد أنَّ محمدًا عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 

أما بعد: فأوصيكم ونفسي بتقوى الله -عَزَّ وَجَلَّ-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102].

 

معاشر المسلمين: في هذه الليلة قد يكون -والله أعلم- خسوفٌ للقمر بقدرة الله -تعالى-، فإذا قدَّر اللهُ خسوفَه، فإنَّ السُّنَّة إقامة صلاة الخسوف والإطالة فيها، وكان قيامه -صلى الله عليه وسلم- قبل الركوع الأول نَحْوًا من قراءة سورة البقرة (للحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحة في أبواب الكسوف، باب صلاة الكسوف جماعة… برقم: (1052)).

 

وَيَحْسُن بالأئمة بعد أداء الصلاة أن يعظوا الناسَ ويحثوهم على التوبة وعلى الصدقة، وبعد ذلك يستغفرون اللهَ من الذنوب والمعاصي ويتضرعون إليه -سبحانه- بالدعاء، يسألونه الرحمةَ ومغفرةَ الذنوب، وَمَنْ كان في مناسبة زواج أو غيرها فلا تلهينَّه عن إقامة صلاة الخسوف، وكثرة الذِّكْر والاستغفار، وكذلك فَعَلَى أهل الزوجين ألَّا يجعلوا في مناسبة الزواج موسيقى أو معازف أو أي شيء مما لا يجوز سماعُه أو فعلُه أو النظرُ إليه.

 

معاشر المسلمين: بعد أن صلى النبي -صلى الله عليه وسلم- صلاةَ الكسوف بالصحابة -رضي الله عنهم-، خَطَبَ في الناس وحمد الله وأثنى عليه وقال: “إنَّ الشمس والقمر من آيات الله، وإنهما لا ينخسفان لموت أحد، ولا لحياته، فإذا رأيتموهما فكبروا، وادعوا الله وصلوا وتصدقوا، يا أمة محمد إنْ من أحدٍ أغيرُ من الله أن يزني عبده، أو تزني أمته، يا أمة محمد والله لو تعلمون ما أعلم لبكيتم كثيرا، ولضحكتم قليلا” (أخرجه البخاري في أبواب الكسوف، باب الصدقة في الكسوف برقم (1044) ومسلم في كتاب الكسوف، باب صلاة الكسوف برقم: (901)).

 

فاحرصوا -يا عباد الله- على صلاة الخسوف، وَحُثُّوا أبناءكم ونساءكم على أدائها، قال الإمام ابن عثيمين -رحمه الله-: “لا بأسَ أن تصلِّي المرأةُ صلاةَ الكسوفِ في بيتها؛ لأنَّ الأمرَ عامّ: “فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم، وإن خرجت إلى المسجد كما فعل نساء الصحابة، وصلَّت مع الناس كان في هذا خير” (مجموع فتاوى ورسائل العثيمين (16/ 310).

 

معاشر المسلمين: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، البشير النذير، والسراج المنير، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليّ، وارضَ عن بقيَّة الصحابة، وعن التابعين، ومَن تَبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بكرمك يا أكرم الأكرمين.

 

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين، اللهم عليك بمن يحارب دِينَكَ وجندَكَ وأولياءَكَ، اللهم عليكَ بالصهاينة والصليبين والمجوس والحوثيين المعتدين ومَن أعانهم ووالاهم، اللهم ارفع عنهم عافيتك، وأرنا فيهم قدرتك، وزلزلهم ومزقهم واشدد وطأتك عليهم، اللهم ادفَع عنَّا الغَلا والربا والزنا والزلازل والمِحَن وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا وعن سائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.

 

اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح ولاة أمورنا، ووفِّقهم لما فيه عزُّ دِينك ونصْر أمَّة الإسلام، اللهم اجعَلْهم هُداةً مُهتَدِين صالحين مُصلِحين، وارزُقهم البطانةَ الصالحة الناصحة، وأبعدْ عنهم بطانةَ السوء يا حي يا قيوم، اللهم انصر جنودنا المرابطين على الحدود وانصر جنود التحالف العربي وأهلنا في اليمن، سدِّد رميَهم، وثبِّت أقدامَهم، واحفظ بلادنا وولاة أمرها وعلماءها وأهلها ورجال الأمن فيها، وَزِدْهَا قوةً وأمنًا ورخاءً، وَزِدْهَا تَمَسُّكًا بالدين، وانصرها على مَنْ عاداها، واكفها شر كلَّ ذي شر، واجمع بها كلمة المسلمين على الحق.

 

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ)[البقرة: 201]، (سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)[الصافات: 180 – 182].

 

الملفات المرفقة
حكم تأخير حج الفريضة مع الاستطاعة
عدد التحميل 42
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات