طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15480

النكاح وعقباته

المكان : المملكة العربية السعودية / الخبر / حي العقربية / جامع عمر بن عبد العزيز /
تاريخ الخطبة : 1438/02/18
تاريخ النشر : 1439/11/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/أهمية الأسرة في الإسلام 2/عقبات أمام النكاح وكيف عالجها الإسلام 3/المغالاة في المهور 4/عضل المرأة 5/رد الخاطِب بحجَّة إكمال الدراسة أو طلب العلم 6/الفقر والبطالة.
اقتباس

إنَّ مكانة الزواج وآثاره، وحِكَمه وأسراره عظيمة، ومع هذا نجد بعضَ الشباب يحجم عنه لعوائق وعقبات، تقف في وجوه الشَّباب والفتيات، وتحول بينهم وبين تَطبيق هذه السنَّة، أو التأخر فيها. وهذه كارِثة اجتماعيَّة خطيرة، توازي أو تَفوق على مشكلاتٍ أخرى؛ سياسية وعسكرية، وأمنية واقتصادية وتعليمية، ومع ذلك…

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70، 71].

 

أما بعد: فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدى محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشرَّ الأمور محدثاها، وكل بدعة ضلالة.

 

عباد الله: أوصيكم ونفسي بتَقوى الله -عز وجل-؛ فهي وصيَّة الله للأولين والآخرين، كما قال تعالى: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ)[النساء: 131].

 

أيها المسلمون: إن في الإسلام نظامَ أسرة، والبيت يعتبر مثابة وسكنًا، في ظلِّه تلتقي النفوس على المودة والرحمة، والتعاطف والستر والتجمل، والحصانة والطهر، وفي كنفه تنبت الطفولة، وتدرج الحداثة، ومنه تمتدُّ وشائج الرحمة، وأواصر التكافل.

 

والإسلام يصوِّر العلاقة الزوجيَّة تصويرًا رفافًا شفيفًا، يشع منه التعاطف، وترف فيه الظلال، ويشيع فيه الندى، ويفوح منه العبير: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)[الروم: 21]، (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ)[البقرة: 187].

 

فهي صِلة النَّفس بالنفس، وهي صلة السكن والقرار، وهي صلة المودَّة والرحمة، وهي صلة الستر والتجمل، وإن الإنسان ليحس في الألفاظ ذاتها حنوًّا ورفقًا، ويستروح من خلالها نداوة وظلاً، وإنها لتعبير كامل عن حقيقة الصِّلة التي يفترضها الإسلام لذلك الرباط الإنساني الرفيق الوثيق، ذلك في الوقت الذي يلحظ فيه أغراض ذلك الرباط كلها، بما فيها امتداد الحياة بالنسل، فيمنح هذه الأغراض كلها طابعَ النظافة والبراءة، ويعترف بطهارتها وجديتها، وينسق بين اتجاهاتها ومقتضياتها، ذلك حين يقول: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ)[البقرة: 223]، فيلحظ كذلك معنى الإخصاب والإكثار.

 

ويحيط الإسلام هذه الخلية، أو هذا المحضن، أو هذه المثابة، بكلِّ رعايته وبكل ضماناته، وحسب طبيعة الإسلام الكلية فإنه لا يَكتفي بالإشعاعات الروحية، بل يتبعها التنظيمات والضمانات التشريعية.

 

والذي ينظر في تَشريعات الأسرة في القرآن والسنَّة في كلِّ وضع من أوضاعها، ولكل حالة من حالاتها، وينظر في التوجيهات المصاحبة لهذه التشريعات، وفي الاحتشاد الظاهر حولها بالمؤثِّرات والمعقبات، وفي ربط هذا الشأن بالله مباشرة في كلِّ موضع – يدرك إدراكًا كاملاً ضخامة شأن الأسرة في النِّظام الإسلامي، وقيمة هذا الأمر عند الله…، وإن هذه العناية القُصوى بأمر الأسرة لتتناسقُ مع مجرى القدر الإلهي بإقامة الحياة البشرية ابتداء على أساس الأسرة، حين جرى قدَر الله أن تكون أول خليَّة في الوجود البشري هي أسرة آدم وزوجه، وأن يتكاثر النَّاس بعد ذلك من هذه الخلية الأولى، وكان الله سبحانه قادرًا على أن يخلق الملايين من الأفراد الإنسانيين دفعة واحدة، ولكن قدره جرى بهذا لحكمة كامِنة في وظيفة الأسرة الضَّخمة في حياة هذ المخلوق؛ حيث تلبي حياة الأسرة فطرته واستعداداته، وحيث تنمي شخصيَّته وفضائله، وحيث يتلقى فيها أعمق المؤثرات في حياته.(انظر: في ظلال القرآن 6/ 3595) بتصرف.

 

عباد الله: إنَّ مكانة الزواج وآثاره، وحِكَمه وأسراره عظيمة، ومع هذا نجد بعضَ الشباب يحجم عنه لعوائق وعقبات، تقف في وجوه الشَّباب والفتيات، وتحول بينهم وبين تَطبيق هذه السنَّة، أو التأخر فيها.

 

وهذه كارِثة اجتماعيَّة خطيرة، توازي أو تَفوق على مشكلاتٍ أخرى؛ سياسية وعسكرية، وأمنية واقتصادية وتعليمية، ومع ذلك فلم تأخذ حيِّزَها المناسب من الاهتمام الرَّسمي، وفي الأدبيات الفكريَّة، والندوات والفعاليات الثقافية، وفي عالم الإعلام، دون إغفال بعض الجهود المشكورة التي بُذلَت، ولا زال بعضها مستمرًّا، غير أنها تبقى محدودة الأثر بالنِّسبة إلى حجم المشكلة وانتشارها، وينبغي التذكير بأن كلَّ فتاة عانس يقابلها رجلٌ عانسٌ تقريبًا.

 

والإحجام عن الزَّواج لأي سبب كان، هو سببٌ لضياع الفضيلة، وتفشِّي الرذيلة، والانحطاط الخلُقي، وضياع القيم الإنسانية.

 

ولعلَّنا في هذه الخطبة نتكلَّم عن بعض هذه العوائق، وكيف حلَّها الإسلام، فمن العوائق التي تعيق الكثيرَ من الناس عن النكاح:

  • المغالاة في المهور:

ارتفاع المهور وتكاليف الزَّواج، بالإضافة إلى ما يدفعه الخاطِب في بعض المجتمعات لأب الزوجة وأمها وأخيها، وقد تَطول هذه السلسلة الظالمة – يعدُّ هذا من أهم عقبات الزواج ومشكلاته.

 

عباد الله: جاء الشرع بتخفيف المهر وتيسيرِه، وأنَّ ذلك من مصلحة الزوج والمرأة جميعًا، ولا بد أن نعرف أنَّ المهر ليس ثمنًا للمرأة، بل إيناسٌ لها، وتلطُّف معها، قبل الاستمتاع بها، وهو حقٌّ خالص لها، لا يشاركها فيه أحد، وأبرَكُ النساءِ أقلُّهنَّ وأيسرهنَّ مؤونة؛ ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم-: “خير النِّكاح أيسره“(أخرجه أبو داود 2117، وصححه الألباني في صحيح الجامع 3300).

 

ويقول عمر -رضي الله عنه-: “ألا لا تغالوا في صُدُق النساء؛ فإنها لو كانت مكرُمة في الدنيا أو تقوى عند الله، كان أولاكم بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ما أصدق امرأةً من نسائه، ولا أُصدقَت امرأة من بناته فوق اثنتي عشرة أوقية“(أخرجه أبو داود 2106، والنسائي 3349، وابن ماجه 1778، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود 1852).

 

وقد زوَّج المصطفى رجلاً بما معه من القرآن(أخرجه البخاري 5121، ومسلم 1425). وقال لآخر: “التمس ولو خاتمًا من حديد“(أخرجه البخاري 5150، ومسلم 1425)، وتزوَّج عبدالرحمن بن عوف على وزن نَواة من ذَهب.(أخرجه البخاري 5167، ومسلم 1427).

 

وقد أنكر على المغالين في المهور، فقد جاءه رجل يسأله، فقال: يا رسول الله، إنِّي تزوجتُ امرأة على أربع أواقٍ من الفضة – يعني مائة وستين درهمًا – فقال النبي: “على أربع أَواق؟! كأنما تَنحتون الفضَّةَ من عُرض هذا الجبل، ما عندنا ما نُعطيك“(أخرجه مسلم 1424).

 

وقد تكلَّم العلماء في هذه المسألة كثيرًا، وبيَّنوا الأضرار المترتبة على المغالاة في المهور، ومن هؤلاء العلماء الشيخ محمد بن إبراهيم، فله فتوى مطوَّلة في هذه المسألة، جاء فيها:

 

إن من الأشياء التي تَمادى الناس فيها حتى وصَلوا إلى حدِّ الإسراف والتباهي: مسألة التغالي في المهور، والإسراف في الألبسة والولائم، ونحو ذلك، وقد تضجَّر علماء الناس وعقلاؤهم من هذا؛ لِما سبَّبه من المفاسد الكثيرة، التي منها: بقاء كثير من النِّساء بلا زوج، بسبب عَجز كثير من الرجال عن تكاليف الزواج، ونجم عن ذلك مفاسد كثيرة متعددة“(انظر: فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف آل الشيخ 10/ 195، بتصرف).

 

ثمَّ ذكر بعض هذه المفاسد والأضرار الناتجة عن المغالاة في المهور، ومنها:

1- ممَّا لا شك فيه أنَّ الزواج أمر مَشروع مرغوب فيه، وفي غالب الحالات يصِل إلى حدِّ الوجوب، وأغلب الناس لا يتمكَّن من الوصول إلى هذا المشروع أو المستحب مع وجود هذه المغالاة في المهور، ومن المعلوم أنَّ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، ومن هذا يؤخذ مشروعيَّة إرشاد الناس وردعهم عن التمادي في هذا الأمر الذي يَحول دون المرء ودون فِعل ما أَوجبه الله عليه، لا سيما والأمر بتقليل المهر لا يتضمَّن مفسدة، بل هو مصلحة مَحضة للزوج والزوجة، بل هو أمر محبوب للشارع مرغب فيه؛ كما تقدم.

 

2- أن امتِناع ولي المرأة من تزويجها بالكفء إذا خطبها ورضيت به إذا لم يدفع ذلك الصَّداقَ الكثير الذي يفرضه من أجل أطماعه الشخصية، أو لقصد الإسراف والمباهاة – أمرٌ لا يسوغ شرعًا، بل هو من باب العضل المنهي عنه، الذي يفسَّق به فاعله إذا تكرر.

 

3- أن كثرة المهور والمغالاة فيها عائق قويٌّ للكثير من التزوج، ولا يخفى ما يَنجم عن ذلك من المفاسد الكثيرة وتفشِّي المنكرات بين الرجال والنساء، والوسائل لها حكم الغايات، والشريعة المطهَّرة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، ولو لم يكن في السَّعي في تقليل المهور إلَّا سد الذرائع المسببة فعل المحرمات لكفى.

 

4- لا يخفى ما سبَّبَته المغالاة في المهور من المفاسد، فكم من حرَّة مصونة عضلها أولياؤها وظلموها، فتركوها بدون زوج ولا ذريَّة! وكم من امرأة ألجأها ذلك إلى الاستجابة لداعي الهوى والشيطان، فجرَّت العارَ والخزي على نفسها وعلى أهلها وعشيرتها مما ارتكبَته من المعاصي التي تُسبِّب غضب الرحمن! وكم من شابٍّ أعيَتْه الأسباب فلم يقدر على هذه التكاليف التي ما أَنزل الله بها من سلطان فاحتوشَتْه الشياطين وجلساء السوء حتى أضَلُّوه وأوردوه موارد العطب والخسران، فخسر أهله، وفسد اتجاهه، بل خسرَته أمَّته ووطنه، وخسر دنياه وآخرته!

 

5- من أضرار المغالاة في المهور: حدوث الأمراض النفسيَّة لدى الشباب من الجنسين بسبَب الكَبت، وارتطام الطموح بخيبة الأمل.

 

6- ومنها: أن تكليف الزوج فَوق طاقته يجلب العداوةَ في قلبه لزوجته؛ لما يَحدث له من ضيق ماليٍّ بسببها، والهدف هو السَّعادة وليس الشقاء.

 

7- أن كثرة الصَّداق لو كان فيها شيء من المصلحة للمرأة وأوليائها، فإن ما يترتب على ذلك من المفاسد يَربو على تلك المصلحة إن وجدت، والقاعدة الشرعيَّة أن درء المفاسد مقدَّم على جلب المصالح.(انظر: فتاوى ورسائل سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم بن عبداللطيف آل الشيخ 10/ 195، بتصرف).

 

عضل المرأة:

ومن معوقات الزَّواج العضل، وهو من المخالفات الشرعيَّة الشائعة في وقتنا الحاضِر، والعضل هو: مَنع المرأة من التزوج بكفئها، إذا رغب كل منهما في ذلك.

وقد جاء النَّهي عن العضل في القرآن الكريم، فقال تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ)[البقرة: 232].

 

ومن صور العضل الذي نَهى عنه الإسلام: امتناع الولي من تزويج مَوْلِيَّتِه أو بنته إلى الرجل الكفء الذي قد رضيَتْه، وقد يكون المانع هنا طلب زيادة المال، أو طمعًا في شيء منها، أو لحجزها على ابن عمٍّ أو نحوه وهي لا تريده، أو التعصُّب للقبيلة أو العشيرة أو العائلة بتزويج ابنته من أحد القبائل أو العوائل المعروفة لديهم، وهذا موجود بكثرة في المجتمعات العربية، أو رغبة الولي في الاستفادة من راتب ابنته إذا كانت تعمل، أو قد يكون تعنتًا وعنادًا ومكابرة من الولي، أو اشمئزازًا من الخاطب.

 

وقد ذكر أهلُ العلم رحمهم الله أنَّ الولي إذا امتنع من تزويج مَوْلِيَّتِه بكفء رضيَتْه، سقطَت ولايته، وانتقلَت لمن بعده، الأحق فالأحق، أو انتقلت إلى السلطان؛ لعموم حديث: “فإن اشتجروا، فالسلطان ولي مَن لا ولي له“(أخرجه الترمذي 1102، وقال: حديث حسن، وابن ماجه 1879، وأحمد 25326، وصححه الألباني في الإرواء 1840).

 

وقد قال أهل العلم أيضًا: إذا تكرَّر من الولي رد الخطَّاب، من غير سبب صحيح، صار فاسقًا، ودخل عليه النقص في دينه وإيمانه.؛ (انظر: حاشية البجيرمي على شرح المنهج – التجريد لنفع العبيد 3/ 342، وشرح منتهى الإرادات – دقائق أولي النهي لشرح المنتهى 2/ 641، ومطالب أولي النهى في شرح غاية المنتهى 5/ 66).

 

فعلى الآباء والأولياء أن يتَّقوا اللهَ عز وجل في بناتهم، ويعملوا على الوقوف معهن بالرَّحمة والرَّأفة، أما الصَّلَف فإنه لا يؤدِّي إلَّا إلى الأحقاد والقطيعة.

وللمرأة إذا وصلَت لحال العضل الظَّاهر لمنعها من الزواج أن تتقدَّم إلى المحكمة الشرعية للنظر في دعواها، ويجوز للرجل أن يتقدَّم للمحكمة إذا رغب في المرأة ورغبَته، وأن المنع بدون سبَب، وإنما لأهداف لا تُرضي الله.

 

عباد الله: إن في عضل النساء أضرارًا كبيرة، منها:

  • حرمان المرأة ممَّا أباحه الله لها من الزواج، مما يؤدِّي إلى حقدها على أهلها؛ لظلمهم لها، وتجاهلهم لمشاعرها، ورغبتها في تكوين عالمها الخاص بها، والعيش في ظلال الزوجية الوارفة.

 

فكم من رجل دعَت عليه ابنتُه بدل أن تدعو له، وكم من بنتٍ تكنُّ لأبيها بغضًا وكرهًا، بدل الحبِّ والاحترام، وما ذاك إلَّا لظلمه لها، وعضلها عن الزَّواج، والوقوف حائلاً بينها وبين الحياة في ظلِّ حياة أسرية لها فيها بَعل، وأبناءٌ نصَّ الله على أنهم زينة الحياة الدنيا.

 

  • أن عضل المرأة من الرجوع لزوجها، أو البنت من الزواج من الخاطب الكفء، قد تسبَّبا في فساد المجتمع أخلاقيًّا، والضرر المترتب على مَنع النساء من التزويج بالكفء قد يودي بها إلى مهاوي الرَّذيلة، والبعد عن الفضيلة، خاصَّة مع وجود انفتاح في الثقافات، وسهول انتِشار الفساد، مما طال ونال الكثيرَ من أبناء هذه الأمَّة.

 

  • العضل تحكُّمٌ في عواطف النِّساء ومشاعرهن، وإهدار لكرامتهنَّ، بل هو إلغاء لإنسانيَّتهن من غير خوف من الله ولا حياء من خَلق الله، ومن غير نظر في العواقب، ولا رعاية لحقوق الرَّحم والأقارب، مخالفة لدين الله والفطرة، مجانبة لمسلك أهل العقل والحكمة، ومجافاة للخلق الكريم.

 

والعضل مسلك من مَسالك الظلمة الذين يستغلُّون حياءَ المرأة، وخجلها، وبراءتها، وحسن ظنِّها، وسلامة نيَّتها، وما ذلك إلا لعصبيَّة جاهلية، أو حمية قبليَّة، أو طمع في مزيد من المال، أو أنانية في الحبس من أجل الخدمة.

 

وتأمل المفارقة في هذا الزمان الذي كثرَت فيه الفتن، فبينما تجد الناس اليوم يؤخِّرون الزواج، ويعضلون البنات بحجَج واهية، كان للسَّلف في عصور العفَّة والحياء شأن آخر، فقد حرَص السَّلَف الصالح -رضي الله عنهم- على تَزويج بناتهم؛ حرصًا منهم على الاطمئنان عليهنَّ بإدخالهنَّ عالم الزوجية السعيد.

 

فعن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما-: أن عمر بن الخطاب حين تأيَّمَت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي، وكان من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتوفِّي بالمدينة، فقال عمر بن الخطاب: أتيتُ عثمان بن عفان فعرضتُ عليه حفصة، فقال: سأنظر في أمري، فلبثتُ ليالي ثم لقيني، فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، قال عمر: فلقيتُ أبا بكر الصدِّيق فقلت: إن شئتَ زوجتُك حفصة بنت عمر، فصمَتَ أبو بكر فلم يَرجِع إليَّ شيئًا، وكنت أوجد عليه منِّي على عثمان، فلبثت ليالي ثمَّ خطبها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فأنكحتُها إياه، فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت عليَّ حين عرضت عليَّ حفصة فلم أرجع إليك شيئًا؟ قال عمر: قلت: نعم، قال أبو بكر: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضتَ عليَّ إلا أني كنتُ علمتُ أن رسول الله صلى الله وسلم قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سرَّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولو تركها رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- قبِلتُها.(أخرجه البخاري 5122).

 

عباد الله: إن في منع المرأة من تَزويجها بالكفء ثلاث جنايات: جناية الولي على نفسه بمعصيته الله ورسوله، وجناية على المرأة؛ حيث منعها من الكفء الذي رضيَته، وجناية على الخاطب؛ حيث منعه من حقٍّ أمَر الشارع بإعطائه إياه في قوله -صلى الله عليه وسلم-: “إذا جاءكم مَن ترضون دينَه وخُلقه، فأنكِحوه؛ إلَّا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد“(أخرجه الترمذي 1085، وابن ماجه 1967، والحاكم 165، وصححه الألباني في الصحيحة 1022).

 

فاتقوا الله أيها الناس، واتقوا اللهَ أيها الأولياء، واحذروا من أفعال بعض الجهَّال من بادية وحاضِرة من أمور منكرة في دين الله، وأفعال مَمقوتة لدى العقلاء في تقاليد بالية، ونظرات جاهليَّة، وجفاء في المعاملة، وضيق في التفكير.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعَني وإيَّاكم بما فيه من الآيات والذِّكر الحكيم، أقول قولي هذا، واستغفر الله لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عُدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسليمًا كثيرًا، أما بعد:

 

عباد الله: إن من معوقات النكاح أيضًا:

  • رد الخاطِب بحجَّة إكمال الدراسة الثانوية أو الجامعية أو طلب العلم:

والحقيقة أنَّه لا يوجد تعارض بين الزواج والدِّراسة؛ فقد أكَّدَت بعض الدراسات أن المرأة المتزوجة والرجل المتزوج يكونان أكثر استقرارًا نفسيًّا وفكريًّا، مما يساعدهما على التحصيل العلمي الجيد، والمثابرة في الدراسة.

وأيضًا ليس كل النِّساء يحتجن إلى إكمال الدِّراسة، والحصول على الشهادات، إلا مَن رأت في نفسها مقدرة على تقديم النَّفع لأمَّتها في بعض التخصصات التي تقوم بها المرأة، أو احتاجت إلى أن تصرف على بيتها، فلها أن تتفاهم مع زوجها في ذلك، ويجوز لها أن تضع ذلك شرطًا في عقد النكاح.

 

أيها المسلمون: إن من الأخطاء الشائعة: إعراض الأب عن الاستِماع إلى ابنه في هذه القضيَّة، وتجاهله لحاجة الولد، وقد تكون حاجته إلى الزواج ملحَّة، مما يترتَّب على تأخير زواجه وقوعه في نوعٍ من الانحراف، ومعلوم أن الناس يتفاوتون في هذه الحاجة، وفي مدى ضبط النفس تجاهها، وقد يَأثم الأب بامتناعه عن تزويج ابنه المحتاج لذلك، كما سبق.

 

ومن الآباء من يقدِّم أمرَ الدِّراسة والوظيفة على الزَّواج مطلقًا، فليس لديه مجال للنَّظر أو التفكير في زواج ابنه قبل ذلك، وهذا خطأ أيضًا، بل ينبغي أن يدرس الأمرَ، وأن يقارِن بين المصالح والمفاسِد، وأن يتعرَّف على مدى حاجة ابنه للزواج، ومدى قدرته على الجمع بينه وبين الدراسة، وأيهما أولى بالتقديم عند تعذُّر الجمع، فإن حِفظ الدين معتبر، بل مقدَّم على حِفظ البدن والمال، ومن باب أولى يقدَّم على الدراسة، خاصة وأنَّ حاجة الإنسان إلى الزواج ملحَّة، قد تكون في بعض الأحيان كحاجته إلى الأكل والشرب؛ ولذلك قال أهل العلم: إنه يجب على مَن تلزمه نفقة شخص أن يزوِّجه إن كان ماله يتَّسع لذلك، فيجب على الأب أن يزوج ابنه إذا احتاج الابن للزواج، ولم يكن عنده ما يتزوج به.

 

عباد الله: ومن معوقات النكاح: الفقر والبطالة:

والفقر يَنبغي ألَّا يكون عائقًا عن الزواج في مجتمع إسلاميٍّ، يتعاون أفراده على الخير والبرِّ، كيف يكون عائقًا، وقد أمر الله تعالى بتزويج الأيامى والصالحين من العبيد، ولو كانوا فقراء؟! فقال تعالى: (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[النور: 32]، والمعنى: زوِّجوا مَن لا زوج له من الأحرار والحرائر؛ أي: من الرِّجال والنساء، والمراد بذلك مد يَدِ المساعدة بكلِّ الوسائل حتى يتسنَّى لهم ذلك؛ كإمدادهم بالمال، وتسهيل الوسائل التي بها يتم ذلك الزواج.

 

فالإسلام بوصفه نظامًا متكاملاً يعالج الأوضاعَ الاقتصاديَّة علاجًا أساسيًّا، فيجعل الأفراد الأسوياء قادرين على الكسب، وتحصيل الرِّزق، وعدم الحاجة إلى مساعدة بيت المال، ولكنَّه في الأحوال الاستثنائية يلزم بيت المال ببَعض الإعانات؛ فالأصل في النظام الاقتصادي الإسلامي أن يَستغني كلُّ فرد بدخله، وهو يجعل تيسير العمل وكفاية الأجر حقًّا على الدولة، واجبًا للأفراد، أمَّا الإعانة من بيت المال، فهي حالة استثنائية لا يقوم عليها النظام الاقتصادي في الإسلام.

 

فإذا وجد في المجتمع الإسلامي – بعد ذلك – أيامى فقراء وفقيرات، تعجز مواردهم الخاصَّة عن الزواج، فعلى الجماعة أن تزوِّجَهم، وكذلك العبيد والإماء، غير أن هؤلاء يلتزم أولياؤهم بأمرهم ما داموا قادرين، ولا يجوز أن يقوم الفقر عائقًا عن التزويج متى كانوا صالحين للزواج، راغبين فيه، رجالاً ونساء، فالرِّزق بيَد الله، وقد تكفَّل الله بإغنائهم، إن هم اختاروا طريقَ العفَّة النظيف: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)[النور: 32]، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ثلاثةٌ حقٌّ على الله عونهم“، ومنهم: “والنَّاكِح الذي يُريد العفاف“(أخرجه الترمذي 1655، والنسائي الكبرى 3120، وأحمد 9629، وابن ماجه 2518، والحاكم 2859، وقال: صحيح على شرط مسلم، وابن حبان 4030، والبيهقي 13234، وحسنه الألباني في ابن ماجه 2518، والمشكاة 3089، وغاية المرام 210).

 

وفي انتظار قيام الجماعة بتزويج الأيامى يأمرهم بالاستعفاف حتى يغنيهم الله بالزواج: (وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)[النور: 33]، وفي هذه الآية قال: (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[النور: 32]؛ أي: لا يضيِّق على مَن يبتغي العفَّة وهو يعلم نيته وصلاحه.

 

هكذا يواجه الإسلام المشكلة مواجهة عملية، فيهيِّئ لكل فرد صالح للزواج أن يتزوَّج، ولو كان عاجزًا من ناحية المال؛ لأن المال هو العقبة الكؤود غالبًا في طريق الإحصان.(في ظلال القرآن 4/ 2515).

 

وجملة: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ... ) إلخ، فيها تَرغيب في الزَّواج بالفقير والفقيرة، وألا يكون عدم وجدان المال حائلاً عن إتمامه؛ ولهذا فقال: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[النور: 32]؛ أي: لا تنظروا إلى فقر مَن يخطب إليكم، أو فقر من تريدون زواجها، ففي فَضل الله ما يغنيهم، والمال غادٍ ورائح، (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)[النور: 32]؛ أي: والله ذو سَعة وغنى، فلا انتهاء لفضله، ولا حدَّ لقدرته.؛ (تفسير المراغي 18/ 103).

 

وهو كذلك وعدٌ من الله للمتزوج من هؤلاء إن كان فقيرًا أن يغنيه الله، وإغناؤه تَيسير الغنى إليه إن كان حرًّا، وتوسعة المال على مولاه إن كان عبدًا، فلا عذر للولي ولا للمولى أن يرد خطبته في هذه الأحوال.(التحرير والتنوير 18/ 217).

 

أيها المسلمون: وبالإضافة لما سبَق هناك جملة أخرى من المعوقات عن الزواج، منها:

1- الأحلام الورديَّة الخيالية، التي ترسمها بعض البنات لشريك المستقبل، ومثله الصفات التعجيزيَّة التي يطلبها الشاب في رفيقة حياته، وعجبًا لمن يعترفُ بنَقصه كيف يبحث عن كامل يستحيل وجوده؟

2- ضمور معاني الأسرة في النفوس، وخاصة لدى الرجال.

3- عدم المبادرة بتزويج الشاب والفتاة بحجَّة أنهم ما زالوا صغارًا.

 

4- الأثر الذي لا يُنكر لوسائل الإعلام، وقد عزا بعضُ الشباب انصرافهم عن الزواج إلى بعض الفضائيات التي تزهِّد الرجال في النساء، من خلال عرض صور الفاتنات اللاتي يخيل للشباب بأنه لا يوجد في النِّساء مثلهنَّ، ولا يدرون أن هؤلاء النسوة يقضين ساعات طويلة للتزين على يد خبراء في تزيين الوجوه وتزييفها، وكذلك تزهيد النساء في الرجال لما يرين خلف الشاشات من صور الشباب المترف المتأنق المثقف المقتدر ماديًّا للغاية، وهذا ما لا يوجد في الحقيقة.

 

5- وجود بدائل غير شرعية للتنفيس عن الشباب، فكم من خليلة منعت الشُّبان من حليلة! كما أن رواج سوق الفاسقات في بعض الدول منع زواج العفيفات الغافلات.

6- ضحالة الثقافة الشرعيَّة، فيما يخص الولاية والزواج والمهر والتعدُّد والعدل.

 

7- غياب هذا الموضوع عن وسائل التأثير والاتصال والتوجيه، وإن كان حاضرًا بدرجة لا تكفي، وطريقة غير مرْضية أحيانًا.

 

8- رفضُ التعدُّد من قِبل الفتيات، والإحجام عنه من قِبل الرِّجال، ونظرة بعض المجتمعات له بشيء من الرِّيبة والتنقص، بسبب تَشويه الإعلام له عبر المسلسلات، وإبراز الصور غير الناجحة فيه وغيرها، وكذلك سوء تَطبيقه من قِبل بعض الرجال الذين ليسوا مؤهَّلين للتعدُّد، ولا يصلحون له.

 

9- عدم التفات الأثرياء والمحسِنين إلى هذا الجانب في الهِبات والأوقاف والصدقات والزكوات بالشكل المطلوب والمؤمل منهم.

 

10- تشويه صورة الزواج عبر ما يعرض من المسلسلات على أنه شبح ومسؤولية عظيمة وارتباط وقيد، وما يذكرونه من مشكلات الزواج وسلبيَّاته التي يزعمون، ولا يتطرَّقون إلى محاسنه ومنافعه.

 

عباد الله: ثم اعلموا رحمكم الله أنَّ الله تعالى أمركم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

اللهم صلِّ وسلِّم وزِد وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وأزواجه وذريَّته وصحابته، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين، وأذلَّ الشرك والمشركين…

 

الملفات المرفقة
النكاح وعقباته
عدد التحميل 13
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات