طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15457

الجليس وأثره على جليسه

المكان : اليمن / صنعاء / بدون / ابن الأمير الصنعاني /
التصنيف الرئيسي : أخلاق وحقوق
تاريخ الخطبة : 1432/08/14
تاريخ النشر : 1439/11/12
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/أهمية اختيار الجليس الصالح 2/ذكر الجليس الصالح والجليس السوء في السنة 3/شدة الحاجة للجليس الصالح في هذا الزمن 4/أثر الجليس الصالح 5/خطر الجليس الصالح وأهمية الفرار منه
اقتباس

لحرص الإسلام على استقامة الإنسان وصلاحه، وإبعاده عن كل سبيل يورد إلى الأخطار والأضرار حث على اختيار الجليس والصاحب من بين الجموع الكثيرة؛ فقد رغب ديننا الحنيف الزوجَ في اختيار الزوجة…

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)[آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)[النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)[الأحزاب:70-71].

 

أما بعد:

 

أيها الناس: إن مما تعارف عليه الناس: أن الإنسان مدني بطبعه، يميل إلى مخالطة غيره ويأنس بمن سواه، ولا يستطيع -في حالة الصحة والاختيار- أن يعيش وحده ويبقى بعيداً عن مجالسة الناس والالتقاء بهم.

 

لقد جعل الله -تعالى- في نفس الإنسان قابلية التأثر والتأثير على غيره، فهو يتأثر بمن وبما حوله ويؤثر كذلك. والمؤثرات التي ترد على الإنسان في هذه الحياة كثيرة، وتستطيع تلك المؤثرات أن تصل إلى اعتقادات الشخص وأفكاره، وأعماله وأخلاقه، ونفسيته وسلوكه. وقد تكون صحيحة أو باطلة نافعة أو ضارة.

 

عباد الله: لقد أدرك الإسلام هذه المعاني كلها، ولحرصه على استقامة الإنسان وصلاحه، وإبعاده عن كل سبيل يورد إلى الأخطار والأضرار حث على اختيار الجليس والصاحب من بين الجموع الكثيرة؛ فقد رغب ديننا الحنيف الزوجَ في اختيار الزوجة الصالحة، كما رغب الزوجة وأولياءها في اصطفاء الزوج الصالح؛ لأن الزوجية أطول المجالسات وأشدها تأثراً وتأثيراً، وتنشأ من هذا الارتباط الوثيق الذرية التي تتأثر بالأب والأم، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبهاـ ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك“(متفق عليه).

 

وعن أبي حاتم المزني مرفوعا: “إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، إن لا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير، قالوا: يا رسول الله، وإن كان فيه؟ قال: إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه، ثلاث مرات” (رواه الترمذي، وهو حسن).

 

كما حث -أيضاً- على القرب من الجلساء الصالحين، وحذر من جلساء السوء؛ لأن كل إنسان لديه خلائق وطبائع قابلة للتصدير إذا وجدت من يرضاها؛ فالجليس الصالح إما أن يحث جليسه على الصلاح والخير، فيصلح بمجالسته وحرصه على إيصال النفع إليه، وإما أن يسأله عن طرق الخيرات فيدله عليها، وإما أن يستفيد منه الخير والانتفاع بمجرد المجالسة والملازمة، وإن لم يدعُه إلى ذلك أو يسأله.

 

قال لبيد:

ما عاتب الحر الكريم كنفسه *** والمرء يصلحه الجليس الصالح

 

لقد سعد أبو بكر -رضي الله عنه- بمجالسة النبي -عليه الصلاة والسلام- قبل البعثة، فلما بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- دعاه إلى الإسلام فاستجاب له، فكان سبب سعادته في الدنيا والآخرة.

 

وأما الجليس السوء؛ فإما أن يدعو جليسه إلى فساده، ويشجعه عليه، فيتأثر الجليس المدعو بالجليس الداعي ويصير مثله أو أكثر؛ كما قال الأول:

وكنتُ فتى من جندِ إبليسَ فارتقَتْ *** بي الحالُ حتى صار إبليسُ من جُندي!

 

كان أبو طالب جليس أبي جهل وعبد الله بن أبي أمية، فلما حضرت أبا طالب الوفاة شقي بأثر مجالستهما عند خروجه من الدنيا حينما زفّاه إلى مصير الهلاك وفاءً بحق الصحبة!.

 

عن سعيد بن المسيب عن أبيه أنه أخبره: أنه لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأبي طالب: “يا عم، قل: لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله“. فقال أبو جهل وعبد الله بن أمية: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلم يزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعرضها عليه ويعودان بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: هو على ملة عبد المطلب وأبى أن يقول لا إله إلا الله (متفق عليه).

 

يقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في تأثير الجليس على جليسه: “إنما مثل الجليس الصالح والجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك إما أن يحذيك، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحا خبيثة“(رواه مسلم).

 

أيها الأحبة الكرام: إن الجلساء يختلفون في التأثير على جلسائهم قوة وضعفاً؛ فمنهم من هو قوي التأثير حتى يربح موافقة جلسائه في أعماله وآرائه ومواقفه بسرعة؛ ويرجع ذلك إلى قوة شخصيته وتفكيره وبراهين إقناعه، وقد تعود قدرة تأثيره على غيره إلى قوته المادية وارتباط مصالح جلسائه به؛ فمن لم يقتنع من عقله وقلبه اقتنع من بطنه وشهوته؛ خاصة إذا غلب الطمع وكثرت الحاجة؛ فداعي الخير أو داعي الشر إذا امتلك هذه القوى ووجد جلساء من أهل الذوبان السريع في شخصيات غيرهم وصل منهم إلى ما يريد.

 

هذا هو الواقع؛ ولذلك يحذر المسلم مجالسة أصحاب الشبهات الذي يفسدون عليه عقله وقلبه، ويحذر أصحاب الشهوات الذين يفسدون عليه قلبه وجوارحه.

 

أيها المسلمون: إن الأزمنة الماضية من تاريخ هذه الأمة حظيت بأهل صلاح واستقامة كثيرين كانوا هم الموجهين لمسيرة المجتمع القائدين للناس فيه؛ فلذلك كثر الصلاح والمصلحون، وقل الفساد والمفسدون. لكن تلك الحال العامة الحسنة لم تبق إلى أيامنا، بل أخذت في الانحسار والتلاشي. مع أن الزمان لم يتغير والمكان لم يتبدل، وإنما تغير وتبدل الإنسان الذي فيهما.

 

يقولون الزمان به فساد *** وقد فسدوا وما فسد الزمان

 

وقال الآخر:

نعيب زماننا والعيب فينا *** وما لزماننا عيب سوانا

 

عباد الله: إن الواقع الحاضر كثر فيه الفساد وأهله، وقل فيه الصلاح وأصحابه، لقد امتلك أهل الفساد وسائل التأثير الجذابة للجماهير، فأخذوا يغزون النفوس في عقر دارها؛ لينحرفوا بالأفكار، ويفسدوا الأخلاق الحسنة، ويُجهِزوا على ما تبقى من الفضيلة؛ فكم هي الوسائل الإعلامية المتنوعة التي تحارب العقيدة الصحيحة! وكم هي تلك الوسائل التي تدعو إلى الرذيلة وتعادي الفضيلة! وكم هي تلك الوسائل التي تخدر المجتمعات وتحول بينها وبين العمل الجاد والتفكير السليم والعمل المستقيم!.

 

في ظل هذه الأجواء المكفهرة، وبين هذه السهام الحادة الكثيرة من كل جانب يتعب الإنسان الصالح في حماية نفسه وأسرته من هذه الأسلحة الموجهة إليه؛ فيخاف على زوجته من جليسات السوء اللاتي تأثرن بذلك الداء، ويخشى على أبنائه وبناته أن تصل إليهم الكارثة التي تطل عليهم من كل جهة في المجتمع توجهوا إليها؛ إذ يلاقون فيها مندوبي السوء يدعونهم: هلم إلينا، مزينين لهم الباطل بكل زينة.

 

لكن مع ذلك لابد على أولياء الأمور أن يفتشوا عن الجلساء الصالحين لمن ولاهم الله عليهم، فإذا وجدوا أهل الخير الصادق والصلاح الباطن والظاهر فليشدوا أيدي من وُلّوا عليه بأيديهم.

 

أبلُ الرجال إذا أردت إخاءهم *** وتوسمنّ أمورهم وتفقدِ

فإذا وجدت أخا الأمانة والتقى *** فبه اليدين قريرَ عين فاشدد

 

إن أولئك الصالحين يوجدون في المساجد وفي حلقات العلم وفي الأماكن الطيبة الأخرى، قال عبد الله بن المبارك -رحمه الله-:

من كان ملتمساً جليسا ًصالحاً *** فليأت حلْقة مسعر بن كدام

فيها السكينة والوقار وأهلها *** أهل العفاف وعِلية الأقوام

 

أيها المسلمون: لا تملوا من متابعة الأولاد ومراقبتهم لتنظروا جلساءهم؛ فإن الناس إنما يعرفونهم بجلسائهم؛ فاحرصوا على سمعة أولادكم.

 

عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه *** فكل قرين بالمقارن يقتدي

إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم *** ولا تصحب الأردى فتردى مع الردي

 

وكما قال الآخر:

أنت في الناس تقاس *** بالذي اخترت خليلا

فاصحب الأخيار تعلُ *** وتنل ذكراً جميلا

 

فإذا لم تتابعوا فجليس السوء متابع حثيث سيقوم بمهمة المتابعة والتربية عنكم، ولكن إلى شفا الندامة ومنحدرات الألم.

 

أيها الشبان: اختاروا الأصحاب والأصدقاء الذين يعينونكم على صلاح دينكم ودنياكم، وإياكم ورفقة السوء فإنها نواب الشيطان؛ لأن الصاحب ساحب إما إلى المناقب وإما إلى المعاطب.

 

يكفي الشابَّ المرافق للصالحين أن يقال عنه: هو صاحب فلان ورفيق فلان الذي تعرفه المساجد ودور الخير، وتعرفه المدراس والجامعات بالتفوق والسلوك الحسن، ويعرفه حيه وجيرانه بدماثة الأخلاق وطيب المعشر وحسن المعاملة.

 

تذكر -أيها الشاب- أن الإنسان يحشر مع من أحب؛ فمن أحب الصالحين حشر معهم، ومن أحب الطالحين حشر معهم؛ فمع من تحب أن تحشر؟.

 

عن أنس -رضي الله عنه- أن رجلاً سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:متى الساعة؟ قال: “وما أعددت لها؟” قال: لا شيء، إلا أني أحب الله ورسوله، قال: “أنت مع من أحببت“، قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “أنت مع من أحببت“، قال أنس: فأنا أحب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر وعمر وأرجو أن أكون معهم بحبي إياهم (متفق عليه).

 

إن من يجالس الصالحين تشمله بركتُهم ويعمه خيرهم؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تنادوا: هلموا إلى حاجتكم، فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: فيسألهم ربهم -وهو أعلم بهم-: ما يقول عبادي، قال: يقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك، قال: فيقول: هل رأوني، قال: فيقولون: لا والله يا رب ما رأوك، قال: فيقول: فكيف لو رأوني، قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدا وأكثر لك تسبيحا، قال: فيقول: فما يسألوني، قال: يقولون: يسألونك الجنة، قال: فيقول: وهل رأوها، قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها، قال: فيقول: فكيف لو رأوها، قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة، قال: فمم يتعوذون، قال: يتعوذون من النار، قال: فيقول: وهل رأوها، قال: يقولون: لا والله ما رأوها، قال: فيقول: فكيف لو رأوها، قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة، قال: فيقول: أشهدكم أني قد غفرت لهم. قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة، قال: هم القوم لا يشقى بهم جليسهم“(متفق عليه).

 

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “الرجل على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل“(رواه أبو داود، وهو حسن).

 

أيها الأحباب الأفاضل: من يجالس الصالحين يصلح عيبه، ويكمل نقصه؛ إذ بهم يتذكر إذا غفل ويتعلم إذا جهل، ويتقوّى إذا ضعف ويتسلى إذا حزن، ويعان إذا احتاج، قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: “المؤمن مرآة أخيه، إذا رأى فيه عيباً أصلحه“.

 

ومن يجالس الصالحين يعرّفونه على الصالحين؛ فينتقل بين تلك الرياض النضرة، فيشم من أريجها ويتنزه بين أفنانها، فيعود بنفس منشرحة وسمعة طيبة.. من يجالس الصالحين يحفظ دينه ودنياه فيحفظ صحيفة عمله، ويحفظ وقته وعمره وماله.

 

عباد الله: إن الجليس الصالح مثل النخلة فما أخذت منها نفعك، قال سفيان الثوري -رحمه الله-:” لربما لقيت الأخ من إخواني فأقيم شهراً عاقلاً بلقائه؛. لأنه يتذكر برؤيته الطاعة والصلاح؛ لأن من خير الناس من إذا رآهم الناس ذكروا الله -تعالى-.

 

قال عيسى -عليه السلام-: “جالسوا من تذكركم اللهَ رؤيتُه، ومن يزيد عملَكم كلامه، ومن يرغبكم في الآخرة عمله“.

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم؛ إنه هو الغفور الرحيم

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد:

 

أيها المسلمون: إن الإنسان-صغيراً أو كبيراً ذكراً أو أنثى- إذا رضي لنفسه مفارقة الصالحين واللحاق بركب الطالحين سيجني على نفسه جنايات كثيرة، سيندم على تلك المجالسة لهم ولو بعد حين؛ فمجالسة السيئين سم زعاف إن لم يقتل يُمرض، وإن سُرَّ مع أصدقاء السوء وقتاً وأحبهم زمناً فسيندم ولو بعد حين؛ فتنقلب المودة إلى عداوة والحب إلى بغض، قال تعالى: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَاناً خَلِيلاً * لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولاً)[الفرقان:27-29]، وقال: (الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ)[الزخرف:67].

 

إن مجالسة أهل السوء دعوة ملحة إلى الوقوع في مساخط الله وما لا يحمد في الخلق الكريم فعله، وتكفي رؤيتهم فإنها دعوة غير مباشرة إلى الخطيئة، ومجالسة أهل السوء خراب للبيوت وإهدار للطاقات وتضييع للأوقات الثمينة التي هي رأس مال الإنسان على هذه الدنيا. وهي بوابة إخراج الأسرار وكشف لأستار، وقد قيل:

يخرج أسرار الفتى جليسه *** رب امرئ جاسوسه أنيسه

 

عباد الله: إن الجلساء مفاتيح ومغاليق؛ فمنهم من جعله الله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، ومنهم من جُعل مغلاقاً للخير مفتاحاً للشر؛ فاختاروا لأنفسكم مفاتيح الخير مغاليق الشر تربحوا وتنجوا، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إن من الناس ناساً مفاتيح للخير مغاليق للشر وإن من الناس ناساً مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه“(رواه ابن ماجه، وهو حسن).

 

أيها المسلمون: إذا نزل الإنسان مكاناً أو خالط مجموعة من الناس، فلم يجد فيهم جليساً صالحاً فليفر من هناك فراره من الأسد، ولا يسوّف في الفرار والهروب؛ فإن البقاء هناك قد يفقده الإحساس بالخطر، فيتسرب إليه الداء شيئاً فشيئاً حتى يعمه فيرضاه ويستمرأه؛ فلتكن الوحدة عن أولئك الأشرار كهفه الذي يأوي، فسينشر له ربه من رحمته ويهيئ له من أمره رشدا. كان يقال: “الجليس الصّالح خير من الوحدة، والوحدة خيرٌ من الجليس السّوء“.

 

قيل لابن المبارك: إنك تكثر الجلوس وحدك. فقال: أنا وحدي؟! أنا مع الأنبياء والأولياء والحكماء والنبي وأصحابه، ثم أنشد هذه الأبيات:

ولي جلساء ما أمل حديثهم *** ألباء مأمونون غيباً ومشهدا

إذا ما اجتمعنا كان حسن حديثهم *** معيناً على دفع الهموم مؤيدا

يفيدونني من علمهم علم ما مضى *** وعقلاً وتأديباً ورأياً مسددا

بلا فتنة تُخشى ولا سوء عشرة *** ولا أتقي منهم لساناً ولا يدا

 

هذا وصلوا وسلموا على الهادي البشير…

الملفات المرفقة
الجليس وأثره على جليسه
عدد التحميل 39
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات