ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15451

لم الشتات في وسائل الثبات

المكان : المملكة العربية السعودية / القصيم - بريدة / حي المنار / أبي هريرة رضي الله عنه /
التصنيف الرئيسي : أحوال القلوب
تاريخ النشر : 1439/11/11
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/أهمية الثبات على الدين 2/أنواع الثبات على الدين 3/وسائل الثبات على الدين
اقتباس

ولأهميته -عباد الله- فإن الإنسان لا يأمن على دينه طرفة عين، والأعمال بالخواتيم؛ كما جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعودٍ -رضي الله عنه-: “فَوَالله الَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُه إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُوْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ…

الخطبة الأولى:

 

أبدأ بالحمد مستعينًا *** راضٍ به مدبرًا معينًا

والحمد لله الذي هدانا *** إلى طريق الحق واجتبانا

أحمدُه سُبحانَه وأشكُرُهْ *** ومِن مَساوئ عملي أستغفِرُهْ

وأستعينُه على نَيْلِ الرِّضَا *** وأستَمِدُّ لُطفَه فيما قَـضَى

وبعدُ إني باليقينِ أشهـدُ *** شهـادةَ الإخلاصِ ألا يُعـبَدُ

بالحق مألوهٌ سوى الرحمنِ *** مَنْ جَلَّ عن عيبٍ وعن نُقصانِ

وأنَّ خيرَ خلـقِه محمـدَا *** مَن جـاءَنا بالبينـاتِ والهُدى

صلَّى عليه ربُّنا ومَجَّدَا *** والآلِ والصَّحْبِ دَوامًا سَرْمدَا

 

أما بعد:

 

فيا عباد الله: اتقوا الله حق التقوى واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى.

 

حديثنا إليكم في هذه اللحظات وهذه الدقائق المعدودات عن أمرٍ مهمٍ عظيم يحتاجه كل مسلمٍ ومسلمة، ولا يستغني الإنسان عنه في هذه الحياة طرفة عين.

 

ذلكم -عباد الله- هو: الثبات على الإسلام والإيمان والعقيدة الصحيحة إن الله -عزَّ وجلَّ- امتن علينا بهذه النعمة وفضَّلنا بهذه المنة نعمة التوحيد والعقيدة، نعمة لا إله إلا الله، ومن شكرها وحمد الله عليها سؤال الله -عزَّ وجلَّ- الثبات عليها والتمسك بها (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)[الزخرف:43].

 

ولأهمية الثبات -أيها الأحبة- فعناصر الخطبة أهميته وأنواعه ووسائله.

 

أما أهميته: فيظهر جليًا عباد الله في فضل نعمة الإسلام ومِنَّة الإيمان؛ ولهذا الأنبياء يسألون الله -عزَّ وجلَّ- الوفاة عليه كما قال الله -عزَّ وجلَّ- عن يوسف: (تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)[يوسف:101].

 

وبه يتواصون (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[البقرة:132].

 

ويأمر الله -عزَّ وجلَّ- عباده (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران:102].

 

ولأهميته -عباد الله- فإن الإنسان لا يأمن على دينه طرفة عين، والأعمال بالخواتيم؛ كما جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعودٍ -رضي الله عنه-: “فَوَالله الَّذِي لاَ إِلَهَ غَيْرُه إِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُوْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا“.

 

ولأهمية الثبات -أيها الأحبة- العلماء الراسخون يسألون الله أن يحفظ عليم علمهم وإيمانهم (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً)[آل عمران:8].

 

ولأهمية الثبات ففي كل ركعة تقول: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)[الفاتحة:6] اهدنا: دلنا وأرشدنا على الصـراط المستقيم (صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ)[الفاتحة:7].

 

وأما أنواعه -أيها الأحبة- فأنواعه ثلاثة: في الحياة، وعند الاحتضار، وبعد الممات؛ أما في الحياة -أيها الإخوة- فقد قال سبحانه: (قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين)[الأنعام:162].

 

ولهذا جاء الاستعاذة عقب التشهد من أربع ومنها: “وَأَعُوذُ بك مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ”؛ فالدنيا محل امتحانٍ وابتلاءٍ (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)[الأنبياء:35].

 

فعلى الإنسان أن يصبر على ما يمر به من الفتن والمِحن والابتلاءات والمصائب؛ فهذه الدنيا.

 

فمن يعش في الدنيا فلا بُد أن يرى *** من العيش ما يصفو وما يتكدر

لكل شيءٍ إذا ما تم نقصانه *** فلا يُغر بهذا العيش إنسان

هي الدنيا كما شاهدتها دولٌ *** من سرَّه زمنٌ ساءته أزمانٌ

 

وأما النوع الثاني فهو: حال الاحتضار؛ فإن للموت سكرات كما قال سيد البريات: “لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ لسَكَرَاتٍ“، وكان من دعائه “اللهم إني أَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِيَ الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَمَاتِ“؛ ففي لحظات الاحتضار قد يأتيه الشيطان فيُسوِّل له ويُمنيه ويُسوِّف له؛ بُغية الشيطان وأمنيته أن يموت الإنسان على الكفر والإلحاد والزندقة، والخروج عن دائرة الإسلام؛ ولهذا في هذا المُعترك يحضره وجنوده، وجاء الفضل العظيم لمن مات على هذه الشهادة “مَنْ كَانَ آخِرُ كَلامِهِ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ“.

 

يا رب يا رب ثبتنا على الإيمان، ونجنا من شرور الشيطان، ونسأل الله حُسن الخاتمة فهي وربي لحظاتٌ حاسمة، ونسأل الله لنا السعادة والفوز عند الموت بالشهادة.

 

وأما النوع الثالث -أيها الإخوة- فهو: بعد الموت نعم قال الله -جلَّ وعلا-: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ)[إبراهيم:27].

 

في البخاري عن البراء بن عازب نزلت في عذاب القبر، ولما قُبِر أحد الصحابة وقف عليه -عليه الصلاة والسلام- وقال: “اسْأَلُوا لأَخِيكُمْ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الآنَ يُسْأَلُ“؛ لأن كل امرئٍ سوف يُعرض عليه أسئلة القبر وهي: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟

 

وَأَنَّ كُلاٍّ مُقْعَدٌ مَسْـؤُولُ *** مَا الرَّبُّ مَا الدِّينُ وَمَا الرَّسُولُ؟

عِنْدَ ذَا يُثَبِّتُ الْمُهَيْمِـنُ *** بِثَابِتِ الْقَولِ الَّذينَ آمَنُـوا

وَيُوقِنُ الْمُرْتَابُ عِنْدَ ذَلِـكَ *** بِأنَّ مَا مَوْرِدُهُ الْمَهَالِــك

 

فأسئلة القبر سوف تُعرض علينا فنسأل الله الثبات عليها، من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟

 

وأما وسائله-أيها الأحبة- فالوسائل كثيرة من أبرزها وأهمها:

العلم؛ لأن العلم نور وحياة وبصيرة (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ)[يوسف:108] (أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ)[الأنعام:122]؛ فالعالم والمتمكن من العلم الصحيح النافع لا تُزعزعه الفتن، ولا تضره المحن، لا يتغير، لا يتبدل لا يؤوِّل، لا يُحرِّف.

 

فعنده العلم قال الله قال رسوله *** قال الصحابة هم أولوا العرفان

 

فالعلم حياةٌ للإنسان في حياته، حياةٌ للإنسان في قبره، حياةٌ للإنسان عند بعثه؛ ولهذا العلم يدفع عن العبد أمرين عظيمين: الشُّبهات، والشهوات.

 

اعْلَـمْ هُـدِيـتَ أَنَّ أفـضـلَ الْمِنَـنْ *** عِلمٌ يُزيـلُ الشَّـكَّ عَنْـكَ وَالـدَّرَنْ

وَيَكْشِـفُ الحـقَّ لِـذِي القُــلُـوبِ *** وَيُوصِـلُ العَبْـدَ إِلـى المطْلُـــوبِ

 

فيدفع عنك الشبهات والتوجهات الضالة، والانحرافات المنحرفة المنجرفة، ويدفع عنك الشهوات والمعاصي والسيئات.

 

والثاني: العبادة وقد جاء في مسلم قوله -عليه الصلاة والسلام-: “عِبَادَةٌ في الهَرجِ كَهِجرَةٍ إِلَيَّ” والهرج: القتل “لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ، وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ“؛ فإذا تبلبلت الأمور وتشتت وافترقت واختلفت وأنت في عبادة ربك – فهذا من أعظم ما يُثبتك على الإيمان وعلى الإسلام.

 

لهذا استيقظ النبي -عليه الصلاة والسلام- ذات مرة، فقال: “ويْلٌ لِلْعربِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتربَ مَنْ يُوقِظُ صَوَاحِبَ الحُجُرَاتِ؟ -يعني: أزواجه- لِكَيْ يُصَلِّينَ فَرُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيَةٍ فِي الآخِرَةِ” الله أكبر! ليُعلق قلوبهن بالله وبهذه الصلاة؛ ولهذا العبادة من أعظم ما تُثبت الإنسان عند مواطن الفتن والمحن.

 

ومن ذلكم: الذِّكر؛ ولهذا الله -عزَّ وجلَّ- أمر به في أعظم المواقف، وأصدق المصاعب (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا)[الأنفال:45]؛ لأن من ذكر الله كان معه مولاه (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)[البقرة:152]؛ فهو حريٌّ بأن يُثبته الله -عزَّ وجلَّ-.

 

ومن الوسائل -أيها الأحبة-: قراءة القصص وتأملها، والقرآن كافٍ شافٍ في هذا الباب (وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ)[هود:120].

 

القصص عبرة وعظة (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ)[يوسف:111] سمى الله سورةً كاملةً بسورة القصص، وقصَّ علينا قصة شخصٍ في سورةٍ كاملةٍ في قصة يوسف؛ فلهذا قراءتها والتأمل فيها يُعطي الإنسان العبر والدروس ويُهذب النفوس.

 

ومن ذلكم: معرفة الله في الرخاء؛ فقد جاء عند الترمذي وأحمد: “اعرف اللهِ في الرَّخاءِ يَعْرِفْكَ في الشِّدَّة” إذا عرفت الله في رخائِك وسخائك وعافيتك وأمنك وطمأنينتك عرفك الله عند مضائق الأمور، وعند مصاعبها، وعند تأزمها (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)[الأنبياء:87].

 

(وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ * فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ * فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ * فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)[الصافات:139-144].

 

ومن الوسائل -أيها الأحبة-: البُعد عن مواقع الفتن ومزالق المحن؛ فقد جاء في الحديث: “مَنْ سَمِعَ بِالدَّجَّالِ فَلْيَنْأَ عَنْهُ“، وجاء في الحديث أيضًا في الصحيح في ذكر الفتن: “مَنْ وَجَدَ مَعَاذًا فَلْيَعُذْ بِهِ“؛ فينبغي للإنسان أن يبتعد عن مزالقها وأماكنها ومواقعها ومنتدياتها.

 

ولهذا -أحبتي في الله- ينبغي أن يحرص الإنسان على نفسه، ويُحصن حاله بالعلم النافع والعمل الصالح؛ فلا يقترب من الفتن.

 

ولهذا جاء الاستعاذة قبل وقوعها؛ فمن الاستعاذات الأربع: “وَأَعُوذُ بك مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ“، وكان من دعائه -عليه الصلاة والسلام-: “تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ“.

 

ومن ذلكم -أيها الأحبة- وهو السابع: الاجتماع والائتلاف (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ)[آل عمران:103]؛ فالاجتماع والائتلاف سببٌ للعصمة من السوء والإجحاف، أما الافتراق والشقاق والنزاع والاختلاف مما يُورث التشتت والاختلاف؛ ولهذا -عباد الله- الاجتماع رحمة والتآلف مودة.

 

ومن أسباب وسائل الثبات: الوعظ والتذكير وهل القرآن إلا وعظٌ وتذكير.

 

وإن تُرد الوعظ الذي إن عقلـته *** فـإن دموع الـعين عنه جواب

 

فالقرآن وعظٌ وتذكير (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا)[النساء:66] فالقرآن فيه الوعظ والزجر، والترغيب والترهيب، والمرء لا بُد أن يكون هناك حاجزًا ومانعًا ورادعًا؛ ولهذا (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ)[الرحمن:46].

 

أسأل الله أن يوفقني وإياكم لما يُحب ويرضى من القول والعمل والنية والهدى، وصلى الله وسلم على النبي المصطفى.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله حمدًا حمدا، والشكر لله شكرًا شكرا.

 

ومن وسائل الثبات -أيها الإخوة رزقني الله وإياكم الثبات-: القرآن علمه وعمله، وتعلمه وتدبره، والتخلق بأخلاقه، والتأدب بآدابه (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[القلم:4].

 

القرآن أعظم مثبت؛ لأنه أعظم وسائل المصادر، وأعظم الوسائل التي تُوصل إلى الجنان.

 

أَخِـي تَـدْرِي أَيْـنَ طَـرِيْقُ الجَنَّة؟ *** طـرِيْقُهَا الكتابُ ثُـمَّ السُّنَّـهْ

 

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا)[الفرقان:32].

 

فتدبر القرآن إن رمتَ الهدى *** فالعلم تحت تدبر القرآن

 

فاحرصوا بارك الله فيكم على القرآن تمسكًا وتعلمًا وتعليمًا وتدبرًا وتفهمًا، فهو الصـراط المستقيم والمنهج القويم.

 

ومن وسائل الثبات: الاستقامة، قال الله -عزَّ وجلَّ-: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)[فصلت:30]؛ فلا يكفي القول دون العمل، ولا العمل دون الإيمان، ولا العمل دون القول؛ فالإيمان والعمل الصالح قرينان (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ)[البقرة:277].

 

ولما قال الرجل للنبي -صلى الله عليه وسلم-: قُل لي في الإسلام قولًا لا أسأل عنه أحدًا غيرك، قال: “قُلْ: آمَنْت بِاَللَّهِ ثُمَّ اسْتَقِمْ“.

 

ومن وسائل الثبات: الإيمان (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا)[النحل:102].

 

والإيمان فيه خصلتين عظيمتين: الأمن، والدفع. (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ)[الأنعام:82]؛ فهو يؤمِّنك من الفتن والمحن، وأمام ما يحصل من حوادث الزمن وكوارثه. وكذلك يدفع عنك المصائب والآلام والأسقام (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا)[الحج:38].

 

لكن الإيمان يحتاج إلى تحقيق، ويحتاج إلى عمل اختلاطه باللحم والدم ليُصبح الإنسان مؤمنًا بالله -عزَّ وجلَّ- حقًّا محبةً وخوفًا ورجاءً.

 

ومن وسائل الثبات: التوكل فاعبده وتوكل عليه (أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ)[الزمر:36]. (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)[الطلاق:3] ومن كان الله حسبه فهو كافيه، ومن كان الله كافيه فلا لأحدٍ مطمعٍ فيه، فمن توكل على الله كفاه الله ما أهمه من دينه ودنياه.

 

والتوكل هو: صدق الاعتماد على الله، وصدق التفويض على الله -عزَّ وجلَّ-؛ ولهذا (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ)[الأنفال:2].

 

والثالث عشر: نصر دين الله وسُنته بمحبتها ونشرها، والعمل بها والذب عنها، والحفاظ عليها وتطبيقها على أرض الواقع (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)[محمد:7].

 

فهذه السُّنَّة العظيمة سُنَّة المصطفى والرسول المُجتبى صلوات الله وسلامه عليه ينبغي أن تكون لنا نبراسًا واقتداءً، تأسيًّا واقتفاءً (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)[الأحزاب:21].

والرابع عشر: الصبر، فمن صبر ظفر.

 

الصبر مثل اسمه مرٌّ مذاقته *** لكن عواقبه أحلى من العسل

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ)[البقرة:153]، (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا)[آل عمران:120]؛ فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل، فصبرًا على الطاعة، وصبرًا عن المعصية، وصبرًا على أقدار الله المؤلمة.

 

والخامس عشر -وهو آخرها وختام مسكها-: دعاء الله -عزَّ وجلَّ- بالثبات على هذا الدين؛ فمن دعاء الأنبياء (ربِّي توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين)[يوسف:101]، ومن دعاء الصالحين (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً)[آل عمران:8].

 

والله ما خوفي الذنوب فإنها *** لعلى سبيل العفو والغفرانِ

لكنما أخشى انسلاخ القلب من *** تحكيم هذا الوحي والقرآنِ

ورضًا بآراء الرجال وخرصها *** لا كان ذاك بمنة الرحمنِ

 

ولهذا جاء عند أبي داود والترمذي: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ” ومن يمين المصطفى: “اللهم مُثبت الْقُلُوب ثَبِّتْ قَلْبـِي عَلَى طاعتك“.

 

ولما جاء جريرٌ إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- وهو لا يستطيع الركوب على الخيل قال: “اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا“.

 

ومن دعائك في صلاتك (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ)[الفاتحة:6] هذا الدعاء الذي يقول عنه شيخ الإسلام: ” أنفع الدعاء وأعظمه وأحكمه“.

 

يقول الإمام المُجدد محمد بن عبد الوهاب -أجزل الله له الأجر والثواب-: “معنى اهدنا: دلنا وأرشدنا وثبتنا“.

الملفات المرفقة
لم الشتات في وسائل الثبات
عدد التحميل 13
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات