ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15443

مهالك الظنون!

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / حي الحمراء / جامع أبي يوسف /
التصنيف الرئيسي : الأخلاق المذمومة
تاريخ الخطبة : 1439/10/29
تاريخ النشر : 1439/11/10
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/خطأ التسرع في الحكم على الآخرين 2/بحسن الظن تدوم المحبة وتصفو المودة 3/بعض صور الظن التي يجب اجتنابها
اقتباس

وأسرارُ القلوبِ لا يعلمُها إلا علامُ الغيوبِ؛ فليسَ لكَ أنْ تعتقدَ في غيرِك سُوءًا إلَّا إذا انكشفَ لكَ بعيانٍ لا يقبلُ التأويلَ، وما يقعُ في قلبِك من الظنونِ السيئةِ فإنما الشيطانُ يُلقيه إليكَ فينبغي أن تكذبَه فإنّه أفسقُ الفساقِ…

الخطبة الأولى:

 

أمَّا بعد: في مُسْتَهَلِّ السنةِ الحاديةَ عشرَةَ منَ الهجرةِ النبويةِ بعثَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سريةً من أصحابِه إلى الحُرَقاتِ من جُهَينة، ولَمَّا أصبحُوا هربَ القومُ، فخرجتِ السريةُ في آثارهِم فأدركَ أحدُ روادِ هذهِ السريةِ رجلًا منَ القومِ فجعلَ يقولُ الرجل: “لا إله إلا الله”، وفي روايةٍ: “جعلَ يكبّر لَمَّا رأى السيف”، فظنّ هذا الصحابيُ -رضيَ اللهُ عنه- أنّ الرجلَ تدرّعَ بالشهادةِ ليحصنَ دمَه كصنيعِ المنافقين فشدّ عليهِ فقتلَه!

 

ثُمّ مازالَ هذا الموقفُ في نفسِه، حتى أتى النبيَّ -صلّى اللهُ عليه وسلّم- وألقَى الهمَّ الذي أشغلَ بالَه بينَ يديِ النبيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فقالَ له صلّى اللهُ عليه وسلم: “أَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَقَتَلْتَهُ؟”، فأجابَ هذا الصحابيُّ: “يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلَاح“، حُكْمًا منه -رضيَ اللهُ عنهُ- بالظاهرِ فلم يكن متعطشًا للدماءِ ولكنْ أدركَه حماسُ الشباب، فأتتْهُ الإجابةُ النبويةُ التي غيّرتْ مجرى حياتِه، فكان درسًا له لم يَنْسَهُ حتى مات: “أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا؟”، ثم يروي لنا رضي الله عنه ندمَه : “فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ رسولُ اللهِ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ”.

 

هلْ تعلمونَ -أيُّها الجمعُ المباركُ- مَنْ هذا الصحابي؟! إنه من أحبُّ الناسِ إلى رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، إنه الحِبُّ بنُ الحِبِّ، أسامةُ بنُ زيدٍ -رضي الله عنهما-، ومعَ هذا جاءَه هذا التوبيخُ النبويُّ الشديد: “أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟!”.

 

أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟!” إنها موعظةٌ نبويةٌ عظيمةٌ لنا جميعًا في تعاملِنا معَ الناسِ جميعًا، موعظةٌ وعبرةٌ لنا في معاملةِ الناسَ بالظواهرِ لا بالبواطن، وأن نجتنبَ كثيرًا منَ الظنونِ السيئةِ لكي نربحَ أنفسَنا ونربحَ الناس!

 

إنَّ الحياةَ -يا عبادَ اللهِ- أقصرُ منْ أن تكونَ ميدانًا لفوضى الظنون، ومضمارًا لاقتحامِ النوايا والقلوب.

 

وأسرارُ القلوبِ لا يعلمُها إلا علامُ الغيوبِ؛ فليسَ لكَ أنْ تعتقدَ في غيرِك سُوءًا إلَّا إذا انكشفَ لكَ بعيانٍ لا يقبلُ التأويل، وما يقعُ في قلبِك من الظنونِ السيئةِ فإنما الشيطانُ يُلقيه إليكَ فينبغي أن تكذبَه فإنّه أفسقُ الفساقِ، وقد قالَ اللهُ -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)[الْحُجُرَاتِ: 6].

 

عبادَ الله: بحسنِ الظنِ دوامُ المحبة، وصفاءُ المودة، ورفيعُ المروءة، وصدقُ الأخوة، وَلَقَدْ جاءَ في روضةِ العقلاءِ: أن زوجةَ طلحةَ بن عَبْدِ اللَّه بْن عوفَ قالت لزوجها: “مَا رأيتُ أحدًا قطّ أشدّ لؤمًا من أصحابِك“، قَالَ: “مَهْ لا تقولي ذاكَ فيهِم، وما رأيتِ من لؤمهِم؟”، قالت: “إذا أيسرتَ لزمُوك، وإذا أعسرتَ جانبُوك!”، قَال: “ما زدتِ على أن وصفتِهم بمكارمِ الأخلاق“، قالت: “وما هذا منْ مكارمِ الأخلاق؟!”، قَال: “يأتونَنَا في حالِ القوةِ منّا عليهِم، ويفارقونَنَا في حالِ الضَّعْفِ منّا عليهم“.

 

فانظرُوا -رعاكم اللهُ- كيفَ أنّ حُسْنَ الظنِ منبعٌ للمروآت، ومدارُ الأخوةِ والصداقات.

 

ولمّا كانَ حُسْنُ الظنِ من الأخلاقِ بمكانٍ بل هو زُبْدَتُها كان محلَّ تواصي الأخيارِ من السلفِ؛ فعنْ سعيدِ بن المسيَّب قال: “كتب إليَّ بعضُ إخواني من أصحاب رسول الله: أن ضَعْ أمرَ أخيك على أحسنِه، ما لمْ يأتِك ما يغلبُك، ولا تظنَّنَّ بكلمةٍ خرجتْ من امرئٍ مسلمٍ شرًّا، وأنتَ تجدُ لها في الخيرِ محملًا“، وأبلغُ منه وأكملُ قولُه -صلى الله عليه وسلم-: “إيَّاكم والظَّن، فإن الظنَّ أكذبُ الحديثِ، ولا تجسسوا، ولا تحسسوا، ولا تباغضوا، وكونوا إخوانا“(رواه البخاريُّ ومسلم).

 

أيها الإخوةُ في الله: نحنُ إلى حُسْنِ الظنِ أحوجُ في هذا الزمنِ المدلهمِّ مع جميعِ مَنْ حولَنا، كيفَ وقدْ شاعَ تصنيفُ الناسِ بناءً على الأوهامِ والظنونِ الفاسدةِ حتى فشا الحكمُ على بواطنِهم متناسين: “أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ؟!”.

 

ورحمَ اللهُ قتادةَ -رضيَ اللهُ عنه- لَمّا حذَّر أهلَ عصرِه من هذا الداءِ فقال: “فما بالُ أقوامٍ يتكلفون علمَ الناس، فلانٌ في الجنةِ وفلانٌ في النار، فإذا سألتَ أحدَهم عن نفسِه قال: لا أدري، لعمري أنتَ بنفسِك أعلمُ منكَ بأعمالِ الناس، ولقد تكلفتَ شيئا ما تكلفتْه الأنبياءُ قبلكم، قال نبي الله نوح -عليه السلام-: (قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)[الشعراء: 112]، وقال نبي الله شعيب -عليه السلام-: (بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ)[هود: 86]، وقال الله لنبيه -عليه الصلاة والسلام-: (لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ)[التوبة: 101]”.

 

أيها الفضلاء: في مرضِ الإمامِ الشافعيِ الذي تُوُفِّيَ فيه عادَه تلميذُه الربيعُ بن سليمانَ فقال: “دخلتُ على الشافعيِّ وهوَ مريض، فقلتُ له: قوَّى اللهُ ضَعْفَك. فقال: لو قوَّى ضعفي قتلَنِي. فقلتُ: واللهِ، ما أردتُ إلا الخيرَ. قال: أعلمُ أنّكَ لو شتمتَنِي لم تُرِدْ إلا الخيرَ“.

 

فتأملُوا -رحمَكم الله- كيفَ كانَ هذَا الإمامُ في تعاملِه الراقي اللطيفِ وهوَ على فراشِ مرضِه، فلم تُثْنِهِ آهاتُ المرضِ أن يعلّمَ ويوجّه ويعذرَ ويتلطف، وصدقَ بعضُ العلماءِ حينَ قال: “أسوأُ الناسِ حالا: منْ لمْ يثِقْ بأحدٍ لسوءِ ظنِّه، ولم يثقْ به أحدٌ لسوءِ فعلِه!”.

 

حَسِّنِ الظَّنَّ تعشْ في غبطةٍ *** إنَّ حُسْنَ الظَّنِّ مِن أوقى الجننْ

مَنْ يظن السُّوءَ يُجْزَى مثلَه *** قلَّما يُجْزَى قبيــحٌ بحسنْ

 

بارك الله لي ولكم…

 

 

الخطبة الثانية:

 

أما بعد عبادَ الله: ينبغي علينا جميعًا أن نمحوَ عن أذهانِنا ما يُلقيه الشيطانُ من أنَّ سوءَ الظنِ حصافة، وحسنَ الظنِ بلاهة، والحكمَ على بواطنِ الناسِ فراسة؛ إذ مَنْ كانَ هذا شعارَه ما يلبثُ أنْ يدومَ له صاحب، أو يبقى له مُحِبّ، فالحياةُ عندَه باهتةٌ لا لونَ لها، وصاخبةٌ لا طعمَ لها، فسوءُ الظنِّ هو المقدَّم، واقتحامُ نوايا الناسِ هوَ المعظَّم.

 

والمتأملُ في واقعِنا المعاصرِ يجدْ ألوانًا متنوعةً عندَ بعضِهم في هذا المستنقعِ الآسن، وصورًا عجيبةً في هذا الوادي السحيق!

 

فَمِنْ صُوَرِ سُوءِ الظنِ مثلًا فِي الحياةِ الأسرية: الإغراقُ في الشك، والغِيرةُ المتطرفة، والحساسيةُ المفرطةُ تجاه كلِّ قولٍ وفعل، ومراقبةُ التصرفاتِ والاتصالاتِ والرسائلِ بشكلٍ مريب، وجعلُ البيتِ الذي كان يُفترَضُ أن يكونَ سَكَنًا ورحمةً إلى زنزانةِ تحقيقاتٍ لكلِّ شاردةٍ وواردةٍ، بينما العافيةُ -لاسيما في الحياةِ الأسرية- في عشرةِ أجزاءَ كلُّها في التغافلِ كما يقولُه الإمامُ أحمدُ -رحمَه اللهُ تعالى-.

 

ومِنَ الصورِ المعاصرةِ في سوءِ الظنِ في التعاملِ بينَ الناس: أنّك ترَى المُبْتَلينَ بسوءِ الظنِ يترصدونَ للناسِ أوقاتَ اتصالِهِم ويُؤَوّلُونَ عدمَ الردِ على رسائلِهم تجاهلًا، ويتخذونَ -بناءً على هذا- قرارًا بالهجرِ والقطيعة، وما أكثرَ ما جلبتْ هذهِ المجموعاتُ التواصليةُ من قصصٍ مؤلمةٍ ربما وصلت للمحاكمِ بسببِ سوءِ الظنِ واقتحامِ نوايا الناس، واللهُ المستعان.

 

ومن صورِ سوءِ الظنِ بينَ العاملينَ والموظفين: اعتبارُهم لأيِّ نصيحةٍ ونقد تعييرًا وفضيحة، فيَسُدّ بذلكَ عنْ نفسِه كلَّ ارتقاءٍ بذاتِه، وتطويرٍ لنفسِه، فيتأخرُ إذْ يتقدمُ الناس، فيتخطّاه الزمن، وهُوَ ما يزالُ في سوءِ ظنِّه يتمدد.

 

ومنْ صورِ سوءِ الظن: النظرةُ السوداويةُ للمجتمعِ جميعًا واتهامُه وتكفيرُه، وتكفيرُ رجالِ أمنِه، ومحاكمةُ بواطنِهم والتعديّ على أنفسِهم ودمائِهم، كما حصلَ في المدةِ الماضيةِ في حادثةِ الطرفيةِ الشنيعةِ في القصيم، وما انطوتْ عليهِ منَ إفسادٍ في الأرض، وانتهاكِ الأنفس، وإثارةٍ للفتنةِ التي قالَ اللهُ فيها: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ)[الْبَقَرَةِ: 191]، كيفَ إذا عُلِمَ أنّ الأمنَ والأمانَ مَطلَبٌ تَصغُر دُونَه كثيرٌ من المطالب، وتهونُ لأجلِه كثيرٌ منَ المتاعب، بالأمنِ والأمانِ تعمرُ المساجدُ وتصفو العبادةُ، ويُنشَر الخيرُ وتُحقَن الدماءُ، وتُصانُ الأعراضُ وتُحفَظُ الأموالُ، وتتقدَّمُ المجتمعاتُ وتتطوَّرُ الصناعات، لكن سيءَ الظن، قبيحَ العمل، لا ينظرُ إلا مِنْ عينٍ سوداء، وقلبٍ أسودَ، يتمنى السوء، ويقولُ السوء، ويفعلُ السوء، ظلماتٌ بعضُها فوقَ بعض، (وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ)[النُّورِ: 40].

 

 وبعدُ عبادَ الله: فإنّ ممّا يُنَجّي الناسَ منَ الوقوعِ في هذا الوحلِ الظنيِّ المُنتنِ هوَ اتباع المنهجِ الشرعيِّ في الحُكْمِ على الناسِ بظواهرهِم وتركِ بواطنِهم إلى خالقِهم؛ فهو أدرى بِهِمْ -سبحانَه وتعالى-، فسيدُ البشرِ -صلّى اللهُ عليه وسلم- معَ إعلامِ الوحيِ له كانَ يُجري الأمورَ على ظواهرِها في المنافقينَ وغيرِهم وَيَكِلُ سرائرَهم إلى ربِهِم.

 

وأعلمُ الناسِ بدينِ الله، هوَ رسولُ الله، فلمْ يُؤمَر عليه الصلاةُ والسلامُ أن يُنقِّبَ القلوبَ ولا أن يشقَّ الصدور، وقدْ كانَ ممّا علّمَ المُلْهَمُ عمرُ -رضيَ اللهُ عنه- رعيتَه: “لا يحلُّ لامرئٍ مسلمٍ سمعَ من أخيه كلمةً أن يظنَّ بها سوءًا، وهوَ يجدُ لها في شيء من الخيرِ مخرجًا“، والتماسُ الأعذارِ فنٌّ رفيعٌ لا يعرفُه إلا أصحابُ النفوسِ الرفيعة، والأخلاقِ العظيمة:

 

تَأَنَّ ولا تعجلْ بلومِك صاحبًا *** لعلَّ له عذرًا وأنتَ تلوم!

 

اللهم اهدِنا لأحسنِ الأخلاقِ لا يهدِي لأحسنِها إلا أنت، واصرفْ عنا سيئَها، لا يصرفْ عنا سيئها إلا أنت.

 

اللَّهُمَّ إِنِّا نعوذ بِكَ مِنْ مُنْكَرَاتِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَهْوَاء يا رب العالمين.

 

 

الملفات المرفقة
مهالك الظنون!
عدد التحميل 34
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات