طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15428

العدل بين الأولاد

المكان : المملكة العربية السعودية / الخبر / حي العقربية / جامع عمر بن عبد العزيز /
التصنيف الرئيسي : أخلاق وحقوق الأسرة والقرابة
تاريخ الخطبة : 1434/09/11
تاريخ النشر : 1439/10/27
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/أساس العدل بين الأولاد 2/حكم التفضيل بين الأولاد 3/العدل بين الذكور والإناث 4/صور ظلم الآباء للأبناء وحفظ الأب لمال الولد 5/حقوق الأولاد على الآباء 6/المسوغات الشرعية لتفضيل بعض الأولاد على بعض.
اقتباس

قضية يقع فيها بعض الآباء والأمهات من غير إدراك حكمها أو التأمل في عاقبتها إنها تفضيل بعض الأبناء على بعض فيعمد بعضهم إلى تخصيص بعض أولادهم بالهبة والأعطية..

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم-.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آل عمران: 102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)[النساء: 1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا)[الأحزاب: 70، 71].

 

أما بعد: عباد الله: إن من الآيات الجليلة الدالَّة على عظمة الله -تعالى- وقدرته أنْ خلَق الناس من نفْس واحدة، وخلق منها زوجَها، ثمَّ منح الزوجين الأولاد والذريَّة، قال -سبحانه-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً)[النساء: 1].

 

وهذه المنحة هي نِعمة من الله -تبارك وتعالى-؛ إذ يقول -جلَّ في علاه- ممتنًّا على عباده: (وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ)[النحل: 72].

 

ويقول: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا)[الكهف: 46].

 

وقد حرَص أنبياء الله على الذرِّية، وسألوا ربَّهم أن يرزقهم الذريَّةَ الصالحة، فهذا زكريا يستغيث بمولاه قائلًا: (فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا)[مريم: 5، 6]، وهذا إبراهيم الخليل ينادي ربه: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ)[الصافات: 100].

 

وإن من أعظم ما افترضَه اللهُ علينا تجاه نعمةِ الذُّرية يا عباد الله: أن نقوم على أمر تَربيتهم وتعاهدهم بما يصلح لهم أمورَ دنياهم وأخراهم، فهم رجال المستقبل، وفلذات الأكباد.

 

وقد جاء الشرع الحنيف بالتوجيه على البناء الصَّحيح للأبناء، والأمر بالتسوية بينهم في الرِّعاية والعطية وسائر الشؤون، وفق وصيَّة الله لعباده؛ إذ يقول -سبحانه-: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ)[النساء: 11].

 

إخوة الإيمان: قضيَّة يجهلها البعض، فيقع فيها مِن غير أن يدرِك حكمها، أو أن يتأمَّل في عاقبتها؛ إنها تفضيل بعض الأبناء على بعض، فيَعمد بعض الآباء أو الأمَّهات إلى تخصيص بعض أولادهم بهبات وأعطيات دون الآخرين، بغير مسوغ شرعي.

 

ولقد حسم الرسولُ -صلى الله عليه وسلم- هذا الأمرَ وشدَّد فيه، فأنكر على مَن فضَّل بعضَ أولاده على بعض، وأمر بالعدل، وسمَّى التفضيل جورًا.

 

فعن النُّعمان بن بشيرٍ -رضي الله عنهما- قال: سألَت أمِّي أبي بعضَ الموهبة لي من ماله، ثم بدا له فوهبها لي، فقالت: لا أرضى حتى تُشهد النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، فأخذ بيدي وأنا غلام فأتى بي النبيَّ -صلى الله عليه وسلم-، فقال: إن أمَّه بنت رواحة سألتني بعض الموهبة لهذا، قال: “ألَك ولدٌ سواه؟”، قال: نعم، قال: فأراه قال: “لا تُشهدني على جورٍ“؛(أخرجه البخاري 2650).

 

وفي رواية: “أيسرك أن يكونوا إليك في البرِّ سواءً؟”، قال: بلى، قال: “فلا إذًا“؛(أخرجه مسلم 1623).

وفي رواية: “أعطيتَ سائرَ ولدك مثل هذا؟“، قال: لا، قال: “فاتقوا اللهَ واعدلوا بين أولادكم“؛(أخرجه البخاري 2587).

 

وما ذلك إلَّا لأن الإخلال بالعدل ينشأ عنه مَفاسد عدَّة؛ من إيغار الصدور، وإثارة البغضاء، بل هو مؤدٍّ إلى تكريس الأحقاد، وحين ينشأ الشاب في بيئة لا تلتزم بالعدل، فسوف يترك ذلك أثره عليه، سواء أكان مفضلًا على غيره، أم فضِّل غيره عليه.

 

قال ابن القيم -رحمه الله مبينًا- وجوب العدل بين الأبناء: “وهذا أمر تهديد لا إباحة، فإنَّ تلك العطية كانت جورًا بنصِّ الحديث، ورسول الله لا يأذن لأحد أن يَشهد على صحَّة الجور، ومن ذا الذي كان يَشهد على تلك العطية وقد أبى رسولُ الله أن يشهد عليها وأخبر أنَّها لا تصلح، وأنها جور، وأنها خلاف العدل؟

ومن العجب أن يحمل قوله: “واعدِلوا بين أولادكم” على غير الوجوب، وقد أخبر الآمِرُ به أنَّ خلافه جور، وأنه لا يصلح، وأنه ليس بحق، وما بعد الحق إلا الباطل”؛(تحفة المودود 1/ 228).

فالحق أنَّ التسوية واجبة، وأن التفضيل محرَّم؛(نيل الأوطار 6/ 80).

 

إخوة الإسلام: لقد حرَص الإسلام على العدل بين الأبناء حتى في المعاملة والعطف، فقد روى ابن أبي الدنيا عن الحسن قال: بينما رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يحدِّث أصحابه إذ جاء صبيٌّ حتى انتهى إلى أبيه، في ناحية القوم، فمسح رأسه وأقعده على فخذه اليمنى، قال: فلبث قليلًا، فجاءت ابنة له حتى انتهَت إليه، فمسح رأسها وأقعدها في الأرض، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “فهلَّا على فخذك الأخرى“، فحملها على فخذه الأخرى، فقال -صلى الله عليه وسلم-: “الآن عَدلتَ“؛(“العيال”؛ لابن أبي الدنيا 1/ 173، 36).

 

ومن ثمَّ فقد حرص السلف على الامتثال لأمر النَّبي -صلى الله عليه وسلم-، وبادروا بالعدل بين أولادهم حتى في القُبَل، فعن إبراهيم قال: “كانوا يستحبُّون أن يعدل الرجل بين ولده حتى في القُُبَل“؛(مصنف ابن أبي شيبة 6/ 234، رقم 30995).

 

وهذا عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- يضمُّ ابنًا له وكان يحبُّه، فقال: “يا فلان، والله إني لأحبك وما أستطيع أن أوثرك على أخيك بلقمة“؛(“العيال”؛ لابن أبي الدنيا 1/ 177)، رقم 40).

 

عباد الله: الناظر لأسباب التفضيل بين الأبناء عند الكثير من الناس يجد أنها ترجِع إلى أسباب تافهة، لا تليق بالمسلم العاقِل الراضي بقضاء الله وقدَره.

 

فتجد بعضَ الآباء والأمَّهات يفضِّلون الذكور على الإناث في العطايا والهبات من غير مسوغ شرعي؛ ولذلك فقد جاء الترغيب في الإحسان إلى البنات ورعايتهنَّ والاهتمام بهن، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “مَن عال جاريتين حتى تَبلُغا، جاء يوم القيامة أنا وهو“؛ وضمَّ أصابعه.؛(أخرجه مسلم 2631).

 

وعن عقبة بن عامر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “مَن كان له ثلاث بناتٍ فصبر عليهنَّ وأطعمهنَّ وسقاهنَ وكساهن من جدته، كنَّ له حجابًا من النار يوم القيامة“؛(أخرجه ابن ماجه 3669، وصححه الألباني).

 

وعن جابر بن عبدالله -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مَن كنَّ له ثلاث بناتٍ يؤويهن ويرحمهنَّ ويكفلهن، وجبَت له الجنَّة ألبتة“، قال: قيل: يا رسول الله، فإن كانت اثنتين؟ قال: “وإن كانت اثنتين“، قال: فرأى بعض القوم أن لو قالوا له: واحدة؟ لقال: واحدة.؛(أخرجه أحمد 13835، السلسلة الصحيحة 6/ 181، رقم 2679).

 

والله -تبارك وتعالى- قد أعطى كلَّ ذي حق حقَّه، والواجب على الآباء تحقيق أمر الله، وترك الظلم الذي يقع على الأبناء، والإنسان لا يدري أين الخير في الذكور أم في الإناث، ومولانا يقول: (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا)[النساء: 11].

 

فيا مَن رزقه الله البنات، إيَّاك وظلمهنَّ، فهنَّ سبب للحجب من النار، ودخول دار القرار مع النَّبي المصطفى المختار -صلى الله عليه وسلم-.

 

أيها المسلمون: وقد يفضِّل بعضُ الآباء أبناءَ الزَّوجة الجديدة، أو الابن الأجمل أو الأذكى أو الأغنى، إلى غير ذلك من الأسباب التي ليس لها وزن ولا قيمة في ميزان الإسلام.

 

وكل الأسباب الخلقيَّة والخلقية لا تعدُّ مبررات في نظَر الشرع، وكم يكون الأبوان ظالمين حين يَنهجان مع الولد هذا النَّهج السيِّئ، ويعاملانه هذه المعاملة القاسية؟

 

ما ذنب الطفل إن ظهر إلى هذه الحياة وهو أنثى؟ وما جريرته إن كان دميم الوجه؟ وما جريرته إن لم يُخلق على ذكاء فارط؟ وما الذي جناه إن كان بطبعه كثيرَ الحركة والتنقل والمشاغبة؟ وما مسؤوليته إذا قُدِّر له أن يُصاب بعاهات جسدية ظاهرة؟

 

فإذا كان المربُّون حريصين على سَلامة أبنائهم من العُقد النَّفسية، ومركبات الشعور بالنقص، وآفات القلوب؛ من حِقد وحسد وفساد طويَّة، فليس أمامهم من سبيل سوى أن ينفذوا أمرَ الرسول -صلى الله عليه وسلم- القائل: اتَّقوا اللهَ واعْدِلوا بَيْن أولادكم“.

 

وأن يرضوا بما قسَمه الله لهم من البنين أو البنات، وعليهم أن يَسعوا جهدهم في إشعار أولادهم جميعًا روح المحبَّة والأخوَّة والتسامح والمساواة؛ حتى يَنعموا في ظلال العدل الشامل، والنظرة الرحيمة، والعطف الصادق، والمعاملة العادلة.

 

إخوة الإسلام: اعلموا أنَّ الحيف والظلم والمحاباة لها آثار خطيرة ونتائج وخيمة في الدنيا قبل الآخرة، فهو سبَب من أسباب العقوق؛ ولهذا قال -صلى الله عليه وسلم- لبشير بن سعد: “أيسرك أن يكونوا إليك في البرِّ سواء؟”، قال: بلى، قال: “فلا إذًا“.

 

وجاء عند ابن حبان: “اعدِلوا بين أولادكم في النحل، كما تحبون أن يعدلوا بينكم في البرِّ واللطف“.

 

فالعدل بين الأولاد من أعظم أسباب الإعانة على البرِّ، وعلى النقيض من ذلك؛ فالتفريق بين الأولاد من أعظم أسباب العقوق والهَجر والكراهية.

 

فاحذر أيها الأب المبارك من التمييز بين أولادك والتفريق بينهم في أمور الحياة، فهو سبَب للعقوق، وعاملٌ مهم من عوامل الشعور بالنَّقص، وكم هي المآسي والأحزان التي تعج بها بعض البيوت نتيجة للظلم والتمييز بين الأبناء.

 

فلا تترك الشيطانَ يزرع حقولَ الحسد والبغض بين أولادك؛ فإن: إنَّ الشيطان قد أيس أن يَعبده المصلُّون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم“؛(أخرجه مسلم 2812).

 

قال الشيخ عبدالرحمن بن ناصر السعدي -رحمه الله-: “يتعيَّن على الإنسان أن يَعدل بين أولاده، وينبغي له إذا كان يحبُّ أحدهم أكثر من غيره أن يخفي ذلك ما أمكنه، وأن لا يفضِّله بما يقتضيه الحب من إيثار بشيء من الأشياء، فإنه أقرب إلى صلاح الأولاد وبرِّهم به واتفاقهم فيما بينهم؛ ولهذا لما ظهر لإخوة يوسف من محبَّة يعقوب الشديدة ليوسف وعدَم صبره عنه وانشغاله به عنهم، سعَوا في أمرٍ وَخيم، وهو التفريق بينه وبين أبيه، فقالوا: (إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ)[يوسف: 8، 9]، وهذا صريحٌ جدًّا أن السبب الذي حملهم على ما فعلوا من التفريق بينه وبين أبيه هو تميزه بالمحبَّة“؛(فوائد مستنبطة من سورة يوسف؛ للشيخ عبدالرحمن السعدي، ص: 20).

 

فبالعدل يَستقيم أمر الأسرة، وتنشأ المحبة بين الجميع، وتغرس الثقة بين أفراد الأسرة، فلا مكان للأحقاد والبغضاء عندئذٍ.

 

معشر المسلمين: المفاضلة بين الأبناء من أَعظم العوامل في انحراف الولد، سواء كانت المفاضلة في العطاء، أم في المعاملة، أم في المحبة.

 

وهذه الظاهرة لها أسوأ النَّتائج في انحرافات الولد السلوكيَّة والنفسية؛ لأنها تولد الحسَد والكراهية، وتسبِّب الخوف والحياء، والانطواء والبكاء، وتورث حبَّ الاعتداء، والمشاجرة والعصيان، وتؤدِّي إلى المخاوف الليلية، والإصابات العصبية، ومركبات الشعور بالنقص.؛(انظر: تربية الأولاد في الإسلام؛ تأليف: عبدالله ناصح علوان 1/ 329).

 

وكم كان النَّبي -صلى الله عليه وسلم- حكيمًا حين أمر الآباءَ أن يتَّقوا الله ويعدلوا بين أولادهم!

 

عباد الله: على كلٍّ من الأبوين أن يذكِّر الآخر إذا لم يعدل، ويقِف الموقفَ الحازم حتى يتحقق العدل؛ ومن ذلك المطالبة بردِّ الأمر إلى أهل العلم، فهذه أمُّ النُّعمان بن بشير عمرة بنت رواحة رضي الله عنها لما أراد زوجها أن يتصدَّق على النعمان ببعض ماله قالت: “لا أَرْضى حتى تُشْهِدَ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-“.

 

ويكفيك أخي المسلم رادعًا لتَرك الظلم والحيف بين أولادك قولُ الحبيب محمد -صلى الله عليه وسلم-: “ما مِن عبدٍ استرعاه الله رعيَّةً فلم يحطها بنصيحةٍ، إلَّا لم يجد رائحة الجنة“؛(أخرجه البخاري 7150، ومسلم 142).

 

فاتقوا الله يا معشر الآباء والأمَّهات في أولادكم، واعدلوا بينهم في كلِّ شيء؛ في العطايا والحديث، والقبلة، والابتسامة، والتشجيع على الخير، وتقويم السلوك، والدعاء لهم بالخير والصلاح.

 

وظُلم ذَوي القربى أشدُّ مَضاضةً ••• على النَّفس من وَقْعِ الحُسام المهنَّدِ

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا)[النساء: 9].

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأحمده وأشكره تعظيمًا لشانه، والصلاة والسلام على محمد الداعي إلى رضوانه، وعلى آله وصحبه وإخوانه، وبعد:

 

فأيها الناس، اتَّقوا الله في جميع أحوالكم؛ فإنَّ تقوى الله خير ما اتَّصفتم به في حياتكم، وتزودتم به لمعادكم، واحفظوا وصيَّةَ الله لكم في أولادكم؛ فإنهم من أعظم أماناتكم: (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[المؤمنون: 8 – 11].

 

إخوة الإسلام: جاء عند الإمام مسلم من حديث عبدالله بن عمرو -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إنَّ المقسِطين عند الله على مَنابر من نورٍ عن يمين الرحمن عز وجل، وكِلتا يديه يمينٌ؛ الذين يَعدِلون في حكمهم وأهليهم وما وَلُوا“؛(أخرجه مسلم 3/ 1458، رقم: 1827).

 

وعلى العدل قامت السموات والأرض، وبالقسط أمر الله، وعلى المساواة قام ميزان الحق والباطل: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ)[النحل: 90].

 

أيها المسلمون: ليس معنى التسوية بين الأولاد في الواجبات والحقوق أن نُغفل الفروق الطبيعية الجبليَّة بينهم، فواجبات الصغير وحقوقه ومتطلباته ليست كواجبات الكبير وحقوقه ومتطلباته، وواجبات الابن وحقوقه ومتطلباته ليست كحقوق البنت وحقوقها ومتطلباتها، ولكن العدل والإنصاف هو أن يحافظ الأب في هذا المجال بالميزان بين أولاده، فيعتبر في كلِّ واحد منهم حقوقه ومتطلباته الطبيعية.

 

ثمَّ اعلموا يا عباد الله أن العدل بين الذكور والإناث يكون بما عدل الله في قوله: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ)[النساء: 11].

 

فالعطيَّة كالميراث، والتسوية تكون بجعل الذكر كالأنثيين، فإنَّ هذا هو الذي جعله الله لهم في الميراث، وهو -سبحانه- الحكم العدل، فيكون المؤمن في عطيته لأولاده كذلك.؛(مجموع فتاوى ابن باز 25/ 260).

 

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “ويحب التعديل في عطيَّة أولاده على حسب ميراثهم؛ وهو مذهب أحمد رحمه الله“؛(الفتاوى الكبرى 5/ 434).

 

عباد الله: وعند تعدد الزوجات يجب أن يستمرَّ العدل في معاملة الأبناء جميعًا، وبين الزوجات، وبذلك تُصان الأسر من التفكُّك والاضطراب، أمَّا إذا عاش الأب مع زوجته الجديدة في يسر وبحبوحة عيش، على حساب الزوجة الأولى وأبنائها الذين قد يهملون، فيتشرَّدون ويعيشون مع أصحاب السوء، فيندم الأب بعدها ولات ساعة مندم.

 

هذا، وصلُّوا وسلِّموا على الحبيب المصطفى؛ فقد أمركم الله بذلك فقال جلَّ مِن قائل عليم: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

نسأل الله -تعالى- أن يرزقنا البرَّ بآبائنا، والعدلَ في أولادنا، والثبات على ديننا.

 

وصلى الله على نبينا محمد.

الملفات المرفقة
العدل بين الأولاد
عدد التحميل 37
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات