ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15353

وصايا لقمان

المكان : المملكة العربية السعودية / القصيم - بريدة / حي الريان / جامع الحبلين /
تاريخ الخطبة : 1439/02/21
تاريخ النشر : 1439/09/27
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/أهمية وصايا لقمان 2/من هو لقمان عليه السلام؟ 3/شرح وصايا لقمان 4/جملة من الوصايا لقمان غير ما أُودِع في القرآن.
اقتباس

حينما يوصي الحكيم فإن كلماتِه تستحق من الناس التأمل فيها والنهل من معينها والصدور عنها, وحينما يتكلم الآباء للأبناء فإنهم ينتقون من الوصايا أجمعها, ويختارون من النصح أطيبه, وحين تكون الوصية من أبٍ والأب حكيم فتلك جديرة بأن تُحفظ وترعى, والأمرُ يزداد تأكدًا حين تحكى الوصايا في القرآن, وقد نطق…

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

 

حينما يوصي الحكيم فإن كلماتِه تستحق من الناس التأمل فيها والنهل من معينها والصدور عنها, وحينما يتكلم الآباء للأبناء فإنهم ينتقون من الوصايا أجمعها, ويختارون من النصح أطيبه, وحين تكون الوصية من أبٍ والأب حكيم فتلك جديرة بأن تُحفظ وترعى, والأمرُ يزداد تأكدًا حين تحكى الوصايا في القرآن, وقد نطق بها الملك الرحمن, ونزلت على أشرف الأنبياء لتقرأها الخليقة من الإنس والجان, ذلكم هو شأن وصايا لقمان.

 

لقمان أيها الكرام لم يكن نبيًّا ولا رسولاً, بل كان رجلاً صالحًا, لم يكن شريفًا غنيًّا, بل ذكر الطبري في تفسيره عن مجاهد أنه كان عبدًا حبشيًّا، غليظ الشفتين، مصفح القدمين، ومع هذا فقد كان ذا شأن رفعه الله بحكمته وإيمانه, وحكى وصاياه في كتابه, لتوقن أن المقاييس ليست بالألوان ولا بالصور, ولا بالأنساب ولا بالأموال, بل بالعقل والحكمة والديانة, وقمن بنا أن نقف مع وصاياه, فإنها عظيمة المعاني برغم أنها قليلة المباني.

 

قام لقمان يوصي ابنه بأول الوصايا وآكدِها ويقول (يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ)[لقمان: 13]؛ وهل أعظمَ من ظلم المرء نفسَه بالشرك, حين يتوجه لغير ربه بالعبادة, فيخلقُ الله الخلقَ ويدبرُ الأمور ويقدِّر المقادير, وهذا يَصرف العبادة لغيره فذاك أعظم الظلم, والله قد يغفر كل ذنب إلا الشركَ, فصاحبه داخلٌ النار لا محالة, إلا أن تاب منه, والموحد هو الذي لا يصرف عبادة قولية ولا فعلية ولا قلبية إلا للإله الواحد.

 

بعد هذا جاءت وصية تتابع الأمر بها في آي القرآن (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ)[لقمان: 14- 15]؛ فالوالدان لهما الحق الأكيد, والقدر الرفيع, ومع هذا فلو أمرا ابنهما بالشرك بالله وعصيان مولاه فليس له الطوع والاتباع, بل حق الحق آكد وطاعته أحق, فلا تطعهما, وليس أمرهما له بالعصيان مجيز له أن يقابلهما بالنكران, ونسيان الفضل لهما والإحسان, بل صاحِبْهما في الدنيا معروفًا, وكُنْ ببرهما في غير المعصية شغوفًا.

 

ثم عاد لقمان لابنه موصيًا بوصية تهز الجبال, وتحرك القلوب, وينتفع بها من ارتسمها, إنها وصيةٌ لا غنى لكل أب أن يسطرها في سويداء قلوب أبناءه, بل وفي قلبه قبلهم, (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ)[لقمان: 16]؛ هذا شيء من علم الله, وإحاطته وشموله, فلا يخفى على الله في الأرض القليلُ ولو دقّ, بل ولا مثقال الحبة من الخردل لو كانت في جوف صخرة أو في السماء أو الأرض, فأين يغيب عن الله من يعصي ربه في الظلماء أو حين تحط به الرحال بعيدًا عن وطنه, هل ظنّ أنه يغيب عن الله من يترك الواجبات ويفعل المحرمات في غفلة عن رقابة المخلوقات, ولئن غاب العبد عن العبيد فإنه لا يغيب عن الرب المطلع المجيد, وعنده الحساب والثواب, والجنة والنار.

 

إن هذه الآية تعطي المرء طمأنينة أنه لا يغيب عن الله شيء, فحين يحلّ به الظلم ويحيق به المكر, ويؤذى فلا يجدُ النصير فإنه يتذكر أنه ما من مثقال حبة في الأرض إلا والله يعلمها, فيطمئن لتدبير الله, لأنه يعلم أن ربه يسمع ويرى, وحقُّ كلِ مظلوم فسيؤخذ إن في الدنيا أو يوم توضع الموازين فاطمئن أيها المظلوم, فالله يرى والظلم لن يدوم (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ)[الأنبياء: 47].

 

معشر الكرام: والمرء حين يريد أن تستقيم له الحياة فعليه أن ينير دربه بالصلاة, فخير ما عمرت به الأوقات الارتباط بالمساجد وإقامة الصلوات, فبها نحل مشاكلنا ونرضي ربنا ونرفع في الدنيا والآخرة درجاتنا، ونعالج همومنا ونمحو سيئاتنا, وبذا يوصي الأب ابنه والحكيم قومه (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ) والصلاة لون وإقامة الصلاة لون آخر, وإقامتها أن تؤدى على مراد الله ورسوله.

 

عباد الله: ولا بد لكي تستقيم الأمور من مصلحين يقفون في وجه الفساد ويقوّمون المعوج من العباد, وبالمصلحين تحفظ البلاد, وهم الآمرون بالمعروف, ولذا أوصى لقمان ابنه قائلاً (وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ)[لقمان: 17]، والأمر بالمعروف ليس حكرًا على جهاز, ولا وقفًا على أهل الاستقامة, بل على كل مسلم في المجتمع, إنها كلمة الاحتساب تقولها في بيتك أو عملك أو مجتمعك, ضد كل منكر تراه صغر أو كبر, وإنها كلمة الإصلاح تقولها, لكل من تراه محتاجًا إليها, ليس الشأن في بلاغة ألفاظها, ولا في احتوائها على النصوص, أو طولها, بل لربما خرجت تلك الكلمة من الأمر والاحتساب من قلب صادق فنفعت وفتح الله بها مغاليق قلب عجزت عنه عشرات الخطب والمحاضرات, فلتقم بنصيبك من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

يا مبارك: وكلُ سالكٍ طرقَ الأمر بالمعروف مُعرَّضٌ للأذى باللسان وباليد, ولا عجب فقد أوذي أفاضل المصلحين من الأنبياء والمرسلين, وهنا يوصي الحكيم ابنه فيقول (وَاصْبِرْ عَلى مَا أَصابَكَ)[لقمان: 17].

 

هل يظن الداعية إلى الله أنه سيدعو وسيستقبل بالحفاوة في كل مكان حلّ به, كلا, بل قد يؤذى الداعية والمحتسب قد يعترضُ طريقه وقد يحال بينه وبين حريته, ولكن الأمر يهون ما دام في سبيل نشر الدين, وليس هذا في الدعوة والاحتساب فحسب, بل لن تستقيم الحياة بلا صبر, فلن يتحمل المرء فعل الطاعات, ولا ترك المنهيات والنفس تؤزه لذلك إلا على جسر من الصبر, وكل الدنيا تحتاج لصبر, فالأقدار المؤلمة, والأوامر والنواهي تحتاج لصبر ومصابرة, وبالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين كذا قال الأولون.

 

أمة الإيمان: ثم يقول الرحمن عن لقمان (وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ) أي لا تُعَبِّس في وجوههم ولا تتعاظم وتتكبر عليهم, فالكبر من أشنع الأدواء, وكفاه أنه لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر, وليت شعري على أي شيء يتكبر الإنسان وما عنده من شيء إلا وهو من الله, أعلى عِلمه الذي من العليم, أم على ماله الذي هو عاريّة بيده, أم على نسبه وما نفع النسبُ أبا لهب, أم على شرفه والجعلان أهون على الله ممن يفخرون بآبائهم, ورسولنا -عليه السلام- يقول: “لَيَدَعَنَّ رِجَالٌ فَخْرَهُمْ بِأَقْوَامٍ، إِنَّمَا هُمْ فَحْمٌ مِنْ فَحْمِ جَهَنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللَّهِ مِنَ الْجِعْلَانِ الَّتِي تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتِنَ” أم على منصبٍ هو اليوم له وغدًا لغيره, ولو عقل الإنسان لما صعّر خده لأحد ولا ترفع على أحدٍ, وكم من امرئ هو عند الناس محتقَر وهو عند رب العالمين من أقرب البشر.

 

(وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ) [لقمان: 18] لا تفرح بالنعم وتنسى المنعم, فالله لا يحب المختال في نفسه الفخور بما عنده, وفي مقول المصطفى عليه السلام “من جرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة“.

 

معشر الكرام: والمرء لا بد له في حياته مِن مشي, مشيٍ بأقدامه أو بسيارته, ومن كمال أمر الدين وروعة وصايا الحكيم أن جاءت الوصية في المشي أن يكون قصدًا, لا سرعة ولا دبيبًا (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ) والعجلة في المشي والسرعة في السير ليست من شيم الكُمَّل من المؤمنين, الذين قال المولى في صفاتهم (يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا) بالسكينة والوقار, فلا إفراطًا في الاستعجال, ولا تفريطًا في التؤدة والبطء, وذاك أسلم لأبدانهم وأبقى لمروءتهم وقُواهم, وفي المراكب هو أحفظ لحياتهم وأموالهم.

 

واختتم الرحمن حكاية وصايا لقمان فقال في القرآن (وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ) [لقمان: 19]، والعرب كانت تفاخر بجهارة الصوت, فأكد الله أن العزة ليست بالصوت, ولو كان كذلك كان الحمار أعز شيء, ولو أن المرء يُهاب بصوته لكان الحمار يُهاب, فاغضض من صوتك, واجعله بين الجهر المؤذي والإسرار الذي لا يسمع, ويُذم الصوت الرفيع في أماكن العبادة, ويتأكد ذلك في المساجد ولا سيما مسجدِ المدينة.

 

وفي الحديث عند البخاري أن رجلين رفعا أصواتهما في المسجد فدعاهما عمر  وقال “مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ – قَالاَ: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ، قَالَ: “لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ البَلَدِ لَأَوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ”، وسمع صوت رجل في المسجد، فقال: “أتدري أين أنت؟!”.

 

هذه أيها الكرام وصايا لقمان, قال عنها المفسرون: هي حرية بالعناية, تجمع أمهات الحكم, جدير أن يوصي بها الآباء أبناهم, والحكماء أتباعهم, ولشرفها حكيت في القرآن وسمى باسمه سورة في القرآن.

 

نفعنا الله بالقرآن, وبما فيه من الحكمة والبيان.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده:

 

مرّ رجلٌ على لقمان وهو في مجلسِ أناسٍ يحدّثهم، فقال له: ألست الذي كنت ترعى الغنم في مكان كذا وكذا؟ قال: نعم، قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني.

 

وقد حكى العلماء عن لقمان جملة من الوصايا غير ما أُودِع في القرآن, ومن ذلك قوله لابنه : يا بني إياك والدَّين فإنه ذل النهار وهمُّ الليل.

 

يا بني ارج الله -عز وجل- رجاءً لا يجرئك على معصيته، وخف الله خوفًا لا يؤيسك من رحمته تعالى شأنه.

 

يا بني احذر الكذب فإنه شهي كلحم العصفور من أكل منه شيئا لم يصبر عنه.

 

يا بني تواضع للحق تكن أعقل الناس, يا بني لا تأكل شيئًا على شبع فإنك إن تتركه للكلب خير لك من أن تأكله.

 

يا بني ضرب الوالد لولده كالسماد للزرع.

 

يا بني إن الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرة سراعًا يذهبون، وإنك قد استدبرت الدني منذ كنت، واستقبلت الآخرة، وإن دارًا تصير إليها أقرب إليك من دار تخرج عنها، يا بني ليس غنى كصحة ولا نعيمٌ كطيب نفس.

 

وروى الإمام مالك أن لقمان كان يقول لابنه: اتق الله جهد نفسك.

 

وبعد معاشر الكرام فمن أراد حسن السيرة وصفاء السريرة وكنوز الحكمة فعليه بالقرآن فإنها عظات الله تُتلى, وخطاب الملك يحكى, ولن تزيغ الأمة ما تمسكت به, وجعلته لحياتها دستورًا, ولطريقها هاديًا.

 

الملفات المرفقة
وصايا لقمان
عدد التحميل 63
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات