ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15264

حكم الصيام وأسراره

المكان : سوريا / دمشق / بدون / مسجد بني أمية /
التصنيف الرئيسي : حكم التشريع الصوم
تاريخ الخطبة : 1412/09/02
تاريخ النشر : 1439/09/02
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/الحِكَم الربانية في الابتلاء والاختبار للمؤمنين 2/حِكَمه تشريع الصيام وأسرار ذلك 3/عبودية الصيام وبعض فوائدها.
اقتباس

بِشَكلٍ بسيط بسيط، صِيامُكَ، وأداءُ طاعتك لله -عز وجل- دليلٌ قطعيّ على أنّ رضا الله -عز وجل- أغلبُ عندك من مُتَعِ الحياة الدنيا، ولكنّ شيئًا يُضاف إلى هذه الطاعة، وهو أنَّك إذا دَخَلْتَ إلى بيتِكَ وقد أغلقْتَ الأبواب، ليْسَ من جِهةٍ على وجه…

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله ثمّ الحمد لله، الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لِنَهْتَدِيَ لولا أن هدانا الله، وما توفيقي ولا اعتصامي ولا توكّلي إلا على الله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إقرارًا لرُبوبيَّته، وإرغامًا لمن جحد به وكفر، وأشهد أنّ سيّدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلّم رسول الله سيّد الخلق والبشر ما اتَّصَلَت عين بنظر، أو سمعت أذنٌ بِخَبر، اللَّهمّ صلّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد، وعلى آله وأصحابه، وعلى ذريّته ومن والاه ومن تبعه إلى يوم الدّين، اللَّهمّ ارْحمنا فإنّك بنا راحِم، ولا تعذّبنا فإنّك علينا قادر، والْطُف بنا فيما جرَتْ به المقادير، إنَّك على كلّ شيءٍ قدير، اللّهمّ علّمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علّمتنا وزدْنا علمًا، وأرنا الحقّ حقًّا وارزقنا اتّباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعلنا ممَّن يستمعون القول فيتّبعون أحْسنه، وأدْخلنا برحمتك في عبادك الصالحين، أما بعد:

 

أيها الأخوة المؤمنون: في الجمعة السابقة كان موضوع الخطبة حول قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[البقرة: 183].

 

وقد شُرحَت معاني التقوى بِفَضل الله -عز وجل-، أو شُرِحَت بعض معانيها كما وردَت في أكثر من ثلاثمئة آيةٍ في القرآن الكريم، واليوم -أيها الأخوة الأكارم- نُتابِعُ الحديث عن حِكمة الصّيام، لأنّنا في شهر الصّيام.

 

قبل كلّ شيءٍ الإنسان -أيّها الأخوة- إذا أصْدَرَ أمْرًا يغلبُ عن أمره هدفٌ واحد؛ فإذا استطاع الإنسان أن يُحقّق هدفين معًا في وقتٍ واحد فهذا نوعٌ من التَّفَوّق، وقد يُصيبُ من جهةٍ، ويخطئ من جهةٍ أخرى، قد يحقّق نفْعًا من جهة، ويؤذي من جهةٍ أخرى من حيث لا يريد أو يريد.

 

يجبُ أن نفرّق بادئ ذي بدءٍ بين أمْرٍ يُصْدرهُ إنسان؛ عِلْمُهُ محدود، خِبرتُهُ محدودة، مطامحُهُ محدودة، وبين أمْر الواحد الدّيان، خالقُ الكون إذا أمر بالصّيام معنى ذلك أنّ الحِكَم لا تُعدّ ولا تُحصى، والفوائد التي تُجْنى من أمره فوق الحصْر والعدّ، في الأسبوع الماضي تحدّثنا عن التّقوى، وقد وردَت في القرآن الكريم.

 

يا أيها الأخوة الأكارم: نحن في دنيا ابتِلاء، والابتلاء ليس معناه المصائب، الابتلاء هو الامْتِحان، نحن في دار عمل، والآخرة دار جزاء، نحن في دار تكليف، والآخرة دار تشريف، وما دمنا قد جئنَا إلى هذه الدنيا لنبتلى، قال تعالى: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)[الملك: 2].

 

ما دُمْنا قد جئْنا إلى الدنيا لِتَظهر حقيقتنا، حقيقة عبوديتنا لله -عز وجل-، حقيقة طاعتنا له، حقيقة انْصِياعنا لأمره، حقيقة اسْتِسلامنا لِحِكمته، ما دُمنا قد جئنا إلى الدنيا كي نُمْتحنَ، فالصّيام نَوْعٌ من الابْتِلاء، ونوعٌ من الامتِحان، أمرنا بِتَرك الطّعام والشّراب، وهو مباحٌ في الأصْل.

 

يا أيها الأخوة الأكارم: حينما ينهى ربّنا عباده المؤمنين عن قَوْل الزور، أو عن شهادة الزور، أو عن الكذب، أو عن الغيبة والنميمة، أو عن أكل أموال الناس بالباطل، أو عن أيّ شيءٍ آخر من المعاصي التي يتَّضِح للناس خطرها، وإسهامها في تفتيت المجتمع؛ فهذا شيءٌ تقبلُه العقول، ولكنّ الله -سبحانه وتعالى- أراد أن يمْتَحِنَ عُبودِيَّتنا له، وانْصِياعنا لأمره، واسْتِسْلامنا لمشيئته، وقبولنا بِحُكمه، أمرنا بِتَرك الطّعام والشّراب، هناك حِكَمٌ لا تُعدّ ولا تُحصى، من هذه الحِكَم أنّه يمتحِنُ عبوديَتَنا جلّ جلاله؛ فأيُّ إنسانٍ رِضاءُ الله -عز وجل- أغلى عنده من الطّعام والشراب يصوم، وأيّ إنسانٍ هذا الطّعام والشراب أغلى عليه من رِضاء الله -عز وجل- تراه لا يصوم؛ فكأنّ الصِّيام مُفْترقُ طرُق، فكأنّ الصّيام كاشفٌ يكشفُ الطائعين من العاصين، يكشفُ الذين يعرفون الله -عز وجل-، والذين لا يعرفونه، يكشفُ الذين يبْتغون رِضوانه، والذين لا يُعْنَوْنَ برِضْوانه، يكشفُ الذين يُحبُّون أن يكون الله راضٍ عنهم، ويكشفُ الذين لا يعبؤون بِرِضاء الله -عز وجل- بل يتعرّضون لِسَخَطِه.

 

أيها الأخوة الأكارم: بِشَكلٍ بسيط بسيط، صِيامُكَ، وأداءُ طاعتك لله -عز وجل- دليلٌ قطعيّ على أنّ رضا الله -عز وجل- أغلبُ عندك من مُتَعِ الحياة الدنيا، ولكنّ شيئًا يُضاف إلى هذه الطاعة، وهو أنَّك إذا دَخَلْتَ إلى بيتِكَ وقد أغلقْتَ الأبواب، ليْسَ من جِهةٍ على وجه الأرض تستطيعُ أن تكتشفَ ما إذا كنتَ مفطرًا أو صائمًا، إنّها مراقبة الله -عز وجل-، إيمانك بأنّ الله معك، إيمانك بأنّ الله مُطَّلعٌ عليك، إيمانك بأنّ الله يراقبك هو الذي جعلكَ تمْتَنِعُ عن كأسِ ماءٍ في أيّام الصّيف الحارة، حيث لا يراك أحد، حقًّا إنّ عبادة الصّيام هي عبادة الإخلاص. كيف أنّ غضّ البصر.

أيها الأخوة: ليس في الأرض كلّه تشْريعٌ يمْنعُكَ من أن تطْلقَ بصركَ في محاسِن النِّساء، ولكن الدِّين دِينَكَ الحنيف يأْمُرك بِغَضّ البصر، حيث قال الله -عز وجل-: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)[النور: 30].

 

كيف أنّ هذه العبادة التي يميّز بها الدِّين عن بقيَّة التشريعات الأرضيّة، كيف أنّ هذه العبادة عبادة غضّ البصَر نَوْعٌ ممَّا يُؤكِّدُ إخلاصك لله -عز وجل-.

 

والفوائد التي نجنيها من الصيام: رضا الله -عز وجل- والاسْتِسلام لأمرِهِ أكبرُ عندنا من لذّة الطّعام والشّراب:

الله -عز وجل- يُحبّ أن يعرّفكَ بِنَفسِهِ، يحبّ أن تعرف أنّك مؤمن، وأنّك مُطيعٌ لله -عز وجل-، وحريصٌ على طاعته، وأنّك تحسّ بِوُجوده، وبأنَّه معك حيثما ذهبت، وبأنَّه يراقبك، ومُطّلعٌ على قلبك، لذلك بعض الفوائد الأخرى التي نجنيها من الصّيام أنَّه يؤكِّد لنا أنّ رِضاء الله -عز وجل- والاسْتِسلام لأمرِهِ أكبرُ عندنا من لذّة الطّعام والشّراب، هذه واحِدَة؛ إذًا العبادة تدفعنا إلى طاعة الله -عز وجل-، ولكن حينما ينهانا ربّنا عن الطّعام والشّراب، وهو شيءٌ مُباح، على مدى شُهور السّنة؛ فحينما تخرج من رمضان تشعُر أنّ ترْك ما نهى الله عنه ممّا هو مؤْذٍ لِنَفسِكَ، ولمجتمعك يجبُ أن تدَعَهُ من باب أولى، إنَّك في رمضان تركْت المباح، وتركت الطّعام والشّراب وأنت في أشدّ حالات الجوع، فما بالُك بعد رمضان تفعَلُ ما نهى الله عنه ؟! كأنّ الله -سبحانه وتعالى- يريدُ أن يعلّمنا في رمضان الانْصِياع لأمره تمامًا.

 

ويعوّد الإنسان الصّبر على الشدائد: وهذه فائدةٌ أخرى تُستفاد من الصّيام، أنَّهُ يُعَوّد الإنسان الصّبْر على الشدائد، وأقلّ هذه الشدائد أن تحسّ بالجوع، وأن يكون الطّعام في مُتناوَل يدَيْك فلا تأكله، لماذا يُعِدُّنا الله -عز وجل- لِتَحَمّل الشدائد؟ لأنّ الإنسان في الدنيا في مدرسةٍ، والمدرسة لابدّ من الإنجاز فيها، والإنجاز يحتاج إلى صبرٍ، وإلى تحمّل، ألا ترى إلى هؤلاء الذين صبروا في أوّل حياتهم، صبروا على الدراسة، كيف تألّقوا في ربيع حياتهم وفي سنيّ عُمُرهم، إنّ كلّ شيءٍ تبذلُه -أيّها الأخ الكريم- من جُهْدٍ، من صبْرٍ، من انضِباطٍ، ومن التزامٍ، تقطفُ ثِمارهُ أضعافًا مضاعفة.

 

وكذلك الصّيام دَوْرة تدْريبيّة على تقويَة الإرادة: فهو شهر الصّبر، وشهر الإرادة، ما الذي يجعلُ المسلمين متخلّفين عن مستوى دينهم؟ هو ضَعفُ إرادتهم، لأنّ الإسلام من فضْل الله -عز وجل- أصْبحَ ظاهرًا جليًّا، وهذا الدِّين العظيم أصْبحَ واضِحًا للناس، ما الذي يجعلُ الإنسان في مستوى ودينه في مستوى أعلى بِكَثير؟ ما الذي يُقْعِدُه عن طلب هذا العلوّ؟ ما الذي يُقْعِدُه عن طلب هذا المجْد؟ ما الذي يُقْعِدُه عن أن يكون بطلاً من أبطال الدِّين؟ هو ضَعف الإرادة، وما الذي يقوّي الإرادة؟ إنَّ الصّيام دَوْرة تدْريبيّة على تقويَة الإرادة، لا بدّ من أن تصلّي الفجر في المسجد، ولا بد من أن تقرأ القرآن، ولا بدّ من أن تغضّ البصَر، ولا بدّ من أن تضبط لِسانك، لأنَّه لا يُعقل أن تدَعَ الطّعام والشراب، ويبقى اللّسان طليقًا في الغيبة والنميمة، وتبقى العَين طليقة في النّظر إلى النّساء، شيءٌ لا يُقبلُ؛ تناقضٌ مريع، مُفارقة حادّة، أن تتْرُك الطّعام والشّراب، وأن تفْعل المعاصي، ترْك الطّعام والشراب يحْملُك على غضّ البصر، وعلى ضبْط اللّسان، وعلى ضبْط الجوارح، إذًا هذا الشّهر العظيم يدْفعُك إلى طاعة الله، ويدفعُكَ إلى ترْك ما نهى الله عنه عن طريق نهْيِهِ عن المباحات التي أباحها لك في أيّام الفطْر.

 

ومن عرف نفسه اقترب من معرفة ربه: فهذا الشّهر -أيها الأخوة- يُعَلِّمُنا الكثير، يعلّمنا بادئ ذي بدْءٍ أنّ الإنسان ضعيف، قد يكون الإنسان في أوْج شبابه، قد يكون غنيًّا، قد يكون قويًّا، وقد يكون عظيمًا في نظر الناس، ولكن ترْك الطّعام والشراب يعرّفه بِحَجمه الحقيقيّ، إنّ وُجود الإنسان ليس ذاتيًا، إنّ وُجود الإنسان مُتعلّق بما يأتيه من خارجه من طعام أو شراب؛ فلو امْتَنَعَ عن الطّعام والشراب لأحسّ بالجوع، ولشَعَرَ بالضّعْف، ولشَعَرَ بانْحِطاط في جسمه وشوْقٍ إلى الطعام عجيب، هذا هو الإنسان عبْدٌ ضعيف، كلّما عرفْت نفسكَ اقْتربْتَ من معرفة ربّك، كلّما عرفْت حجْم عُبوديتك لله -عز وجل- ازْدادَتْ معرفتك لربِّك، هذا الذي يقول أنا وأنا، حيثما تكلّم يقول: أنا !! من أنت ؟! أنت مَخلوق قد تبيعُ كلّ ملْكِكَ بِكَأسِ ماءٍ إذا مُنِعَ عنك، وقد تبيعُ كلّ مُلْكِكَ بهذا الكأس إذا منِعَ إخراجهُ منك؛ فأنت مفتقر إلى كأس الماء تشربُه، ومفتقر إلى هذا الماء تفرزهُ، ومفتقر إلى لقمة تسدّ بها رمقك، ومفتقر إلى لقمةٍ تخرجُ بِشَكلٍ صحيح.

 

يا أيها الأخوة الأكارم: الإنسان عبْدٌ لله فقير، والفقْر في الإنسان شرفٌ له، وشُعوره بِعُبوديته لله مرتبةٌ عُليا ينالها، ألمْ تسمعوا أنّ النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما كان في المناجاة مع ربّه في سِدرة المنتهى سأل الله أن يكون عبْدًا له، يشْعُرُ بِعُبوديَتِهِ لله -عز وجل-.

 

والصّيام يدفع الإنسان إلى الإحساس بآلام الفقراء: يدْفعنا إلى الإحساس بآلام الجوع التي يحِسّ بها الفقراء أحيانًا، الإنسان أحيانًا يبتعد عن مشاعر الآخرين، مرّة جاء لعمر بن الخطاب رسولٌ من أذربيجان، وكانت تابعةً لحُكْم سيّدنا عمر، ولحُكْم المدينة، وكم بينها وبين المدينة من أميال ! في عهْد عمر كانت أذربيجان التي تسْتَمِعون إلى أخبارها من حينٍ لآخر تابعةً لِحُكم المدينة، ولحُكم سيّدنا عمر، جاء من أذربيجان إلى عمر بن الخطاب، ووصَل المدينة ليلاً، كرهَ هذا الرسول أن يطرقَ باب أمير المؤمنين في هذه الساعة المتأخّرة من الليل، فتوجَّه إلى المسْجِد فإذا رجلٌ يُصلّي ويبكي، ويقول: “يا ربّ، هل قبِلْتَ توبتي فأُهنّئ نفسي أم رددْتها فأُعزِّيها؟ فقال هذا الرسول لهذا الرجل الذي لا يرى شكلهُ: من أنت يرحمكَ الله؟ فقال: أنا عمر، قال: يا أمير المؤمنين ألا تنام الليل؟ قال: إنْ نِمْتُ ليلي كلّه أضَعْتُ نفسي أمام ربي، وإن نِمْتُ نهاري أضعْتُ رعيّتي، ولا زال عمر مع هذا الرسول يُصلّيان حتى أذّن الفجر، وصلى الفجر، وأخذهُ إلى بيتهِ، في البيت قال: يا أمّ كلثوم؛ ما عندك من طعامٍ؟ قالت: والله ما عندنا إلا خبزٌ وملح ! فأخذهُ منها وأكل هو وضيْفُه هذا الطّعام الخَشِن، وفتَحَ هذا الرسول علبةً فيها طعامٌ نفيس، قال: هذه هديّة لك من عاملك على أذربيجان، أمْسكَ سيّدنا عمر بهذا الطّعام، وأكلَ منه لقْمةً، قال: يا هذا هل يأكُلُ عندكم عامّة المسلمين هذا الطّعام؟ قال: يا أمير المؤمنين هذا طعام الخاصّة، فكَتَبَ عمر إلى واليه على أذربيجان: “يا فلان كُلْ مِمَّا يأكل منه عامّة المسلمين، كيف يعنيك ما يعنيهم إن لم تأكل من طعامهم ؟!”، هذا الغني الذي ما ذاق الجوع في حياته، كيف يشْعرُ بِمرارة الجوع إن لم يذُقْ حقيقة الجوع؟ النبي -عليه الصلاة والسلام- حينما أمرَ الفقراء بالصّبْر ذاقَ طعْم الجوع، قال: “أوذيتُ في الله وما أوذِيَ أحدٌ مثلي، وخفْت وما خاف أحدٌ مثلي، ومضى عليّ ثلاثون يومًا ما دخل على جوفي شيئًا إلا ما يُواريه إبْط بلال، كان إذا دخل بيته -صلى الله عليه وسلّم- يسأل: هل عندكم من طعامٍ؟ فإذا قالوا: لا، قال فإنِّي صائم“.

 

من بعض المعاني التي تُستفاد في شهر الصّيام أنّ الغنيّ المُتْرف الذي لا يعنيه أمر الطّعام إطلاقًا، شيءٌ مبذول، وميسور، ووافر، هذا الطّعام الذي تأكلهُ، هناك أُناسٌ بِحاجةٍ إليه، هذا الطّعام الذي تُلقيهِ في سلّة المهملات، هناك من يتمنَّى لقْمةً منه، نِظَام التَّرَف والإسراف نِظامٌ لا يتوافقُ مع الإسلام أبدًا، وفي ثماني آياتٍ في القرآن الكريم المُتْرفون هم الكافرون، إذًا حينما يجوع الإنسانُ فعلاً، وحينما تتوق نفسُه إلى الطعام فعلاً، لِيَذْكر أنّ هناك أناسًا لا يُطْبخُ في بيتهم الطّبْخ الطيّب إلا من حينٍ إلى آخر، وفي وقتٍ متباعد.

 

يا أيها الأخوة الأكارم: إنّ هذه الفائدة هي بعض فوائد الصّيام، يشعر الإنسان بآلام الجوع، فإذا كان مُنْعمًا، وإذا كان يأكل ما يشتهي، فهناك أناسٌ كثيرون لا يجدون ما يشتهون، ولا يجدون ما يسدّون به رمقهم، على كلٍّ أيها الأخوة هذه أهدافٌ ثانويّة جدًّا إذا قيسَتْ بالهدف الكبير الذي ورد في القرآن الكريم، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[البقرة: 183].

 

لعلّكم تطيعون الله -عز وجل-، لعلّكم إذا تركْتُم ما هو مباح تتْركون بعد الإفطار ما هو محرّم، لعلّكم إذا ألفْتُم صلاة الفجْر في المسجد تسْتَمِرّون عليها طوال العام، لعلّكم إذا ألفْتم قراءة القرآن تقرؤونه على مدار العام، لعلّكم إذا ألفْتم إنفاق المال وإطعام البائسين تشعرون بِلَذَّة العطاء، حِكْمةٌ بليغة أيها الأخوة.

 

الحكمة من زكاة الفطر: لماذا أُمِرَ الفقير بأداء زكاة الفِطْر؟ الذي يمْلكُ قوتَ يومه، أي الذي يملكُ في بيته وجْبة طعامٍ واحدة، لا يمْلكُ سواها عليه زكاة الفِطْر، قال بعض العلماء: “إنّ حِكمة زكاة الفِطْر أنْ يذوق الفقير طعْم الإنفاق، لأنّ للإنفاق طعمًا لا يعرفه إلا من ذاقهُ، طعْمُ الإنفاق أراد الله -عز وجل- أن يُذيق الفقير الذي لا يملِكُ إلا وجبةَ طعامٍ واحدة طعْم الإنفاق في رمضان“.

 

فيا أيها الأخوة الأكارم: يجب أن تعلموا أنّ أقلّ ما في هذا الشّهر ترْك الطعام والشراب، من ترك الطعام والشراب، ولم يتْرك ما سوى ذلك، لمْ يتْرك غضّ البصر، ولم ينْضبط لسانهُ، لم ينضبط في حديثه، لم يضْبط جوارحه، ماذا فعل هذا الإنسان؟ ليْتَهُ لم يترك الطّعام والشراب.

 

ورمضان دورة تدريبية للرقي من حال إلى حال: يجبُ أن نعلم -أيها الأخوة- أنّ هذا الشّهر دَوْرةٌ تدريبيّة، دوْرَة ترقى بها من حالٍ إلى حال، من مقام إلى مقام، من منزلة إلى منزلة، من مستوى إلى مستوى، أقلّ ما في هذا الشّهر ترْك الطعام والشراب، بعد ذلك ترْك المخالفات كلّها، ضبط العين، ضبطُ الأُذن، ضبط اللّسان، ضبط اليد، ضبط الدَّخْل، ضبط الإنفاق، وأعلى من ذلك طلب العلم، ومعرفة الله -عز وجل-، معرفة أسمائه الحسنى، معرفة أمره ونهْيِهِ، معرفة رسوله ومعرفة أصحاب رسوله، ترْك الطّعام والشراب منطلقٌ وبدايةٌ، بعد ذلك ترْك المخالفات كلّها، صغيرها و جليلها، ماديها ومعْنويها، بعد ذلك طلب معرفة الله، من خلال كتابه، ومن خلال العبادات، ومن خلال الصلاة.

 

يا أيها الأخوة الأكارم: ترك الطعام والشراب فقط!! أيّ حيوانٍ إذا مُنِعَ من الطعام والشراب، ليس لهذا الإنسان أجرٌ يزيدُ عن أجر هذا الحيوان، لذلك الإمام الغزالي قسّم الصّيام إلى ثلاثة مستويات:

صِيام البهائم، وصيام المؤمنين، وصيام المتّقين؛ فصيام البهائم تركوا الطّعام والشراب وهم على ما هم عليه، من مخالفات، وانحرافات، وتجاوزاتٍ، لا ينضبط لا بلسانه، ولا بِبَصرِه، ولا بأُذنه، ولا بِجَوارحه، ولا يفعل خيرًا هو هو كما كان قبل الصّيام هو بعد الصّيام، وهذا المستوى من الصّيام لا يُرضي الواحد الدّيان، كأنّ الله -عز وجل- أراد من الصّيام أن تنطلق إليه، أن يكون الصّيام مرحلة تنطلق بها إلى الله -عز وجل-، وتُتَابِعُ هذا الانطلاق، فجاء هذا الإنسان وفرَّغهُ من مَضمونه، ألا ترى أنّ الإنسان إذا اسْتغْرق في أجهزة اللّهو في هذا الشّهر العظيم حرم نفسهُ كلّ الخَيْرات، حرمَ نفسهُ الأجواء القدسيّة، أجواء القرآن الكريم، حرمَ نفسه أجواء القرْب من الله -عز وجل-، حرمَ نفسهُ الطّهْر والعفاف.

 

ومن أخلص لله في رمضان ذاق طعم القرب: هذا الشّهر لا يحتملُ المخالفات أبدًا، أي إذا أخْلصْتَ لله -عز وجل- ثلاثين يومًا ذُقْتَ فيها طعْم القرب، لعل الله -عز وجل- يكرمُكَ بِمُتابعة هذه التوبة إلى ما شاء الله؛ فالقضيّة قضيّة انطلاق، طبعًا من عظمة تشريع الله -عز وجل- أنّ شهر الصّيام للعُصاة انطلاق، وللمؤمنين مُتابعة الترقّي، ولبعض الناس مدافعة التدنّي، كان متدنِّيًا، كان هاويًا في حفرة ما لها من قَرار؛ فجاء شهر الصّيام وكبحَ تدنِّيه، أما المؤمن فتابعَ فيه ترقِّيه، كلّ إنسان له من هذا الشّهر موقف، التَّقيّ ازْداد نورًا من الله -عز وجل-، إذا خاطبْنا الضِّعاف فهذا من شأن الدّعوة إلى الله -عز وجل-، من لم يكن مصْطلحًا مع الله فلا بدّ من أن يصطلحَ مع الله في هذا الشهر الكريم، والاصطلاح مع الله -عز وجل- لا يكون بِتَمْتماتٍ تقولها، ولا بِحَركاتٍ تؤدِّيها، ولكن بانْضِباطٍ تنضَبِطُ به، والْتِزامٍ تلْتَزِمُ به، يا رسول الله ادْع الله لي أن أكون مُستجاب الدعوة؟ ماذا قال له النبي؟ قال له: “يا سعْد أطِبْ مطعمَكَ تكن مستجاب الدّعوة“، هذا شهْر الصّلح مع الله، هذا شهر التوبة النّصوح، هذا شهر الانضباط، شهر الالتزام، وشهر محاسبة النّفس، لئلاّ يُسْتَهلك الإنسان في مشاغله اليوميّة، لئلاّ تستهلكُه متاعبُهُ، وهمومه؛ هموم طلب المعاش، وهموم طلب الرّزق، وهموم أخرى، جاء هذا الشّهر لِيَكون صلحًا مع الله -عز وجل-، ترك الطّعام والشراب أقل ما في هذا الشّهر، إنّ عبادةً تبدأُ بِتَرْك الطّعام والشراب، وتنتهي بتَناوُلِهِ ليس غير، هذه العبادة لا تليق أن تكون عبادةً لله -عز وجل-، إنّ وراء ترْك الطعام والشراب أشياء كثيرة، أهمّها الاستقامة على أمر الله، أهمّها عقْد الصّلح مع الله، أهمّها التوبة النصوح، وبعد التوبة النّصوح يأتي طلب العلم، والزيادة فيه، وطلب القرب والزيادة فيه.

 

والصّوم إعلان أن طاعة الله أغلى من كل شيء: بالصّوم نُعْلِنُ لأنفسنا قبل كلّ شيء أنّ طاعة الله أغلى علينا ممَّا نشْتهيه، وضَعنا شهْوتنا تحت أقدامنا، ما دُمتَ صائمًا فأنت على شيءٍ من الإيمان لا شكّ، ولكن إذا تركْت ما هو مُباح من باب أولى يجبُ أن تدعَ ما هو محرّم، تدَعُ الطّعام والشّراب، وتنظر إلى النّساء؟ تدعُ الطّعام والشراب، وتسْتغيبُ الناس، وتتكلّم بالسُّوء؟ هذا لا يكون، إذًا ترك الطعام والشراب منطلقٌ لكلّ المعاصي.

 

شيءٌ آخر ترك الطعام والشراب يُعَرّفك من أنت؟ أنت عبْدٌ لله مفتقر، أنت مفتقر إلى لقْمةٍ تأكلها، وإلى شرْبة ماءٍ تشربها، هذا كلّ حجمك عند الله -عز وجل-، عبدٌ فقير، أنت بعبوديّتك لله -عز وجل- شيءٌ عظيم، وبِتَكَبُّرِكَ على الله -عز وجل- شيءٌ حقير، قال تعالى: (إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ)[القصص: 78]، وقال تعالى: (وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ)[الزخرف: 51].

 

أربع كلمات مهلكات، نحن أولو قوّة وأولو بأسٍ شديد فأهلكهم الله -عز وجل- قومُ سبأ، فكلمة نحن مهلكة، معناها أنت معْتدّ بِذاتك، وكلمة أنا مهلكة، وكلمة عندي مهلكة، وكلمة لي مهلكة، أنا ونحن ولي وعندي أربع كلمات مهلكات في أربع آياتٍ من كتاب الله، إذًا بالصّيام تعرفُ حجْمك الحقيقيّ، تعرف عبوديتك لله -عز وجل-، تعرف افتقارك له، وما دُمْت تبحثُ عن مستوى أرقى وأنت في مستوى أدنى، لا بدّ من أن تصل إلى هذا المستوى الأرقى و لا يكون ذلك إلا بإرادة حديديّة، والصّيام يُقوِّي لك هذه الإرادة، إذًا تعريفٌ بِعُبوديّتِكَ، تَقْويَةٌ لإرادتك، وعبادة الإخلاص، هذا كلّه من معاني الصّيام، والله -سبحانه وتعالى- يوفّقنا إلى سواء السبيل، ويلهمنا رشْدنا إنّه على ما يشاء قدير.

 

حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، واعلموا أنّ ملك الموت قد تخطانا إلى غيرنا، وسيتخطّى غيرنا إلينا، ولْنَتَّخِذ حذرنا، الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتْبعَ نفسه هواها وتمنّى على الله الأماني، والحمد لله رب العالمين.

 

 

الخطبة الثانية:

 

أشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله، صاحب الخلق العظيم، اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

 

أيها الأخوة الأكارم: حديثٌ قدسي تعرفونه جميعًا، وهو قوله -صلى الله عليه وسلم-: “كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ“(البخاري عن أَبِي هُرَيْرَةَ).

 

إذا أمرك الله -عز وجل- بِتَرك الكذب تألّق نجمُكَ بين الناس، وعُرِفْت بالصِّدْق، إذا أمركَ الله -عز وجل- بِتَرْك أكل المال الحرام، فكان مالك حلالاً، وقاكَ الله من كلّ المصائب المتعلّقة بإتلاف الأموال؛ فأيُّ أمْرٍ يأمرك الهك به تقطف ثماره في الدنيا.

 

أمرَكَ أن تكون أمينًا، والأمين موثوق، وقد قال -عليه الصلاة والسلام-: “الأمانة غِنًى“، أيُّ: أمْرٍ أمرك الله به تقطفُ ثماره في الدنيا قبل الآخرة، لذلك كلّ عمل ابن آدم له إلا الصوم، أمرك أن تدَعَ الطعام والشراب، لو أنّ أبًا أمر ابنهُ أن ينظّف أسنانه قبل أن ينام، أليْسَ في هذا الأمْر فائدةٌ لابنه؟ لو أمرهُ أن يكون نظيفًا، أيّ أمْرٍ يُلقيه الأب على ابنه هو لِمَصلحته، لو أنّ أبًا أراد أن يمْتَحِنَ عبوديَة ابنه، وبِرَّ ابنه، وُضِعَ الطعام على المائدة فقال له يا فلان لا تأكل معنا أنت ! قال: سمْعاً وطاعةً ! ألا ترى أنّ هذا الابن في أعلى مستويات البرّ؟ لأنّ أيَّ أمرٍ لو أمره به متعلّق بصالح عام لاسْتجاب له حُبًّا لِمَصلحته، لكنّ هذا الأمْر يبْدو غير واضِحٍ، لماذا؟ قال له: سمْعًا وطاعة، لذلك كلّ عمل ابن آدم له، عائدٌ عليه، أما جهدك فقد تعجَّلْتَ فيه الراحة لنفسك، كلّ فعْلٍ فعلتَهُ في الدنيا عاد عليك فعْلهُ، قال: إلا الصوم، فيما يبْدو للإنسان، فإنَّه لي وأنا أجزي به، فما قولكم أنّ الصّيام صِحّة؟

 

والصّيام صحة: أُلِّفَت بعض الكتب في الطبّ النَّبويّ، وأُفْرد في هذه الكتب فصْلٌ كبير من فصولها حول الصّيام، ورد في بعض هذه الكتب التي وردت عن الطبّ النبوي، ورد في فوائد الصّيام أنَّ الصِّيام يُخَفِّف العبء عن جهاز الدّوران؛ أي على القلب والأوعيَة الدمويّة، لماذا؟ لأنَّه يخفّض نسبة الدّسم في الدّم، ونسبة الدَّسم في الدم إذا ارْتفعَتْ صلَّبَتْ الشرايين، ويقول الأطبّاء: عمر الإنسان مرتبطٌ بعُمر شرايينِهِ؛ فكلّما تصلَّبَت جهِدَ القلب، وإذا جهد القلب أصابهُ عطبٌ في وقتٍ مبكِّر؛ فحينما يصوم الإنسان ثلاثين يومًا يخفّف العبء عن القلب والأوعِيَة الدَّمَوِيّة، عن طريق تخفيض نسب المواد الدسمة في الدم؛ فإذا انخفضت هذه النِّسْبة ازدادَت مرونَةُ الشرايين، كلّما ارتفعَتْ نسبَةُ الدَّسم في الدّم تصلّبت الشرايين، وإذا تصلَّبَتْ تَعِبَ القلب، وإذا تعب القلب قد يعطبُ في وقتٍ مفاجئ، فالصّوم كما قال -عليه الصلاة والسلام-: “صوموا تصحُّوا“(الطبراني في الأوسط عن أبي هريرة).

 

فيا أيها الأخوة الأكارم: الصّوم -أيضًا- يريحُ الكليَتَين وجهاز البول من فضلات الأغذيَة المنطرحة عن طريق جهاز البول، فالصّوم صِحَّة. والصّيام أيضًا دوْرةٌ سنويّة لِتَخفيض الوزْن، لِمَن يشكون بعض الوزْن الثقيل، إذًا الصّوم أيضًا صِحَّة لفئة من هؤلاء الناس.

 

وهناك شيءٌ آخر، يُعَدُّ الصّوم عِلاجًا فعَّالاً لبَعْض المصابين بمرض السّكر، وارْتِفاع التوتّر الشرياني، والقصور الكلوي، والالتِهابات الهضميّة المُزْمنَة، وحصيات المرارة، والأمراض الجلديّة، إنّ كلّ هذه الأمراض يُعَدُّ الصوم لها دواءً.

 

والصّوم دورةٌ وِقائيّة صِحِيَّة سنويّة: شيءٌ آخر، في مجْمل القول ورد في كتب الطبّ النبوي أنَّ الصوم دورةٌ وِقائيّة صِحِيَّة سنويّة، أمراض خطيرة جدًّا، وهذا الشهر كأنَّه صمّام أمان، انْخفضَتْ نِسَب الدَّسَم في الدّم، انْخفضَتْ نِسَب حمض البول في الدّم، اسْتراحَتْ الكليتان وبعض الأجهزة، كأنّه عملية صِيانة، وما من معملٍ يعمل ليلاً نهاراً بلا كلل ولا ملل، إلا وله وقتٌ تُجرى له فيه أعمال صيانة، ويجب أن تعلم أنّ الله الذي خلق الإنسان هو الذي فرضَ الصّيام، لأنّه خبير بما صنعَ، دَوْرة صيانة، دوْرة صيانة وترميم.

 

شيءٌ آخر، إنَّه دورةٌ صِحِيَّة وِقائيَّة في الدرجة الأولى، ودوْرةٌ صِحِيَّة عِلاجيّة لبعض الأشخاص، ولبعض الأمراض، وفوق هذا وذاك إنّ الصيام دورةٌ وقائيّة من أمراض الشَّيْخوخة، ومن بلغ الأربعين دخل أسواق الآخرة، من تجاوز الأربعين أو الخمسين صار معرَّضًا لأمراض الشيخوخة، والصّيام بِفَضل الله -عز وجل- يقي أمراض الشيخوخة؛ فإذاً أمرنا الله -عز وجل- بأمْرٍ شيءٌ يُحَيِّرُ العُقول؛ يا تُرَى أَمِنْ أجْل التقوى؟! أم من أجل معرفة عبوديتنا؟! أم من أجل نشاط أجسامنا؟! أم من أجل ماذا؟! هذا هو أمْر الله، كما قال بعضهم: فضْلُ كلام الله على كلام خلقه كفضْل الله على خلقِهِ، كم هي المسافة كبيرة بين الخالق والمخلوق، هي نفسها بين كلامه وبين كلام خلقه، كم هو التفاوُت عظيم بين خالق الكون وبين المخلوق هي النسبة نفسها بين أمْر خالق الكون وبين أمْر المخلوق، لذلك قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)[البقرة: 183].

 

الملفات المرفقة
حكم الصيام وأسراره
عدد التحميل 25
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات