طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    غزةُ تكتبُ بالدمِ تاريخَها وتسطرُ في المجدِ اسمَها    ||    مصيدة الأخطاء.. لمن كُل هذا الطعام؟    ||    استقبال الفضائيات لرمضان    ||    رمضان وإحياء شبكات المجتمع!    ||    ليس رمضان لهذا ...    ||    إيران تدفع بقاسم سليماني إلى العراق لتشكيل حكومة موالية لها    ||    بعد أمريكا.. غواتيمالا تفتتح سفارة لها في القدس    ||    هادي: التحالف العربي أفشل مخطط إيران في اليمن    ||    أئمة الجزائر يدعون لحمايتهم وتحسين أوضاعهم المادية    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15566

فضيلة طول العمر مع حسن العمل

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / حي الرحمانية الغربية / جامع فهد المقيل /
التصنيف الرئيسي : رمضان أحوال القلوب
تاريخ الخطبة : 1428/08/25
تاريخ النشر : 1439/08/20
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/طول العمر مع حسن العمل علامة من توفيق الله لعبده 2/من علامة الخسران ألا يستغل العبد عمره وصحته في طاعة الله 3/طول العمر مع حسن العمل فرصة يدرك بها العبد منزلة المجاهد وأعظم 4/وجوب الاهتمام بالعمر وكراهية تمني الموت 5/استغلال الشهر الكريم وأخذ العبرة فيمن مات.
اقتباس

إِنَّ طُولَ الْعُمْرِ مَعَ حُسْنِ الْعَمَلِ نِعْمَةٌ مِنَ -اللَّهِ تَعَالَى- يَهَبُهَا مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنَّ الْعُمْرَ الْمَدِيدَ إِذَا صَاحَبَهُ سُوءُ عَمَلٍ كَانَ نِقْمَةً عَلَى صَاحِبِهِ؛ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: “أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ، قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ”..

الخطبة الأولى:

 

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ)[سَبَأٍ: 1]، وَ: (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)[الْمُلْكِ 1-2]، أَحْمَدُ رَبِّي وَأَشْكُرُهُ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ وَفَّقَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ لِمَا يُرْضِيهِ، فَكَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا، وَجَزَاؤُهُمْ مَوْفُورًا، وَضَلَّ كَثِيرٌ مِنْ خَلْقِهِ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ؛ فَكَانَ سَعْيُهُمْ مَرْدُودًا، وَعَمَلُهُمْ هَبَاءً مَنْثُورًا، (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)[الْكَهْفِ 103-104].

وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ خَيَّرَهُ رَبُّهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا نَبِيًّا، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَلِكًا نَبِيًّا فَاخْتَارَ عَبْدًا نَبِيًّا [1]، فَأَعْرَضَ عَنِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا، وَنَصَبَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ -أَيُّهَا النَّاسُ- وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فَإِنَّ الْأَيَّامَ تَتَسَارَعُ، وَالْحَوَادِثَ تَتَابَعُ، وَالْفِتَنَ تَتَعَاظَمُ، وَلَا مَنْجَاةَ مِنْ غُلَوَائِهَا وَشَرِّهَا إِلَّا بِتَقْوَى اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَالِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ، وَكَثْرَةِ الذِّكْرِ، وَالدُّعَاءِ بِالثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ إِلَى الْمَمَاتِ، (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ)[الْبَقَرَة: 223].

أَيُّهَا النَّاسُ: مِنْ تَوْفِيقِ -اللَّهِ تَعَالَى- لِلْعَبْدِ أَنْ يَمْلَأَ قَلْبَهُ بِالْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ، وَيَهْدِيَهُ لِمَا يُرْضِيهِ، وَيَسْتَعْمِلَهُ فِي طَاعَتِهِ، فَيَقْضِيَ الْعَبْدُ حَيَاتَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَيَصْرِفَ أَوْقَاتَهُ فِيمَا يُرْضِيهِ -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّ طُولَ عُمْرِهِ يَزِيدُ فِي عَمَلِهِ، وَعَمَلَهُ الصَّالِحَ يَزِيدُ فِي حَسَنَاتِهِ، وَيَرْفَعُ دَرَجَاتِهِ، فَهَنِيئًا لِمَنْ عُمِّرَ طَوِيلًا، وَقَضَى حَيَاتَهُ فِي طَاعَةِ -اللَّهِ تَعَالَى-.

 

وَإِنَّ مِنَ الْخِذْلَانِ وَالْخَسَارَةِ أَنْ يُمَدَّ لِلْعَبْدِ فِي عُمْرِهِ، وَيُرْزَقَ عَافِيَةً فِي جَسَدِهِ، فَتَمْضِي حَيَاتُهُ فِي الْمَعْصِيَةِ وَالْخُسْرَانِ. كَمْ رَأَيْنَا مِنْ عِبَادٍ لِلَّهِ صَالِحِينَ، مِنْ آبَاءٍ وَأُمَّهَاتٍ، وَأَجْدَادٍ وَجَدَّاتٍ، وَجِيرَانٍ وَقَرَابَاتٍ، شَابَتْ رُؤُوسُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ، وَنَصَبَتْ أَرْكَانُهُمْ فِي طَاعَةِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، لَا يُفَارِقُونَ أَمَاكِنَ صَلَوَاتِهِمْ إِلَّا لِحَاجَاتِهِمْ، وَلَا تَفْتُرُ أَلْسِنَتُهُمْ عَنِ الذِّكْرِ إِلَّا إِجَابَةً لِسَائِلٍ، أَوْ لِحَدِيثٍ لَابُدَّ مِنْهُ. يَقُومُونَ اللَّيْلَ، وَيَصُومُونَ النَّفْلَ، وَيُبَكِّرُونَ إِلَى الْمَسَاجِدِ، وَيَلْهَجُونَ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ، قَدْ أَعْرَضُوا عَنِ الدُّنْيَا، وَتَرَكُوهَا لِأَهْلِهَا، وَأَوْقَفُوا نُفُوسَهُمْ لِلَّهِ -تَعَالَى-؛ مِنْهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَارَبَ الْمِئَةَ. أَعْمَارٌ مَدِيدَةٌ، وَأَيَّامٌ كَثِيرَةٌ قَضَوْهَا فِي طَاعَةِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فَيَا لَلَّهِ مَا أَحْسَنَ سَعْيَهُمْ! وَمَا أَعْظَمَ فَوْزَهُمْ! جَعَلَنَا اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُمْ، وَأَلْحَقَنَا بِهِمْ.

 

وَكَمْ رَأَيْنَا وَسَمِعْنَا عَنْ شِيبٍ وَعَجَائِزَ، شَابَتْ رُؤُوسُهُمْ فِي مَعْصِيَةِ -اللَّهِ تَعَالَى-، وَنَصَبَتْ أَجْسَادُهُمْ لِأَجْلِ الدُّنْيَا وَمَتَاعِهَا، قَدْ بَلَغُوا السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ وَالثَّمَانِينَ وَفِيهِمْ صَبْوَةُ الشَّبَابِ وَغَفْلَتُهُمْ!! تَرَى عَجُوزَهُمْ مُتَصَابِيَةً فِي لِبَاسِهَا وَأَصْبَاغِهَا، وَهَيْئَتِهَا وَأَفْعَالِهَا، تُضَيِّعُ مَشِيبَهَا وَقَدْ أَضَاعَتْ بِالْأَمْسِ شَبَابَهَا، أَفْسَدَتْهَا الْجِدَةُ، وَأَبْطَرَتْهَا النِّعْمَةُ، فَكَأَنَّمَا خُلِقَتْ لِلدُّنْيَا وَفِيهَا تُعَمِّرُ، وَهَذَا الصِّنْفُ مِنَ الشِّيبِ وَالْعَجَائِزِ إِذَا دَهَمَهُمُ الْمَوْتُ، أَوْ طَرَحَهُمُ الْمَرَضُ، أَوْ أَثْقَلَهُمُ الْكِبَرُ؛ عَرَفُوا أَنَّ أَعْمَارَهُمْ ضَاعَتْ سُدًى، وَأَنَّ أَوْقَاتَهُمْ صُرِفَتْ لِلدُّنْيَا، وَهَا هُمْ عَنِ الدُّنْيَا الَّتِي عَمَّرُوهَا يَرْحَلُونَ، وَإِلَى الْآخِرَةِ الَّتِي أَهْمَلُوهَا يَفِدُونَ، فَمَا أَشَدَّ نَدَمَهُمْ، وَمَا أَفْدَحَ خَسَارَتَهُمْ!!

 

إِنَّ طُولَ الْعُمْرِ مَعَ حُسْنِ الْعَمَلِ نِعْمَةٌ مِنَ -اللَّهِ تَعَالَى- يَهَبُهَا مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنَّ الْعُمْرَ الْمَدِيدَ إِذَا صَاحَبَهُ سُوءُ عَمَلٍ كَانَ نِقْمَةً عَلَى صَاحِبِهِ؛ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: “أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: “مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ” قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟ قَالَ: “مَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ“(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ)[2].

 

وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: “جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟ قَالَ: طُوبَى لِمَنْ طَالَ عُمْرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: “أَنْ تُفَارِقَ الدُّنْيَا وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-” وَفِي رِوَايَةٍ: “قَالَ الْأَعْرَابِيُّ: وَيَكْفِينِي ذَلِكَ، قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “نَعَمْ وَيَفْضُلُ عَنْكَ“(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ)[3].

 

وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: “سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: “أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِخِيَارِكُمْ؟” قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: “خِيَارُكُمْ أَطْوَلُكُمْ أَعْمَارًا وَأَحْسَنُكُمْ أَعْمَالًا“(رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ)[4].

 

إِنَّ طُولَ الْعُمْرِ مَعَ حُسْنِ الْعَمَلِ قَدْ يُدْرِكُ الْعَبْدُ بِهِ دَرَجَةَ الْمُجَاهِدِ الَّذِي قُتِلَ فِي سَبِيلِ -اللَّهِ تَعَالَى-؛ بَلْ قَدْ يَتَجَاوَزُهُ، فَيَكُونُ لَهُ مِنَ الْفَضْلِ مَا لَيْسَ لِلشَّهِيدِ الَّذِي قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا؛ ذَلِكَ أَنَّ عَمَلَهُ الصَّالِحَ الْمُتَتَابِعَ فِي عُمْرِهِ الْمَدِيدِ الطَّوِيلِ فَاقَ أَجْرَ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ -اللَّهِ تَعَالَى-. وَقَدْ جَاءَ مَا يَشْهَدُ لِذَلِكَ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ، فَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ مُرْسَلًا: “أَنَّ نَفَرًا مِنْ بَنِي عُذْرَةَ ثَلَاثَةً أَتَوُا النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَأَسْلَمُوا، قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: مَنْ يَكْفِنِيهِمْ؟ قَالَ طَلْحَةُ: أَنَا، قَالَ: فَكَانُوا عِنْدَ طَلْحَةَ، فَبَعَثَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعْثًا فَخَرَجَ أَحَدُهُمْ فَاسْتُشْهِدَ، قَالَ: ثُمَّ بَعَثَ بَعْثًا فَخَرَجَ فِيهِ آخَرُ فَاسْتُشْهِدَ، قَالَ: ثُمَّ مَاتَ الثَّالِثُ عَلَى فِرَاشِهِ، قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ الَّذِينَ كَانُوا عِنْدِي فِي الْجَنَّةِ، فَرَأَيْتُ الْمَيِّتَ عَلَى فِرَاشِهِ أَمَامَهُمْ، وَرَأَيْتُ الَّذِي اسْتُشْهِدَ أَخِيرًا يَلِيهِ، وَرَأَيْتُ الَّذِي اسْتُشْهِدَ أَوَّلَهُمْ آخِرَهُمْ، قَالَ: فَدَخَلَنِي مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: وَمَا أَنْكَرْتَ مِنْ ذَلِكَ؟ لَيْسَ أَحَدٌ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ مُؤْمِنٍ يُعَمَّرُ فِي الْإِسْلَامِ لِتَسْبِيحِهِ وَتَكْبِيرِهِ وَتَهْلِيلِهِ“(رَوَاهُ أَحْمَدُ)[5].

 

وَفِي الْمُسْنَدِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: “أَنَّ رَجُلَيْنِ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَكَانَ إِسْلَامُهُمَا جَمِيعًا، وَكَانَ أَحَدُهُمَا أَشَدَّ اجْتِهَادًا مِنْ صَاحِبِهِ، فَغَزَا الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمَا فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَكَثَ الْآخَرُ بَعْدَهُ سَنَةً، ثُمَّ تُوُفِّيَ، قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ فِيمَا يَرَى النَّائِمُ كَأَنِّي عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ إِذَا أَنَا بِهِمَا وَقَدْ خَرَجَ خَارِجٌ مِنَ الْجَنَّةِ، فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّيَ الْآخِرَ مِنْهُمَا، ثُمَّ خَرَجَ فَأَذِنَ لِلَّذِي اسْتُشْهِدَ، فَرَجَعَا إِلَيَّ فَقَالَا لِي: ارْجِعْ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْنِ لَكَ بَعْدُ، فَأَصْبَحَ طَلْحَةُ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ، فَعَجِبُوا لِذَلِكَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا كَانَ أَشَدَّ اجْتِهَادًا ثُمَّ اسْتُشْهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَدَخَلَ هَذَا الْجَنَّةَ قَبْلَهُ!! فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً؟ قَالُوا: بَلَى. وَأَدْرَكَ رَمَضَانَ فَصَامَهُ؟ قَالُوا: بَلَى. وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا سَجْدَةً فِي السَّنَةِ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: فَلَمَا بَيْنَهُمَا أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ“.

 

وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: “أَوْلَمَ يَكُنْ يُصَلِّي؟ فَقَالُوا: بَلَى، وَكَانَ لَا بَأْسَ بِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “مَا يُدْرِيكُمْ مَا بَلَغَتْ بِهِ صِلَاتُهُ“[6].

 

أَسْأَلُ اللَّهَ –تَعَالَى- أَنْ يَسْتَعْمِلَنَا فِي طَاعَتِهِ، وَأَنْ يُبَلِّغَنَا رَمَضَانَ، وَأَنْ يُعِينَنَا عَلَى أَدَاءِ حَقِّهِ فِيهِ، وَأَنْ يَتَقَبَّلَ مِنَّا صَالِحَ الْأَعْمَالِ إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ.

 

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ…

 

 

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، أَحْمَدُهُ وَأَشْكُرُهُ، وَأَتُوبُ إِلَيْهِ وَأَسْتَغْفِرُهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ، وَتَزَوَّدُوا مِنْ دُنْيَاكُمْ لِأُخْرَاكُمْ، وَمِنْ صِحَّتِكُمْ لِمَرَضِكُمْ، وَمِنْ حَيَاتِكُمْ لِمَوْتِكُمْ؛ فَإِنَّ السَّعِيدَ مَنْ عَمَّرَ وَقْتَهُ بِطَاعَةِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَإِنَّ الشَّقِيَّ مَنْ ضَاعَ عُمُرُهُ فِي اللَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ.

 

أَيُّهَا النَّاسُ: الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِي هِيَ مُسْتَوْدَعُ الْأَعْمَالِ، فَمَنْ كَانَ يَعْمَلُ صَالِحًا فَإِنَّ طُولَ عُمْرِهِ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا خَيْرًا، قَالَ الطِّيبِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: “إِنَّ الْأَوْقَاتَ وَالسَّاعَاتِ كَرَأْسِ الْمَالِ لِلتَّاجِرِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَتَّجِرَ فِيمَا يَرْبَحُ فِيهِ، وَكُلَّمَا كَانَ رَأْسُ مَالِهِ كَثِيرًا كَانَ الرِّبْحُ أَكْثَرَ، فَمَنِ انْتَفَعَ مِنْ عُمْرِهِ بِأَنْ حَسُنَ عَمَلُهُ فَقَدْ فَازَ وَأَفْلَحَ، وَمَنْ أَضَاعَ رَأْسَ مَالِهِ لَمْ يَرْبَحْ وَخَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا” اهـ [7].

 

وَلِأَهَمِّيَّةِ الْعُمْرِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُسْلِمِ، وَانْتِفَاعِهِ بِطُولِهِ؛ جَاءَ النَّهْيُ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ؛ لِأَنَّهُ يَقْطَعُ وَقْتَ الْعَمَلِ، رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “لَا يَتَمَنَّى أَحَدُكُمُ الْمَوْتَ وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ، إِنَّهُ إِذَا مَاتَ أَحَدُكُمُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ، وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمْرُهُ إِلَّا خَيْرًا“(رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ)[8].

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: “إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ“[9]، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: “وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَعْنَى فِي النَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ، وَالدُّعَاءِ بِهِ هُوَ انْقِطَاعُ الْعَمَلِ بِالْمَوْتِ؛ فَإِنَّ الْحَيَاةَ يَتَسَبَّبُ مِنْهَا الْعَمَلُ، وَالْعَمَلُ يُحَصِّلُ زِيَادَةَ الثَّوَابِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا اسْتِمْرَارُ التَّوْحِيدِ فَهُوَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ…”[10] اهـ.

 

وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “لَا تَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ فَإِنَّ هَوْلَ الْمَطْلَعِ شَدِيدٌ، وَإِنَّ مِنَ السَّعَادَةِ أَنْ يَطُولَ عُمْرُ الْعَبْدِ وَيَرْزُقَهُ اللَّهُ الْإِنَابَةَ“[11].

قَالَ السَّاعَاتِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: “الْمَطْلَعُ: مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ مِنْ أَحْوَالِ الْبَرْزَخِ، ثُمَّ مِنْ أَحْوَالِ الْقِيَامَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَلَيْسَ فِي تَمَنِّي الْمَوْتِ إِلَّا تَمَنِّي الشَّدَائِدِ، فَالْخَيْرُ فِي طُولِ الْعُمْرِ، وَالرُّجُوعِ إِلَى طَاعَةِ -اللَّهِ تَعَالَى-، لَا فِي تَمَنِّي الْمَوْتِ الَّذِي يُضَيِّعُ هَذَا الْخَيْرَ الَّذِي هُوَ سَبَبٌ لِرَفْعِ الشَّدَائِدِ فِيمَا بَعْدَ الْمَوْتِ“[12].

 

أَيُّهَا الْإِخْوَةُ: وَهَا هُوَ ذَا رَمَضَانُ قَدْ أَقْبَلَ، وَكَمْ فِيهِ مِنْ خَيْرٍ عَظِيمٍ، وَأَجْرٍ كَثِيرٍ، فَمَنْ أَدْرَكَهُ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ –تَعَالَى- عَلَى ذَلِكَ، وَلْيُعَمِّرْ وَقْتَهُ بِطَاعَةِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-؛ فَكَمْ فِي الْقُبُورِ مِنْ أُنَاسٍ ضَيَّعُوا رَمَضَانَاتٍ كَثِيرَةً، وَقَضَوْا أَعْمَارَهُمْ فِي الْمَعَاصِي، قَدْ نَدِمُوا أَشَدَّ النَّدَمِ عَلَى تَفْرِيطِهِمْ، وَيَتَمَنَّوْنَ الرَّجْعَةَ إِلَى الدُّنْيَا لِلتَّزَوُّدِ مِنَ الْخَيْرِ، وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَعُودُوا.

 

إِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ قَدِ اعْتَادُوا فِي رَمَضَانَ عَلَى اتِّبَاعِ الشَّيْطَانِ وَأَعْوَانِهِ وَجُنْدِهِ فِيمَا يَأْمُرُونَهُمْ بِهِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ، وَلَاسِيَّمَا فِي هَذَا الزَّمَنِ الَّذِي كَثُرَتْ فِيهِ الْمُلْهِيَاتُ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمُوبِقَاتِ، وَوَصَلَ إِلْهَاءُ النَّاسِ فِي رَمَضَانَ عَنْ عِبَادَةِ رَبِّهِمْ، وَإِفْسَادِ قُلُوبِهِمْ بِالْمُنْكَرَاتِ حَدًّا عَجِيبًا، تَتَنَافَسُ الْفَضَائِيَّاتُ وَغَيْرُهَا فِي ذَلِكَ أَشَدَّ التَّنَافُسِ، وَالْمُشَاهِدُ الْمُسْلِمُ الْمِسْكِينُ يَصُومُ نَهَارَهُ عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالنِّكَاحِ، وَيَقْضِي لَيْلَهُ عَلَى مُشَاهَدَةِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي رَمَضَانَ وَفِي غَيْرِ رَمَضَانَ، وَهَذَا وَاللَّهِ مِنْ قَضَاءِ الْعُمْرِ فِي سُوءِ الْعَمَلِ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْعَافِيَةَ وَالْهِدَايَةِ.

أَلَا فَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ، وَاعْمُرُوا أَوْقَاتَكُمْ بِذِكْرِ -اللَّهِ تَعَالَى-، وَاقْضُوا أَعْمَارَكُمْ فِي التَّزَوُّدِ مِنَ الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ؛ فَإِنَّ خِيَارَ النَّاسِ مَنْ طَالَتْ أَعْمَارُهُمْ وَحَسُنَتْ أَعْمَالُهُمْ، وَإِنَّ شِرَارَ النَّاسِ مَنْ طَالَتْ أَعْمَارُهُمْ وَسَاءَتْ أَعْمَالُهُمْ.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ كَمَا أَمَرَ بِذَلِكَ رَبُّكُمْ…

 

—–

الحواشي:
([1]) جاء ذلك في حديث ابن عباس رضي الله عنهما عند النسائي في السنن الكبرى (6743)، والبيهقي (7/49). وله شواهد مرسلة عن عطاء رحمه الله تعالى عند عبد الرزاق في مصنفه (5246). وعن قتادة رحمه الله تعالى عند الطبري في تفسيره (15/145) وابن عبد البر في التمهيد (19/65). وعن الشعبي رحمه الله تعالى عند ابن أبي الدنيا في التواضع والخمول (85).
([2]) أخرجه أحمد (5/40 ـ 43 ـ 47 ـ 48 ـ 49 ـ 50)، والطيالسي (864)، وابن أبي شيبة في مصنفه (7/90) برقم: (34424)، والترمذي في الزهد باب ما جاء في طول العمر وقال: حديث حسن صحيح (2330)، والدارمي (2742)، والبيهقي (3/371)، والطبراني في الصغير (818)، والحاكم وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي (1/339).
([3]) أخرجه أحمد (4/188 ـ 190)، وابن أبي شيبة في مصنفه (7/89) برقم (34420)، وعبد بن حميد في المنتخب من مسنده (509)، والترمذي في الزهد باب ما جاء في طول العمر، وقال: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه (2329)، وأبو القاسم البغوي في مسند ابن الجعد (3431)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1356)، والطبراني في الأوسط (1441)، والرواية الثانية للبغوي وابن أبي عاصم.
([4]) أخرجه أحمد (2/235 ـ 403)، والبزار (1971)، وصححه ابن حبان (2981)، والشيخ أحمد شاكر في شرحه على المسند (7211).
([5]) أخرجه أحمد (1/163)، وعبد بن حميد (104)، وابن أبي شيبة في مصنفه (7/90) برقم: (34423) من حديث عبد الله بن شداد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو مرسل؛ لأن عبد الله بن شداد لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم، وقد نقل الحافظ في تهذيب التهذيب (3/165) أن الإمام أحمد رحمه الله تعالى سئل: “أسمع عبد الله بن شداد من النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا؟ قال: لا” وأخرج الحديث البزار في البحر الزخار (954)، وأبو يعلى في مسنده (630)، وابن عبد البر في التمهيد (24/224 ـ 225)، كلهم من حديث عبد الله بن شداد عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه متصلًا، وصحح المرسل الشيخ أحمد شاكر في شرحه على المسند (1401) ولعل تصحيحه له باعتبار الروايات الأخرى المتصلة.
([6]) أخرجه أحمد (1/163)، وابن ماجه في تعبير الرؤيا باب تعبير الرؤيا (3925)، والبيهقي (3/371 ـ 372)، وابن عبد البر في التمهيد (24/222)، وصححه ابن حبان (2982)، من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن عن طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (3/218 ـ 219): “هذا إسناد رجاله ثقات وهو منقطع، قال علي بن المديني وابن معين: أبو سلمة لم يسمع من طلحة بن عبيد الله شيئًا” ا هـ.
وقال ابن عبد البر في التمهيد (24/223): “هو عند أبي سلمة عن أبي هريرة عن طلحة” وساق ابن عبد البر الحديث بسنده في ذلك (24/225). وله شاهد مرسل من حديث سعد بن أبي وقاص أخرجه مالك في الموطأ (1/174)، قال ابن عبد البر: “أما قصة الأخوين فليست تحفظ من حديث سعد ابن أبي وقاص إلا في مرسل مالك هذا، وقد أنكره أبو بكر البزار، وقطع بأنه لا يوجد من حديث سعد البتة، وما كان ينبغي له أن ينكره؛ لأن مراسيل مالك أصولها صحاح كلها، وجائز أن يروي ذلك الحديث سعد وغيره، وقد رواه ابن وهب عن مخرمة بن بكير عن أبيه عن عامر بن سعد عن أبيه مثل حديث مالك سواء” ا هـ (24/220) وأخرجه أحمد مسندًا (1/177) وصححه الشيخ أحمد شاكر (1534) ورد قول من جزم بعدم سماع أبي سلمة بن عبد الرحمن من طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه فقال رحمه الله تعالى: “وأنا أرى أن الجزم بعدم سماعه من طلحة لا دليل عليه؛ فإن طلحة قتل يوم الجمل سنة 36هـ، وكان سن أبي سلمة إذ ذاك 14 سنة؛ لأنه مات سنة 94 عن 72 سنة على الصحيح الذي رجحه ابن سعد؛ بل لعله كان أكبر سنًا من ذلك ففي ابن سعد: “أن سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية لما ولي المدينة لمعاوية بن أبي سفيان في المرة الأولى استقضى أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف على المدينة، فلما عزل سعيد بن العاص وولى مروان المدينة المرة الثانية عزل أبا سلمة بن عبد الرحمن عن القضاء وولى القضاء وشرطه أخاه مصعب ابن عبد الرحمن بن عوف” وولاية سعيد بن العاص الأولى على المدينة كانت في شهر ربيع الآخر سنة 49 هـ وعزله وولاية مروان الثانية كانت سنة 54 هـ كما في تاريخ الطبري (6/130 ـ 164)، وقد نص الطبري أيضًا على استقضاء سعيد أبا سلمة في سنة 49هـ. فكانت سن أبي سلمة حين مقتل طلحة سنة 36 هـ أربعة عشر عامًا أو أكثر، وكانا مقيمين بالمدينة، فأنى لأحد أن يدعي أنه لم يسمع منه؟! اهـ من شرح الشيخ أحمد شاكر على المسند (2/369 ـ 370).
وقال ابن عبد البر في التمهيد (24/220): “تحفظ قصة الأخوين من حديث طلحة بن عبيد الله، ومن حديث أبي هريرة، ومن حديث عبيد بن خالد، ومن حديث سعد هذا من رواية مالك هذه، ومرسل حديث مالك هذا أقوى من مسند بعض حديث هؤلاء”.
وحديث عبيد بن خالد الذي ذكره ابن عبد البر أخرجه أبو داود في الجهاد باب في النور يرى عند قبر الشهيد (2524) بلفظ: “آخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بين رجلين، فقتل أحدهما، ومات الآخر بعده بجمعة أو نحوها، فصلينا عليه فقال رسول الله: ما قلتم؟ فقلنا: دعونا له، وقلنا: اللهم اغفر له وألحقه بصاحبه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فأين صلاته بعد صلاته، وصومه بعد صومه ـ شك شعبة في صومه ـ وعمله بعد عمله؟! إن بينهما كما بين السماء والأرض”، وأخرجه أحمد (3/500)، والنسائي في الجنائز باب في الجنازة (4/74)، وفي السنن الكبرى (2112). فإن كانت القصة في هذه الأحاديث واحدة كما يفهم من كلام ابن عبد البر ففي متنها اضطراب من وجهين:
الأول: اختلاف المدة التي بين استشهاد الأول ووفاة الثاني، ففي حديث سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه أنها كانت أربعين ليلة، وفي حديث طلحة أنها كانت سنة، وفي حديث عبيد بن خالد أنها كانت جمعة، وهذا اختلاف كبير لم أجد من أجاب عنه، ولا مخرج منه إلا باحتمال تعدد القصة، أو توهيم بعض الرواة. الثاني: أن حديث طلحة جاء عند الإمام أحمد بروايات ثلاث:
 1 ـ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن مرسلًا ويذكر قصة رجلين مثل حديث عبيد بن خالد السلمي وحديث سعد بن أبي وقاص.
2 ـ عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن طلحة بن عبيد الله وفيه قصة رجلين أيضًا.
 3 ـ عن عبد الله بن شداد مرسلًا، وذكر ابن عبد البر: عن عبد الله بن شداد عن طلحة رضي الله عنه، وفيه ذكر قصة ثلاثة من بني عذرة. فإما أن يكون الوهم من عبد الله بن شداد أو من أبي سلمة بن عبد الرحمن، ويبعد أن تتعدد القصة في حديث طلحة إن كان عبد الله بن شداد قد رواها عن طلحة، كما ذكر ابن عبد البر؛ لأن موردها واحد، والله أعلم. إشكال وجوابه: قد يفهم من هذه الأحاديث الثلاثة في قصة الرجلين أن الجهاد ليس أفضل الأعمال بدليل تقديم من مات على فراشه على من استشهد؛ لأنه فضل عليه بأعمال صالحة أداها في أسبوع أو أربعين يومًا أو سنة؛ كما جاء منوعًا في الأحاديث، مع أن الأدلة متـظافرة على فضيلة الجهاد وأنه أفضل الأعمال، كما هو ظاهر حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: “جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: دلني على عمل يعدل الجهاد، قال: لا أجده، قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر، قال: ومن يستطيع ذلك؟” أخرجه البخاري في الجهاد والسير باب فضل الجهاد والسير (2785). قال ابن حجر رحمه الله تعالى: “وهذه فضيلة ظاهرة للمجاهد في سبيل الله تقتضي أن لا يعدل الجهاد شيء من الأعمال” ا هـ من الفتح (6/7).
ويجاب عن هذا الإشكال من وجهين:
الوجه الأول: أنه لا يوجد في الأحاديث ـ التي عَرَضَتْ لقصة الرجلين أو الثلاثة ـ ما يدل على نفي الجهاد عمن مات على فراشه، وغاية ما تدل عليه أن صاحبه استشهد وهو مات على فراشه، فيكونان مشتركين في الجهاد، واختص أحدهما بالشهادة، وفُضِّل الثاني عليه بأعمال صالحة سبقه بها؛ لأنه مكث عقبه مدة يعبد الله عزَّ وجلَّ. وما نقل من أحوال الصحابة رضي الله عنهم يدل لذلك؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم إذا نادى بالنفير خرجوا إلا أهل الأعذار وأهل النفاق، فالأصل أن الذي مات على فراشه كان مجاهدًا يخرج للغزو، ولا دليل على خلاف ذلك. والشهيد له منزلته العالية، وما اختصه الله تعالى به من الفضل والكرامة، لكن صاحبه سبقه بأداء صلوات وصيام وأعمال صالحة أخرى انقطع عنها الشهيد منهما؛ وذلك فضل يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. الوجه الثاني: لو قُدِّر أن من مات على فراشه منهما لم يكن يغزو ـ وهو بعيد ـ فيحمل سبقه لصاحبه المجاهد الشهيد على ما ورد في فضل الذكر، وأنه كان ذاكرًا لله تعالى أكثر من صاحبه الشهيد، وقد جاء في السنة ما يدل على أن الذكر أفضل الأعمال؛ كما روى أبو الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ألا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم، قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى” أخرجه مالك في الموطأ (1/211)، وأحمد (5/195)، والترمذي في الدعوات عن رسول الله صلى الله عليه وسلم باب ما جاء في فضل الذكر (3377)، وابن ماجه في الأدب باب فضل الذكر (3790)، والحاكم وصححه (1/673). قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الجواب عن الأحاديث المتعارضة في أفضلية الجهاد أو أفضيلة الذكر: “وطريق الجمع ـ والله أعلم ـ أن المراد بذكر الله في حديث أبي الدرداء الذكر الكامل وهو ما يجتمع فيه ذكر اللسان والقلب بالتفكر في المعنى، واستحضار عظمة الله تعالى، وأن الذي يحصل له ذلك يكون أفضل ممن يقاتل الكفار مثلًا من غير استحضار لذلك، وأن فضيلة الجهاد إنما هي بالنسبة إلى ذكر اللسان المجرد، فمن اتفق له أنه جمع ذلك كمن يذكر الله بلسانه وقلبه واستحضاره، وكل ذلك حال صلاته أو في صيامه أو تصدقه أو قتاله للكفار مثلًا فهو الذي بلغ الغاية القصوى” ا هـ من الفتح (11/213).
([7]) تحفة الأحوذي (6/622).
([8]) أخرجه البخاري في المرضى باب تمني المريض الموت (5673)، ومسلم في الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب كراهة تمني الموت لضر نزل به (2682)، وأحمد (2/316).
([9]) هذه الرواية للبخاري (5673).
([10]) فتح الباري (10/136).
([11]) أخرجه أحمد (3/332) ، والبزار كما في كشف الأستار (3240)، وعبد بن حميد (1155)، والبيهقي في الشعب (10589)، والحاكم وصححه ووافقه الذهبي (4/240)، وحسنه المنذري في الترغيب والترهيب (4931)، والهيثمي في الزوائد (10/203)، والساعاتي في الفتح الرباني (7/47)، وقد ذكر الألباني في السلسلة الضعيفة أنه مضطرب وبيّن أوجه الاضطراب في إسناده وضعفه (4979).
([12]) الفتح الرباني (7/47).
الملفات المرفقة
فضيلة طول العمر مع حسن العمل
عدد التحميل 72
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات