ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15204

تحفة الأنام – مع حديث الغلام

المكان : المملكة العربية السعودية / القصيم - بريدة / حي المنار / أبي هريرة رضي الله عنه /
التصنيف الرئيسي : هدايات السنة النبوية
تاريخ الخطبة : 1439/06/21
تاريخ النشر : 1439/08/12
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/وقفات حول حديث "احفظ الله يحفظك"
اقتباس

فها هو يركب على حمارٍ لتواضعه وهو سيد البشر، بل ومن تواضعه أن يُركِب خلفه هذا الغلام، وقد بلغ الذين أردفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- فوق الأربعين صحابيًّا -رضي الله تعالى عنهم-؛ فنبينا -عليه الصلاة والسلام- إمام المتواضعين، وهكذا المؤمن ينبغي أن يتواضع للحق قبولًا، وأن يتواضع للناس، وأن…

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، الحمد لله الذ ي علم بالقلم، وأشهد أن لا إله إلا الله ذو المنن والكرم، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أعظم من أُعطي جوامع الكلِم صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وأصحابه والتابعين ومن تبعهم بإحسان أهل الخيرِ والبِرِ والكرم.

 

إخوة الإسلام: اتقوا الله جلَّ في عُلاه، فمن اتقى الله وقاه، فمن اتقى الله كفاه، ومن اتقى الله منحه رضاه، من اتقى الله -جلَّ وعلا- جعل الجنة مأواه.

 

أيها المسلمون:  لقد أُعطي -نبينا صلوات الله وسلامه عليه- جوامع الكلِم ونوابع الحِكم، فيقول الكلمة المختصرة فتحمل في طياتها المعاني الكبيرة العظيمة.

 

وها هو -عباد الله- يركب معه ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما-، فيقول له هذه الجُمل العظيمة، وهذه الكلمات العقدية الكبيرة: “يَا غُلَامُ إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ، احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ، إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ، لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتْ الْأَقْلَامُ، وَجَفَّتْ الصُّحُفُ“(رواه الإمام أحمد في مسنده والترمذي وصححه).

 

هذا الحديث -أيها الأحبة- حديثٌ عظيمٌ، كبيرٌ عظيم المنزلة أفرده ابن رجب -رحمه الله- في رسالةٍ لطيفة “نور الاقتباس في شرح حديث ابن عباس”، حتى قال ابن الجوزي -رحمه الله-: “وا أسفاه على التفريط في هذا الحديث وعدم الفهم لمعناه”.

 

إخوة الإسلام: لنا مع هذا الحديث في هذه الدقائق المعدودات، واللحظات المحسوبات عشر وقفات:

الوقفة الأولى: مع تواضع النبي -صلى الله عليه وسلم-:

نعم -عباد الله- إن نبينا -عليه الصلاة والسلام- سيد المتواضعين، وقد قال لهم رب العالمين: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ)[الحجر:88]؛ فها هو يركب على حمارٍ لتواضعه وهو سيد البشر، بل ومن تواضعه أن يُركِب خلفه هذا الغلام، وقد بلغ الذين أردفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- فوق الأربعين صحابيًّا -رضي الله تعالى عنهم-؛ فنبينا -عليه الصلاة والسلام- إمام المتواضعين، وهكذا المؤمن ينبغي أن يتواضع للحق قبولًا، وأن يتواضع للناس، وأن يتواضع لعباد الله، وأن يتواضع لأهله، يتواضع في مركبه ومأكله ومشربه وملبسه.

 

الوقفة الثانية -أيها الأحبة- مع الصغار

نعم مع الصغار ذلكم أن نبينا -صلى الله عليه وسلم- قال لهذا الغلام “يَا غُلَامُ” وفي روايةٍ: “يا غُليِّم إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ” سبحان الله يُعلِّم هذا الصغير، يُذكِّر هذا الصغير؛ لماذا؟ لأن الصغير ترسخ فيه المعلومات وتتأسس فيه الكلمات.

 

ويَنشأُ ناشئُ الفتيانِ مِنّا *** على ما كانَ عَوّدَهُ أبُوه

 

فالعلم في الصغر كالنقش في الحجر، فيجب أن نُعلم أبناءنا وبناتنا، وأن نُرسِّخ في قلوبهم العقيدة لماذا خلقهم الله؟ لعبادته. أول ما فرض الله عليهم الإيمان بالله والكفر بالطاغوت، وهكذا بالعقيدة تأصيلًا وتأسيسًا، وللأخلاق تعليمًا وتنبيهًا.

 

إخوة الإسلام:

عوِّد بَنيكَ على الآدابِ في الصِّغَرِ *** كيما تقرّ بهِمْ عيناكَ في الكِبَرِ

فإنَّما مثَل الآداب تجمُعها *** في عُنْفُوان الصِّبَا كالنَّقْشِ في الحَجَرِ

 

انظروا -أيها الإخوة- إلى هذه الكلمات ألقاها على مسامع ابن عباس، فقال: “إِنِّي أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ“، فأصبحت هذه الكلمات كلماتٌ عقائدية، وكلماتٌ أساسية يبني المؤمن عليه دينه وعقيدته وأخلاقه وتعامله مع ربه -سبحانه وبحمده-؛ فلا نحقر الصغير، بل نُعلمه ونُرشده ونُنبه، ونُركز في قلبه الآداب السامية والأخلاق الحسنة؛ فإنه ينشأ عند ذلك.

 

وأعظم ما نُعلم به الصغار تربيتهم على الصلاة، وتعليمهم الصلاة، وتنشئتهم على حب الصلاة؛ لتدخل الصلاة في قلوبهم وتختلط بلحومهم ودمائِهم، “مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعِ“؛ فأعظم تربيةٍ لأبنائنا وفلذات أكبادنا أن يدخلوا مساجدنا (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى)[طه:132].

 

الوقفة الثالثة -أيها الأحبة- مع حُسن الأسلوب.

نعم مع حُسن الأسلوب ينبغي أن نكون في دعوتنا وتوجيهنا وتذكيرنا، وتعليمنا وتدريسنا أن نستعمل الأسلوب الحسن من الكلمات الطيبة والألفاظ اللطيفة والمعاني الحسنة؛ فها هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يُلقي على ابن عباس الأسلوب الحسن؛ ليُلفت انتباهه ويُوقظ قلبه، فيقول: “يَا غُلَامُ” وفي روايةٍ : “يا غُليِّم” نداءٌ يحمل الشفقة، نداءٌ يحمل الرحمة، نداءٌ يحمل العطف، نداءٌ يحمل التعليم الحسن؛ فإن الأسلوب الحسن يدخل إلى أصول القلوب ويُوصل العبد إلى المطلوب.

 

الوقفة الرابعة -عباد الله- مع “احْفَظْ اللَّهَ“.

ما معنى احفظ الله؟ احفظ أوامره، واحفظ نواهيه؛ احفظ أوامره بالائتمار ونواهيه بالانتهاء؛ فالمؤمن الحق هو الذي يحفظ أوامر الله -عزَّ وجلَّ-، ويستجيب ويُطيع لله -جلَّ وعلا-، ويحفظ الله في أوامره؛ فلا يجده حيث نهاه، ولا يفقده حيث أمره، هكذا المؤمن -أيها الأحبة- مطيعًا مُتبعًا منقادًا لله -جلَّ وعلا-؛ كما قال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ)[الأنفال:24]، وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ)[النساء:59].

 

احفظ الله -أيها العبد-، احفظ الله في توحيده، فقم بما أوجبه الله عليك، فوحِدهُ وتوكل عليه، وثِق به واعتمد عليه، فلا تخاف إلا الله، ولا ترجو إلا الله، ولا تُحب إلا الله، ولا تستعين إلا بالله (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)[الفاتحة:5].

 

واحفظ الله -جلَّ وعلا- في صلاتك، فإن الله يقول: (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ)[المؤمنون:9]، وقال سبحانه: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى)[البقرة:238].

 

وعن عُبادة بن الصامت عند الإمام أحمد -رحمه الله- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “حقٌّ على الله من حافظ على هذه الصلاة أن يُدخله الجنة“، وعند أحمد: “مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُور وَبُرْهَان وَنَجَاةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلا نَجَاةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ” والمحافظة على الصلاة تقتضي المحافظة على أوقاتها، فلا تصُلِّ قبل الوقت، ولا تُصلِّ بعد الوقت (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا)[النساء:103].

 

ومن المحافظة عليها: المحافظة على الصلاة مع الجماعة في المساجد فجرًا وظهرًا وعصرًا ومغربًا وعشاءً.

 

ومن المحافظة عليها: المحافظة على أركانها وشروطها وواجباتها وسُننها؛ فمن حافظ على هذه الصلاة؛ فهنيئًا له جنة مولاه (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)[المؤمنون:9-11].

 

ومما يجب المحافظة عليه: الطهارة؛ كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: (وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إِلَّا مُؤْمِنٌ) فحافظ على وضوئك، وتوضأ كما أمرك الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، وحافظ أيضًا على الغُسل من الجنابة، وكذلك المرأة في غُسل حيضها ونِفاسها؛ بأن يُحافظ الإنسان على طهارته؛ لأن الطهارة شرطٌ من شروط الصلاة ولا يقبل الله صلاةٌ إلا بطهارة “لاَ يَقْبَلُ اللَّهُ صَلاَةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ” كما جاء ذلك في الصحيحين.

 

فحافظ على وضوئك فإن من علامة إيمانك أن تُحافظ عليه وأن تعتني به، وأن تقوم به على الوجه الأكمل، فتوضأ كما توضأ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

ومما يجب المحافظة عليه: الأيمان؛ لأن كثيرًا من الناس قد يُطلق الأيمان الكثيرة ويحلف الأيمان العديدة؛ فلا يُكفِّر عن يمينه ولا يفي بيمينه، وربنا يقول: (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ)[المائدة:89]؛ فلهذا احفظ لسانك من حلف اللغو، ومن الحلف الذي لا تُكفر عنه.

 

ومن الأمور التي ينبغي أن نُحافظ عليها: الأمانات، إذا اؤتمنا على أمانة أو وديعة فيجب أن نحفظها ونؤديها كما أودعناها؛ فلا نُخل بها ولا نخون؛ فإن الخيانة فيها كبيرةٌ من كبائر الذنوب “ولا تخن من خانك“.

 

ومن الأمور التي ينبغي أن نُحافظ عليها: حفظ الجوارح؛ فنحفظ البطن وما حوى، والرأس وما وعى. نحفظ السمع من الحرام، والبصر من الحرام، واللسان من الحرام، والبطن من أكل الحرام. نحفظ جوارحنا أن نستعملها في معصية الله بأن نستعمل جوارحنا في مرضاة الله (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُوْلَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا)[الإسراء:36]، وكذلكم حفظ الفروج (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ)[المؤمنون:5].

 

ومن الأسباب الموجبة لحفظ الفروج: حفظ الأبصار عن النظر إلى الحرام؛ فإن البصر رسول القلب؛ فقلما فسد بصر إلا وقد فسد بعده القلب.

 

والوقفة الخامسة -أيها الأحبة-: مع ما يحفظك الله: “احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْكَ” يحفظك الله -عزَّ وجلَّ- في أمرين عظيمين، وأمرين كبيرين:

الأمر الأول: أن يحفظك في دنياك؛ فيحفظ عليك سمعك وبصرك ولسانك ومالك وولدك وزوجك وسكنك، إذا حفظت الله فالجزاء من جنس العمل.

 

الأمر الثاني: ويحفظك فيما هو أكبر وأعلى وأعظم وأهدى وهو: أن يحفظك الله -عزَّ وجلَّ- في دينك؛ فيحفظك الله من الشبهات المُضلة ومن الشهوات المحرمة، فيحفظك الله -عزَّ وجلَّ- من ذلك حتى الممات، ويُثبتك على قوله الثابت: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ)[إبراهيم:27].

 

والسادسة -أيها الأحبة-: مما يجب حفظه كما أشرنا إليه. أن نحفظ جوارحنا، وقلوبنا في طاعة الله -عزَّ وجلَّ-؛ فلا نُهمل ذلك ولا نُضيعها ولا نستعملها في معصية الله -عزَّ وجلَّ-، فإذا حفَظنا الله حفِظنا الله؛ فالجزاء من جنس العمل (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ)[البقرة:152].

 

فالله الله -عباد الله- احفظوا أسماعكم وأبصاركم، وبطونكم وقلوبكم وجوارحكم عن الحرام، واستعملوها في طاعة ذي الجلال والإكرام.

 

قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، الحمد لله على إحسانه، والشكر له على منِّه وفضله وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له سبحانه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.

 

أيها المسلمون: الوقفة السابعة: مع “احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ“. إذا حفظت الله -عزَّ وجلَّ-، وحفظت أوامره وحفظت نواهيه؛ أوامره بالامتثال ونواهيه بالاجتناب؛ فإنك تجد الله تجاهك يكون الله معك، ومن كان الله معه فكما قال قتادة: “من كان الله معه فمعه الفئة التي لا تُغلب، والحارس الذي لا ينام، والهادي الذي لا يضل“.

 

الله أكبر -عباد الله- من كان الله معه فقد كفاه، ومن كان الله معه فقد وقاه، ومن كان الله معه فقد حماه! إذًا احفظ الله يحفظك تجد الله -عزَّ وجلَّ- معك في أمورك مُسددًا ومُعينًا وموفقًا.

 

الوقفة الثامنة: مع قوله -صلى الله عليه وسلم-: “تعرَّف إلى الله في الرَّخاء، يعرفكَ في الشِّدَّةِ“.

أيها المسلمون: لنتعرف على ربنا -عزَّ وجلَّ- ما دمنا في أمننا وإيماننا وصحتنا وراحتنا؛ ليعرفنا ربنا -عزَّ وجلَّ- في شدتنا، تعرَّف إلى الله في الرخاء بالعبادة، تعرَّف إلى الله في الرخاء بالطاعة، تعرَّف إلى الله بالرخاء في البكاء من خشيته، تعرَّف إلى الله -عزَّ وجلَّ- ما دمت على قيد الحياة بالأعمال الصالحة يعرفك الله في الشدة.. حينما تصيبك المُلمات أو يُصيبك أمرٌ وعظائم الأمور فإن الله يعرفك (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ)[الأنبياء:87-88]، (فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)[الصافات:143-144].

 

الله أكبر -عباد الله- كم من إنسانٍ يقع في مضائق ومآزق وشدائد وكربات فيُنادي الله -عزَّ وجلَّ-؛ فالله يسمع كلامه ويرى مكانه، فتعرَّف إلى الله في رخائك في عبادتك لربك -عزَّ وجلَّ-، وطاعتك من قراءة القرآن، ومبادرةٍ للمسجد وبرٍّ وصلاةٍ وصلةٍ وإحسانٍ وحُسن خلق وبذلٍ للمعروف وصدقة؛ فإن هذه الأعمال -ما دمت قادرًا عليها- تُسعفك عند الشدائد والكربات.

 

الوقفة التاسعة: مع قوله: “إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ.” الله أكبر هذا لُب العبادة، هذا معنى قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)[الفاتحة:5]؛ فإذا سألت فلا تسأل إلا الله، واسأل الله من فضله.

 

لا تَسْأَلَنَّ بَنِي آَدَمَ حَاجَةً *** وَسَلِ الَّذِي أَبْوَابُهُ لا تُحْجَبُ

 

اللَّهُ يَغْضَبُ إِنْ تَرَكْتَ سُؤَالَهُ *** وَبُنَيَّ آدَمَ حِينَ يُسْأَلُ يَغْضَبُ

 

ولهذا أخذ النبي -صلى الله عليه وسلم- على الصحابة ألا يسألوا الناس شيئًا؛ فكان أحدهم يسقط سوطه وخطام دابته على الأرض فلا يقول لمن يمشي على الأرض: ناولني الخطام.

 

الله أكبر علِّق قلبك بالله، علِّق قلبك برب الأرباب، علِّق قلبك بمن أزِمة الأمور بيده بمن لا يُعجزه شيء.

 

وكان من دعاء الإمام أحمد -رحمه الله-: اللهم كما صُنت وجهي عن السجود لغيرك فصُنه عن المسألة لغيرك؛ فسؤال غير الله مذلة، سؤال غير الله منقصة، أما سؤال غير الله في جلب المنافع ودفع المضار فذاك شركٌ أكبر؛ فلا يجوز أن تسأل غير الله أو أن تدعو غير الله أو أن تخاف غير الله؛ بأن تُنادي غير الله يا فلان يا فلان يا فلان فإن ذلك مناقضٌ لتوحيد الرحيم الرحمن (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا)[الجن:18].

 

إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلْ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ” الاستعانة -أيها الأحبة- ما جمعت أمرين عظيمين وهما: الثقة بالله، والاعتماد عليه.

 

الاستعانة: هي الالتجاء إلى الله في جلب ما ينفعك ودفع ما يضرك، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: “تأملت أنفع الدعاء فإذا هو سؤال الله العون على مرضاته، ثم تأملته فرأيته في الفاتحة في: ” (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)؛ فاسأل الله أن يُعينك على طاعته، واسأل الله أن يُعينك على ترك معصيته، واسأل الله أن يُعينك على أقداره وقضائه.

 

ولهذا -أيها الأحبة- العبد كما يقول ابن القيم -رحمه الله-: محفوفٌ بإعانتين: بإعانةٍ على أداء العبادة التي هو فيها، وإعانة على أداء عبادةٍ أخرى، ولا يزال على هذه الحال حتى يقضي المرء نحبه.

 

أيها المسلمون: إذا استعنتم فاستعينوا بالله، وتأملوا قول النبي المصطفى: “لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ“؛ فلا تحول من حالٍ إلى حال إلا بالله -جلَّ وعلا-؛ فهو الذي يُعينك، وهو الذي يُسددك؛ ولهذا قال النبي لمعاذٍ -رضي الله عنه-: “وَاللهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فلَا تَدَعَنَّ دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ“.

 

أيها المسلم: إذا رأيت نفسك مقصرًا في عبادةٍ ما؛ مقصرًا في قراءة القرآن، أو مقصرًا في الصلاة، أو مقصرًا في بِر الوالدين، أو مقصرًا في صلة الأرحام، أو تحمل في قلبك الغل والبغضاء والشحناء، أو تحمل في قلبك الأمراض من الكِبر والرياء وغير ذلك – اسأل الله أن يُعينك على فعل الطاعة، واسأل الله أن يُعينك على ترك المعصية.

 

(إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)[الفاتحة:5] فيها لفتةٌ مباركة وهي أن فيها إشارة أن كل عبادة تحتاج إلى إعانة.

 

إِذَا لم يَكُنْ عَونٌ مِنَ اللهِ لِلفَتى *** فَأَوَّلُ مَا يَجنِي عَلَيهِ اجتِهَادُهُ

 

الوقفة العاشرة: “وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ… إلى آخره”. هذه الجملة العظيمة فيها تعليق القلب بالله -جلَّ وعلا- والاتصال بالله، وأن تقطع صلتك بالمخلوقين؛ لأنك تُعلِّق قلبك برب العالمين الذي هو على كل شيءٍ قدير وبالإجابة جدير.

 

إذَا انْقَطَعَتْ أَطْمَاعُ عَبْدٍ عَنْ الْوَرَى *** تَعَلَّقَ بِالرَّبِّ الْكَرِيمِ رَجَاؤُهُ

 

فَأَصْبَحَ حُرًّا عِزَّةً وَقَنَاعَةً *** عَلَى وَجْهِهِ أَنْوَارُهُ وَضِيَاؤُهُ

 

وَإِنْ عَلِقَتْ بِالعبد أَطْمَاعُ نَفْسِهِ *** تَبَاعَدَ مَا يَرْجُو وَطَالَ عَنَاؤُهُ

 

فَلَا تَرْجُ إلَّا اللَّهَ في الْخَطْبِ وَحْدَهُ *** وَلَوْ صَحَّ فِي خِلِّ الصَّفَاءِ صَفَاؤُهُ

 

كان شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- يُكثر أن يقول:

أنا الفقير إلى رب البريات *** أنا المسيكين في مجموع حالاته

أنا الظلوم لنفسي وهي ظالمتي *** والخير إن يأتنا من عنده ياتى

 

أيها المسلمون: علقوا قلوبكم بالله -عزَّ وجلَّ- واتصلوا بخالقكم؛ فنزهوا قلوبكم عن التعلق بالمخلوقين فإن هذا من تمام توحيد رب العالمين؛ ولهذا تعلم علم اليقين أن ما أصابك لم يكن ليُخطئك، وما أخطأك لم يكن ليُصيبك، وأن الأمة لو اجتمعوا كلهم عن بكرة أبيهم لينفعوك ولم يُرد ربك ذلك ما استطاعوا إلى ذلك، ولو اجتمعوا عن بكرة أبيهم أن يضروك ولم يُرد الله ذلك ما استطاعوا إلى ذلك.

 

لتعلم علم اليقين أن الله هو النافع الضار، وأنه يُعز من يشاء ويذل من يشاء. لتعلم علم اليقين أن أزِمة الأمور بيده، أنه هو الذي يُجيب الداعي فيسمع كلامك ويرى مكانك. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)[فاطر:15]؛ فهو الغني بذاته -سبحانه جلَّ ثناؤه وتعالى شأنه-، وكل شيءٍ رزقه عليه، وكلنا مفتقرٌ إليه.

 

هذه وقفاتٌ مختصرات مع هذه الألفاظ والكلمات والتوجيهات النبويات.

الملفات المرفقة
تحفة الأنام – مع حديث الغلام
عدد التحميل 35
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات