ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15198

تلاوة القرآن كلها خير

المكان : المملكة العربية السعودية / الدمام / حي الشاطيء / جامع الإسراء /
التصنيف الرئيسي : هدايات السنة النبوية
تاريخ الخطبة : 1439/08/04
تاريخ النشر : 1439/08/08
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/أقسام قراءة القرآن مع تعريفها 2/من العيب بقاء المتعتع بالقرآن دون تعلم ولا تحسن
اقتباس

وإذا كان هذا حالَ أهلِ العربية الذين أكرمهم الله -تعالى- بها، ونزل القرآن بلسانهم؛ فلا عَتَبَ ولا عجب إذاً على غير العرب من المسلمين إذا شَقَّ عليهم القرآن وتَتَعْتَعُوا في تلاوته. لكنَّ الواقعَ خلاف ذلك؛ فإن كثيراً من إخواننا المسلمين من غير العرب في بقاع الأرض كُلِّها، يتلون كتابَ الله -تعالى-، وهم مَهَرَةٌ في ذلك…

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله والصلاة والسلام الأتمان على رسول الله وعلى آله وصحبه ومَنْ والاه، وبعد:

 

عن عائِشَةَ – رضي الله عنها – قالت: قالَ رَسُولُ اللهِ -صلّى الله عليه وسلّم-: “المَاهِرُ بِالْقُرآن(1) مَعَ السَّفَرة(2) الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ(3)، والَّذي يَقْرَأُ القُرآنَ ويَتَتَعْتَعُ فِيهِ(4)، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ لهُ أَجْرانِ(5)(6)، وعند أبي داود من حديث عائشة أيضاً مرفوعاً بلفظ: “الَّذي يَقْرَأُ الْقُرآنَ وَهُوَ ماهِرٌ بِهِ، معَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، والَّذي يَقْرَؤهُ وَهُوَ يَشْتَدُّ عَلَيِهِ، فَلَهُ أَجْرانِ(7).

 

أيها الإخوة الكرام: قسَّم الحديث قرَّاء القرآن من حيث جودة القراءة وإحكامها إلى نوعين، وهما:

1- الماهر بالقرآن:

والحديث فيه بشارةٌ عظيمة لمن تعلَّمَ القرآن وأتقن تلاوته وأكثرَ منها، حتى أصبح ماهراً فهو مع السفرة وهم الرسل الذين أرسلهم اللهُ -عزّ وجل- لهداية الناس، أو الملائكة المقرَّبين؛ لاتصافه بصفتهم التي تشرَّفُوا بها، وهي حَمْلُ كتاب الله -تعالى- وتبليغه، والإِكثار من ذكر الله -تعالى-(8).

 

مَنْ هو الماهر؟: هل الماهر بالقرآن الذي يُجِيد تلاوته فقط، ولا شيءَ وراء ذلك؟ وهل مَنْ فعل ذلك يستحقُّ هذه المنزلة العظيمة؟!

 

لِنستمعَ إلى الإمام القرطبيِّ -رحمه الله- وهو يصف لنا الماهِرَ بالقرآن؛ لندرك أن نيل هذه المرتبة الرفيعة يحتاج إلى مشقة وصبر وعمل متواصل حتى ينالها، فيقول: “ولا يكون ماهراً بالقرآن حتى يكون عالماً بالفرقان، وذلك بأن يتعلم أحكامه؛ فيفهم عن الله -تعالى- مراده وما فرض عليه، ويعرف المكيَّ من المدني؛ لِيُفرِّقَ بين ما خاطَبَ الله به عبادُه في أول الإسلام، وما ندبهم إليه في آخر الإسلام، وما افترض في أول الإسلام، وما زاد عليهم من الفرائض في آخره، ويعرف الإعراب والغريب؛ فذلك الذي يَسْهُلُ عليه معرفة ما يقرأ، ويُزيلُ عنه الشكَّ فيما يتلو، ثم ينظر في السنن المأثورة الثابتة عن النبيِّ -صلّى الله عليه وسلّم-؛ فَبِهَا يصل الطالِبُ إلى مراد الله -عزّ وجل- وهي تَفْتَحُ له أحكامَ القرآن فتحاً(9).

 

2- الذي له أجران:

مِنْ فَضْلِ الله -تعالى- وكرمِه وتيسيره القرآن للمسلمين أنَّ كل مَنْ يُقْبِلُ على القرآن العظيم فيتلوه ويتدبره؛ فإن له أجراً عظيماً عند الله -تعالى-؛ سواء أكان ماهراً بالقراءة، أم مُتَعْتِعاً فيها قد جاهد نفسَه واشتدَّت عليه التلاوة فله أجران: أَجْرٌ على التِّلاوة، وأجرٌ على المشقَّة.

وهل يعني هذا أنَّ مَنْ له أجران أكثرُ ثواباً من الماهر بالقرآن؟

 

يُجيبنا على هذا السؤال الإمامُ النَّوويُّ -رحمه الله- حيث يقول: “وليس معناه الذي يتتعتع عليه له من الأجر أكثر من الماهر به، بل الماهر أفضل وأكثر أجراً؛ لأنه مع السَّفرة وله أجور كثيرة.

 

ولم يذكر هذه المنزلة لغيره، وكيف يَلْحَقُ به مَنْ لم يَعْتَنِ بكتاب الله -تعالى- وحِفظِه وإتقانِه وكثرةِ تلاوته وروايتِه؛ كاعتنائه حتى مَهَرَ فيه(10).

 

والحاصل أن المضاعفة للماهر لا تُحصى؛ فإن الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف وأكثر، والأجر شيء مُقَدَّر، وهذا له أجران من تلك المضاعفات(11).

 

والماهر نفسُه كان القرآنُ مُتَتَعْتَعاً عليه ثم ترقَّى بعد ذلك إلى أن شُبِّهَ بالملائكة(12).

 

وبعد هذا كُلِّه هل يرضى المسلمُ أن يكون القرآنُ عليه شاقّاً، وأن يلقى على الدوام صعوبة في تلاوته، ويتتعتع فيه؟

 

إذا كانت التِّلاوةُ شاقةً عليه فهذا يؤجر على مجاهدته، ويُقْبَلُ منه ذلك؛ فإنه قد بذل جُهدَه ووسعَه وطاقَتَه، والله -تعالى- لا يكلف نفساً إلاَّ وسعها وما آتاها، ولكن لا ينبغي للمسلم أبداً أن يرضى لنفسه بهذه الحال ويقنع بضعفه إذا كان قادراً على بذل المزيد.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله …

 

أيها المسلمون: العَتَبُ كلُّ العتب على أولئك الذين يُتَعْتِعُون في تلاوة القرآن وهو عليهم شاق باختيارهم؛ ذلك بأنهم على درجةٍ من العلم، وإجادةِ القراءة، أو أنهم مِمَّنْ حمل شهادات علمية عالية.

 

لا ريب أنهم مُفَرِّطون بذلك، ومَرَدُّ تفريطهم يرجع إلى أمرين أحسنهما سيئ:

1- إِمَّا أنهم أهملوا كتاب الله ابتداءً، وأعرضوا عنه، فصعبت عليهم التلاوة وأصبحت شاقة؛ لأنَّ فاقِدَ الشيء لا يُعطيه، فهم لم يتعلَّموه البَتَّةَ.

 

2- أو أنهم تَعَلَّموا التلاوة ثم انصرفوا عنها وهَجَرُوها، فطال عليهم الأمد فزهدوا في الأجر وشَقَّتْ عليهم التلاوة بعد ذلك، وهؤلاء على خطر كبير إذا لم يتداركوا أنفسَهم، ولهم أوفر النصيب من قوله -تعالى-: (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا)[الفرقان: 30].

 

وإذا كان هذا حالَ أهلِ العربية الذين أكرمهم الله -تعالى- بها، ونزل القرآن بلسانهم؛ فلا عَتَبَ ولا عجب إذاً على غير العرب من المسلمين إذا شَقَّ عليهم القرآن وتَتَعْتَعُوا في تلاوته. لكنَّ الواقعَ خلاف ذلك؛ فإن كثيراً من إخواننا المسلمين من غير العرب في بقاع الأرض كُلِّها، يتلون كتابَ الله -تعالى-، وهم مَهَرَةٌ في ذلك، والآلاف من هؤلاء يحفظونه عن ظهر قلب، بل أصبحوا معلِّمين له، وربما أتوا إلى بلادٍ عربيةٍ؛ ليعلموا أولادَ العرب القرآنَ الكريم، وهو فضل الله يؤتيه مَنْ يشاء.

 

وفي هذا الحديث إيحاءٌ قويٌّ، بأنَّ المسلم لا ينبغي له في أيِّ حال كان أن ينصرف عن تلاوة القرآن العظيم؛ سواء كان مِنَ المَهَرَةِ المُتْقِنِين المتمكِّنين من التِّلاوة، أم كان ضعيفَ القُدرة على تحصيل ذلك، فيتَّخِذَ ضَعْفَه حُجَّةً في الإعراض عن التلاوة.

 

ولا ريبَ أن كثرة الممارسة والمحاولة الجادَّة ستؤدِّي إلى حُسْنِ التلاوة، ورُبَّما حُسْنِ الحفظ فيما بَعْدُ، وهو أمر مُجرَّبٌ، ويسير على مَنْ يَسَّره الله عليه، ووفَّقَهُ لذلك(13).

 

 

—————-

(1) “الماهر بالقرآن”: هو الحاذق الكامل الحفظ، الذي لا يتوقف ولا تشق عليه القراءة، لجودة حفظه وإتقانه.

(2) “مع السفرة”: السفرة جمع سافر، ككتبة وكاتب. والسافر: الرسول. والسفرة: الرسل؛ لأنهم يُسْفِرون إلى الناس برسالات الله. وقيل: هم الملائكة، سُمُّو بذلك؛ لأنهم ينزلون بوحي الله وما يقع به الصلاح بين الناس، كالسفير يُصْلِحُ بين القوم، وكذلك أهلُ القرآن يُصْلِحُ الله بهم المجتمع.

(3) “البررة”؛ أي: المطيعون لله، مأخوذ من البِرِّ وهو الطاعة.

(4) “ويتتعتع فيه”: هو الذي يتردد في تلاوته؛ لضعف حفظه.

(5) “له أجران”: أجر بالقراءة، وأجر بتتعتعه في تلاوته ومشقته.

(6) رواه مسلم، كتاب صلاة المسافرين، باب: فضل الماهر بالقرآن والذي يتتعتع فيه (1/550)، (ح798).

(7) رواه أبو داود، كتاب قراءة القرآن وتحزيبه وترتيله، باب: في ثواب قراءة القرآن (2/70)، (ح1454). وصحَّحه الألباني في “صحيح سنن أبي داود” (1/272)، (ح1290).

(8) انظر: صحيح مسلم بشرح النووي (6/85)؛ ورتل القرآن ترتيلاً (ص19).

(9) التذكار في أفضل الأذكار (ص83، 84).

(10) صحيح مسلم بشرح النووي (6/326).

(11) عون المعبود شرح سنن أبي داود (4/230).

(12) انظر: التذكار في أفضل الأذكار (ص83).

(13) انظر: أنوار القرآن (ص93-98).

الملفات المرفقة
تلاوة القرآن كلها خير
عدد التحميل 39
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات