طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    هواجس أول ليلة من 1440 هـ    ||    ظاهرة "التنمر" في المدارس... خطورتها وضرورة مواجهتها    ||    صحيفة سعودية: خطط التحالف العربى تنقذ اليمن من الإرهاب الحوثى    ||    برلين: علينا منع الهجمات الكيمياوية في سوريا    ||    اليابان تحث ميانمار على اتخاذ خطوات ملموسة لإعادة الروهينجا    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15319

الخلال النبوية (16) حزن النبي صلى الله عليه وسلم على أحبته

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / حي الرحمانية الغربية / جامع فهد المقيل /
التصنيف الرئيسي : السيرة النبوية
تاريخ الخطبة : 1439/06/14
تاريخ النشر : 1439/06/12
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/الابتلاء مكفر للخطايا ورافع للدرجات 2/شدة ابتلاء سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم 3/شدة ابتلاء الأمة الإسلامية دليل على كرامتها على الله
اقتباس

فَكُلُّ مَحْزُونٍ وَمَهْمُومٍ وَمَوْجُوعٍ فِي فَقْدِ حَبِيبٍ أَوْ تَتَابَعَتْ عَلَيْهِ الْمَصَائِبُ وَالْهُمُومُ وَالْأَحْزَانُ فَلَهُ أُسْوَةٌ بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فَلَقَدْ كَانَ يَحْزَنُ عَلَى فَقْدِ أَحِبَّتِهِ، وَكَانَ يَتَّقِي اللَّهَ -تَعَالَى- فِي حُزْنِهِ، وَيُقَابَلُ الْقَدَرَ بِالرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ..

الخطبة الأولى:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آلِ عِمْرَانَ:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النِّسَاءِ:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الْأَحْزَابِ: 70-71].

 

أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ -تَعَالَى-، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

 

أَيُّهَا النَّاسُ: إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ -تَعَالَى- عَبْدًا مِنْ عِبَادِهِ ابْتَلَاهُ لِيُكَفِّرَ عَنْهُ الْخَطَايَا، وَيَرْفَعَ لَهُ الدَّرَجَاتِ؛ فَإِنَّ الِابْتِلَاءَاتِ كَفَّارَاتٌ، وَتَكُونُ لِلْعَبْدِ مَنْزِلَةٌ لَا يَبْلُغُهَا بِعَمَلِهِ فَيَبْتَلِيهِ اللَّهُ -تَعَالَى- لِيَرْفَعَهُ إِلَيْهَا. وَأَكْرَمُ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى اللَّهِ -تَعَالَى- نَبِيُّهَا مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ وَلِذَا ابْتُلِيَ بِمَا لَمْ يُبْتَلَ بِهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ؛ فَكَانَ الِابْتِلَاءُ مُضَعَّفًا عَلَيْهِ، وَكَانَ أَلَمُهُ أَشَدَّ مِنْ أَلَمِ غَيْرِهِ، وَكَانَ حُزْنُهُ أَكْثَرَ مِنْ حُزْنِ غَيْرِهِ، وَذَاقَ الْيُتْمَ مُنْذُ وِلَادَتِهِ، وَلَازَمَتْهُ الِابْتِلَاءَاتُ الْعَظِيمَةُ مُنْذُ طُفُولَتِهِ إِلَى وَفَاتِهِ.

 

وَبَعْدَ بِعْثَتِهِ وَصَدْعِهِ بِالدَّعْوَةِ اشْتَدَّ أَذَى الْمُشْرِكِينَ عَلَيْهِ، وَمَاتَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ زَوْجُهُ وَعَمُّهُ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ الْعَامُ عَامَ الْحُزْنِ؛ لِثِقَلِ الْمُصِيبَتَيْنِ عَلَيْهِ، فَحَزِنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ الْحُزْنِ عَلَى مَوْتِ خَدِيجَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-، ثُمَّ حَزِنَ عَلَى مَوْتِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ. وَكَانَتْ خَدِيجَةُ أُمَّ أَوْلَادِهِ، وَهِيَ الْمُوَالِي النَّصِيرُ، وَهِيَ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِهِ مُطْلَقًا، وَهِيَ الْمُؤَيِّدُ لِدَعْوَتِهِ، وَثَبَّتَهُ اللَّهُ -تَعَالَى- بِهَا حِينَ فَزِعَ مِنْ نُزُولِ الْوَحْيِ عَلَيْهِ. وَكَانَ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ الْمُحَامِيَ عَنْهُ، وَهُوَ الَّذِي يَرُدُّ عَنْهُ أَذَى قُرَيْشٍ وَمَكْرَهَا بِهِ.

 

وَحِينَ مَاتَتْ خَدِيجَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَتَتْهُ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- فَقَالَتْ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ  إِنِّي أَرَاكَ قَدْ دَخَلَتْكَ خَلَّةٌ لِفَقْدِ خَدِيجَةَ، فَقَالَ: “أَجَلْ؛ أُمُّ الْعِيَالِ، وَرَبَّةُ الْبَيْتِ، فَقَالَتْ: أَلَا أَخْطُبُ عَلَيْكَ؟، قَالَ: “بَلَى، أَمَا إِنَّكُنَّ مَعْشَرَ النِّسَاءِ أَرْفَقُ بِذَلِكَ، فَخَطَبَتْ عَلَيْهِ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ، فَبَنَى بِسَوْدَةَ، وَعَائِشَةُ يَوْمَئِذٍ بِنْتُ سَبْعِ سِنِينَ حَتَّى بَنَى بِهَا حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ” (رَوَاهُ مُرْسَلًا ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ).

 

قَالَ إِمَامُ السِّيَرِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ -رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى-: “لَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنَ الْأَذَى مَا لَمْ تَكُنْ تَطْمَعُ بِهِ فِي حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ، حَتَّى اعْتَرَضَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ، فَنَثَرَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا. فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْتَهُ وَالتُّرَابُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ، فَجَعَلَتْ تَغْسِلُ عَنْهُ التُّرَابَ وَهِيَ تَبْكِي، وَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ لَهَا: “لَا تَبْكِي يَا بُنَيَّةُ، فَإِنَّ اللَّهَ مَانِعٌ أَبَاكِ“. وَيَقُولُ: “مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ“.

 

وَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ أَذَى الْمُشْرِكِينَ فِي عَامِ الْحُزْنِ خَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ يَدْعُو أَهْلَهَا لَعَلَّهُ يَجِدُ اسْتِجَابَةً مِنْهُمْ، فَآذَوْهُ وَرَدُّوا دَعْوَتَهُ، فَاشْتَدَّ حُزْنُهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “هَلْ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قَالَ: “لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ الْعَقَبَةِ، إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بْنِ عَبْدِ كُلَالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى وَجْهِي، فَلَمْ أَسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أَنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أَظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ إِلَيْكَ مَلَكَ الْجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فَنَادَانِي مَلَكُ الْجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ، ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الْأَخْشَبَيْنِ؟” فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا” (رَوَاهُ الشَّيْخَانِ).

 

ثُمَّ حَزِنَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى قَتْلَى أَصْحَابِهِ فِي أُحُدٍ، فَقَدْ قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- سَبْعُونَ، مِنْهُمْ عَمُّهُ حَمْزَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، الَّذِي كَانَ إِسْلَامُهُ عِزًّا لِلْإِسْلَامِ وَقُوَّةً، وَكَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا، وَفُجِعَ بِمَقْتَلِهِ، وَفِي السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “لَمَّا وَقَفَ عَلَى حَمْزَةَ قَالَ: “لَنْ أُصَابَ بِمِثْلِكَ أَبَدًا! مَا وَقَفْتُ مَوْقِفًا قَطُّ أَغْيَظَ إِلَيَّ مِنْ هَذَا“، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: “لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ أُحُدٍ سَمِعَ نِسَاءَ الْأَنْصَارِ يَبْكِينَ فَقَالَ: “لَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ…” (رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ).

 

وَبَعْدَ أُحُدٍ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فَقَطْ أُصِيبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ-، قُتِلُوا غَدْرًا فِي بِئْرِ مَعُونَةَ، فَحَزِنَ حُزْنًا شَدِيدًا، قَالَ أَنَسٌ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: “مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَجَدَ عَلَى سَرِيَّةٍ مَا وَجَدَ عَلَى السَّبْعِينَ الَّذِينَ أُصِيبُوا يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ، كَانُوا يُدْعَوْنَ الْقُرَّاءَ، فَمَكَثَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى قَتَلَتِهِمْ” وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ أَنَسٌ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: “فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ” (رَوَاهُ الشَّيْخَانِ).

 

وَفُجِعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جُمْلَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ- فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، وَفِيهِمْ مَوْلَاهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَشَاعِرُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ، وَابْنُ عَمِّهِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ: أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي” (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ)، فَحَزِنَ عَلَيْهِمْ حُزْنًا شَدِيدًا، عَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: “لَمَّا قُتِلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي الْمَسْجِدِ يُعْرَفُ فِي وَجْهِهِ الْحُزْنُ” (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ).

 

وَحَزِنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَوْتِ أَوْلَادِهِ؛ فَمَاتَ أَبْنَاؤُهُ الثَّلَاثَةُ: الْقَاسِمُ وَعَبْدُ اللَّهِ وَإِبْرَاهِيمُ وَهُمْ صِغَارٌ، وَمَاتَ ثَلَاثٌ مِنْ بَنَاتِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَهُنَّ زَيْنَبُ وَرُقَيَّةُ وَأُمُّ كُلْثُومٍ، فَذَاقَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُزْنَ عَلَى سِتَّةٍ مِنْ أَوْلَادِهِ، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ إِلَّا فَاطِمَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- الَّتِي مَاتَتْ بَعْدَهُ بِأَشْهُرٍ، وَفِي حُزْنِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى مَوْتِ إِبْرَاهِيمَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- حَدِيثُ أَنَسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: “أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِبْرَاهِيمَ، فَقَبَّلَهُ، وَشَمَّهُ، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: “يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ” (رَوَاهُ الشَّيْخَانِ).

 

وَحَزِنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَوْتِ ابْنِ بِنْتِهِ زَيْنَبَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا-؛ إِذْ دَخَلَ عَلَيْهَا وَصَبِيُّهَا فِي سِيَاقِ الْمَوْتِ فَدُفِعَ الصَّبِيُّ إِلَيْهِ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا فِي شَنٍّ، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، فَقَالَ لَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟ قَالَ: “هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ” (رَوَاهُ الشَّيْخَانِ). فَكُلُّ مَحْزُونٍ وَمَهْمُومٍ وَمَوْجُوعٍ فِي فَقْدِ حَبِيبٍ أَوْ تَتَابَعَتْ عَلَيْهِ الْمَصَائِبُ وَالْهُمُومُ وَالْأَحْزَانُ فَلَهُ أُسْوَةٌ بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؛ فَلَقَدْ كَانَ يَحْزَنُ عَلَى فَقْدِ أَحِبَّتِهِ، وَكَانَ يَتَّقِي اللَّهَ -تَعَالَى- فِي حُزْنِهِ، وَيُقَابَلُ الْقَدَرَ بِالرِّضَا وَالتَّسْلِيمِ.

 

نَعُوذُ بِاللَّهِ -تَعَالَى- مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ، وَضَلَعِ الدَّيْنِ، وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ.

 

وَأَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ…

 

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا طَيِّبًا كَثِيرًا مُبَارَكًا فِيهِ كَمَا يُحِبُّ رَبُّنَا وَيَرْضَى، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ -تَعَالَى- وَأَطِيعُوهُ (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [الْبَقَرَةِ: 281].

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ -تَعَالَى- أُمَّةً مِنَ الْأُمَمِ أَصَابَهَا بِالْمِحَنِ وَالْفِتَنِ وَالِابْتِلَاءَاتِ؛ لِيَمِيزَ خَبِيثَهَا مِنْ طَيِّبِهَا، وَلِيُصَفِّيَهَا مِنْ أَدْعِيَائِهَا؛ فَلَا يَبْقَى عَلَى الدِّينِ الْحَقِّ إِلَّا مَنْ صَحَّ مُعْتَقَدُهُ، وَخَلُصَتْ نِيَّتُهُ، وَحَسُنَ مَقْصِدُهُ، فَلَا يُرِيدُ بِدِينِهِ إِلَّا اللَّهَ -تَعَالَى- وَالدَّارَ الْآخِرَةَ.

 

وَأُمَّةُ الْإِسْلَامِ هِيَ أَكْرَمُ الْأُمَمِ عَلَى اللَّهِ -تَعَالَى-؛ وَلِذَا ابْتُلِيَتْ بِمَجْمُوعِ مَا ابْتُلِيَتْ بِهِ الْأُمَمُ السَّابِقَةُ، وَزَادَتْ عَلَيْهِ؛ لِيَعْظُمَ أَجْرُهَا، وَيَكْثُرَ خَيْرُهَا، وَتَعْلُوَ مَنْزِلَتُهَا؛ فَيَكُونَ أَفْرَادُهَا أَكْثَرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، كَمَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ.

 

وَقَدِ ابْتُلِيَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي أُمَّتِهِ مُنْذُ جَهْرِهِ بِالدَّعْوَةِ، فَعُذِّبَ أَصْحَابُهُ أَمَامَهُ، وَفُتِنُوا فِي دِينِهِمْ، وَابْتُلِيَتْ أُمَّتُهُ بَعْدَ وَفَاتِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَلَا تَزَالُ تُبْتَلَى وَتُفْتَنُ فِي دِينِهَا، وَتُعَذَّبُ بِسَبَبِهِ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، وَيَتَكَالَبُ عَلَيْهَا الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ وَيَتَآمَرُونَ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: أُمَّتِي هَذِهِ أُمَّةٌ مَرْحُومَةٌ، لَيْسَ عَلَيْهَا عَذَابٌ فِي الْآخِرَةِ، عَذَابُهَا فِي الدُّنْيَا الْفِتَنُ وَالزَّلَازِلُ وَالْقَتْلُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ).

 

فَمَا يُصِيبُ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِسَبَبِ دِينِهَا وَعَلَى أَيْدِي أَعْدَائِهَا مِنَ الْحِصَارِ وَالتَّجْوِيعِ وَالْإِفْقَارِ، وَالتَّشْرِيدِ وَالْإِخْرَاجِ مِنَ الدِّيَارِ، وَالْقَتْلِ وَالتَّعْذِيبِ وَالْآلَامِ كَفَّارَةٌ لَهُمْ، وَرِفْعَةٌ فِي الدَّرَجَاتِ.

 

وَالْهَدْيُ النَّبَوِيُّ هُوَ الْحُزْنُ لِمُصَابِ الْمُسْلِمِينَ، وَالتَّأَلُّمُ لِأَجْلِهِمْ، كَمَا حَزِنَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ وَبِئْرِ مَعُونَةَ وَمُؤْتَةَ، وَنُصْرَةُ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا نَصَرَهُمُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَدَعَا عَلَى قَتَلَةِ الْقُرَّاءِ شَهْرًا كَامِلًا؛ فَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ “كَمَثَلِ الْجَسَدِ، إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى” وَ”كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا“.

 

وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى نَبِيِّكُمْ…

الملفات المرفقة
الخلال النبوية (16) حزن النبي صلى الله عليه وسلم على أحبته
عدد التحميل 173
الخلال النبوية (16) حزن النبي صلى الله عليه وسلم على أحبته – مشكولة
عدد التحميل 173
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات