طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||
ملتقى الخطباء > ركن الخطب > التصنيف العام > التاريخ > السيرة النبوية > المنهج النبوي في الدعوة إلى الله

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

15332

المنهج النبوي في الدعوة إلى الله

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / حي العزيزية / جامع البواردي /
تاريخ الخطبة : 1439/06/06
تاريخ النشر : 1439/06/10
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/مواقف ثلاثة للنبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة إلى الله 2/من عبر هذه المواقف
اقتباس

وهذا منهجٌ لمن يَدعو الناسَ إلى الإسلام؛ فإذا دَعَوتَ أحداً إلى الإسلام فَدَخَلَ فيهِ ثم خَشيتَ ألّا يَتَحَمَّلَ الضغطَ الذي يأتيهِ من أهلهِ، والتكذيبَ والفِتنةَ فلا داعيَ أن يُعلِنَ إسلامَه؛ فلو أسلَمَ أحدٌ من الناس على يَدِكَ فلا داعيَ أن تقولَ له: أخبـِرْ قومَكَ، وأخبر أهلَكَ، وأخبر الناس، إذا كنت تَخشى أن يُفتَنَ…

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمدَ للهِ، نَحمدُهُ ونَستعينُهُ ونَستغفِرُهُ، ونعوذُ باللهِ -تعالى- من شُرورِ أنفُسِنا وسَيِّئاتِ أعمالِنا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ لَه، ومن يُضْلِلْ فلا هادِيَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له جَلَّ عن الشبيهِ والـمَثيلِ والكُفْءِ والنظير، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُهُ ورسولُهُ وصَفِيُّهُ وخليلُه وخيرَتُهُ من خلقِهِ وأمينُه على وَحْيهِ أرسلَهُ رَبُّهُ رحمةً للعالمين وحُجَّةً على العبادِ أجمعين؛ فهدى اللهُ -تعالى- بهِ من الضلالَة، وبَصَّرَ بهِ من الجَهالَةِ، وكَثَّرَ بهِ بعدَ القِلَّة، وأغنى به بعدَ العَيْلَة، وتَرَكَنا على الـمَـحَجَّةِ البَيضاءِ لَيلُها كَنهارِها لا يَزيغُ عنها إلّا هالِكٌ؛ فصلواتُ اللهِ وسلامُه عليه وعلى آلهِ الطيبين وأصحابهِ الغُرِّ الـمَـيامين ما اتَّصَلَتْ عَينٌ بِنَظَر، ووَعَتْ أُذُنٌ بِخَبـَر، وسلَّمَ تسليماً كثيراً ونَسألُ اللهَ -تعالى- أن يـَجعلَنا من صالـِحي أُمَّتِه، وأن يـَحشُرَنا يومَ القيامةِ في زُمرَتِه.

 

أما بعد: أيُّها الإخوةُ الكرام: لقد بَعَثَ اللهُ -تعالى- الرُّسُلَ هُداةً مُبشِّرين ومُنذِرين، وخَتَمَهم بخيرِ الخلقِ أجمعين سَيدِنا محمدٍ صلواتُ ربي وسلامُه عليه وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين.

 

و كان نبيُّنا -صلى الله عليه وسلم- حريصاً على هدايةِ الخلق، رَؤوفاً رحيماً بهم رفيقاً في التعامُلِ معهم، يَبذُلُ -صلى الله عليه وسلم- جُهدَهُ لهدايَتِهم، وكان في سبيلِ ذلكَ يَصبرُ على أذاهم، ويُخالِطُهم في مَواطِنِهم، ويَسيرُ إليهم في نواديهم.

 

ولا يَكادُ يَدَعُ -صلى الله عليه وسلم- وسيلةً أو باباً يُـمَكِّنُهُ من هدايةِ الناسِ إلّا سَلَكَهُ، ومن ذلكَ مُراسَلَتَهُ -صلى الله عليه وسلم- للملوكِ والعُظَماءِ الذين كانوا في عَصرِه، ومن ذلك مُقابلَته لمن يأتي إلى مكةَ أو إلى المدينة، ودعوته مُحاوَرَتَه ومُناظَرَته -صلى الله عليه وسلم- لليهودِ أو النصارى.

 

أيُّها المؤمنون: لَعَلَّنا نَقِفُ اليومَ على ثلاثةِ مَواقِفَ من مواقفِ هِدايَتِه -عليه الصلاة والسلام- للناس، وصَبرِهِ على أذاهم، وقُدرَتهِ على الرِّفقِ بهم والرَّأفَةِ بأحوالِهم، حتى وإن قيلَ عنه: مجنونٌ أو ساحِرٌ؛ فإنَّه كان -صلى الله عليه وسلم- يطلبُ ما هو أعظمُ من ذلك وهو هِدايَتَهم؛ فأما الموقفُ الأول:

فروى الإمامُ مسلمٌ في صحيحهِ عن ابن عباسٍ -رضي الله تعالى عنهما- قال: أقبلَ ضِمادُ – وكان ضمادُ هذا رجلاً من المشركين، لكنَّهُ كان يَتعاطى الطِّبَّ في الجاهِليةِ؛ فكانَ يُعالـِجُ الناسَ من بعضِ الأدْواءِ أقبل إلى مَكةَ في حاجةٍ لهُ، فَسَمِعَ الناسَ يَتَكلَّمونَ عن المجنون.

 

وكانوا يَقصِدون بهِ سَيِّدَنا رسولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، وهي فِريَةٌ؛ فما بعثَ اللهُ -تعالى- نَبِياً إلّا افتَراها قَومُهُ عليه؛ كما ذَكَرَ اللهُ -تعالى- ذلكَ عن نوحٍ -عليه السلام-: (كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِر)، وقال تعالى: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُون).

 

فقالَ ضِمادُ لهم: مَن هذا المجنونُ الذي تتَحدَّثونَ عنهُ؟ قالوا: رجلٌ يَدَّعي أنَّه يُوحَى إليه، وأنه يأتيه رِئْيٌ يُنَبِّئُه، وجَعَلوا يتكلَّمون عن رسولِ اللهِ -عليه الصلاة والسلام-.

 

فمضى ضِمادُ يَبحثُ عن رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- قاصِداً أن يُعالـِجَهُ مما بِه، حتى إذا وَقَفَ ضمادُ بينَ يَدَيِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- قال لهُ: إنَّ قَومَكَ حدَّثوني أنَّك مجنونٌ، وإنِّي أعالجُ من هذهِ الريح، وأعالجُ من هذا الجنون؛ فإنْ شِئتَ رَقَيتُكَ فعالجتُك؟

 

فإذا بالنبيِّ -صلى الله عليه وسلم- يَرفعُ بَصَرَهُ إليهِ، وهو -عليه الصلاة والسلام- قد جاوَزَ الأربَعينَ، وهو لا يَزالُ في مكةَ -عليه الصلاة والسلام-، وإذا رَجُلٌ غريبٌ يُقبِلُ من خارِجِ مكةَ لأجلِ أن يُعالـِجَهُ، مما يَزعُمُ قومُهُ أنهُ مُصابٌ به؛ فلم يَغضَبْ -عليه الصلاة والسلام- وإنما رَفَعَ بصرَهُ إليه؛ وقال بِكُلِّ هُدوءٍ: “إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ”.

 

عِندَها انْتَفَضَ ضِمادُ، وقال: أَعِدْ عَلَيَّ كلماتَكَ هؤلاء؛ أي: أعِدْ عليَّ هذه الـمُقدَّمَةَ، وذلكَ قبلَ أنْ يَقرأ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- حتى آيةً واحِدَة.

 

فأعادَها النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- أخرى، ثم لما أرادَ -عليه الصلاة والسلام- أن يَشرَعَ فيما بعدَها، قال ضماد: أعِدْها علي.

 

فأعادها -صلى الله عليه وسلم- مرةً ثالثةً، فقال له ضمادُ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الْكَهَنَةِ، وَقَوْلَ السَّحَرَةِ، وَقَوْلَ الشُّعَرَاءِ؛ فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، وَلَقَدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ الْبَحْرِ- يعني لقد سَمِعَها أقصى من يكونُ في البحرِ من الجِنِّ -، فحَدِّثْني عن دِينِك؟ حَدِّثْني عن هذا الذي يَتَّهِمُكَ قومُك له؟ فحدَّثَهُ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- عن الإسلام، وعن عِبادَةِ اللهِ وَحدَه لا شريكَ له.

 

فقال ضماد: هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى الْإِسْلَامِ، قَالَ: فَبَايَعَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-: “وَعَلَى قَوْمِكَ“، قَالَ: وَعَلَى قَوْمِي (رواه مسلم).

 

وإذا بالرجلِ الطبيبِ الذي جاءَ زاعِماً أنَّه سيُعالـِجُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- مما هو فيه، إذا بهِ يكونُ من أتباعِهِ -عليه الصلاة والسلام-، وما ذاكَ إلّا لِرَأفَتِهِ -صلى الله عليه وسلم- بهم وحُنُوِّهِ ولُطْفِهِ ورِفْقِهِ بهم.

 

أيُّها الأحبَّةُ الكرام: أما الموقفُ الثاني:

فكان عَمرو بنُ عَبَسَةَ -رضي الله تعالى عنه- يُنكِرُ على قومِهِ في الجاهليَّةِ ما يَعبدونَ من أصنامٍ وأوثان، فكانوا يقولون له: فماذا نعبد؟ فيقول: لا أدري! لكني أعلمُ أنَّ ما تَعبدونَه من أصنامٍ وأوثانٍ لا تَنفَعُكم شيئًا.

فلم يَلبَثْ به وقتٌ حتى سمعَ بظهورِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- في مكة، فتَحَمَّلَ حتى ذهبَ إليه، ثم دخلَ وقابَلَ النبيَّ -عليه الصلاة والسلام-، ثم وقفَ بين يدي رسولِ اللهِ -عليه الصلاة والسلام-، وقال عمرو بن عبسة للنبي -صلى الله عليه وسلم-: ما أنت؟ فقال: -عليه الصلاة والسلام-: “أَنَا نَبِيٌّ” قال: فَقُلْتُ: وَمَا نَبِيٌّ؟ قَالَ: “أَرْسَلَنِي اللهُ” فَقُلْتُ: وَبِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: “أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَكَسْرِ الْأَوْثَانِ، وَأَنْ يُوَحَّدَ اللهُ لَا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ“.

 

وجعلَ -عليه الصلاة والسلام- يُحدِّثُه بأحاديثَ تَدُلُّ على صحةِ الإسلام، وعلى أنَّ الناسَ الذينَ يعبدونَ هذهِ الأصنامَ والأوثانَ هم على ضلالٍ، قال: قُلْتُ لَهُ: فَمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: “حُرٌّ، وَعَبْدٌ” قَالَ: وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ، وَبِلَالٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ، فقال له عمرو بن عبسة: “إِنِّي مُتَّبِعُكَ” ابْسُطْ يَدَك أبايِعْكَ على الإسلام، فبسَطَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- يَدَهُ فبايَعَه.

 

ثمَّ من رَحمَتِهِ -عليه الصلاة والسلام- بهِ وخَشْيَتِهِ أن يُفتَـنَ في دينِه، وهو لا يزالُ في أوَّلِ ظُهورِ الإسلام، قال له -عليه الصلاة والسلام-: “إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذَا، أَلَا تَرَى حَالِي وَحَالَ النَّاسِ، وَلَكِنِ ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ فَإِذَا سَمِعْتَ بِي قَدْ ظَهَرْتُ فَأْتِنِي” لا يُريدُهُ -عليه الصلاة والسلام- أن يُصيبَهُ فتنةٌ فيَرجِعَ عن دينه، وهو قَريبُ العهدِ بالإسلام.

 

أيُّها المسلمون: وهذا منهجٌ لمن يَدعو الناسَ إلى الإسلام، فإذا دَعَوتَ أحداً إلى الإسلام فَدَخَلَ فيهِ ثم خَشيتَ ألّا يَتَحَمَّلَ الضغطَ الذي يأتيهِ من أهلهِ، والتكذيبَ والفِتنةَ فلا داعيَ أن يُعلِنَ إسلامَه؛ فلو أسلَمَ أحدٌ من الناس على يَدِكَ فلا داعيَ أن تقولَ له: أخبـِرْ قومَكَ، وأخبر أهلَكَ، وأخبر الناس، إذا كنت تَخشى أن يُفتَنَ فيعودَ عن دينه، يجوزُ له أن يَكتُمَ دينَه حتى يَتَمكَّنَ الإيمانُ من قلبِه.

 

ومَضى عمرو بن عبسة إلى قومهِ مؤمِناً باللهِ حتى إذا ظهرَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وهاجرَ إلى المدينة، وكانَ لهُ فيها وجودٌ وكَثُرَ المسلمون، أقبلَ عمرو بن عبسةَ إلى رسولِ اللهِ -عليه الصلاة والسلام- بعدَ عشرِ سنين، فلمَّا وقفَ بينَ يَدَيهِ قال عمرو بن عبسة: يَا رَسُولَ اللهِ أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: “نَعَمْ، أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ” قال: صدقت يا رسول الله (رواه مسلم).

ثم لم يَزَلْ عمرو مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهذا من هِدايَتِهِ -صلى الله عليه وسلم- ومن رَحمَتِه بالناس.

 

مَعَاشِرَ الـمُؤمِنين: والموقفُ الثالث:

كانَ نبيُّنا -عليه الصلاة والسلام- يُراسِلُ الملوكَ والعُظَماءَ يَدعوهم إلى الإسلام؛ فلم يَكُنْ -عليه الصلاة والسلام- يَكتَفي بأن يَقعُدَ في مَكةَ أو المدينة، وينتظرُ أن يأتيَ الناسُ إليهِ للدُّخولِ في الإسلام كلّا، وإنَّما كانَ يَغشى الناسَ في مَجالِسِهم يُخالطُهم، يُرسلُ إليهم يُكاتِبُهم، يَبذُلُ كلَّ سَبيلٍ لِهدايَتِهم.

 

ومن ذلكَ: أنَّه -صلى الله عليه وسلم- بَلَغَهُ خبرُ نصارى نَجرانَ فأرسلَ -صلى الله عليه وسلم- إليهم كتاباً كتبَ فيه: بِاسْمِ إِلَهِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ، مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبيّ رَسُولِ الله إلى أَسْقُفِ نجرانَ وأهلِ نجران، إنْ أسلَمتم فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكُمْ إِلَهَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ”؛ أي أدعوكم بدعايةِ اللهِ إلى عبادةِ اللهِ وحدَهُ لا شريكَ له.

 

فلما وَصَلَهم كتابُهُ دَفَعوهُ إلى الأسقُف -والأسقُفُ هو القسيسُ الأعظمُ عندَهم الذي يَصدُرونَ عن أمرِهِ- فلمَّا قَرَأَهُ -وكانَ يعلمُ أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم سوفَ يُبعث، فقد بَشَّرَ بهِ الأنبياءُ الأولون- أرسلَ إلى رجلٍ عاقلٍ منهم اسمهُ شُرَيحٌ، فلما جاءَ شريحٌ وجلسَ بين يديهِ قال له: قد بلَغَني ووصَلَني هذا الكتابُ؛ فما تقولُ فيه يا شريحُ؟

 

فنظرَ شريحٌ فيهِ، وإذا الأسقُفُ رجلُ الدينِ يَستَشيرُهُ في قَضيةٍ دينيةٍ، وشريحٌ هذا ليسَ من عُلَماءَ الدين، فقالَ: عجباً تَسألُني! لو كانَ أمراً من أمرِ الدنيا لأشرتُ عليكَ به، لكن أنت تسألُني في قضيةٍ دينيةٍ وأنتَ العالِم، فقال: أعطِني رَأيَك؟ قال: ألَا تَخشى -أيُّها الأسقفُ- أن يكونَ هذا الذي أَرسلَ إليكَ هو النبيُّ الذي بَشَّرَ بهِ موسى وعيسى؟ قال: فاقْعُدْ.

 

ثُمَّ بعثَ الأسقفُ إلى عددٍ من عُقَلائِهم، فقالوا مثلَ ذلك، فأمرَ بأن تُشْعَلَ النيرانُ في الصَّوامِعِ والكنائِسِ حتى يَجتمِعَ الناسُ، وأن يُضرَبَ بالنواقيسِ، فاجتمعَتْ ثلاثٌ وثمانونَ قريةٍ، وأكثرُ من مائةٍ وعشرينَ ألف مُقاتلٍ، فاستشارَهم: ما تقولونَ في هذا الرجلِ الذي يَدعونا إلى دينهِ، وإلَّا فالجِزيَةِ؛ فإن أبَينا الجزيةَ فالحرب؟

 

فاتَّفَقوا على أن يُرسِلوا وفداً من عندِهم، فخرجَ الأسقُفُ، وخرجَ معهُ أخوهُ أبو علقمة وخرجَ معهُ شُريحٌ وجمعٌ من وُجَهائِهم، فلما وصلوا إلى المدينةِ نزلوا ووَضَعوا عنهم لباسَ السَّفَرِ ولَبِسوا الحريرَ والذَّهَبَ، ثم أقبلوا ودخلوا المسجدَ على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- فلمَّا رَآهم -صلى الله عليه وسلم- أعرَضَ عنهم؛ لَمَّا رأى لِباسَ الكِبْرِ والغُرور، عَلِمَ أنَّهم ما جاءوا لِأجْلِ أنْ يَذِلُّوا لله، وأن يَطرَحوا ما هم فيهِ من دين إذا عَلِموا الدينَ الحقَّ.

 

فأعرضَ عنهم -عليه الصلاة والسلام- فالتَفَتوا إلى بعضِ الصحابةِ قالوا: هو يَدعونا إليهِ ثُمَّ يُعرِضُ عنا؟ فقالوا لهم: امضوا فَغَيِّروا هذا اللِّباسَ فمَضَوا وغيَّروا لباسَهم، ثم أقبلوا إلى النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، فلمَّا رآهم أقبلَ عليهم -عليه الصلاة والسلام- مُتَلَطِّفاً مُرَحِّباً، وقال لأصحابهِ: “وَالَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَقَدْ أَتَوْنِي الْمَرَّةَ الْأُولَى وَإِنَّ إِبْلِيسَ لَمَعَهُمْ“.

 

ثم قَعَدوا بَينَ يَدَيهِ فَسَألوهُ عن عيسى فأنزلَ اللهُ -تعالى-: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُون) فكذَّبوا، وقالوا: بل عيسى ابنُ الله، فأنزلَ اللهُ -تعالى-: (فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ) من بَعدِ ما نزلَ فيه من الآياتِ (فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِين)؛ أي: الـمُباهَلَةَ إن كُنتم لم تُصَدِّقوا أنَّ عيسى عبدٌ ورسول فأنا الآنَ أجمعُ أهلي وأنتم تَجمعونَ أهلَكم، ونَسألُ اللهَ كُلُّنا، نَدعوا يا رَبُّ اجْعَلْ لَعنَتَكَ على الكاذِبين؛ فهل تُوافِقون؟ فأبَوا وخافوا، قالوا: بَلْ نُقِرُّ بالجِزية.

 

ثم مَضَوا راجِعين إلى نَجرانَ، فلما مَشَوا شَيئاً يَسيراً من المدينة، كانَ أبو علقمةُ أخو الأسقُفِ على دَابَّتِهِ -وهو يُفَكِّرُ في هذهِ الجِزيَةِ التي لـَحِقَتهم والذُّلَّ-، فعَثَرَتْ بهِ دابَّتُ،ه فقال: تَعِسَ محمدٌ! سَبَّ النبيَّ -عليه الصلاة والسلام-، فقالَ لهُ أخوهُ الأسقفُ: اخْسَأْ بَلْ أنتَ تَعِسْتَ! لقد تَعَّسْتَ نَبِيًّا مُرسَلاً، فقالَ له أخوهُ أبو علقمةُ: أتؤمِنُ -أيُّها الأسقفُ- أنَّ هذا نبيٌّ مُرسَل؟ قال: واللهِ إنَّه النبيُّ الذي بَشَّرَ بهِ موسى وعيسى، وجاءَ خَبَرُهُ في التَّوراةِ والإنجيل، قال له: عجباً! فلماذا لا تُؤمِنُ بهِ ما دُمتَ عرفتَ ذلك؟ فقال له: إنَّ هَؤُلاءِ القومَ -يَعني أصحابَ القُرى- قد أكرَمونا وأعطَونا الأموالَ، وبَنوا لنا الكنائِسَ والدورَ الكبار، وجعلونا وجهاءَ؛ فإنْ أنا تركتُ دينَهم، واتَّبعتُ دينَهُ كنتُ رجلاً من عامةِ أصحابه.

 

انظُروا -أيُّها المسلمون- كيفَ يمنعُ -أحياناً- المالُ والكِبرُ الشخصَ من اتِّباعِ الحقِّ.

 

فقالَ لهُ أبو علقمةُ: سبحانَ الله! وكَنائِسُكَ وأموالُكَ هذهِ تمَنعُكَ من اتِّباعِ الحقِّ إذا ظهَرَ لك، قال: إنِّي لا أستطيعُ أن أفرِّطَ في هذا.

 

عندَها لَوَى أبو علقمةُ رقَبةَ ناقَتِهِ ووَجَّهَ إلى المدينة، فناداهُ أخوهُ فلم يَلتفِتْ إليهِ وجَعلَ يقولُ أبو علقمةُ وهو ماضٍ إلى المدينةِ مُخاطِباً رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-:

إلَيْك تَعْدُو قَلِقًا وَضِينُهَا *** مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا

مخالفا دين النصارى دينها *** قد ذهب الشحم الذي يزينها

ومعناه: إن ناقتي تعدو إليك بسرعة في طاعتك قلقا وضينها، والوضين حبل كالحزام؛ من كثرة السير والإقبال التام والاجتهاد في طاعتك، والمراد صاحب الناقة.

 

ولا زالَ يُرَدِّدُ ذلكَ حتى وَصَلَ إلى رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم-، وبايَعَهُ على الإسلام. رواها ابن هشام في السيرة والبيهقي في دلائل النبوة، ثُم قُتِلَ -رضي الله عنه- في بعضِ المعاركِ مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

أيُّها الأحبَّةُ الكرام: إنَّ الهدايةَ هيَ أكبرُ النِّعَمِ التي يُنزِلُها اللهُ -تعالى- على العبدِ، ولذلكَ أمرَنا أن نقولَ في الصلوات: (اهْدِنا الصِّراطَ المستقيم)، تَدعو بِها سَبعَ عَشْرَةَ مَرَّةٍ في كُلِّ يومٍ في صلواتِ الفريضة، وتدعو بها أيضاً في صلواتِ النافِلَةِ، تدعو اللهَ أن يَهدِيَكَ الصراطَ المستقيمَ في لِسانِك، في سَمْعِك، في صَلاتِك، في صَدَقَتِك، في بِرِّك، في إحسانِك، في تَعامُلِك، إذا كَمَّلَ اللهُ -تعالى- لكَ الهدايةَ فقدْ أرادَ اللهُ -تعالى- بكَ الخير.

 

نَسألُ اللهَ -تعالى- أن يَهدِيَ قُلوبَنا، وأن يُيَسِّرَ أمرَنا، وأن يُعيذَنا من الفِتَنِ ما ظهرَ منها وما بَطَنَ.

 

أقولُ ما تَسمَعون، وأستَغْفِرُ اللهَ الجليلَ العظيمَ لي ولكم من كُلِّ ذَنْبٍ، فاستَغفِروهُ؛ إنَّهُ هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ على إحسانهِ والشُّكرُ لهُ على تَوفيقِهِ وامْتِنانِه، وأشهدُ أن لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَحدَهُ لا شريكَ لَه، وأشهدُ أنَّ مُحمداً عبدُهُ ورسولُه، الدَّاعي إلى رِضوانِه، صلى اللهُ وسلَّمَ وبارَكَ عليهِ وعلى آلِهِ وإخوانِه وخِلَّانِه، ومن سارَ على نَهجِه، واقْتَفى أثَرَهُ واسْتَنَّ بِسُنَّتِه إلى يومِ الدِّين.

 

أما بعد:

 

أيُّها الإخوةُ الكرام: هذه كانت مواقف من دعوته -صلى الله عليه وسلم- للناس، وقد كانت دعوته كلها رفْق وسهولة، كلها لِين وعطْف، حكمة وسياسة، لم يعتمِد فيها على قوَّة ولا جبروت.

 

وبمثل هذه المواقف التي ذكرناها وغيرها من مواقفه -صلى الله عليه وسلم- في الدعوة، نعلم أن محمدًا -صلى الله عليه وسلم- ما جاء إلا ليُخرِج العباد من الظلمات إلى النور، ويُقيم المِلة الصحيحة، ويُعطي كل ذي قدْر قدره، وليُعرِّف المخلوق بخالقه، ويُبيِّن له كيف يوحِّده، وكيف يعبده بالشرع الذي أنزله الخالق، ثم ليُقيم لنا منهجًا وسبيلاً مَن التزَمه سعِد في الدنيا، ونجا وفاز في الآخرة.

 

وقد صَفَه الله فقال: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ)[التوبة:128] هدى الناس باللين، وأخذ بيدهم إلى الخير.

وصدَق الله حين أثنى على رسوله فقال: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ)[القلم:4].

 

اللهُمَّ إنَّا نَسألُكَ من الخيرِ كُلِّهِ عاجِلِهِ وآجِلِهِ ما عَلِمنا منهُ وما لم نَعلَم، ونعوذُ بكَ رَبَّنا من الشَّرِّ كُلِّهِ عاجِلِه وآجلِه، ما علِمنا منهُ وما لم نَعلم.

 

اللهمَّ اغِفْر لنا ولآبائِنا وأمَّهاتِنا اللهمَّ من كانَ منهم حَيَّاً فَمَتِّعْهُ بالصِّحَّةِ على طاعَتِك، واخْتِمْ لنا ولَهُ بخير، ومن كانَ منهم مَيِّتاً، فَوَسِّعْ لهُ في قَبْرِه، وضاعِفْ لهُ حَسَناتِه، وتَجاوَزْ عن سَيِّئاتِه واجمَعْنا بهِ في جَنَّتِكَ يا رَبَّ العالمين.

 

اللهمَّ أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، يا رب أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، يا حيُّ يا قيوم يا رَبَّ العالمين.

 

اللهمَّ صَلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ؛ كما صَلَّيتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ، وبارِكْ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ؛ كما بَارَكْتَ على إبراهيمَ، وعلى آلِ إبراهيمَ، إنَّكَ حميدٌ مَجيد، سُبحانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ عمَّا يَصِفونَ، وسلامٌ على المرسلينَ والحمدُ للهِ رَبِّ العالمَين.

الملفات المرفقة
المنهج النبوي في الدعوة إلى الله
عدد التحميل 22
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات