طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

14937

سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- (54) غزوة ذات الرقاع وصلاة الخوف

المكان : المملكة العربية السعودية / الرس / حي الملك خالد / جامع الملك عبد العزيز /
التصنيف الرئيسي : الصلاة السيرة النبوية
تاريخ الخطبة : 1439/04/11
تاريخ النشر : 1439/05/29
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/غزوة الرقاع ودواعيها 2/وصول جند الإسلام إلى غطفان 3/مشروعية صلاة الخوف وصفتها 4/وقفات مع بعض أحداث هذه الغزوة 5/قصة تسلل أحد رجال العدو لقتل النبي الكريم 6/أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم 7/نصر الله لعباده المؤمنين ودفاعه عنهم.
اقتباس

نحن اليوم بحاجة إلى تلمس تلك الأخلاق النبوية العظيمة في حياتنا العملية؟ كم نحن بحاجة للعفو عن من أساء إلينا؟، وأن ننشر التسامح فيما بيننا؟!..

الخطبة الأولى: 

 

الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد عليه وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين عليه أفضل صلاة وأزكى تسليم، أما بعد:  

 

عباد الله: أوصيكم ونفسي بتقوى الله؛ فالسعيد من راقب الله وأحسن تعامله مع ربه، واتبع هدي نبيه  -صلى الله عليه وسلـم-؛ فالمسلم العاقل يتحرى سلامة المنهج، وسلامة المنهج باتباع هدي القرآن والسنة، وما أحوجنا في واقعنا للتبع سيرة سيدنا ونبينا محمد  -صلى الله عليه وسلـم-؛ فهو أسوتنا وقدوتنا ولا أن نقف على دروسها وعبرها، وها هي الخطبة الرابعة والخمسون من سلسلة خطب السيرة النبوية وواقعنا المعاصر، وكنا قد انتهينا من الحديث عن حادثة جلاء يهود بني النضير بعد المؤامرة الفاشلة التي دبروها لقتل نبينا محمد -صلى الله عليه وسلـم-، ولكن الله عصمه من كيدهم ونجاه من مكرهم، ونواصل الحديث بذكر ما كان بعد ذلك من أخبار غزوة ذات الرقاع أو غزوة نجدٍ، “والتي كانت في ربيع الآخر من السنة الرابعة” (سيرة ابن هشام). 

 

لقد أراد النبي -صلى الله عليه وسلـم- أن يؤدِّب الغادرين، ويكسر شوكة الخائنين، ممن تجمعوا وخططوا، وعزموا على إرهاب المسلمين، وتروعيهم من بني محارب، وبني ثعلبة من غطفان، “فخَرَجَ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقَالَ قَائِلٌ: كَانُوا سَبْعَمِائَةٍ أَوْ ثَمَانَمِائَةٍ”  (مغازي الواقدي)، وعدد قليل من البعير، لدرجة أن البعير الواحد كان يتناوب الركوب عليه ستة نفر، ومع قرب الوصول إلى المكان الذي حدده رسول الله -صلى الله عليه وسلـم- كان معظم الجيش قد أُصيب بحالة من التعب والإرهاق والجروح والآلام، والتي يصفها الصحابي الجليل أبو موسى الأشعري  رضي الله عنـه  فيقول: “خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  -صلى الله عليه وسلـم-  فِي غَزَاةٍ وَنَحْنُ سِتَّةُ نَفَرٍ بَيْنَنَا بَعِيرٌ نَعْتَقِبُهُ، قَالَ: فَنَقِبَتْ (أي رقت، يقال: نقب البعير إذا رق خفه) أَقْدَامُنَا، فَنَقِبَتْ قَدَمَايَ، وَسَقَطَتْ أَظْفَارِي، فَكُنَّا نَلُفُّ عَلَى أَرْجُلِنَا الْخِرَقَ فَسُمِّيَتْ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ لِمَا كُنَّا نُعَصِّبُ مِنْ الْخِرَقِ عَلَى أَرْجُلِنَا” (البخاري). 

 

ومع ما كان من مشقة ومعاناة عاشها الصحابة الكرام  -رضي الله عنـهم-  مع النبي  -صلى الله عليه وسلـم-، لم يكن هناك من بُد من استكمال المسير نحو نجد؛ فما إن وصلوا حتى لقوا “جَمْعًا عَظِيمًا مِنْ غَطَفَانَ؛ فَتَقَارَبَ النَّاسُ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ حَرْبٌ، وَقَدْ خَافَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ  -صلى الله عليه وسلـم-  بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْخَوْفِ” (سيرة ابن هشام)، وأنزل الله  قوله: (وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا) [سورة النساء: 102]؛ “فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ  -صلى الله عليه وسلـم-  فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ تُصَلِّي وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ (الأخرى) عَلَى العَدُوِّ، وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ  -صلى الله عليه وسلـم-  بِمَنْ مَعَهُ، وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ؛ فَجَاءُوا، فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ  -صلى الله عليه وسلـم-  بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ؛ فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ” (البخاري). 

 

وفي هذا وقفات ووقفات: 

أما الوقفة الأولى: فهي بخصوص الصحابة الكرام حيث تُبرز لنا تلك الغزوة التضحيات التي بذلوها في سبيل نشر هذا الدين؛ فما الذي قدمناه نحن في سبيل نشر ديننا؟ ما الجهد الذي بذلناه في تبليغ رسالة ربنا ورسولنا  -صلى الله عليه وسلـم- إلى العالمين؟ قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) [الزخرف: 44]، أي: “أنه شرف لك ولقومك، وسوف تسألون عنه، كيف كنتم في العمل به والاستجابة له” (تفسير ابن كثير). 

 

لله قوم أخلصوا لدينه *** واختارهم لنبيه أعوانًا 

نصروا دين الله بدمائهم *** فهنيئًا لهم مغفرة ورضوانًا 

 

أما الوقفة الثانية: فتتعلق بالصلاة التي ما عذرهم الله على تركها، وهم على ما هم عليه من حالة حرب واستنفار، لم يأذن الله بتركها، بل شرع لهم من الصلاة صلاة الخوف يؤدونها ويقيمونها” فكيف بأولئك الذين يتهاونون في أدائها وهم ينعمون في السلم والأمن؟! كيف بالذين لا يؤدونها أصلاً؟!. 

 

لقد كانت آخر وصية للنبي -صلى الله عليه وسلـم-  وهو في سكرات الموت: “الصَّلاَةَ الصَّلاَةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ” (صححه الألباني)؛ فما زال يكررها حتى ثقل به لسانهُ  -صلى الله عليه وسلـم-، فأين المصلون اليوم؟ أين من يحافظون عليها في أوقاتها؟ فما أحوجنا إلى مراجعة الحسابات قبل الولوج على رب البريات، “بعدما صلى النبي  -صلى الله عليه وسلـم-  بأصحابه، أخلد الجميع إلى الراحة من عناء الطريق والمسير؛ فاستظلوا تحت الأشجار، وبينما هم نائمون متفرقون، إذ برجل من المشركين واعد أهله على قتل النبي -صلى الله عليه وسلـم-، استطاع أن يتسلل إلى الشجرة التي استظل تحتها رسول الله -صلى الله عليه وسلـم-، وَسَيْفُه – أي: سيف رَسُولِ اللَّهِ  -صلى الله عليه وسلـم-  فِي حِجْرِهِ، فَقَالَ: “يَا مُحَمَّدُ، أَنْظُرُ إلَى سَيْفِكَ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَخَذَهُ فَاسْتَلَّهُ، ثُمَّ جَعَلَ يَهُزُّهُ، وَيَهُمُّ فَيَكْبِتُهُ اللَّهُ (يذله ويقمعه)، ثُمَّ قَالَ: “يَا مُحَمَّدُ، أَمَا تَخَافَنِي”؟ قَالَ: “لَا، وَمَا أَخَافُ مِنْكَ؟ قَالَ: أَمَا تَخَافَنِي وَفِي يَدِي السَّيْفُ؟ قَالَ: “لَا، يَمْنَعُنِي اللَّهُ مِنْكَ” ثُمَّ عَمَدَ إلَى سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ  -صلى الله عليه وسلـم-“ (انظر: سيرة ابن هشام). 

 

وفي رواية لابن كثير أن النبي  -صلى الله عليه وسلـم-  قال له: “مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي”، قَالَ: كُنْ خَيْرَ آخِذٍ، قَالَ: “تَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟” قَالَ: لَا، وَلَكِن أعاهدك على أَلا أُقَاتِلَكَ وَلَا أَكُونَ مَعَ قَوْمٍ يُقَاتِلُونَكَ؛ فَخَلَّى سَبيله؛ فَأتى أَصْحَابه وَقَالَ: جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ” (السيرة النبوية لابن كثير)؛ “فَأَنْزَلَ اللَّهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ، فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ، وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ”[سورة المائدة:11].  

 

تأملوا -يا عباد الله- تأملوا كيف عصم الله نبينا -صلى الله عليه وسلـم-  من شرور المعتدين، وكيف منعه من أذيَّة المجرمين، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) [المائدة: 67]، ثم تأملوا وأمعنوا النظر في أخلاق نبينا  -صلى الله عليه وسلـم- : جاء الأعرابي متسللًا في حالة حرب ونزال، ثم وقف على رأسه يريد قتله، ولمَّا لم يستطع، ومكَّن الله لنبيه  -صلى الله عليه وسلـم-  من رقبته، كان بإمكانه أن يقتله، ولا لوم عليه، ولكنه ولأنه  -صلى الله عليه وسلـم-  بُعث رحمة للعالمين، عفا عن الرجل، وأطلق سراحه إلى حيث يريد, وصدق القائل إذ يقول: 

لا تحْسَبُوا بِالبطشِ قَوَّمَ شَعْبَهُ ***  أو َقادَهُ للحقِ فَوْقُ قِتَالِه 

أَخْلاَقهُ غَزتْ القُلوبَ بِلُطفِهَا ***  قَبْل اسْتِلال ِسِيُوفهِ ونِبَالهِ 

مَا فيِ البَريِة قَط ُّمثلُ مُحمدٍ *** في حُسْن ِسيرتهِ وسَمْح ِخصالهِ 

 

أيها الإخوة الكرام: كم نحن اليوم بحاجة إلى تلمس تلك الأخلاق النبوية العظيمة في حياتنا العملية؟ كم نحن بحاجة للعفو عن من أساء إلينا؟، وأن ننشر التسامح فيما بيننا؟! وهذا الذي ندركه ونفهمه من دعوة أصحابه ليخبرهم بما جرى وما حدث، يقول جابر  -رضي الله عنـه-: “فَجِئْنَاهُ، فَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ جَالِسٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ  -صلى الله عليه وسلـم-: “إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ، وَهُوَ فِي يَدِهِ صَلْتًا، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ قُلْتُ: اللَّهُ، فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلـم-“ (البخاري). 

 

لقد أراد الرسول  -صلى الله عليه وسلـم-  أن يعلِّم أصحابه ويعلمنا درسًا عمليًا في قوة اليقين في الله، والتوكل على الله، والثقة في نصر الله، والصفح والحلم والعفو، يقول أبو الفتح البستي: 

خذِ العفوَ وأْمُرْ بعرفٍ كما   ***  أُمرت وأعرضْ عن الجاهلين 

ولِنْ في الكلامِ لكلِّ الأنامِ ***  فمستحسَنٌ من ذوي الجاه لين 

 

وما إن انتهى ذلك الموقف حتى واصل النبي  -صلى الله عليه وسلـم-  وأصحابه المسير نحو المجرمين في نجد؛ فلم يقدروا على الحرب أو القتال؛ فقذف الله في قلوبهم الرعب، وما تجرأ واحد منهم على القتال والنزال؛ بل هربوا وهرعوا إلى رؤوس الجبال؛ فتفرَّقت جموعهم، وتفتت حشودهم، ولقنهم النبي  -صلى الله عليه وسلـم-  درسًا لن ينسوه طوال حياتهم، إذ لم يتجرؤوا بعد ذلك على رفع رؤوسهم، “ثُمّ سَارَ رَسُولُ اللهِ  -صلى الله عليه وسلـم-  في أصحابه حتى أتى مَحَالّهُمْ، فَيَجِدُونَ الْمَحَالّ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ، وَقَدْ ذَهَبَتْ الْأَعْرَابُ إلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ” (مغازي الواقدي). 

فلما صعدوا إلى رؤوس الجبال همَّ النبي  -صلى الله عليه وسلـم-  وأصحابه قافلين نحو المدينة، وهم في طريقهم أقبل الليل عليهم فنزلوا في شعب من الشعاب، ثم انتدب من الصحابة من يقوم بالحراسة؛ فخرج رجلان لهما قصة عظيمة في البطولة والفداء والتضحية والعبادة، اسمع ماذا كان بينهما في الحراسة، قال رسول الله  -صلى الله عليه وسلـم-: “مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا لَيْلَتَنَا هَذِهِ؟؛ فَانْتَدَبَ رَجُلٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَالَا: نَحْنُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: “فَكُونُوا بِفَمِ الشِّعْبِ” فانطلقا المهاجري والأنصاري إلى حيث أشار رسول الله  -صلى الله عليه وسلـم-  إليهما، ثم قَالَ الْأَنْصَارِيُّ لِلْمُهَاجِرِيِّ: أَيُّ اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أَكْفِيَكَهُ؟ أَوَّلَهُ أَوْ آخِرَهُ؟ قَالَ: اكْفِنِي أَوَّلَهُ”  (أحمد). 

 

فَنَامَ عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ، وقام عبّاد بن بشر يُصَلّي، وَأَقْبَلَ عَدُوّ اللهِ يَطْلُبُ غِرّةً وَقَدْ سَكَنَتْ الرّيحُ، فَلَمّا رَأَى سَوَادَهُ مِنْ قَرِيبٍ قَالَ: “يَعْلَمُ اللهُ إنّ هَذَا لَرَبِيئَةُ (الطليعة الذي يحرس القوم) الْقَوْمِ! فَفَوّقَ لَهُ سَهْمًا فَوَضَعَهُ فِيهِ فَانْتَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، ثُمّ رَمَاهُ بِآخَرَ فَوَضَعَهُ فِيهِ فَانْتَزَعَهُ فَوَضَعَهُ، ثُمّ رَمَاهُ الثّالِثَ فَوَضَعَهُ فِيهِ، فَلَمّا غَلَبَ عَلَيْهِ الدّمُ رَكَعَ وَسَجَدَ، ثُمّ قَالَ لِصَاحِبِهِ: “اجْلِسْ فَقَدْ أَتَيْت”! فَجَلَسَ عَمّارٌ، فَلَمّا رَأَى الْأَعْرَابِيّ أَنّ عَمّارًا قَدْ قَامَ عَلِمَ أَنّهُمْ قَدْ نَذَرُوا بِهِ. فَقَالَ عَمّارٌ: “أَيْ أَخِي، مَا مَنَعَك أَنْ تُوقِظَنِي بِهِ فِي أَوّلِ سَهْمٍ رَمَى بِهِ؟ قَالَ: “كُنْت فِي سُورَةٍ أَقْرَأهَا وَهِيَ سُورَةُ الْكَهْفِ، فَكَرِهْت أَنْ أَقْطَعَهَا حَتّى أَفْرُغَ مِنْهَا، وَلَوْلَا أَنّي خَشِيت أَنْ أُضَيّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي بِهِ رَسُولُ اللهِ  -صلى الله عليه وسلـم-  مَا انْصَرَفْت وَلَوْ أُتِيَ عَلَى نَفْسِي” (مغازي الواقدي). 

 

فبالله عليكم أخبروني أي رجال كانوا؟ لقد كان شعور عباد بن بشر  -رضي الله عنـه- بلذة الصلاة والتلاوة، أشد بكثير من شعوره بالوجع والألم، ولولا أنه خشي على إخوانه من المسلمين ما أنهى صلاته، إنه شيء لا يمكننا تصوره إلا عندما نتدبر بحق هذه الآية، (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللهِ وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) [الحشر: 21]؛ هكذا أخبر الله تعالى عن تأثير القرآن على الجبال؛ فكيف بالقلوب؛ فاللهم ارحم قلوبنا وأحيها بلذة الصلاة والقرآن برحمتك يا أرحم الراحمين.  

اللهم اجعل الصلاة قرة عيوننا وملاذا لهمومنا وأوجاعنا. 

الملفات المرفقة
سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- (54) غزوة ذات الرقاع وصلاة الخوف
عدد التحميل 20
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات