طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

14871

دار الشقاء.. أهوال وأحوال -2

المكان : اليمن / صنعاء / بدون / ابن الأمير الصنعاني /
التصنيف الرئيسي : الحياة الآخرة
تاريخ الخطبة : 1436/05/15
تاريخ النشر : 1439/05/24
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ هول يوم الموقف العظيم 2/ وصف نار جهنم 3/ وصف أهلها 4/ وصف عذابها الحسي والمعنوي 5/ التوبة والادكار بذكر النار 6/ سبلٌ مفضية إلى النار
اقتباس

فبعدَ هذه القسمة العادلة يأمر الله -تعالى- ملائكته بأخذ أهل النار إلى النار، فيُساقون إليها جماعاتٍ وأفواجاً سوقًا شديداً، ويرِدونها وهم عِطاشٌ من حُرق الموقف وطوله وأهواله، ويُرمون فيها على ركبهم، عليهم الأغلالُ والقيود، ويسحبون على وجوهم فيلقون في النار إلقاء. قال -تعالى-: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا) [الزمر:71].

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً، وجعل فيها سراجاً وقمراً منيرا، أحمده على نعمة الإسلام حمداً كثيرا، وأشكره على نعمة الهدى والقرآن شكراً غزيرا.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولداً، ولم يكن له شريك في الملك، وخلق كل شيء فقدّره تقديرا، وأشهد أن محمد بن عبد الله نبينا وهادينا، بعثه الله إلى الجن والإنس بشيراً ونذيرا، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيرا، أنار بالقرآن العقول، وشرح به الصدور، وشفى به القلوب، فامتلأت به حبوراً وسرورا، فصلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليما كثيرا.

 

أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله-؛ فبتقوى الله تستنير البصائر، وتستريح الضمائر؛ فتفرّق بين الحق والباطل، والسليم والسقيم، قال -تعالى-: (يِا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَاناً وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الأنفال:29].

 

أيها الناس: فما زلنا نتابع خطى الراحلين، ومنهاجَ السالكين، إلى لقاء رب العالمين، ونشاهد محطات السفر، وما فيها من عظات وعبر.

 

أشرقت الدنيا على المسافرين، ثم أظلمت فبدت الحياة البرزخية، ونطقت لنا بما فيها من الأفراح والأتراح حتى انتهت، فقامت القيامة، فتقاطرت الجموع إلى ساحة العرض الأكبر؛ ليشهدوا أكبر اجتماع شهده العالم كله، أوله وآخره، فلم يكن قبله مثله، ولن يكون بعده مثله.

 

وظلوا هناك ينتظرون، نعم ظلوا منتظرين فصلَ القضاء في أعمال ما مضى، ورأوا في ذلك الجمع المهيب مشاهدَ لم يروا لها مثيلاً من قبل.

 

وهناك هناك نفذ فيهم حكم الملِك العدل، ونفِد زمانُ الوقوف الطويل والاجتماع الكبير، فسيق فريق إلى النار وفريق إلى الجنة، وقضي بينهم بالحق، وقيل الحمد لله رب العالمين.

 

عباد الله: فبعدَ هذه القسمة العادلة يأمر الله -تعالى- ملائكته بأخذ أهل النار إلى النار، فيُساقون إليها جماعاتٍ وأفواجاً سوقًا شديداً، ويرِدونها وهم عِطاشٌ من حُرق الموقف وطوله وأهواله، ويُرمون فيها على ركبهم، عليهم الأغلالُ والقيود، ويسحبون على وجوهم فيلقون في النار إلقاء.

 

قال -تعالى-: (وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا) [الزمر:71]. وقال: (يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا * وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا) [مريم:85-86]، أي: عطاشا. وقال: (فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا) [مريم:68]. وقال: (خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ) [الحاقة:30-32]، وقال: (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا) [الفرقان:34]، وقال: (فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ) [الشعراء:94]، وقال: (أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) [ق:24].

 

أيها المسلمون: وحينما يُلقى أهل النار في النار تستقبلهم جهنم بشهيقها وزفيرها وشدة فورانها، حتى تكاد تتقطع من شدة غضبها عليهم؛ فقد طال انتظارها لهؤلاء الأشقياء الذين عصوا الله -تعالى-. قال -تعالى-: (إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا) [الفرقان:12]، وقال: (إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ * تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ) [الملك:7-8].

 

فإذا وصلوا إليها مقيّدين ومسّوا حرها دعوا هنالك على أنفسهم بالويل والثبور والخسار، فيجابون بالعتاب وشدة العذاب. قال -تعالى-: (وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا * لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا) [الفرقان:13-14]، وقال: (حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ * لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لا تُنصَرُونَ) [المؤمنون:64-65].

 

عباد الله: إن نار جهنم مستقرُّ عدلِ الله -تعالى- وغضبه على الذين لم يستجيبوا لإنذاره، فصاروا أشقياء. قال -تعالى-: (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى * لَا يَصْلاهَا إِلَّا الأَشْقَى) [الليل:14-15]. ولم يتقوها بطاعة الله وترك عصيانه، وقد قال -تعالى- لهم: (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة:24].

 

ونار جهنم شيء عظيم من الهول والمخاوف، فإذا كان الإنسان يخشى مسّ نار الدنيا وهي لا تساوي شيئًا أمام نار جهنم، فكيف سيقوى على نار جهنم؟! نسأل الله السلامة من غضبه وعقابه! قال -تعالى-: (وَقَالُوا لا تَنفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ) [التوبة:81]. وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ناركم هذه ما يوقد بنو آدم جزء واحد من سبعين جزءاً من نار جهنم“، قالوا: والله إن كانت لكافية! قال: “إنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءاً، كلهن مثل حرها” متفق عليه.

 

فيا من يريد أن يسأل عن أحوال النار وصفاتها فاسمع لكي تنزجر وتتعظ وتتخذ الدرع الواقي من ذلك المصير المخزي.

 

فأما عِظمُ النار، فيقول ربنا الجبار -تبارك وتعالى-: (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى) [الفجر:23]، وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “يؤتى بالنار يوم القيامة لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها” رواه مسلم.

 

وأما سعتها فيقول -تعالى-: (يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) [ق:30]. وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “فأما النار فلا تمتلئ حتى يضع الله قدمه عليها فتقول: قط قط-يعني: حسبي حسبي- فهنالك تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض فلا يظلم الله من خلقه أحدا” متفق عليه.

 

وأما بُعدُ قعرها فإنها ذات بُعدٍ سحيق؛ لأنها دركات بعضها تحت بعض، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إن الصخرة العظيمة لتلقى من شفير جهنم فتهوي فيها سبعين عامًا وما تفضي إلى قرارها” رواه الترمذي.

 

وأما خزانها من الملائكة المكلفين بتعذيب أهلها فيها فهم ملائكة غلاظ شديدو البطش، عظيمو الخِلقة، وهم تسعة عشر. قال -تعالى-: (لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ) [المدثر:29-30]، وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) [التحريم:6].

 

وأما حطبها الذي تُشعل به فهو أهلها الذين تتحول جلودهم وعظامهم وأجسادهم إلى مادة تُذكى بها النار، كلما نضجت جلودهم أُعيدت من جديد. قال -تعالى-: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا) [النساء:56]، ومن حطبها: الحجارة؛ لأن الحجر إذا اشتعل صار أشدَّ إحراقًا وأبطأ انطفاء، قال -تعالى-: (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) [البقرة:24]. ومن حطبها: الأصنام التي كانت تعبد من دون الله، قال -تعالى-: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ) [الأنبياء:98].

 

إن أهل النار في حال عذابهم لا يجدون متنفسًا ولا مهربًا مما هم فيه؛ لأن النار تحيط بهم من كل جانب، وأبواب جهنم عليهم مغلقة. قال -تعالى-: (يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [العنكبوت:55]، وقال: (إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ) [الهمزة:8-9].

 

أيها المسلمون: إن أهل النار -وهم يقاسون حرارة النار- يستغيثون ويطلبون النجاة ويعلنون التوبة، فلا يجيبهم أحد إلا جوابَ عتاب يضاف إلى العذاب. فيستغيثون بالله، قال -تعالى-: (رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ * قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ) [المؤمنون:107-108]. وقال: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) [فاطر:37]. ويستغيثون أيضًا بخزنة جهنم من الملائكة فلا يجابون أيضًا، قال -تعالى-: (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ * قَالُوا أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ) [غافر:49-50].

 

ويستغيثون بأهل الجنة ولو لشربة ماء، فلا يجابون كذلك، قال -تعالى-: (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ) [الأعراف:50].

وعندما ييأسون من إجابة استغاثتهم يطلبون من مالكٍ أميرِ الخزنة أن يدعو الله بأن يكتب عليهم القضاء بالفَناء، فماذا يُردّ عليهم، وبماذا يُقضى عليهم؟ قال -تعالى-: (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ * وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ * وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ) [الزخرف:74-77]، وقال: (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا) [الإسراء:97].

 

فبعد اليأس من الخروج والتخفيف من العذاب يعودون إلى عتاب بعضهم بعضًا: التابع والمتبوع، والضال والمضل، كلٌّ يدعو على الآخر ويلعنه. قال -تعالى-: (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ * وَقَالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ) [الأعراف:38-39]، وقال: (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا * رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا) [الأحزاب:67-68]. وهذا التلاوم كله لا ينفعهم، ولا يدفع عنهم ما هم فيه تابعين ومتبوعين؛ لأنهم في النار جميعاً، قال -تعالى-: (وَلَنْ يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ) [الزخرف:39].

 

إن العذاب الشديد -معشر المسلمين- الذي ينزل بأهل النار لا تتحمله أجسام الدنيا التي كانوا عليها؛ ولذلك فإن الله -تعالى- يخلق أهلها يوم القيامة بأجسام ضخمة غير أجسامهم الصغيرة الضعيفة التي في الدنيا، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: “ضرس الكافر مثل أُحد، وفخذه مثل البيضاء -اسم جبل- ومقعده من النار كما بين قُديد ومكة، وكثافة جسده اثنان وأربعون ذراعًا بذراع الجبار” رواه أحمد.

 

عباد الله: إن العذاب الذي يلاقيه أهل النار ليس بمرتبة واحدة، بل كل عبد يعذَّب فيها على حسب عمله، فمن كان من عصاة المسلمين يعذب بقدر معصيته، ومن كان من الكفار على اختلاف أصنافهم يعذب بقدر ما فعل زيادة على كفره، فكما أن أهل الجنة ليسوا على منزلة واحدة بل على منازل فكذلك أهل النار. قال -تعالى-: (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا) [النساء:145]، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إن أهون أهل النار عذابًا رجل في أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، كما يغلي المرجل بالقمقم” متفق عليه.

 

أيها الأحبة الكرام: إن أهل النار يتعدد عذابهم فلا يقاسون عذابًا واحداً، بل عذابين عمومًا: عذاب معنوي، وعذاب حسي.

 

فأما العذاب المعنوي فهو ما يلاقونه من كلمات التوبيخ والتقريع والتنديم من الله -تعالى-، ومن الملائكة، ومن العتاب والتلاوم فيما بينهم. قال -تعالى-: (قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ) [المؤمنون:108]، وقال: (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ) [الدخان:49]، وقال: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ) [الأحقاف:34]، وقال: (كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ * قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ) [الملك:8-9].

 

وأما العذاب الجسدي فهناك طعام وشراب وكساء وفراش وظلال، ولكن الطعام لا يسمن آكله ولا يغنيه من جوع، والشراب لا يطفئ ظمأه ولا يبرد حرارة باطنه، والكساء لا يستر جسده ولا يقيه ما يكره، والفراش لا يريح بدنه ولا يقيه ما يضره، والظلال لا تمنعه من الحرارة. قال -تعالى- عن طعامهم: (إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأَثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ) [الدخان:43-46]، وقال: (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ * لَا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ) [الغاشية:6-7]، وقال: (وَلا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ) [الحاقة:36].

 

وأما عن شرابهم فقال -تعالى-: (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا) [الكهف:29]، وقال: (لا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلا شَرَابًا * إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا) [النبأ:24-25]، وقال:(مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ) [إبراهيم:16].

 

وأما عن كسائهم فيقول: (فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ * كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ) [الحج:19-22]، وقال: (سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ) [إبراهيم:50].

 

وأما عن فراشهم فيقول: (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ) [الأعراف:41]، ويقول: (لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ) [الزمر:16]. وأما عن ظلالهم فيقول: (وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ * لَا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ) [الواقعة:41-44]. نعوذ بالله من النار! نعوذ بالله من النار! نعوذ بالله من النار!.

 

أيها المسلمون: إن أكرم ما في ظاهر الإنسان وجهُه الذي يكرمه ويحسن إليه بأنواع من الإحسان، هذا الوجه المكرم أمر الله -تعالى- صاحبه أن يعفره ساجداً لله -تعالى- الذي خلقه وكرمه وزيّنه، غيرَ أن هذا الوجه حينما أبى الخضوع والانحناء لمن أبدعه وخلقه فلم يسجد بين يديه مؤمنًا سينال جزاء وفيراً خاصًا من العذاب دون غيره من سائر الأعضاء، فالسواد القاتم، والذلة الغاشية ستعمه عندما يساق إلى جهنم، قال -تعالى-: (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ) [آل عمران:106]. وقال: (وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا) [يونس:27].

 

وهناك شيء آخر وهو أن السوق والسحب إلى السعير سيكون على الوجوه، قال -تعالى-: (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) [القمر:48]، وقال: (الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا) [الفرقان:34].

 

فإذا ما كان صاحبه في النار فإن الإحراق وتلقي النار والكي والتقليب فيها ينال منه الوجه أوفرَ نصيب، قال -تعالى-: (وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ) [إبراهيم:50]، وقال: (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ) [المؤمنون:104]، وقال: (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا) [الأحزاب:66].

 

فنسأل الله أن يقينا عذابه يوم يبعث عباده.

 

قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على النبي الكريم، وعلى آله وصحبه.

 

أما بعد: أيها الناس، وبعد هذا التخويف والإنذار، وذكرِ ما أعد الله لمن عصاه في النار، ألا يدعونا ذلك إلى التوبة والادكار، والكف والانزجار، عن معصية العزيز الجبار؟ إنه لا ينبغي لأحد أن يأمن على نفسه -مهما بلغت طاعته وقربه- أن يكون وقودَ النار غدا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “الجنة أقرب إلى أحدكم من شراك نعله، والنار مثل ذلك” رواه البخاري.

 

فيا أيها المسلم: اعلم أن النار ليست للكفار وحدهم، بل هي أيضًا لعصاة المسلمين إذا وردوا الآخرة غيرَ تائبين ولم تنلهم شفاعة من الشفاعات؛ فأنت اليوم في زمن المهلة، فاجعل بينك وبين النار وقاية بأداء ما أوجب الشرع عليك فعله، وترك ما حرم عليك قربَانه، عملاً بقوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا) [التحريم:6].

 

هذا على سبيل الإجمال، وإن شئت على التفصيل، فاحذر قتل النفس المؤمنة بغير حق شرعي؛ فإن ذلك من أسباب ولوج النار، قال -تعالى-: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا) [النساء:93].

 

واحذر أيضًا أكل المال الحرام كأكل أموال اليتامى، قال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا) [النساء:10].

 

واحذر أن تذهب لعدوِّ مسلمٍ فتشي بأخيك المسلم عنده وشاية ليؤذيه وتصيب أنت جائزة ذلك الخبر، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “من أكل برجل مسلم أكلة، فإن الله يطعمه مثلها من جهنم، ومن اكتسى برجل مسلم ثوبًا، فإن الله يكسوه مثله في جهنم، ومن قام برجل مسلم مقام سمعة، فإن الله يقوم به مقام سمعة يوم القيامة” رواه أحمد وأبو داود والحاكم.

 

واحذر -كذلك- أن تسلط لسانك في أعراض المسلمين غيبة ونميمة وكذبًا وسخرية، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “وهل يكب الناسَ في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائدُ ألسنتهم!” رواه الترمذي والنسائي وأحمد.

 

فاللهم أجرنا من نار جهنم يا حي يا قيوم.

 

هذا وصلوا وسلموا على صاحب المقام المحمود…

 

 

الملفات المرفقة
دار الشقاء.. أهوال وأحوال -2
عدد التحميل 35
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات