طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

14666

من صفات الطيبين

المكان : المملكة العربية السعودية / مكة المكرمة / المسجد الحرام / المسجد الحرام /
التصنيف الرئيسي : الدعوة والتربية
تاريخ الخطبة : 1439/04/04
تاريخ النشر : 1439/04/04
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/الإنسان الطيب هو الطاهر المطهَّر 2/المؤمن طيب في كل شيء 3/الطيبون من الرجال والطيبات من النساء يحرصون على أشباههم 4/يحرص المؤمن على أن يكون كسبه وصدقته من كسب طيب 5/من علامات طيبة المؤمن التزاور والتواصل مع إخوانه المسلمين
اقتباس

إن الإنسان الطيب هو الطاهر المطهَّر الذي يحرص على أن يتجرد من كل نقص ودنَس يتطرق إليه، ويُخِلّ بإيمانه، وينأى بنفسه عن التلبس بالجهل والفسق، وقبائح الأعمال، وفي المقابل يتحلى ويتجمَّل بالعلم والإيمان ومحاسن الأعمال.

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الحمد في الآخرة والأولى، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، المبعوث بالرحمة والهدى، صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وعلى أصحابه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فاتقوا الله عباد الله وتمسكوا بدينكم حتى تلقوه، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)[آلِ عِمْرَانَ: 102].

 

إخوة الإسلام: من أوصاف المؤمن التي تبيِّن حقيقةَ حاله وتكشف عن نُبْل أصله وكريم خصاله وصفه بأنه طيب، وكل امرئ يحب أن يوصف بذلك، ويكره ويبغض أن يوصف بأنه خبيث، بل وينفر من أن يكون من أهل هذا الطبع، فإذا كان الأمر كذلك، فما هي صفات الطيبين؟ وبأي شيء يمتازون؟ وكيف يعيشون؟

 

إليكم –عباد الله– جملة من النصوص الشرعية التي تجيبنا عن هذه التساؤلات:

 

ففي مسند الإمام أحمد عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إِنَّ مَثَلَ الْمُؤْمِنِ لَكَمَثَلِ النَّحْلَةِ أَكَلَتْ طَيِّبًا، وَوضَعَتْ طَيِّبًا، وَوقَعَتْ عَلَى فَلَمْ تَكْسِرْ، وَلَمْ تُفْسِدْ” فشبَّه -عليه الصلاة والسلام- المؤمن الذي تكاملت فيه خصال الخير باطنا وأخلاق الإسلام ظاهرا بالنحلة التي تأكل بأمر مسخِّرها -سبحانه-، (ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ) [النَّحْلِ: 69]، وإن وضعت وضعت طيبا، فلا يخرج منها إلا الطيب، (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ)[النَّحْلِ: 69]، وهكذا المؤمن طيب الأفعال كريم الأخلاق صالح الأعمال.

 

معاشر المسلمين: إن الإنسان الطيب هو الطاهر المطهَّر الذي يحرص على أن يتجرد من كل نقص ودنَس يتطرق إليه، ويخل بإيمانه، وينأى بنفسه عن التلبس بالجهل والفسق، وقبائح الأعمال، وفي المقابل يتحلى ويتجمَّل بالعلم والإيمان ومحاسن الأعمال، ويسعى في إصلاح نفسه وتقويمها وتكميلها، فطاب قلبه بمعرفة الله ومحبته، ولسانه بذكره والثناء عليه، وجوارحه بطاعته والإقبال عليه، روى الإمام أحمد وغيره عن علي -رضي الله عنه- قال: “جَاءَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: ائْذَنُوا لَهُ، مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ المُطَيَّبِ“، أي الطاهر المطهر.

 

أيها المسلمون: المؤمن طيب في كل شيء، في أعماله وتصرفاته، في تجواله وتنقلاته، في حياته وبعد مماته، فإن سألتم عن نفس المؤمن فهي نفس طيبة، فعن معاذ بن عبد الله بن خبيب عن أبيه عن عمه قال: كُنَّا فِي مَجْلِسٍ، فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى رَأْسِهِ أَثَرُ مَاءٍ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُنَا: نَرَاكَ الْيَوْمَ طَيِّبَ النَّفْسِ، فَقَالَ: أَجَلْ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ” ثُمَّ أَفَاضَ الْقَوْمُ فِي ذِكْرِ الْغِنَى، فَقَالَ: “لَا بَأْسَ بِالْغِنَى لِمَنِ اتَّقَى، وَالصِّحَّةُ لِمَنِ اتَّقَى خَيْرٌ مِنَ الْغِنَى، وَطِيبُ النَّفْسِ مِنَ النَّعِيمِ“. (رواه ابن ماجه).

 

فمن النعيم -يا عباد الله- أن يكون العبد طيب النفس، وقد روى البخاري في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال : “يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ مَكَانَ كُلِّ عُقْدَةٍ: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَأَرْقُدَ، فَإِنِ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ“.

 

قال ابن حجر -رحمه الله-: “والذي يظهر أن في صلاة الليل سِرًّا في طيب النفس“، وقال ابن عبد البر -رحمه الله-: “هذا الذم يختص بمن لم يقم إلى صلاته وضيعها، أما من كانت عادته القيام إلى الصلاة المكتوبة أو إلى النافلة بالليل فغلبته عينه فنام فقد ثبَت أن الله يكتب له أجر صلاته ونومه عليه صدقة“.

 

أيها الإخوة: للمؤمن كلمة طيبة يعتز بها، لا تفارق لسانه مدةَ بقائه وعند مماته، وقد جاء ذكرها في قوله -تعالى-: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) [إِبْرَاهِيمَ: 24-25]، هذه الكلمة الطيبة هي شهادة ألا إله إلا الله، فطب نفسا وقر عينا أيها المسلم بهذه الكلمة الطيبة كلمة التوحيد، واستحضرها دوما، وتذكر أن من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة، فسل ربك الثبات حتى الممات.

 

وقال الله -تعالى-: (وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ)[الْحَجِّ: 24]، فهدى الله المؤمن إلى الطيب من القول، الذي أفضله وأطيبه كلمة الإخلاص، ثم سائر الأقوال الطيبة التي فيها ذكر الله، أو إحسان إلى عباد الله، وقال -جل ثناؤه-: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ)[فَاطِرٍ: 10]، الكلم الطيب من قراءة وتسبيح وتحميد وتهليل، وكل كلام حسن طيب، فيُرفع إلى الله ويُعرض عليه، ويثني على صاحبه بين الملأ الأعلى، ومما يحرص عليه المؤمن: إفشاء السلام؛ فإنها تحية من عند الله مباركة، وموصوفة بأنها طيبة، لأنها من الكلام الطيب المحبوب عند الله الذي فيه طيب نفس للمحيا، ومحبة وجلب مودة.

 

عباد الله: والطيبون من الرجال والطيبات من النساء يحرصون على أشباههم وما يوافق أفعالهم: قال -تعالى-: (وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ)[النُّورِ: 26]، فكل طيب من الرجال والنساء والكلمات والأفعال مناسب للطيب وموافِق له، ومقترن به ومُشَاكِل له، والطيبات من الكلام أفضله وأحسنه فاعملوا بوصية نبيكم -صلى الله عليه وسلم- إذ يقول: أَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَأَطِيبُوا الْكَلَامَ” (رواه الطبراني) عن علي -رضي الله عنه-.

 

وتذكروا بشارة الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- إذ يقول: إِنَّ فِي الْجَنَّةِ لَغُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا” فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ؟ قَالَ: لِمَنْ طَيَّبَ الْكَلَامَ وَأَدَامَ الصِّيَامَ وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ” (رواه الترمذي) من حديث علي -رضي الله عنه-.

 

ويحرص المؤمن أن يكون كسبه طيبا، (روى مسلم في صحيحه) عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) [الْمُؤْمِنُونَ: 51] وَقَالَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) [الْبَقَرَةِ: 172]. ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لَهُ” قال القرطبي -رحمه الله- -تعالى-: “سَوَّى اللهُ -تعالى- بين النبيين والمؤمنين في الخطاب بوجوب أكل الحلال وتجنُّب الحرام، ثم شمل الكلَّ في الوعيد الذي تضمنه قوله -تعالى-: (إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)[الْمُؤْمِنَونَ: 51]، صلى الله على رسله وأنبيائه، وإذا كان هذا معهم فما ظَنّ كل الناس بأنفسهم.

 

ويحرص المؤمن كذلك أن تكون صدقته من كسب طيب عملًا بقوله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)[الْبَقَرَةِ: 267]، أمَر الله أن يقصد العباد الطيب عند الإنفاق ولا يقصدوا الخبيث، وما أعظم أجرَ من تصدق من كسب طيب ولو كان شيئا يسيرا؛ فعن أبي هريرة  -رضي الله عنه-، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال:مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ، وَلَا يَقْبَلُ اللهُ إِلَّا الطَّيِّبَ إِلَّا أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ، وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً، فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ(رواه مسلم).

 

أيها الإخوة: ومن علامات طيبة المؤمن التزاور والتواصل مع إخوانه المسلمين وهو في سبيل تحقيق ذلك يمشي إلى الخير، ويسعى إلى الطيب، جاء في الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “مَنْ عَادَ مَرِيضًا أَوْ زَارَ أَخًا لَهُ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْهِ مُنَادِيًا مِنَ السَّمَاءِ أَنْ طِبْتَ وَطَابَ مَمْشَاكَ، قَدْ تَبَوَّأْتَ مِنَ الْجَنَّةِ مَنْزِلًا” قال الطيبي -رحمه الله-: “دعاء له بطيب العيش في الأخرى، كما أن “طبت” دعاء له بطيب العيش في الدنيا“.

 

أيها الإخوة: وتطييب قلوب عباد الله من علامات طِيب القلوب كما جاء في وصف النبي -صلى الله عليه وسلم- الذين يؤدون إلى الناس حقوقَهم وافيةً زائدةً: “إِنَّ خِيَارَ عِبَادِ اللَّهِ عِنْدَ اللَّهِ الْمُوفُونَ الْمُطَيَّبُونَ“(رواه الطبراني) من حديث أبي حميد الساعدي.

 

وأقصر طريق إلى القلوب الكلمة الطيبة: قال -صلى الله عليه وسلم-: “اتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ(رواه البخاري) من حديث عدي بن حاتم -رضي الله عنه.

 

والمؤمن أيضا -عباد الله- يطلب الطيب في مظهره فيلبس البياض، لقوله -صلى الله عليه وسلم-: “الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ الْبَيَاضَ فَإِنَّهَا أَطْهَرُ وَأَطْيَبُ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ“(رواه النسائي) من حديث سمرة بن جندب -رضي الله عنه-، قوله: “وأطيب” لغلبة دلالتها على التواضع والتخشع، وعدم الكِبْر والعُجْب، ولهذه الأَطْيَبِيَّة ندب إيثارها في المحافل؛ كشهود جمعة وحضور مسجد؛ ولذلك فضلت في التكفين كما قال -صلى الله عليه وسلم-: “وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ“.

 

ومن اهتمام المؤمن بطهارة جسده اهتمامه بنظافة فمه، يطهره ويطيبه بالسواك كما في الحديث: “السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبّ(رواه النسائي) من حديث عائشة -رضي الله عنها-، فهو يطيب فمه إذ هو محل الذكر والمناجاة وكذلك يتطيب في جسده اقتداء بنبيه -صلى الله عليه وسلم-، فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: كان لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- سُكَّة يتطيب منها، ومعنى السُّكَّة: طِيب مجموع من أخلاط، ويحتمل أن يكون وعاء يجعل فيه الطيب، وهكذا -أيها الإخوة في الله- فإن الطيبين حياتهم طهارة وزكاة ونقاء، فأسأل الله أن يجعلنا جميعا من أهل النفوس الطيبة وممن أحياهم حياة طيبة.

 

أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، جعل الحياة الطيبة لمن اتبعه وعمل برضاه، والصلاة والسلام على عبده ومصطفاه، إمام المتقين الطيبين وأشرف الخلق أجمعين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد: فيعيش المؤمن في هذه الحياة حياة سعيدة مستقرة وذلك لطمأنينة قلبه وسكون نفسه وانشراح صدره إنه يعيش حياة طيبة وهذا ما وعده الله عباده المؤمنين في كتابه المبين: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً)[النَّحْلِ: 97]، وبعد أن يعيش في هذه الدنيا حياة طيبة، يتوفى طيبا ويموت طاهرا، قال -تعالى-: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)[النَّحْلِ: 32]، طيبين طاهرين من الشرك صالحين زاكية أفعالهم وأقوالهم، وتكون وفاتهم طيبة سهلة لا صعوبة فيها ولا عسر ولا ألم، معافين من الكرب وعذاب الموت، تقول لهم الملائكة: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ) طمأنة لقلوبهم وترحيبا بقدومهم، (ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) تعجيلا لهم بالبشرى هذه هي النفوس المؤمنة الطيبة، تبشر عند موتها وتخرج طيبة وينادى عليها.

 

وقد روى ابن ماجه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: إِنَّ الْمَيِّتَ تَحْضُرُهُ الْمَلَائِكَةُ، فَإِذَا كَانَ الرَّجُلَ الصَّالِحَ، قَالَ: اخْرُجِي أَيَّتُهَا النَّفْسُ الطَّيِّبَةُ، كَانَتْ فِي جَسَدٍ طَيِّبٍ، اخْرُجِي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَيَقُولُونَ ذَلِكَ حَتَّى تَخْرُجَ، ثُمَّ يُعْرَجُ بِهَا إِلَى السَّمَاءِ، فَيُسْتَفْتَحُ لَهَا، فَيُقَالُ: مَنْ هَذَا؟، فَيُقَالُ: فُلَانٌ، فَيُقَالُ: مَرْحَبًا بِالنَّفْسِ الطَّيِّبَةِ، كَانَتْ فِي الْجَسَدِ الطِّيبِ، ادْخُلِي حَمِيدَةً، وَأَبْشِرِي بِرَوحٍ وَرَيْحَانٍ وَرَبٍّ غَيْرِ غَضْبَانَ، فَيُقَالُ لَهَا ذَلِكَ حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ“. فيا لها من خاتمة حسنة، وثمرة طيبة نسأل الله من فضله.

 

ثم يوم القيامة وعلى أبواب الجنة يقال لهم: (سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ)[الزُّمَرِ: 73]، ويجدون من النعيم الدائم الذي لا ينقطع، قال -تعالى-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ)[الرَّعْدِ: 29]، طوبى: قيل: هي اسم شجرة في الجنة، وقيل: بل إشارة إلى كل مستطاب في الجنة؛ من بقاء بلا فناء، وعِزّ بلا زوال، وغنى بلا فقر، الله أكبر فازوا وربِّ الكعبة، ولهم ما لهم من النعيم، عند الرب الكريم قال -تعالى-: (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)[التَّوْبَةِ: 72]، وتأملوا في قوله: (وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً) قد طاب مرآها وطاب منزلها ومقيلها وجمعت من آلات المساكن العالية ما لا يتمنى فوقه المتمنون.

 

أيها الإخوة: إن على رأس أولئك الطيبين الأطهار المطهرين الأخيار إمامُهم وقدوتهم وسيدهم وأشرف الخلق أجمعين وخاتم الأنبياء والمرسلين بأبي هو وأمي -صلى الله عليه وسلم-، فلما مات جاء أبو بكر -رضي الله عنه- فكشف عنه الغطاء فقبله قائلا: “بأبي أنت وأمي طِبْتَ حيًّا وميتًا، والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدا“.(رواه البخاري) من حديث عائشة -رضي الله عنها- وعن علي -رضي الله عنه- قال: لما غسل النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ذهب يلتمس منه ما يلتمس من الميت فلم يجده، فقال: “طبت حيا وطبت ميتا“، رواه ابن ماجه. إنه أبو القاسم وأبو عبد الله، الطاهر الطيب الذي عاش طَيِّبَ النفس، طيبَ اللسانِ، طيبَ الأفعال، طيبَ الخصالِ، وفاضت روحُه الشريفةُ الطاهرةُ بعد أن عاش حياة طيبة لا يذوقها إلا أولياء الله المؤمنون فَاقْتَدُوا به، واعملوا بسنَّته، وتمسَّكُوا بشرعه، وعيشوا طاهرين مطهرين لعلكم تفلحون، وامتثلوا أمرَ الله بالصلاة والسلام على نبيكم في يومكم هذا خاصة، وفي سائر أيامكم (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الْأَحْزَابِ: 56].

 

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين وأذل الكفر والكافرين، اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك -صلى الله عليه وسلم- وعباد الصالحين.

 

اللهم انصر إخواننا المسلمين في كل مكان اللهم كن لهم معينا ونصيرا ومؤيدا وظهيرا، اللهم آمنا في الأوطان والدور وأصلح الأئمة وولاة الأمور واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك وعمل برضاك يا رب العالمين.

 

اللهم وفق ولي أمرنا لما تحب وترضى وخذ بناصيته للبر والتقوى.

 

اللهم انصر إخواننا المستضعفين والجاهدين في سبيلك والمرابطين في الثغور وحماة الحدود واربط على قلوبهم وثبت أقدامهم واخذل عدوهم واهزمهم شر هزيمة.

 

اللهم احفظ المسجد الأقصى وحرره من ظلم الظالمين، اللهم من أراد الإسلام والمسلمين ودينهم ومقدساتهم بسوء وكيد فاجعل كيده في نحره وأنزل عليه بأسك يا قوي يا عزيز، اللهم أنج إخواننا المستضعفين في كل مكان، في فلسطين وفي سوريا وفي العراق وفي اليمن، وفي بورما وفي كل مكان اللهم أصلح أحوالهم ودمر عدوهم يا قوي يا عزيز اللهم إنا نسألك الطيبات وترك المنكرات.

 

اللهم إنا نسألك عيشة هنية طيبة مرضية، اللهم إنا نعوذ بك من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الملفات المرفقة
من صفات الطيبين
عدد التحميل 97
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات