طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

14529

رسالة إلى مهموم

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / حي العزيزية / جامع البواردي /
التصنيف الرئيسي : أحوال القلوب الحياة الدنيا
تاريخ الخطبة : 1439/02/14
تاريخ النشر : 1439/03/01
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ كثرة هموم الدنيا ومصائبها 2/ أنواع الهموم ودرجات أهلها 3/ هموم وغموم محمودة 4/ أعظم علاج للهموم 5/ من وسائل تخفيف الهموم والأحزان 6/ أهمية معرفة حقيقة الدنيا.
اقتباس

ومن علاج الهموم: معرفةِ حقيقةِ الدنيا، وأنَّ متاعَها قليلٌ، وأنَّ اللذَّةَ فيها مُكَدَّرةٌ ولا تصفو لأحدٍ، إنْ أضحَكت قليلاً أبكَت طويلاً، وإن أعطَت يسيراً منعَت كثيراً، والمؤمن فيها محبوسٌ.. وهيَ نَصبٌ وأذى وعناءٌ، فلا يستريحُ المؤمنُ منها إلّا إذا فارقَ الدنيا.. فعندما مرَّت جنازةٌ قال -صلى الله عليه وسلم-: “مُستَريحٌ ومُستَراحٌ منه”. قالوا: يا رسولَ الله ما المستريحُ والمستراحُ منه؟ قال: “العبدُ المؤمنُ يستريحُ من نَصَبِ الدنيا وأذاها إلى رحمةِ الله تعالى، والعبدُ الفاجرُ يستريحُ منه العبادُ، والبلادُ والشجرُ، والدَّوابُّ”..

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ لله ربِّ العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلّا اللهُ وحدَه لشريك له، هو ربُّ الأوَّلين والآخرين، وهو قيوم السماوات والأرضين.

 

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوثُ رحمةً للعالمين صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آله وصحبه، ومن سار على نهجه، واقتفى أثره، واستنَّ بسنته إلى يوم الدين.

 

أما بعد: أيها المؤمنون: خلق الله -تعالى- الحياة الدنيا، وجعلها دار الَّلأواء، والشدَّة والهمومِ والغمومِ، وجعل الجنة داراً سالمةً من الهمومِ والغموم، قال -تعالى-: (لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ) [الحجر: 48].

 

وأهلُها لا تتكدّرُ نُفوسهم قال -تعالى-: (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا) [الواقعة: 25- 26].

 

وهذه الدنيا لا تسلم من الهم والمشكلات التي يواجهها الإنسان في وظيفته أو مع زوجته، وأولاده وجيرانه. كما قال -تعالى-: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ) [البلد: 4]، فهو حزين على ما مضى من حياته، مغموم على ما يستقبل من أيامه.

 

والقلوب تتفاوت في مقدار الهم والحزن الذي ينزل بها، والهموم التي تصيب الناس تتفاوت قوةً وضعفاً، وشَرَفًا وقُبحًا.

 

فمنها: هموم سامية كهمّ العالم الذي استصعبت عليه مسألة فاهتم حتى بحثها وحلها.

وهمُّ الأمير المخلص مع رعيته كما قال عمر -رضي الله عنه-: “والله لو عثَرت بغلةٌ في العراق لخشيتُ أن يسألني الله عنها لِمَ لمْ تسوِّ لها الطريق يا عمر“.

فعمر مع عدله وحكمته إلا أنه كان مهمومًا لما يصلح رعيته.

 

وأبو بكر -رضي الله عنه- كان يقول وهو مهموم: “إني أعالج أمراً لا يعين عليه إلا الله قد فَنيَ عليه الكبير، وكبُر عليه الصغير، وفصح عليه الأعجمي، وهاجر عليه الأعرابي حتى حسبوه دِينًا لا يرون غيره “.

 

وعبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- لما أوكَل إليه عمر اختيار الخليفة للمسلمين من بعد وفاة عمر قال عبدالرحمن بن عوف: “فوالله لقد لبثت ثلاثة أيام ما اكتحلت بنوم من شدة الهمّ، وشاورت كل المسلمين حتى جعلت أدخل على العجائز في بيوتهن فأشاورهن من يصلح خليفة على المسلمين“.

 

ومن الهموم ما ينشأ عن المعاصي؛ فيعاقب الله -تعالى- بعض الناس بذنوبهم بالهمّ والغمّ.

واللهِ لو شاهَدتَ هاتيكَ الصُّدورَ *** رأيتَها كمراجِلِ النيرانِ

ووُقودُها الشهواتُ والحسَراتُ *** والآلامُ لا تَخْبو مدى الأزمانِ

كَدْحاً وكَدَّاً لا يُفَتَّرُ عنهمُ *** ما فيهِ من غمٍّ ومن أحزانِ

 

نعم.. (إنَّ الأبرارَ لَفي نعيمٍ * وإنَّ الفُجَّارَ لَفي جَحِيمٍ) [الانفطار: 13- 14]، وقال سبحانه: (فمَنْ يُرِدِ اللهُ أنْ يَهْديَهُ يَشْرَحْ صدرَهُ للإسلامِ ومَن يُردْ أن يُضِلَّهُ يجعلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) [الأنعام: 125].

 

ومن الغموم المحمودةِ ما يقعُ بقلبِ الداعيةِ لهدايةِ الناسِ فيَحْزنُ على تاركِ الصلاةِ، ويحزنُ على العاصي، ويحزنُ إذا لم تُقبَل نصيحتُه، وهذا همّ وغمّ مأجور عليه؛ كما روى البخاري أن عائشةَ -رضيَ اللهُ تعالى عنها- سألت النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت له: “يا رسولَ الله هل أتى عليكَ يومٌ هو أشدُّ عليكَ من يومِ أُحُد“؟

يومُ أحُد الذي شُجَّ فيه رأسُه وجُرحَ وجهُه وكُسِرت رُباعيَّتُه من أسنانهِ.

يومُ أحُد الذي قُتل فيه سبعونَ من خِيار الصحابةِ.

 

فعائشةُ -رضي الله عنها- تسألُ النبي -صلى الله عليه وسلم- كأنها تقول يا رسولَ الله: ذاك اليومُ الشديدُ العنيفُ، يومُ أحُد هل مرَّ بك يومٌ كان أشدَّ عليك منه؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: “يا عائشةُ لقد لقيتُ من قَومِك ما لقيتُ وكانَ أشدَّ ما لقيتُ منهم يومَ العَقَبةِ إذْ عرضتُ نفسي على ابنِ عبدِ يا ليل“.

 

يعني لما ذهبَ -صلى الله عليه وسلم- إلى الطائفِ يطلبُ النُّصرَةَ منهم، فلم يجيبوه وردُّوا عليه ردّاً قبيحاً فأحَدُهم قال: إنهُ يَسْلَحُ على الكعبةِ إنْ كانَ اللهُ أرْسَلكَ.

 

والثاني قال: ما وَجَدَ اللهُ أحَداً غيرَك ليُرسِله؟ وأغْرَوا صِبْيانَهم فرَمَوهُ -صلى الله عليه وسلم- بالحصى.

 

قال -صلى الله عليه وسلم-: “فانطلقتُ وأنا مهمومٌ على وجهي فلم أستفِق إلّا وأنا بقرنِ الثعالب“.

 

خرجَ من الطائفِ يمشي على قدميهِ بينَ الجبالِ والوِديانِ وقد قاربَ عُمرُهُ الخمسينَ فمن شِدَّةِ الهمّ والغمّ لم ينتبِه لهذا الطريقِ وطولهِ.

 

ومن الكربِ أيضاً ما وقعَ للنبيِّ -صلى الله عليه وسلم- لما كذَّبَهُ قومُه بعد رحلةِ الإسراءِ والمعراجِ، وذلك أنه -صلى الله عليه وسلم- أصبحَ ليلةً وحدَّثَ الناس بأنهُ زارَ البارحةَ بيتَ المقدِس، فقالت قريشٌ: كيفَ تزورُ بيت المقدسِ في ليلةٍ واحدةٍ ونحن نسيرُ إليهِ شهراً.

 

قال -صلى الله عليه وسلم-: فجلستُ في الحِجْر يعني في الحِجْر وجعلت قريشٌ تسألُني عن مَسْراي، وجَعلوا يسألونني عن أشياءَ في بيتِ المقدس لم أُثبِتها، يعني جعلوا يسألونه مثلاً عن عددِ أبوابهِ؟ لَونِ جُدرانهِ؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: “لم أُثبِتها: فكربتُ كُربةً ما كُربت مثلها قَطُّ“.

 

قال -صلى الله عليه وسلم-: “إذ رفعَ اللهُ -تعالى- لي بيتَ المقدسِ فنظرتُ إليهِ فجعلتُ ما يسألونَني عن شيءٍ إلَّا نظرتُ ثم أجبتُهم إليه” (رواه مسلم).

 

أيها المسلمون: ومن الهمّ ما يقع في قلب الصادق إذا كُذِّب، ومن ذلك ما وقع لزيدِ بن الأرقَم -رضي الله عنه- وكان غلاماً خرج مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزوةٍ من الغَزَوات فجلس مجلساً فسمعَ عبدَ الله بن أُبَيِّ المنافق يقول: “لَئِنْ رَجَعنا إلى المدينةِ لَيُخْرِجَنَّ الأعَزُّ منها الأذَلَّ“، يعني بالأعزِّ نفسَه ويعني بالأذلِّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

قال زيدٌ: فأخبرت عمي بذلك، فذهب بي إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: يا رسول الله اسمع من ابنِ أخيكَ. قال -صلى الله عليه وسلم-: ما سمعتَ؟ قلتُ: يا رسول الله سمعت عبد الله بن أبي يقول: “ليخرجن الأعز منها الأذلويقول: “سمِّنْ كَلبَك يأكُلْك، جَوِّع كلبك يَتْبَعْك” إلى غير ذلك.

 

فدعا النبي -صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن أبي فسأله، فجعل يُقسِم الأيمانَ المُغلَّظةَ أنه ما قال ذلك.

 

قال فالتفتَ إليّ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- وسكت، وجعل عمي يقول: “تكذب على الرجل، والله ما حصّلت من كلامك إلا أن مقتكَ رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-“.

 

قال زيد: فأصابني همٌّ عظيم لم يقع على أحدٍ من قبلي فكنت على ناقتي ورأسي قد خفضتُه وأنا حزينٌ همّاً وغماً، فمرّ بي النبي -صلى الله عليه وسلم- ففركَ أذني فنظرتُ إليهِ فضحِك ثم مضى ولم أدرِ ما يريد.

 

قال: فمرَّ بي أبو بكر فنظرَ إليَّ وقال: “ما قال لك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “؟

قلت: والله لم يقُل لي شيئاً لكني فرحتُ. قال فمرَّ بي عمرُ وقال: أبشِر.

 

فلما اجتمع النبي -صلى الله عليه وسلم- مع أصحابه قرأَ عليهم سورةَ المنافقون: (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ) [المنافقون: 1]، وفي هذه السورةِ فضحَ اللهُ -تعالى- ذلك المنافق بقوله تعالى: (يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ) [المنافقون: 8].

 

ومن الهموم ما يحصل بسبب التُّهَمِ الباطِلَة، أنْ تُتَّهمَ بتعاطي رُشوةً أو سرقةً أو تتَّهم في عِرضِك أو سُمعتك، وذلك كما وقع لأمّ المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- لما اتُهمت بالإفك حتى برَّأها الله -تعالى-.

 

أيها الأحبَّةُ الكرام: من الهمومِ التي يؤجر المرء عليها الهمّ والحزن لفوات الطاعات كما قال الله -سبحانه وتعالى- عن فريق من المؤمنين جاءوا إلى النبي -عليه الصلاة والسلام- يريدون الخروج معه للجهاد في غزوة تبوك فلم يجد دوابّاً يحملهم عليها، فردَّهم فرجعوا باكين مهمومين، قال الله -تعالى- فيهم: (وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ) [التوبة: 92].

 

أقولُ ما تسمعونَ، وأستغفرُ اللهَ الجليلَ العظيمَ لي ولكُم من كُل ذنبٍ فاستغفرهُ وتوبوا إليهِ إنَّه هوَ الغفورُ الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له تعظيماً لِشأنه، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه الداعي إلى رضوانه صلى الله وسلم وبارك عليه، وعلى آلهِ وإخوانه وخِلَّانه، ومن سارَ على نهجهِ واقتفى أثرَه واستنَّ بسنتهِ إلى يوم الدين.

 

أمَّا بعدُ: أيها الإخوة الكرام: إنَّ العقيدةَ الصحيحةَ هي أعظمُ علاجٍ للهُمومِ والغُمومِ، ومن فسدَت عقيدتُه زادَ همّه وغمّه، لذلك ترى الكفارَ يكُثر بينهم الانتحارُ والأمراضُ النفسيةُ وشربُ الخمورِ وتعاطي المخدراتِ طلباً لإزالةِ الهموم، فلا يحتسبون عندَ مصيبةٍ أجراً. ولا تكفر من ذنوبهم وزراً.. فصاروا يتعاملون مع الهموم بمخدرات وانتحار.

 

أيها المسلمون: ينبغي أن يُعلم أنَّ الدنيا لا تصفو لأحدٍ حتى لو كان ملكاً عظيما ترقصُ الدنيا بين يديه إلا أنه ينزل أحياناً بقلبه همٌّ وغمٌّ لا يدفعه عن نفسه بمالٍ ولا طبٍّ ولا مستشارين، ولا يرفعه إلا الله -سبحانه وتعالى-.

 

فإذا ابتلي الإنسان بموتِ حبيبٍ أو ضياعِ مالٍ فصبرَ صارَ كما قال -صلى الله عليه وسلم-: “عجباً لأمرِ المؤمنِ إنَّ أمرَهُ كلَّهُ لهُ خيرٌ إن أصابتهُ سرَّاءُ شكرَ فكان خيراً له، وإن أصابته ضرَّاءُ صبرَ فكانَ خيراً له وليس ذلكَ لأحدٍ إلّا للمؤمن” (رواه مسلم)، أي: لا يمكن أن يوازِنَ بينَ الصبرِ والشكرِ إلّا المؤمن.

 

ومن علاجِ الهموم: أن يسْتَشْعرَ المسلمُ تكفيرَ الذنوبِ ورفعَ الدرجاتِ بهذه الهمومِ؛ كما قال -عليه الصلاة والسلام-: “ما يصيبُ المسلمَ نصَبٌ ولا وَصَبٌ ولا همٌّ ولا حزنٌ ولا أذى ولا غمٌ حتى الشوكةُ يُشاكُها إلّا كفَّر اللهُ بها من خطاياهُ” (رواه البخاري).

وفي روايةٍ لمسلمٍ قال: “ما يُصيبُ المؤمنَ مِن وَصَبٍ ولا نصَبٍ ولا سَقَمٍ“، يعني مرضٍ “ولا حَزنٍ حتى الهمَّ يُهِمَّه إلّا كفَّر اللهُ -تعالى- به من سيِّئاتهِ“.

 

يقول الإمامُ أحمدُ -رحمه الله تعالى-: “لولا المصائِبُ تنزلُ بنا لقَدِمنا يومَ القيامةِ مَفَاليسَ“.

 

ومن علاج الهموم: معرفةِ حقيقةِ الدنيا، وأنَّ متاعَها قليلٌ، وأنَّ اللذَّةَ فيها مُكَدَّرةٌ ولا تصفو لأحدٍ، إنْ أضحَكت قليلاً أبكَت طويلاً، وإن أعطَت يسيراً منعَت كثيراً، والمؤمن فيها محبوسٌ كما قال -صلى الله عليه وسلم-: “الدنيا سِجنُ المؤمنِ وجَنةُ الكافِر” (رواه مسلم).

 

وهيَ نَصبٌ وأذى وعناءٌ، فلا يستريحُ المؤمنُ منها إلّا إذا فارقَ الدنيا؛ كما في حديثِ أبي قتادةَ بنِ رِبْعِي -رضي الله عنه- أنَّه كانَ معَ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- يوماً فمرَّت جنازةٌ فقال -صلى الله عليه وسلم-: “مُستَريحٌ ومُستَراحٌ منه“. قالوا: يا رسولَ الله ما المستريحُ والمستراحُ منه؟ قال: “العبدُ المؤمنُ يستريحُ من نَصَبِ الدنيا وأذاها إلى رحمةِ الله تعالى، والعبدُ الفاجرُ يستريحُ منه العبادُ، والبلادُ والشجرُ، والدَّوابُّ” (رواه البخاري).

 

ومن علاج الهموم: أن تقتديَ بالأنبياءِ في صبرهم على البلاءِ، قال -صلى الله عليه وسلم-: “أشَدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ، ثُم الصالحونَ، ثم الأمثَلُ فالأمثلُ من الناسِ، يُبتَلى الرجُلُ على حسبِ دينهِ، فإن كان في دينه صلابةٌ زيدَ في بلائهِ وإن كان في دينه رِقَّةٌ خُفِّفَ عنهُ، وما يزالُ البلاءُ بالعبدِ حتى يمشي على ظهرِ الأرضِ ليس عليه خطيئةٌ” (رواه الترمذي وهو حديثٌ حسن).

فإذا علِمتَ أنَّ البلاءَ أصابَ قبلكَ الأنبياءَ والصالحينَ هانَ عليك ما تجدُ.

 

ومن علاج الهموم: الدعاءُ والاستعاذةُ باللهِ من الهمِّ، والغمِّ؛ روى البخاري عن أنسٍ -رضي الله عنه- قال: “كنتُ أخدِمُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: فكنتُ أسمعُه كثيراً يقول: “اللهمَّ إني أعوذُ بكَ من الهمِّ والحزَنِ والعجْزِ والكَسلِ والبُخلِ والجُبنِ وضَلَع الدَّين وغَلَبةِ الرجال“.

 

وكان -صلى الله عليه وسلم- يدعو يقول: “اللهم أصلِحْ لي ديني الذي هو عِصْمَةُ أمري، وأصلح لي دنيايَ الَّتي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياةَ زيادةً لي في كلِّ خيرٍ، واجعل الموتَ راحةً لي من كل شر” (رواه مسلم).

 

وقال -صلى الله عليه وسلم-: “ما من عبدٍ يُصيبُه همٌّ أو غمٌّ فيقول اللهم إني عبدُكَ وابنُ عبدِكَ وابنُ أمتِكَ؛ ناصِيَتي بيدِك، ماضٍ فيَّ حُكمُك، عَدْلٌ فيَّ قضاؤك، أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك سمَّيتَ به نفسَك أو علَّمته أحداً من خلقك أو أنزلتَه في كتابك، أو استأثَرت به في علم الغيبِ عندك، أن تجعلَ القُرآنَ ربيعَ قلبي، ونورَ صدري، وجلاءَ حُزني، وذهابَ همِّي” ، قال -صلى الله عليه وسلم-: “ما دعا بهِ أحدٌ إلّا أذهَبَ اللهُ همَّه وحُزنه وأبدَلَه مكانَه فرحاً” قيلَ: يا رسولَ الله ألا نتعلمُها؟ فقال -صلى الله عليه وسلم-: “بلى ينبغي لمن سمعَها أن يتعلمَها” (رواه أحمد في مسنده).

 

وكان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا نزلَ به الهمُّ قال: “يا حيُّ يا قيّومُ برحمتكَ أستغيثُ، اللهُ اللهُ ربّي لا أشركُ بهِ شيئاً” (رواه أبو داود والترمذي).

 

وكان -صلى الله عليه وسلم-: “إذا حَزَبَه أمرٌ فَزِعَ إلى الصلاةِ” (رواه أبوداود).

 

ومن علاج الهموم: أن يملأَ الإنسانُ وقْتَه؛ لأنّ الفراغَ يورثُ كثرةَ التفكيرِ وتذكُّرِ همومِ الحياةِ.

 

وأخيراً أيها المسلمون، فإنَّ المسلمَ أخو المسلمِ يُشاركُه همومَه ويقاسمُه حُزنه وألَمه “والمؤمنُ للمؤمنِ كالبُنيانِ يشدُّ بعضُه بعضاً” (رواه البخاري ومسلم).

 

ولا بدّ من شكوى إلى ذي مَوَدَّةٍ *** يناجيكَ أو يسَلِّيك أو يتوَجّعُ

 

أسألُ اللهَ -تعالى- أن يعيذَنا من الهمومِ وأن يشرحَ صدورنا وييسِّر أمورنا ويصلحَ حالنا وحالَ جميعِ المسلمين.

 

اللهم وفِّقنا لفعلِ الخيرات وتركِ المُنكراتِ وحُبِّ المساكين، وإذا أردتَ بعبادِك فتنةً فاقبضنا إليك غير خزايا ولا مفتونين.

 

اللهم إنا نسألُك من الخيرِ كُلِّه عاجلهِ وآجلهِ ما علمنا منه وما لم نعلم ونعوذُ بك ربَّنا من الشرِّ كله عاجله وآجلهِ ما علمنا منه وما لم نعلم.

 

اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ كما صليتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ وبارك على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آلِ إبراهيمَ إنكَ حميدٌ مجيدٌ.

 

سبحانَ ربِّك ربِّ العزَّةِ عما يصفونَ، وسلامٌ على المرسلينَ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.

الملفات المرفقة
رسالة إلى مهموم
عدد التحميل 38
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات