طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

14500

أثر العمل الصالح في حياة الإنسان

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / حي العزيزية / جامع البواردي /
التصنيف الرئيسي : الإيمان أحوال القلوب
تاريخ الخطبة : 1439/02/14
تاريخ النشر : 1439/02/23
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ حاجة الخلائق إلى ربهم وافتقارهم إليه 2/ استغاثة الخلق بربهم في الملمات 3/ صور من إحسان إلى الله إلى خلقه وإجابته لدعائهم 4/ تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة 5/ قصة وعبرة 6/ ثمرات حفظ العباد لحدود الله تعالى.
اقتباس

كم في أصْقاعِ الأرضِ من جُموعٍ قامَتْ تدعوا رَبَّاً جليلاً.. في سَاعَةٍ واحِدَةٍ.. بحاجاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ.. وألسِنَةٍ مُختلفةٍ.. هذا يدعو بلُغَةٍ عَرَبيةٍ.. وذاك بأورديةٍ.. وثالثٌ بهِنديةٍ.. ورابعٌ بسَواحِليةٍ.. وخامسٌ وسادسٌ.. منهم مُذنِبٌ يسألُ ربَّه مَغفرةَ ذَنبِه.. ومنهم مريضٌ يدعوهُ أنْ يَشفي مَرَضَهُ.. ومنهم فقيرٌ يسألهُ سدادَ دينهِ.. ومنهم مَظلومٌ يسألُهُ نُصرَتَهُ.. ومنهم حَيرانٌ يسألُه دلالَتَهُ.. ومنهم.. ومنهم.. فسبحانَ من لا تشتبُهُ عليهِ اللُّغاتُ.. ولا تَلْتَبِسُ عندَه الحاجاتُ.. ولا تختلطُ عندَهُ الأصواتُ.. ولا يَتَبَرَّمُ بكثرةِ المَسائِلِ.. معَ كثرةِ السائلينَ وتَنَوُّعِ المِسئُولات..

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ للهِ باسِطِ العطاءِ.. مُجيبِ الدُّعاء.. أحمَدُهُ سُبْحانَهُ على السَّرَّاءِ والضَّراء.. حَمداً يَملأُ الأرضَ والسماء.. ويَملأُ ما بينَهما ممّا يَشاء.. وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَه.. الملكُ الديَّاُن.. ذو الجودِ والإحسان.. (يَسْأَلُهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْن) [الرحمن: 29].

 

وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه.. البشيرُ النذيرُ.. والسِّراجُ المنير.. خيرُ مَنْ تَضَرَّعَ إلى اللهِ في المَصَائِب.. وتَقرَّبَ إليهِ في الرَّغائِب.. وأرشَدَ إلى صالحِ الدَّعَواتِ.. لِكَشْفِ الكُرُبات.. صلى الله عليه وعلى آله وأصحابهِ العابدينَ لِرَبِّهم سائِرَ الأوقات..

 

أما بعد: أيُّها الإخوةُ الكرام: خلَقَ اللهُ -تعالى- الخلْقَ ولا غِنى لهم عن خالِقِهم.. وأمرَهم جَلَّ جلالُهُ أنْ يَشْكُروهُ في السرَّاءِ ويَلجَؤوا إليهِ في الضرَّاء.. ومَنْ تَعَرَّفَ إلى اللهِ في الرَّغَائِب.. عَرَفَهُ اللهُ في المَصائِب..

 

وكُلَّما أقبَلْتَ إلى اللهِ أقبلَ إليكَ.. وإنْ أعرضْتَ عَنه أعرَضَ عنك.. اسْمَعْ إلى قولِ الله: (يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) [المائدة: 54] نعم لمَّا أحَبُّوهُ أحبَّهم.. وقالَ: (نَسُوا اللّهَ فَنَسِيَهُمْ) [التوبة: 67]، نعم.. لمَّا نَسُوهُ استَحقُّوا النِّسيان..

 

أيُّها الإخوةُ الكرام.. أدركَ ذلكَ أقوامٌ عُقَلاء.. فعرَفوا لَجْأَتَهم إلى رَبِّهم.. الذي لا يُخَيِّبُ من رَجاهُ.. ولا يُضَيِّعُ من دَعاهُ.. ولا يَرُدُّ مَن أمَّلَهُ .. ولا يَنسى من سَألَه..

 

انظر إلى حبيبِكَ وقُرَّةِ عينِك محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وقد خرجَ إلى بدرٍ ليَنصُرَ الدينَ.. فإذا بينَ يديهِ جَيشٌ لا قِبَلَ لهُ بهِ.. فجعلَ يستغيثُ رَبَّهُ.. “اللهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ” (رواه مسلم).

 

ويُعيدُ ويَستَجيرُ.. ويَدعو دُعاءَ الكسيرِ.. دُعاءَ مَن ذَلَّتْ للهِ رَقَبَتُه.. وسَجدَتْ لَهُ جَبْهَتُه.. وفاضَتْ لهُ عَيناهُ.. فينظُرُ اللهُ إلى اليَدَينِ الداعِيَتين.. فإذا هُما يَدانِ طاهِرتانِ.. ما لَمَسَتْ حَراماً.. ولا أعطَتْ حراماً.. وينظرُ إلى العَينَين.. فإذا هما في الليلِ باكِيَتانِ .. وفي النهارِ مَغْضوضَتان.. وإذا الفَمُ الداعي في النهارِ مُسَبِّحٌ ذاكِرٌ.. وفي الليلِ مُتعبِّدٌ لِرَبِّه شاكِر.. فتهتَزُّ أبوابُ السماءِ.. بملائِكَةٍ أشدَّاءَ.. ويُنْصَرُ المُحِبُّونَ المُتَقرِّبون.. الذين أقبلوا إلى ربِّهم فأقبلَ عليهم.. تَعَرَّفوا إليهِ في الرَّخاءِ فَعَرَفَهم في الشِّدَّةِ..

 

أيها الإخوة المؤمنون: إذا حَلَّ الهَمُّ.. وخَيَّمَ الغَمُّ.. واشتَدَّ الكَرْبُ.. وعَظُمَ الخَطْبُ.. وضاقَتْ السُّبُلُ.. وبَارَتْ الحِيَلُ.. نادى المُنادي: يا اللهُ.. فيُفرَّجُ الهَمُّ.. ويُنَفَّسُ الكَرْبُ.. ويُذَلَّلُ الصَعْبُ.. (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُون) [النحل: 53].

 

وإذا أجْدَبَتْ الأرضُ.. وذَبَلَتْ الأزهارُ.. وذوت الأشجار.. وغارَ الماءُ.. وقَلَّ الغِذَاءُ.. واشتَدَّ البلاءُ.. وماتَ الزَّرْعُ.. وجَفَّ الضَّرْعُ.. واستغاثَ الشيوخُ الرُّكَّعُ.. والأطفالُ الرُّضَّعُ.. والبَهائِمُ الرُّتَّعُ.. ونَادَوا جميعاً: ياااا الله.. فتَهْتَزُّ أبوابُ السماءِ.. ويُستجابُ الدعاءُ.. ويَنكَشِفُ البلاء.. (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ) [الشورى: 28].

 

وإذا اشتَدَّ المرَضُ بالمريضِ.. وقَلَّتْ حيلَتُهُ.. وضَعُفَتْ وَسيلَتُه.. وعَجَزَ الطبيبُ.. وحارَ اللبيبُ.. نادى المُنادي: يااا الله.. (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُون * أَمَّن يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَن يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُون * أَمَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِين) [النمل: 63- 65].

 

وإذا في بَطْنِ الأُمِّ اعترَضَ الجنينُ.. واشتدَّ الوجعُ وعَظُمَ الأنينُ.. وأوشَكَتْ الأمُّ على الهلاكِ.. وأيقَنَتْ المَمَاتَ.. ونادَتْ يااا الله.. فيَزولُ أنينُها.. ويَخرُجُ جَنينُها.. (.. إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل: 77- 78].

 

فهو -تعالى- المَلاذُ في الشِّدَّةِ.. والأنيسُ في الوَحْشَةِ.. والنصيرُ في القِلَّةِ.. فكم من ذَنْبٍ مَغفورٍ.. وعَيْبٍ مَستورٍ.. وحاجَةٍ مَقْضِيَّةٍ.. وكُرْبَةٍ مُفَرَّجَةٍ.. وبَلِيَّةٍ مَرفوعَةٍ.. ونِعْمَةٍ مُتَجَدِّدَةٍ.. وسَعادةٍ مُكتسبَةٍ.. وشَقاوةٍ مَمْحُوَّةٍ..

 

أيها المسلمون: كم في أصْقاعِ الأرضِ من جُموعٍ قامَتْ تدعوا رَبَّاً جليلاً.. في سَاعَةٍ واحِدَةٍ.. بحاجاتٍ مُتَنَوِّعَةٍ.. وألسِنَةٍ مُختلفةٍ.. هذا يدعو بلُغَةٍ عَرَبيةٍ.. وذاك بأورديةٍ.. وثالثٌ بهِنديةٍ.. ورابعٌ بسَواحِليةٍ.. وخامسٌ وسادسٌ.. منهم مُذنِبٌ يسألُ ربَّه مَغفرةَ ذَنبِه.. ومنهم مريضٌ يدعوهُ أنْ يَشفي مَرَضَهُ.. ومنهم فقيرٌ يسألهُ سدادَ دينهِ.. ومنهم مَظلومٌ يسألُهُ نُصرَتَهُ.. ومنهم حَيرانٌ يسألُه دلالَتَهُ.. ومنهم.. ومنهم..

 

فسبحانَ من لا تشتبُهُ عليهِ اللُّغاتُ.. ولا تَلْتَبِسُ عندَه الحاجاتُ.. ولا تختلطُ عندَهُ الأصواتُ.. ولا يَتَبَرَّمُ بكثرةِ المَسائِلِ.. معَ كثرةِ السائلينَ وتَنَوُّعِ المِسئُولات.. بل يَسمعُ ضَجيجَ أصواتِهم.. باختِلافِ لُغاتِهم.. وكَثرَةِ حاجاتِهم.. لا يُشغُلُهُ سَمْعٌ عن سَمْعٍ.. ولا دَاعٍ عن داعٍ.. ولا حاجةٌ عن حاجَةٍ.. لا تُغلِطُهُ كثرةُ المسئولاتِ.. ولا يتبرَّمُ بإلحاحِ ذوي الحاجات..

 

أحاطَ بصرُهُ بهم.. وعِلمُهُ بنياتِهم.. وغِناهُ بِفَقْرِهم.. وقُدرتُه بعَجزِهم..

وفي لَحظةٍ واحِدَةٍ.. يَغفِرُ ذَنباً.. ويَستُرُ عَيباً.. ويَكشِفُ كَرْباً.. ويَجبُرُ كَسيراً.. ويُغني فقيراً.. ويُعلِّمُ جاهِلاً.. ويَهدي ضَاَّلاً.. ويَفُكُّ عانِياً.. ويَكسو عارِياً..

 

ويَشفي مريضاً.. ويُعافى مُبتلىً.. ويَقبلُ تائِباً.. ويَجزي مُحسِناً.. ويَنصُرُ مظلوماً.. ويَقصِمُ ظالماً.. ويُفرِّجُ همَّاً.. ويُشبِعُ جائِعا.. ويُرشِدُ حَيرانَ.. ويُغيثُ لَهْفانَ.. ويُقيلُ عَثْرَةً.. ويَستُرُ عَورةً.. ويُؤمِّنُ رَوعَةً.. ويَرفَعُ أقواماً.. ويَضعُ آخَرين..

 

أيها الأحبة المؤمنون: قلوبُ العبادِ ونَواصيهم بيدهِ.. وأزِمَّةُ الأمورِ مَعقودةٌ بقضائهِ وقَدَرِه.. فهو أحَقُّ من ذُكِر.. وأعَزُّ من عُبِد.. وأعظَمُ من حُمِد.. وأولَى من شُكِر.. وأنصَرُ من ابتُغي.. وأرأَفُ من مَلَك.. وأجوَدُ من سُئِل.. وأعفَى من قَدَر.. وأكرَمُ من قُصِد.. وأعدَلُ من انتَقَم..

 

حِلمُهُ بعد عِلمهِ.. وعَفوُهُ بعد قُدرِتهِ.. ومغفرَتُه عن عِزَّتِه.. ومنعُهُ عن حِكمَتِه.. ومُوالاتُه عن إحسانِه ورحمتِه.. فسُبحانَه من ربٍّ لا يَغْفَلُ عن عبادِه.

 

أيها المسلمون: من تَمامِ نعمةِ اللهِ على عبادِهِ المؤمنين.. أنْ يُنزِلَ بهم من الشدَّةِ والضُرِّ ما يُلجئُهم إلى تَوحيدِه.. فيَدعُونَه مُخلِصين لَهُ الدِّين.. ويَرجونَه ولا يَرجونَ أحَداً سِواهُ..

 

فتتعلَّقُ بهِ القلوبُ وتَنسى سِواه.. وتَنطِرُحُ بينَ يديهِ.. وتَتَوكَّلُ عليه.. فتذوقُ حلاوةَ الإيمانِ.. يُحبَسُ سيِّدُ الأخيارِ في ظُلُماتِ الغارِ.. فيَلتَفِتُ إليهِ أبو بكرٍ ويقولُ: يا رسولَ اللهِ.. لو نَظَرَ أحدُهم إلى موضِعِ قَدَمَيهِ لَرآنا.. فيقولُ: “يا أبا بكرٍ.. ما ظَنُّك باثنينِ اللهُ ثالِثُهما.. لا تَحزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنا“.

 

ويَهرُبُ موسى -عليه السلامُ- بقَومهِ المؤمنين.. فإذا البحرُ أمامَهم.. وفرعونُ وجُندُهُ وراءَهم.. فيقولُ أصحابُ موسى إنَّا لَمُدْرَكون.. فيَصرُخُ بهم: كلَّا.. إنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهدين..

 

فالحمدُ للهِ الذي لا يَنسى من ذَكَرَهُ.. الحمدُ للهِ الذي لا يُخَيِّبُ من رَجاهُ.. الحمدُ للهِ الذي لا يَكِلُ من تَوَكَّلَ عليهِ إلى غَيرِهِ.. الحمدُ للهِ الذي هوَ يَقينا حينَ تَنقطِعُ عنا الحِيَلُ.. الحمدُ للهِ الذي هو رَجاؤنا يومَ تَسوءُ ظُنونُنا وأعمالُنا.. الحمدُ للهِ الذي يَكشِفُ حُزنَنَا عندَ كَرْبِنا.. الحمدُ للهِ الذي يَجزي بالإحسانِ إحساناً.. الحمد لله الذي يجزي بالصبر نجاةً..

 

أيها الإخوة المؤمنون: نعم.. ولماذا لا يُرضيهم ربُّهم.. وهم الذين يُحِبُّونَه ويُطيعونَه.. لم تكنْ مَحَبَّتُهم لِرَبِّهم ادِّعاءً باللسانِ لا حَقيقَةَ لها في الواقِع.. بل يُحِبونَ ربَّهم حُباً صادِقاً.. يُقدِّمونَ أمرَهُ على كُلِّ أمرٍ.. ومُرادَهُ على كُلِّ مُراد.. عَرفوا شَرْطَ المَحَبَّةِ فعمِلوا بهِ: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيم) [آل عمران: 31].

 

فسبحان رَبِّنا الجَليل..

أنتَ أهلُ الثناءِ والمَجْدِ فامْنُنْ *** بجميلٍ من الثناءِ المُوَاتِي

مَا ثَنائي عليكَ إلّا امتِنانٌ *** ومِثالٌ لِلأنْعُمِ الفَائِضاتِ

ذَابتْ النفسُ هَيبةً واحْتِراماً *** وتَأبَّتْ عن بَلْعِ ريقي لَهاتي

حُبُّنا وامتِداحُنا ليسَ إلَّا *** وَمْضَةٌ منكَ يا عظيمَ الهِباتِ

لو بَرَينا الأشجارَ أقلامَ شُكْرٍ *** بِمِدادٍ من دِجْلَةَ والفُراتِ

لو نَقَشْنا ثَناءَنا من دِمانا *** أو بَذَلْنا أروَاحَنا الغالياتِ

أو سَجَدنا على شَظايا رَصاصٍ *** أو زَحَفْنا زَحْفاً على المُرْمَضَاتِ

أو بَكَينا دَمَاً وفَاضَتْ عُيونٌ *** بلَهيبِ المَدامِعِ الحارِقاتِ

ما أتَينا لِذَرَّةٍ من جَلالٍ *** أو شَكَرْنا آلَاءَكَ الغَامِراتِ

أيُّ شَيءٍ يقولُهُ الشِّعْرُ لمَّا *** يَتَغَنَّى بِخَالِقِ الكائِناتِ

خَاِفٌض رَافِعٌ بَصيرٌ سَميعٌ *** لِدَبيبِ النَّمْلِ فَوقَ الحَصاةِ

يَهْتِفُ العابِدونَ مِن كُلِّ جِنْسٍ *** وبِلادٍ على اختِلافِ اللُّغاتِ

لَمْ يَغِبْ عنهُ هَمْسَةٌ أو هُتافٌ *** للمُنادِينَ مِن جَميعِ الفِئاتِ

الوَلِيُّ المَتينُ ما خابَ ظَنٌّ *** لِنُفوسٍ في فَضْلِهِ طامِعاتِ

مَن يُعافي المَريضَ مِنْ بَعدِ سُقْمٍ *** وقُنوطٍ مِن طِبِّ مُسْتَشْفَياتِ

مَن يُسَلِّي النُّفوسَ بالصَّبْرِ لمَّا *** تُبْتَلى بالنَّوَازِلِ القَاصِماتِ

من يُغيثُ القُلوبَ ممّا دَهاها *** مِن هُمومٍ بَئيسَةٍ جَاثِماتِ

إنَّهُ اللهُ وَحْدَهُ جَلَّ شَاناً *** كَيْفَ نُحْصي آلَاءَهُ الوَافِراتِ

 

أيها الأحبة الكرام: وَمَنْ تَعَرَّفَ إلى اللهِ في الرَّخاءِ.. عَرَفَهُ اللهُ في الشِّدَّةِ.. ذَكرَ ابنُ كثيرٍ في تفسيرِهِ عندَ كلامِهِ على قولِهِ تعالى: (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) عنِ الحافظِ ابنِ عساكر: في ترجمة رجل – حكى عنه أبو بكر محمد بن داود الدينوري – قال هذا الرجل: كنت أكاري على بغل لي من دمشق إلى بلد الزبداني، فركب معي ذات مرة رجل، فمررنا على بعض الطريق، على طريق غير مسلوكة، فقال لي: خذ في هذه، فإنها أقرب. فقلت: لا خبرة لي فيها، فقال: بل هي أقرب. فسلكناها فانتهينا إلى مكان وعر وواد عميق، وفيه قتلى كثير، فقال لي: أمسك رأس البغل حتى أنزل. فنزل وتشمر، وجمع عليه ثيابه، وسل سكينا معه وقصدني، ففررت من بين يديه وتبعني، فناشدته الله وقلت: خذ البغل بما عليه. فقال: هو لي، وإنما أريد قتلك. فخوفته الله والعقوبة فلم يقبل، فاستسلمت بين يديه وقلت: إن رأيت أن تتركني حتى أصلي ركعتين؟ فقال: صل وعجل. فقمت أصلي فأرتج علي القرآن فلم يحضرني منه حرف واحد، فبقيت واقفا متحيرا وهو يقول: هيه. افرغ. فأجرى الله على لساني قوله -تعالى-: ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء )، فإذا أنا بفارس قد أقبل من فم الوادي، وبيده حربة، فرمى بها الرجل فما أخطأت فؤاده، فخر صريعا، فتعلقت بالفارس وقلت: بالله من أنت؟ فقال: أنا رسول الله الذي يجيب المضطر إذا دعاه، ويكشف السوء. قال: فأخذت البغل والحمل ورجعت سالما.

 

وذكرَ اليافِعيُّ في مِرآةِ الجَنان في ترجمةِ بَنانِ الحَمَّال.. أنَّهُ ألقي بينَ يدَي الأسدِ في حالِ غَضَبِهِ عليهِ فصارَ الأسدُ يَشُمُّهُ ولم يَنَلْهُ بِسُوء، فلمَّا فَتَحوا البابَ خَرَجَ الأسَدُ يَعْدو، فقيلَ لَهُ: كيفَ كُنْتَ في وَقتِ شَمِّ الأسدِ لَكَ؟ فقالَ: كنتُ أتَفَكُّرُ وهو يُقَرِّبُ فَمَهُ إلى ثِيابي، هَلْ لُعابُ السِّباعِ طاهِرٌ أمْ نَجِسٌ؟!

 

واحْتُضِرَ بعضُ السَّلَفِ فجلستْ ابنَتُهُ عندَ رَأسِهِ تَبْكي، فقال: لا تبكين فإني قد خَتَمْتَ في هذهِ الزَّاوِيَةِ خمسةَ آلافِ خَتْمَةٍ.

 

وقالَ أبوعبد الرحمنِ السُّلَمي قبلَ مَوتِهِ: “كيفَ لا أرجُو رَبِّي وقَدْ صُمْتُ لَهُ ثَمانينَ رَمَضَان“؟

 

وقال أبوبكر بن عياش لابنهِ عندَ مَوتِهِ: “أتَرى اللهَ يُضَيِّعُ لأبيكَ، أربَعينَ سَنةٍ يَخْتِمُ القُرآنَ كُلَّ لَيلَةٍ“.

وقال حسانُ بن أبي سنان: “أُعِدُّ قِيامي هذا لِنَوْمَةٍ طَويلَةٍ“.

 

أسألُ اللهَ -تعالى- أنْ يُقَرِّبَ قُلوبَنا إليهِ.. وأستغفرُ اللهَ لي ولَكُم فاستَغْفِروهُ وتُوبوا إلَيهِ إنَّه هُوَ الغفورُ الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ المُتَفَرِّدِ بِكُلِّ كَمَال، والشُّكْرُ لَهُ فَهُوَ المُتَفَضِّلُ بِجَزيلِ النَّوَال، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلّا اللهُ وَحْدَهُ لا شريكَ لَهُ، وأشهدُ أنَّ سَيِّدَنا ونَبِيَّنا مُحمداً عبدُهُ ورسولُهُ، صاحِبُ الخُلُقِ العظيمِ وشَريفِ الخِلال، صلى الله وسلَّمَ وباركَ عليه وعلى آلهِ وصحبهِ خَيرِ صَحْبٍ وآل، والتابعين ومَن تَبِعَهُم بإحسانٍ إلى يومِ الدِّين.

 

أما بعد: أيها الإخوة الكرام.. إنَّ العَبدَ إذا اتَّقى اللهَ وحَفِظَ حُدودَهُ وحُقوقَهُ في رَخائِهِ، ورَعَى صَلاتَهُ وصَومَهُ، وغَضَّ بَصَرَهُ، وحَفِظَ فَرْجَهُ، فقدْ تَعَرَّفَ بِذلكَ إلى الله، وصارَ بينَه وبينَ رَبِّهِ مَعْرِفَةً خَاصَّةً، فَعَرَفَهُ رَبُّهُ في الشِّدَّةِ.. بَلْ أَحَبَّهُ اللهُ وقَرَّبَهُ وذَكَرَهُ..

 

لمَّا نَزَلَ قَولُ اللهِ تعالى: (لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَة) [البينة: 1]، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأبَيِّ بن كعب الصحابي الصالح العابد: “يا أُبَيّ.. إنَّ اللهَ أمَرَني أنْ أقْرَأَ عَلَيكَ “لَمْ يَكُنْ الَّذِينَ كَفَرُوا”؛ فانْتَفَضَ كعبٌ وقالَ: وَسَمَّاني لَكَ؟ قالَ: نَعَم، فبَكى. (رواه البخاري ومسلم).

 

وصلَّى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- الفجرَ يَوماً.. ثُمَّ الْتَفَتَ إلى بِلَالٍ، فقالَ: “يا بِلَالُ حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ في الْإِسْلَامِ، فَإِنِّي سمعت دَفَّ نَعْلَيْكَ بين يَدَيَّ في الْجَنَّةِ، فَبِمَ سَبَقْتَني إلى الجَنَّةِ؟ فقال بلالٌ: ما عَمِلْتُ عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي أَنِّي لم أَتَطَهَّرْ طَهُورًا في سَاعَةِ لَيْلٍ أو نَهَارٍ إلا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ ما كُتِبَ لي أَنْ أُصَلِّيَ” (رواه البخاري).

 

وأخيراً.. مَعَ كُلِّ هذا الغِنى والفَضْلِ لِرَبِّنا المُتَعالِ.. إلّا أنَّه يَفْرَحُ بِعِبادِهِ إذا أقْبَلوا عَلَيهِ، ويُقَرِّبُهم إليه.. روى الترمذي أنَّه -صلى الله عليه وسلم- قال: قال الله: “يا ابنَ آدَمَ.. إِنَّكَ ما دَعَوْتَنِي وَرَجَوْتَنِي غَفَرْتُ لك على ما كانَ فِيكَ ولا أُبَالِي.. يا ابنَ آدَمَ لو بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لكَ ولا أُبَالِي.. يا ابنَ آدَمَ إِنَّكَ لَو أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الأرضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيئاً لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً“.

 

أسألُ اللهَ سبحانَهُ وتعالى أنْ ينفعَنا وإيَّاكُم بما سمعنا، وأنْ يهدِيَنا لأحسنِ الأقوالِ والأعمالِ والأخلاقِ لا يهدي لأحسنِها إلا هو، وأسألُ اللهَ أنْ يصرفَ عنَّا سيئَها لا يصرفُ عنا سيئها إلا هو.

 

اللهم إنا نسألُك من الخيرِ كُلِّه عاجله و آجله، ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذُ بكَ ربَّنا من الشرِّ كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم،

 

اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا اللهم من كان منهم حيّاً فمتّعه على العافية وحبك وطاعتك حتى يلقاك ومن كان منهم ميتاً فوسّع له قبره وضاعف له أجره وتجاوز عن سيئاته يا ذا الجلال والإكرام.

 

اللهمّ لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنباً إلا غفرته، ولا همّاً إلا فرّجْته، ولا دَيناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحةً رزقته، ولا ولداً عاقّاً إلا هديته وأصلحته يا ربَّ العالمين.

 

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

 

اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت إلى إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، سبحان ربك ربّ العزّة عما يصفون وسلامٌ على المرسلين والحمدُ لله رب العالمين.

 

عباد الله (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) فاذكروا الله يذكركم واشكروه على نعمه يزدكم ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

 

سبحان ربك رب العزة عمّا يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

الملفات المرفقة
أثر العمل الصالح في حياة الإنسان
عدد التحميل 58
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات