طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    الجيش يسيطر على الحكم بزيمبابوي ويقيد إقامة الرئيس    ||    الجزائر تعلن موعد الانتهاء من إنشاء ثالث أكبر مساجد العالم    ||    محامون يسلمون الجنائية الدولية ملفًا بجرائم حرب لحفتر وقواته    ||    قرار أممي يدعو ميليشيات إيران إلى مغادرة سوريا    ||    ارتفاع حصيلة قتلى الزلزال الذي ضرب الحدود العراقيه الإيرانية لأكثر من ٥٣٠ شخصًا    ||    بريطانيا تحمّل جيش ميانمار مسؤولية أزمة الروهينغيا    ||    412 ألف عاطل عن العمل في الضفة الغربية وقطاع غزة    ||    السعودية توقع مع منظمة الصحة العالمية مشروعين لعلاج ومكافحة الكوليرا في اليمن    ||    عاجزون أمام الزلازل!    ||    كف عن التماس الأعذار وتب لربك!    ||    تصاعد الانهيار الأخلاقي في الغرب    ||    أوراق الفساد تتناثر!    ||    لا عليك ما فاتك من الدنيا (1)    ||    تسريبات " الفردوس" و"محيطات" الفساد    ||    زهرة الصومالية    ||    مسلمو الهند والإرهاب الهندوسي    ||    أيتها الزوجة.. لا تحكي لزوجك عن هذه الأشياء!    ||
ملتقى الخطباء > ركن الخطب > التصنيف العام > التربية > ولا تتبع سبيل المفسدين

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

14897

ولا تتبع سبيل المفسدين

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
التصنيف الرئيسي : التربية قضايا اجتماعية
تاريخ الخطبة : 1439/02/21
تاريخ النشر : 1439/2/23
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ الفساد من أسباب تخلف الأمة وترديها 2/ بعض صفات المفسدين 3/ تحذير الأنبياء من الفساد والمفسدين 4/ آثار الفساد.
اقتباس

وَإِنَّ المُؤمِنَ الفَطِنَ وَالعَاقِلَ البَصِيرَ -أَيُّهَا المُسلِمُونَ- لَيُدرِكُ حَقِيقَةَ التَّلبِيسِ، وَلا تَرُوجُ عَلَيهِ زَخَارِفُ المُفسِدِينَ وَخِطَطُهُمُ المَكشُوفَةُ، كَيفَ وَلَحنُ قَولِهِم يَدُلُّ عَلَى مَا في قُلُوبِهِم.. وَمَعَ مَا انتَشَرَ في الأَرضِ اليَومَ مِن عَظِيمِ الفَسَادِ وَالإِفسَادِ، إِلاَّ أَنَّ المُؤمِنَ مَا يَزَالُ عَلَى ثِقَةٍ أَنَّ المُفسِدِينَ مَهمَا طَالَت بِهِمُ الدُّنيَا أَو تَمَادَوا وَتَطَاوَلُوا؛ فَلا بُدَّ أَن يَنقَلِبَ إِفسَادُهُم…

الخطبة الأولى:

 

أَمَّا بَعدُ:  فَــ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 21].

 

أَيُّهَا المُسلِمُونَ: مِن أَعظَمِ أَسبَابِ تَخَلُّفِ الأُمَمِ وَتَرَدِّي أَوضَاعِهَا، وَضَيَاعِ الحُقُوقِ فِيهَا وَنَزعِ البَرَكَاتِ مِمَّا في الأَيدِي، وُجُودُ المُفسِدِينَ بَينَ ظَهرَانَيِ المُجتَمَعَاتِ.

 

وَقَد كَثُرَ المُفسِدُونَ في عَصرِنَا وَتَفَنَّنُوا في ابتِكَارِ وَسَائِلِ الفَسَادِ وَالإِفسَادِ، وَانخَدَعَ النَّاسُ بِهِم كَثِيرًا مَعَ أَنَّ اللهَ –تَعَالى- قَد أَنزَلَ في كِتَابِهِ آيَاتٍ تُبَيِّنُ صِفَاتِهِم وَتُجَلِّي حَقِيقَتَهُم، لِتَنتَبِهَ الأُمَّةُ وَتَحذَرَ مِن شَرِّهِم وَطُغيَانِهِم، وَلا تُشَارِكَهُم في ظُلمِهِم أَو تُسَاعِدَهُم عَلَى تَعَدِّيهِم؛ فَتَبُوءَ بِالإِثمِ وَسُوءِ المَصِيرِ كَمَا بَاؤُوا بِهِ، وَمَا أَحرَى كُلَّ مُسلِمٍ عَاقِلٍ حَصِيفٍ أَن يَتَأَمَّلَ مَا وَرَدَ في كِتَابِ اللهِ مِن صِفَاتٍ لِلمُفسِدِينَ لِيَحذَرَ أَفعَالَهُم قَبلَ أَن يُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُم!!

 

أَلا وَإِنَّ مِن أَسوَأِ صِفَاتِ المُفسِدِينَ العُلُوَّ في الأَرضِ وَالاستِكبَارَ عَلَى الخَلقِ، وَالتَّفَنُّنَ في الإِفسَادِ وَالإِكثَارَ مِنهُ، قَالَ – تَعَالى-: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [القصص: 83]، وَقَالَ –سُبحَانَهُ-في وَصفِ أُمَمٍ طَاغِيَةٍ مُفسِدَةٍ: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ) [الفجر: 6-14].

 

وَمِن عَلامَاتِ عُلُوِّ المُفسِدِينَ وَطُغيَانِهِم، أَنَّهُم يَتَطَاوَلُونَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَيَحتَقِرُونَهُم، وَيَنتَهِكُونَ كَرَامَتَهُم وَيَتَعَدَّونَ عَلَى حُقُوقِهِم، وَيَتَمَادَونَ في الغِشِّ وَالخِيَانَةِ وَتَطفِيفِ المَوَازِينِ وَالسَّرِقَاتِ، وَيَستَوفُونَ أُجُورَهُم كَامِلَةً وَافِيَةً، ثم يَتَسَاهَلُونَ في أَدَاءِ أَعمَالِهِم، أَو يُفَرِّطُونَ في تَنفِيذِ المَشرُوعَاتِ المُوكَلِ إِلَيهِم تَنفِيذُهَا، وَلا يُبَالُون بِبَخسِ النَّاسِ أَشيَاءَهُم وَهَضمِ حُقُوقِهِم وَظُلمِهِم وَالتَّعَدِّي عَلَيهِم، أَوِ السَّرِقَةِ مِنَ المَالِ العَامِّ الَّذِي ائتُمِنُوا عَلَيهِ، قَالَ-جَلَّ وَعَلا-: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) [القصص: 4]، وَقَالَ-تَعَالى-: (أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ * وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [الشعراء: 181-183].

 

وَقَالَ-جَلَّ وَعَلا-عَن شُعَيبٍ-عَلَيهِ السَّلامُ-: (وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [هود: 85]، وَقَالَ-جَلَّ وَعَلا-عَن إِخوَةِ يُوسُفَ: (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ) [يوسف: 73].

 

وَمِن صِفَاتِ المُفسِدِينَ الإِسرَافُ في إِنفَاقِ الأَموَالِ، وَمُجَاوَزَةُ الحَدِّ بِتَبدِيدِ النِّعَمِ، وَالتَّمَادِي في المَعَاصِي وَالمُخَالَفَاتِ، مَعَ الإِفرَاطِ في الفَرَحِ بِالثَّرَاءِ الفَاحِشِ وَالأَشَرِ وَالبَطَرِ، قَالَ-تَعَالى-عَلَى لِسَانِ مُوسَى-عَلَيهِ السَّلامُ-: (كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) [البقرة: 60]، وَقَالَ -سُبحَانَهُ- ذَاكِرًا قَولَ صَالِحٍ -عَلَيهِ السَّلامُ- لِقَومِهِ: (وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ) [الشعراء: 151-152]، وَقَالَ-جَلَّ وَعَلا- عَن قَارُونَ: (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [القصص: 76، 77].

 

وَمِن صِفَاتِ المُفسِدِينَ زَخرَفَةُ القَولِ بِالبَاطِلِ، فَغَالِبًا مَا يَكُونُ لَهُم إِعلامٌ يُتِيحُ لَهُمُ الفُرَصَ لِيُزَخرِفُوا القَولَ بِالبَاطِلِ وَيَخدَعُوا النَّاسَ بِحُلوِ كَلامِهِم، وَيُلَبِّسُوا عَلَيهِم بِتَغيِيرِ الحَقَائِقِ وَتَبدِيلِ الوَاقِعِ، وَادِّعَاءِ الرَّأفَةِ وَالرَّحمَةِ بِالخَلقِ، وَتَخوِينِ الأُمَنَاءِ وَتَأمِينِ الخَائِنِينَ، وَتَكذِيبِ الصَّادِقِينَ وَتَصدِيقِ الكَاذِبِينَ، وَقَد حَكَى اللهُ –تَعَالى- عَنِ المُفسِدِ الأَكبَرِ فِرعَونَ أَنَّهُ قَالَ في مُوسَى: (إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ) [غافر: 26].

 

وَمِن ثَمَّ كَانَ عَلَى المُؤمِنِينَ أَلاَّ يَنخَدِعُوا بِالأَكَاذِيبِ وَلَو حَلَفَ المُفسِدُونَ أَيمَانًا مُغَلَّظَةً وَعَقَدُوهَا، فَإِنَّمَا ذَلِكَ إِمعَانٌ في التَّلبِيسِ وَتَحسِينٌ لِلكَذِبِ وَتَسوِيغٌ لَهُ، وَقَد قَالَ-عَزَّ وَجَلَّ – عَن قَومٍ مِنهُم: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) [البقرة: 204-205].

 

وَإِنَّ المُؤمِنَ الفَطِنَ وَالعَاقِلَ البَصِيرَ -أَيُّهَا المُسلِمُونَ- لَيُدرِكُ حَقِيقَةَ التَّلبِيسِ، وَلا تَرُوجُ عَلَيهِ زَخَارِفُ المُفسِدِينَ وَخِطَطُهُمُ المَكشُوفَةُ، كَيفَ وَلَحنُ قَولِهِم يَدُلُّ عَلَى مَا في قُلُوبِهِم؟! قَالَ -سُبحَانَهُ-: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ) [البقرة: 204- 205]، وَمِن لَحنِ القَولِ الَّذِي يُعرَفُ بِهِ المُفسِدُونَ وَهُوَ مِن صِفَاتِهِم، الصَّدُّ عَن سَبِيلِ اللهِ، وَالاستِهزَاءُ بِالمُصلِحِينَ، وَهَمزُهُم وَلَمزُهُم، وَاتِّهَامُهُم بِأَنَّهُم يُرِيدُونَ الفَسَادَ أَو أَنَّهُم مِن أَسبَابِهِ، يَزعُمُونَ ذَلِكَ لِيَقطَعُوا الطُّرُقَ عَلَى المُصلِحِينَ، وَيَحُولُوا بَينَهُم وَبَينَ النَّاسِ ؛ لِئَّلاَّ تَصلُحَ حَالُ النَّاسِ فَيَكتَشِفُوا فَسَادَ المُفسِدِينَ وَيَحذَرُوهُم، قَالَ – تَعَالى- في وَصفِ هَؤُلاءِ المُفسِدِينَ: (وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) [الأعراف: 86]، وَقَالَ-جَلَّ وَعَلا-: (الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ) [النحل: 88].

 

وَمِن صِفَاتِ المُفسِدِينَ مَحَبَّتُهُم لإِشَاعَةِ الفَاحِشَةِ في المُجتَمَعِ، وَالسَّعيُ لإِفسَادِ الأَخلاقِ وَهَدمِ القِيَمِ عَبرَ مُؤَسَّسَاتٍ أَو مَشرُوعَاتٍ، أَو مَرَاكِزَ أَو نَوَادٍ أَو قَنَوَاتٍ، تَنشُرُ المُنكَرَ وَتَدعُو إِلَيهِ وَتُزَيِّنُهُ، يَعلَمُ ذَلِكَ مَن تَأَمَّلَ حَالَ الإِعلامِ العَالَمِيِّ وَمَا يَتَبَنَّاهُ مُنذُ عُقُودٍ وَسَنَوَاتٍ، مِن قَضَايَا هَامِشِيَّةٍ وَبَرَامِجَ ضَحلَةٍ، لا تَبنِي في المُجتَمَعِ قِيَمًا حَسَنَةً وَلا تَدعُو إِلى فَضِيلَةٍ، وَلا تَبعَثُ عَلَى كَرِيمِ خُلُقٍ وَلا تُحيِي مَعَانيَ جَمِيلَةً، وَإِنَّمَا هِيَ تَحطِيمٌ لِلقِيَمِ المُثلَى وَمَحَارَبَةٌ لِلفَضَائِلِ، وَهَدمٌ لِلأَخلاقِ وَإِشَاعَةٌ لِلرَّذَائِلِ، قَالَ-عَزَّ وَجَلَّ-: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ *  أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ) [العنكبوت: 28 – 30].

 

وَمِن صِفَاتِ المُفسِدِينَ نَقضُ العَهدِ وَعَدَمُ الوَفَاءِ بِهِ، وَقَطعُ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ، وَمِن أَعظَمِهِ قَطِيعَةُ الأَرحَامِ وَعَدَمُ الاهتِمَامِ بِوَصلِهَا، قَالَ – تَعَالى-: (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [البقرة: 27]، وَقَالَ-جَلَّ وَعَلا-: (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [الرعد: 25]، وَقَالَ – تَعَالى-: (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ) [محمد: 22].

 

أَلا فَلْنَتَّقِ اللهَ -أَيُّهَا المُسلِمُونَ- وَلْنَحذَرِ الفَسَادَ وَالمُفسِدِينَ، وَلْنَلجَأْ إِلى اللهِ أَن يُصلِحَ أَحوَالَنَا، وَيُعِينَ عَلَى الحَقِّ أَئِمَّتَنَا وَوُلاةَ أَمرِنَا، فَقَد قَالَ – تَعَالى-: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [الأعراف: 55-56].

 

الخطبة الثانية:

 

أَمَّا بَعدُ:

فَاتَّقُوا اللهَ – تَعَالى – وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ، وَكُونُوا مَعَ المُحسِنِينَ المُصلِحِينَ، وَاحذَرُوا مِن أَن تُشَارِكُوا المُفسِدِينَ؛ فَإِنَّهُ لا يَستَوِي عِندَ اللهِ المُصلِحَ وَالمُفسِدَ، قَالَ – تَعَالى-: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ) [ص: 28]، وَقَد بَعَثَ -تَعَالى- أَنبِيَاءَهُ بِالإِصلاحِ، قَالَ -تَعَالى- عَن هُودٍ -عَلَيهِ السَّلامُ-: (إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ) [هود: 88]، وأَصلَحَ – سُبحَانَهُ – الأَرضَ وَنَهَى عَنِ الفَسَادِ وَالإِفسَادِ فِيهَا فَقَالَ: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) [الأعراف: 56].

 

عِبَادَ اللهِ: وَمَعَ مَا انتَشَرَ في الأَرضِ اليَومَ مِن عَظِيمِ الفَسَادِ وَالإِفسَادِ، إِلاَّ أَنَّ المُؤمِنَ مَا يَزَالُ عَلَى ثِقَةٍ أَنَّ المُفسِدِينَ مَهمَا طَالَت بِهِمُ الدُّنيَا أَو تَمَادَوا وَتَطَاوَلُوا؛ فَلا بُدَّ أَن يَنقَلِبَ إِفسَادُهُم عَلَيهِم يَومًا مَا، قَالَ-عَزَّ وَجَلَّ-: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ) [يونس: 81]، وَذَكَرَ-عَزَّ وَجَلَّ-في كِتَابِهِ صِنفًا خَاصًّا مِنَ المُفسِدِينَ، شَهِدَ بِأَنَّهُم يُفسِدُونَ في الأَرضِ، وَمَعَ هَذَا يُطفِئُ – تَعَالى-نَارَ إِفسَادِهِم كُلَّمَا أَوقَدُوهَا، قَالَ – تَعَالى-: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا) [الإسراء: 4]، وَقَالَ عَنهُم: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [المائدة: 64].

 

وَقَالَ عَن قَارُونَ: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ * تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [القصص: 81 – 83].

 

أَلا فَلْنَتَّقِ اللهَ -أَيُّهَا المُسلِمُونَ- وَلْنَكُنْ مِنَ المُصلِحِينَ النَّاهِينَ عَنِ الفَسَادِ امتِثَالاً لِقَولِ اللهِ-جَلَّ وَعَلا-: (فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ) [هود: 116].

 

الملفات المرفقة
ولا تتبع سبيل المفسدين
عدد التحميل 0
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات