طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خادم الحرمين يؤكد الحرص على توطيد العلاقة مع العراق    ||    اليمن.. انطلاق مهمة "القبضة الحديدية" في حضرموت    ||    ليبيا.. تراجع حاد بأعداد المهاجرين في مركز تهريب البشر    ||    ميليشيات الحوثي تداهم المنازل بصنعاء وتختطف 40 فتاة    ||    مشاعر محبوسة    ||    انطواء طفلك.. بيدك أنت!    ||    مخالفات قولية عند نزول المطر    ||    الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة الغلو والتطرف    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

14453

إضاءات من الآداب النبوية والأخلاق المحمدية

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / حي الخزامى / مستشفى الأمل /
التصنيف الرئيسي : أخلاق وحقوق السيرة النبوية
تاريخ النشر : 1439/02/15
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ الحاجة إلى التخلق بأخلاق النبي -صلى الله عليه وسلم- 2/ التخلق بالأخلاق والآداب النبوية 3/ صفحات مضيئة من الأخلاق النبوية والآداب المحمدية 4/ وجوب التخلق والتأدب بالأخلاق المحمدية
اقتباس

تأمَّلوا صفحة أخرى من هذه الأخلاق النبوية والآداب المحمدية، كان عليه الصلاة والسلام يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، ويكافئ على الهدية، كان يأكل الهدية إن كانت طعامًا ويقبلها، ولكن لا يأكل الصدقة، فإنها…

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نَحمده ونستعينه، ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يَهده الله فلا مضل له، ومَن يُضلل فلا هادي له.

وأشهد أنْ لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

 

أما بعدُ:

 

فيا أيها الإخوة المؤمنون: ما أحوجنا إلى أن نتخلَّق بأخلاقِ نبينا محمدٍ -عليه الصلاة والسلام-، وأنْ نسلك مسالكه وأن نقتفيَ هديه، وأنْ نتابعه في كل ما هدانا إليه، وقد قال رب العزة -سبحانه-: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) [الأحزاب: 21].

 

أيها الإخوة في الله: إنَّ الناس أيًّا كانت مِلَلهم، وأيًّا كانت أماكنهم، وأيًّا كانت أزمنتهم لا ينفكُّون عن ضرورتهم القصوى إلى أن يكون بينهم من الأخلاق والآداب ما تُحفظ به الواجبات وتُؤدَّى به الحقوق، ولذلك كلُّ مجتمعٍ يتَّصِف أهله بالأخلاق العالية، فهو مجتمعٌ يتمتع بأنواعٍ من الطمأنينة وأنواعٍ من الخيرات؛ ذلك أنَّ الإنسان كما يقول علماء الاجتماع: مدنيٌّ بطبعه، ومعنى ذلك أنه لا يمكن أن يعيش وحده، بل لا بد له من الآخرين، وإذا كان مع الآخرين، فثمَّت تواصل وعلاقات، وهذه لا بد أن تُضبَط بالآداب والأخلاق، ومهما وُجِدت الأنظمة والقوانين التي تَضبط هذا الأمر؛ فإن ذلك لن يغني عن حاجة الناس إلى أن تكون أخلاقهم منبعثةً من ذواتهم؛ ليس خوفَ قانونٍ ولا نظامٍ ولا عقابٍ من الناس، وإنما تكون هذه الأخلاق منبعثةً من ذواتهم؛ حيث يؤدون واجباتهم، ويحفظون للآخرين حقوقهم.

 

ومن هنا كان من المهم جدًّا: أن نكون على اطلاعٍ ومتابعةٍ لنبينا -صلى الله عليه وسلم- في كل شيء، وبخاصة في جانب الأخلاق والآداب، الأخلاق والآداب التي يتمثَّل بها الإنسان، فيعامل بها ربه، ويعامل بها الخلق، وقد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه الإمام أحمد بسند جيد: “إنما بُعثت لأُتمم مكارم الأخلاق“، وفي رواية: “إنما بُعثت لأُتمم صالح الأخلاق“.

 

وقد أثنى الله -جل وعلا- على نبيه الكريم محمد -صلى الله عليه وسلم- بأنه ذو أخلاق عظيمة، وصفات سامية جليلة، ولم يُعرف لأحدٍ من البشر إطلاقًا ما لنبينا -عليه الصلاة والسلام- من هذه الأخلاق السامية الشريفة، وحسبنا أن نتوقف عند هذا المدح الرباني؛ حيث يقول سبحانه عن نبيه -عليه الصلاة والسلام- مخاطبًا له ومُمتنًّا عليه بما وهبه من النِّعم العظيمة؛ قال: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) [القلم: 4]، ولسوف يَعجِز كلُّ صاحب بيان وكلُّ صاحب حكمة وتوضيح: أن يوضِّح عُمقَ دلالة هذا المدح الرباني، ولكن حسبنا أن نُجمل القول في ذلك بما أجملته أم المؤمنين، حينما سُئلت عن خُلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقالت: “كان خُلقه القرآن“.

 

أيها الإخوة في الله: في هذه الدقائق أقف وإياكم، بل أتجول وإياكم بين قطوف هذه الحديقة الغنَّاء التي شملت جملة من الأخلاق النبوية والآداب المحمدية؛ حتى نقتفي هذه الآداب، وننال من بركاتها بمعرفتها وبتطبيقها في واقعنا.

 

كان نبينا -صلى الله عليه وسلم- فيما وُصِف من أخلاقه: أشجع الناس، وهذه الشجاعة شجاعة نفسية، شجاعةٌ في بلاغ رسالة ربه، شجاعةٌ في إحقاق الحق في نصر المظلوم ومواجهة الظالم، شجاعةٌ كانت منه عليه الصلاة والسلام؛ كما قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: “كنا إذا احمرَّ البأس، ولَقِيَ القومُ القومَ، اتَّقينا برسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-“.

 

وكان من أوصافه: أنه أسخى الناس، فما سُئل شيئًا قط، فقال: لا، وكان أحلمَ الناس، وكان أشدَّ حياء من العذراء في خِدرها؛ لا يُثبت بصرَه في وجه أحد، وكان لا ينتقم لنفسه، ولا يغضب لها، إلا أن تُنتهك حُرمات الله، فيقوم لله ينتقم، وإذا غضِب لم يقم لغضبه أحد، إذا غضب، فلذاتِ الله، ونصرة دينه!

 

وقد استوى في الحق عند النبي -صلى الله عليه وسلم- القريب والبعيد والقوي والضعيف، فكل أولئك عنده في الحق واحد، فلا يجعل لقوة أحد ولا لقربه مزية في إحقاق الحق له، بل إنَّ الجميع كلَّهم عنده في الحق سواء، وكان من أخلاقه عليه الصلاة والسلام: أنه لم يَعِبْ طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن لم يَشتهه، تركه عليه الصلاة والسلام، وكان لا يأكل مُتكئًا، وكان لا يأكل على خِوانٍ، وهو ما يُشبه المائدة، بل كان أكله على الأرض، وليس حرامًا أن يُؤكل على المائدة، ولكن كان هذا منه عليه الصلاة والسلام على سبيل التواضع، وكان لا يمتنع من مباح؛ إن وجد تمرًا أكله، وإن وجد خبزًا أكله، وإن وجد شِواءً أكله، وإن وجد خبز بُرٍّ أو شعيرٍ أكله، وإن وجد لبنًا اكتفى به، هكذا كانت أخلاقه عليه الصلاة السلام في جانب تناوُله الطعام؛ لأن هذا الأمر يتكرر كل يوم لحاجة الإنسان في بيته أو حيث ما كان أكله، وربما وجد ما لا يوافق هوى الإنسان، فربما غضب على أهل البيت وعاب عليهم ما صنعوا، مع أنهم قد تعِبوا وبذلوا، وربما ذهب لمكانٍ ما، فتناول الطعام فأبدى تذمُّرَه، وهذا خلاف الآداب الحكيمة، ولذا فالذي ينبغي على الإنسان أن يكون سهلًا في مثل هذا الأمر، فالطعام الذي لا يعجبك اليوم يعجبك غدًا، وحسبك أن تُدرك أن من صنع الطعام لك، وقدَّمه وهيَّأه، قد اجتهد وبذل، فحقه أن يشكر لا أن يعاب، هكذا كان عليه الصلاة والسلام لا يمتنع من المباح، أيُّ طعام قُدِّم قبِلَه، ولم يؤاخِذ على قِلَّته، أو على عدم كون الطعم سائغًا عنده، أو غير ذلك، فما دام مباحًا قبِلَه عليه الصلاة والسلام.

 

وكان مما أُثِر من سيرته وعُرِف من طريقته في جانب ما يأكل من الأطعمة: أنه أكل البِطِّيخ بالرطب، وكان يحب الحلواء والعسل، وهذا من حرص الصحابة -رضي الله عنهم- على أن يرصدوا كل صغيرة ودقيقة من شأن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، ولذلك كان الصحابة -رضي الله عنهم- من شدة حبهم له أنهم يتابعونه، بل يُقلدونه في مثل هذه الأمور الذي هي أقرب إلى الطبع الإنساني من كونها سُنة ودينًا، ولذلك يقول أنس لما رأى النبي -صلى الله عليه وسلم- رآه يتتبَّع الدُّباء لما قدم له الطعام، كان هكذا فعله رضي الله عنه، وهكذا يفعل المحب مع حبيبه، يقول أبو هريرة -رضي الله عنه-: “خرج رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير“.

 

تأملوا -أيها الإخوة- هذا النبي الكريم مع ما له من الحظوة والمكانة العظمى، إلا أنه لم يشبع من خبز الشعير، مع أن خبز الشعير يُهيَّأ ويُجهز من هذه المادة (الشعير) التي هي من أرخص وأقل الحبوب ثمنًا، ومع ذلك لم يتكلف نبي الله -صلى الله عليه وسلم- أن يشبعَ من هذا النوع.

 

وثبت أنه عليه الصلاة والسلام كان يأتي على آله الشهرُ والشهران، لا يُوقد في بيتٍ من بيوته نار، وكان قوتهم التمر والماء.

 

فقولوا لي بربكم: أي بيت اليوم في معظم بيوت المسلمين تمر عليه هذه المدة لا يوقد فيه نار لطهي الطعام؟ حتى من كان فقيرًا فإنه وإن مضى ما مضى من أيام، فلا يمكن أن تصل لهذه المدة لم يوقد في داره نار لطهي الطعام، لكنه عليه الصلاة والسلام كانت تمر عليه هذه الفترة وعلى بيوته، حتى إنه ربما جاء إليه الضيف، فيرسل إلى أزواجه: هل عندكم من طعام؟ فَيَقُلْنَ: لا، ليس عندنا من شيء، وهذا من زهده عليه الصلاة والسلام.

 

ثم تأمَّلوا صفحة أخرى من هذه الأخلاق النبوية والآداب المحمدية، كان عليه الصلاة والسلام يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة، ويكافئ على الهدية، كان يأكل الهدية إن كانت طعامًا ويقبلها، ولكن لا يأكل الصدقة، فإنها محرمة عليه عليه الصلاة والسلام وعلى آله، وكان يكافئ عليها، فقلَّ أن ن ما كان يتقدم أحد من الناس إليه بهدية إلا قابَله بمثلها، وهذا من الهدي الكريم؛ كما قال عليه الصلاة والسلام: “تهادُوا تحابُّوا“، فالهدية مما تُورث الحب بين الناس والوئام.

 

وكان عليه الصلاة والسلام لا يتأنق في مأكل ولا ملبس، والمعنى أنه لا يتكلف أن يطلب المتميِّز والغالي من المآكل والملابس، فليت شعري كيف هو حال أولئك الناس الذين فُتِنوا بالأسماء العالمية للملابس والأطعمة، كما يطلقون عليها علامة تجارية، أو لباس له ماركة، بمعنى أنهم يتطلبون الغالي الذي له ماركة متميزة، حتى يقال: إنه لبس كذا وكذا، وهذا مما فُتِن به كثير من الناس، حتى إنك لتجد وللأسف الشديد بعض الناس ربما حمل في يده ساعة بمئات الآلاف من الريالات، لكنه يستكثر أن يدفع فاتورة لامرأة أرملة قد أعياها همُّ الدَّين، وقلة ذات اليد، لا يدفع ربما مائة ريال أو نحو ذلك، ولا يبالي أن يكون هذا ملبسه بهذه الأثمان العالية التي هي في الحقيقة نوع من الإسراف، ففُتِن كثير من الناس رجالًا ونساءً بأنهم لا يتطلبون من اللباس إلا ما يحمل علامة شهيرة، مع أنه كان يُجزئه أن يكون لبسه من شيء جيد، ومن شيء متميز، لكنه لا يكون بهذه الأثمان الباهظة.

 

والمقصود أن هذا النبي الكريم -عليه الصلاة والسلام- لم يكن صاحب تعمُّق ولا مبالغة فيما يأكله، ولا فيما يلبسه، ولكم أن تتأملوا ذلك الموقف حينما دخل عمر -رضي الله عنه- على نبينا -عليه الصلاة والسلام- في غرفة ملحقة بمسجده في المشربة، فلما دخل عمر وبدأ يقلب ناظِريه في جدران هذه الغرفة، وفي الفراش الذي تحت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فهو يرى على الجدار قربة معلقة يشرب منها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتحته حصير قد أثَّر في جنبه الشريف، وإذا بعمر يقول وقد أدركه البكاء: “يا رسول الله كسرى وقيصر فيما هم فيه من النعيم، وأنت رسول الله تنام على حصير!؟”، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- مجيبًا له: “إنهم عُجِّلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا“.

 

وعُلِم من هَدْيه عليه الصلاة والسلام: أنه إنما كان يأخذ من هذه الدنيا ما يكون عونًا له على أمورها، وإلا فإن الفوز الأكبر والنعيم الأعظم هنالك في الدار الآخرة: (وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى) [الضحى: 5].

 

وكان عليه الصلاة والسلام لا يتكلف، وإنما يأكل ما وجد، ويلبس ما وجد، يدخل على أهل بيته: هل عندكم من طعام؟ فربما قالوا: لا، فلم يعنف ولم يخاصم، وربما قيل له: عندنا طعام وهو يسير، حتى إنه مرة قيل له لَمَّا قال: هل من طعام؟ قالوا: إنما عندنا الخَل، فقال: “قرِّبوه، نِعم الأُدُم الخَلُّ، نِعم الأُدُم الخَلُّ“.

 

وكان صلى الله عليه وسلم في جملة أخلاقه البيتية وتعامله مع أهل بيته، يَخصِف النعل، ويُرقِّع الثوب، ويكون في مَهنة أهله، ويَعود الْمَرضى، فهو في بيته ليس ممن يُكثر الأمر والنهي، والتسخط على أهل البيت، بل كان يشارك في إنجاز ما يمكن أن يقوم به.

 

ولكم أن تتأملوا هذا النبي الكريم ربما أصاب ثوبَه خرق أو تمزُّق، فهو الذي يُرقعه، فلا يستغني عنه لشق يسير لا يُشوهه، ولا يؤذي في لبسه، ولا يترفع عن أن يكون هو المعالج لهذا، بل هو الذي يُرقع ثوبه، وربما انقطع شِسْع نَعله، فيَخصِفه ويُصلحه، بأبي هو وأمي -عليه الصلاة والسلام-.

 

وكان في مَهنة أهله، يُعينهم على ما قد يحتاجون إليه، وكان عليه الصلاة والسلام من أخلاقه الشريفة أنه يَعود المرْضَى، فما من مريض يعلم به إلا ويبادر لعيادته، وفي مرة فقَدَ عليه الصلاة والسلام امرأةً كانت تأتي لمسجده الشريف، فتَقمُّه (أي: تُنظِّفه وتَكنُسه) فقيل: يا رسول الله، إنها ماتت، قال: “هلاَّ أخبرتموني عن موتها، دُلوني على قبرها؟” لعلها قد توفِّيت رضي الله عنها من ليل، فلم يريدوا أن يُكدروا أو يُزعجوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وربما غلب على أنفسهم أنها امرأة مغمورة، ولا يلتفت لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لكنه علَّمهم بأخلاقه الكريمة وشمائله الشريفة، وقال: “أين قبرها؟” فذهب وصلى عليها، صلى الله عليه وآله وسلم.

 

وكان من جملة أخلاقه: أنه أشد الناس تواضعًا، يُجيب مَن دعاه من غني أو فقير، أو من كبير أو صغير، وربما جاءت الجارية من نساء المدينة، تطلب حاجتها، فيجيبها النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى ما أرادت وإلى ما سألت، ويعينها على ما أرادت، كان يحب المساكين، ويشهد جنائزهم، ويعود مرضاهم، لا يَحقِر فقيرًا، ولا يهاب مَلِكًا لملكه.

 

وكان عليه الصلاة والسلام في جملة تعاملاته الحياتية: يركب ما تيسَّر من المراكب، يركب الفرس والبعير والحمار والبغلة، ويُردف خلفه من كان معه ممن تتحمله الدابة، ولا يدع أحدًا يمشي خلفه، مع أنه أفضل الخلق وأعظمهم وأشرفهم عليه الصلاة والسلام، يقول لهم: “خَلُّوا ظهري للملائكة“، فهو محفوظ بحفظ الله -جل وعلا-.

 

كان في لبسه عليه الصلاة والسلام يلبس ما تيسَّر من صوف أو كتان، وينتعل النعل المخصوف، وكان أحب اللباس إليه الحِبَرَة، وهو كما يقول العلماء: الثياب التي صُنِعت من الكتان، أو من القطن، وهي ثياب كانت يُؤتى بها من اليمن، فيها حُمرة وبياض.

 

وكان عليه الصلاة والسلام يلبس الخاتم، وكان خاتمه من فضة وفصه منه، يلبسه عليه الصلاة والسلام في خنصره الأيمن، وربما لبسه في الأيسر، وكان خاتمه مكتوب عليه: “محمد رسول الله” محمد سطر، ورسول سطر، ولفظ الجلالة الله سطر، وكان إذا أراد أن يدخل الخلاء، خلعه تعظيمًا لاسم الله -جل وعلا-.

 

وكان يعصب عليه الصلاة والسلام على بطنه الجحر في بعض الأحايين بسبب الجوع، وقد آتاه الله مفاتيح خزائن الأرض كلها، فأبى أن يأخذها واختار الآخرة عليها.

 

كان عليه الصلاة والسلام يُكثر الذكر ويقل من اللغو، ويُطيل الصلاة، ويقصر عليه الصلاة والسلام في خطبه، كان أكثر الناس تبسمًا وأحسنهم بِشرًا، مع أنه عليه الصلاة والسلام كان أعظم الناس لله خشيةً، وأعلمهم بما أمام الناس من أمور وأهوال، يقول: “لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلاً، ولبَكيتم كثيرًا“.

 

كان عليه الصلاة والسلام يحب الرائحة الطيبة، يحب الطيب ويكره الريح الكريهة، ولذلك كان يعظم عليه جدًّا أن يجد أحدٌ مِن الناس منه رِيحًا مستنكرة، ولَما علِم أمهات المؤمنين بهذه الخصلة الشريفة فيه، بادرنَ مرة بدافع الغيرة إلى أن يقول بعضهن: “إنا لنجد فيك يا رسول الله ريح مغافير” نجد فيك ريحًا مستنكرة، كأنها ريحة المغافير، وهي نوع من النبت؛ فأجاب عليه الصلاة والسلام: “إنما هو عسل أكلته، وربما رعت نحله نوعًا من الزهر“، ولما كررتْ عليه الأخرى ذلك قال: “هو حرام عليَّ”؛ استعظامًا لما وُجِد مِن الريح المستنكرة منه، فأنزل الله -جل وعلا-: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [التحريم: 1].

 

والمقصود أنه كان طيب الريح مُحبًّا لها، حتى إنه عليه الصلاة والسلام كان إذا مر بطريق عُلِم أنه مر بها لِما يوجد من أثرِ رِيحه الطيبة، وكان عليه الصلاة والسلام يبادر إلى الرحمة بالصغار والتلطف معهم، فكان إذا خرج من المسجد استقبلوه، فبادرهم وسلَّم عليهم، قال أحدهم: “فوضع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كفيه على خدي، فوجدت لهما بردًا وريحًا طيبًا، كأنما أخرجهما من جُؤنة عطار“؛ كأنما يداه كانتا في صندوق الطيب، لطيب ما وجد من الريح.

 

كان عليه الصلاة والسلام في جملة أخلاقه من أكثر الناس تبسمًا وأحسنهم بشرًا، مع أنه عليه الصلاة والسلام على ما تقدم مما كان من علمه بما يكون من أهوال الآخرة، وما أمام الناس من الخطوب العظيمة.

 

والمقصود -أيها الإخوة الكرام- أن هذا النبي الكريم قد جمَع الله له من الأخلاق العظيمة والصفات الشريفة ما ينبغي أن نكون على أُسوته والاقتداء به.

 

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بهدي النبي الكريم.

أقول ما سمعتم، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وصلى الله وسلم على عبد الله ورسوله نبينا محمد، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

 

أما بعدُ:

 

أيها الإخوة المؤمنون: إن نبينا محمدًا -عليه الصلاة والسلام- هو الأسوة في كل شيء، ومن جملة ذلك هذه الأخلاق العظيمة والصفات الشريفة التي نحتاج إليها بالتأكيد في كل تعاملاتنا، وبخاصة مَن هم على قربٍ منَّا ممن نتعامل معهم، وقد أسلفت شيئًا من أخلاقه الشريفة؛ كما ذكرها الحافظ عبدالغني المقدسي -رحمه الله-، وهي أخلاق رصدها الصحابة -رضي الله عنهم-، ونقلوها لنا في كل ذلك، فمَن هُدِي إلى هذا الخلق العظيم، واقتدى بهذا النبي الكريم، فقد هُدِي إلى خير كثير.

 

واليوم مع شدة وصعوبة أمور الحياة، فالناس بحاجة إلى التخلق بهذه الأخلاق التي يرحم بها بعضهم بعضًا، ويعطف من خلالها بعضهم على بعض، ويحسن بعضهم إلى بعض، فمن جملة هذه الأخلاق (إضافة إلى ما تقدم): أنه عليه الصلاة والسلام كان يلاحظ توفير الحاجات النفسية للناس، فلا يترفع بمقام النبوة على أن يُمكن الناس من حاجاتهم الفطرية، فكان عليه الصلاة والسلام على سبيل المثال يرى اللعب المباح، فلا ينكره، مع أنه ربما هو لمقامه الشريف لم يباشر ذلك، ولكنه يُقره، ومن أنواع السُّنة الإقرار.

 

وكان عليه الصلاة والسلام يَمزح ولا يقول إلا حقًّا، فلم تكن شخصيته متصلبة تُهاب ولا تُقرب، بل كان عليه الصلاة والسلام قريبًا من كل أحد حتى بمِزاحه، لكن مِزاحه كان حقًّا وصدقًا، ولذا لما قالت له امرأة مرة: “يا رسول الله، ادعُ الله أن أكون من أهل الجنة”، وكانت سيدة كبيرة في عمرها، فقال: “الجنة لا يدخلها العجائز“، فبلغ النبي -صلى الله عليه وسلم- أن هذه المرأة حزِنت لذلك، فأبلغته عائشة، فقال: “قولوا لها: إنها تدخلها شابَّة بإذن الله“، فأهل الجنة على سن ثلاث وثلاثين.

 

وكان عليه الصلاة والسلام لطيب معشره وكرم مَحتده، يُقبل معذرة المعتذر إليه، فلا يتكبر عن أن يقبل ممن أساء، بل كان يَقبل مِن كل مَن اعتذَر.

 

كان عليه الصلاة والسلام بين يديه من الخدم، ومَن يحتفي به من الصحابة، مَن يبادرون لخدمته، كان لا يترفع عليهم في ملبس ولا مأكل، ولا غير ذلك، ولكم أن تتأملوا مجلسًا من مجالسه الشريفة على صحفة الطعام، مَن كان معه؟ جاء في حديث: أنه جلس مرة على صحفة الطعام معه فتاةٌ صغيرة من أهل بيته؛ إما بنت أم سلمة، أو غيرها، ودخل أعرابي، فبادر إلى مجلس الرسول -عليه الصلاة والسلام-، ووضع يده في الطعام، فلم يمنع، ولم يكن مجلسه مما يُهاب -عليه الصلاة والسلام-، وذلك لقربه من الناس وتواضُعه.

 

كان عليه الصلاة والسلام لا يمضي له وقت في غير عمل لله، أو فيما لا بد لأهله منه، بل كل أوقاته معمورة بطاعة الله وبخدمة من حوله.

 

كان عليه الصلاة والسلام في صغره أو في شبابه، قد رعى الغنم، وقال: “ما من نبي إلا وقد رعاها“، وهذا كله تدريب له على أن يكون على هذا المسلك الذي أراده الله له؛ تشريفًا وتعظيمًا، وقد سُئلت أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- عن خلقه عليه الصلاة والسلام، فقالت: “كان خُلقه القرآن، يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه”، ولم يكن يُعنف فيما قد يشاهد مِن الأخطاء، بل كان لطيفًا في توجيهه، متسامحًا فيما قد يَنِدُّ مِن بعض مَن حوله، وينقل لنا أنس بن مالك -رضي الله عنه- هذه الحال، فيقول: “ما مسستُ ديباجًا ولا حريرًا ألينَ من كف رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا شممتُ رائحة قط كانت أطيب من رائحة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولقد خدمت رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- عشر سنين، فما قال لي: أُف قط، ولا لشيء فعلته لِم فعلتَ كذا، ولا لشيء لم أفعله ألا فعلتَ كذا“.

 

تأملوا -أيها الإخوة المؤمنون- عشر سنين مضت لم يحدث شيء من ذلك، وكثير من الناس اليوم ربما عاتب العامل الذي عنده في اليوم مرات عديدة، إما بحق أو بغير حق، والمتعين على الإنسان أن يحمد الله أنه جُعِل رَبًّا للعمل وليس أجيرًا للعمل، ولذلك متعينٌ على الإنسان أن يسامح ويعفو ويتغاضى، ولذا لَما سُئل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- عن الخدم وأخطائهم: كم يسامح في اليوم؟ قال: “مائة مرة”، أو كما صح عنه عليه الصلاة والسلام.

 

وكان من كريم خلقه وشرف أدبه عليه الصلاة والسلام: أن حثَّ على أن يكون الخادم الذي يصنع الطعام ممن يأكل منه، وقال مُعللاً ذلك: فإنه قد عالج وعانى صنعه وإعداده، فهذا خلق كريم أن الخادم إذا صنع الطعام أو أحضره، وأراد أن يجعله، كان عليه الصلاة والسلام يُقعده معه، وإن لم يقعده، فليُطعمه لُقمة أو لقمتين، أو كما صح عنه عليه الصلاة والسلام، والمقصود في ذلك وجود الإلف والإخلاص بين رب العمل وخادمه.

 

والمقصود بكل ما تقدم -أيها الإخوة المؤمنون- أن الله -جل وعلا- قد جمع لهذا النبي الكريم كمال الأخلاق ومحاسن الأفعال، فله من الخلق ما لا مثيل له، وفي أخلاقه عليه الصلاة والسلام ما نحتاج جميعًا له في تعاملاتنا.

 

وكما تقدم أن هذا التعامل النبوي السامي نحتاج إليه مع أهلينا، ومع من نحتك ونتعامل معهم كثيرًا؛ فهم أَولَى الناس بهذه الأخلاق الذي حث عليها سيد الخلق محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-.

 

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

 

اللهم ارضَ عن خلفائه الراشدين والأئمة المهديين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة والتابعين، وعنا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين.

 

اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، الأحياء والأموات.

 

ربنا اغفِر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، ولا تجعل في قلوبنا غِلاًّ للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.

 

اللهم اغفر لنا ولوالدينا، وارحمهم كما ربونا صغارًا.

 

اللهم هَبْ لنا من أزواجنا وذرياتنا قُرة أعينٍ، واجعلنا للمتقين إمامًا.

 

اللهم آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقِنا عذاب النار.

 

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، وألِّف بين قلوبهم يا ذا الجلال والإكرام.

 

اللهم اجعل بلدنا هذا آمنًا مطمئنًا وسائر بلاد المسلمين.

 

اللهم احفَظ جنودنا المرابطين على الحدود وفي الثغور، اللهم ثبِّت أقدامهم واحفَظهم بحفظك يا رب العالمين.

 

اللهم ادْحَر الحوثيين وأعوانهم، وكل من أراد بنا سوءًا يا قوي يا عزيز.

 

اللهم من أراد بالإسلام والمسلمين سوءًا، فاشغله بنفسه، واجعل تدبيره تدميرًا عليه يا سميع الدعاء.

 

اللهم أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة الناصحة، وأبعِد عنهم بطانة السوء يا رب العالمين.

 

اللهم وفِّقهم لما فيه خير البلاد والعباد يا ذا الجلال والإكرام.

 

اللهم احقن دماء المسلمين في كل مكان.

 

اللهم فرِّج هموم إخواننا المبتلين في فلسطين والشام، وفي العراق وليبيا، وبورما واليمن، وفي غيرها من البلاد.

 

ربنا طال الأمد عليهم، ولا مشتكى إلا إليك، فنسألك اللهم لهم فرجًا عاجلًا يا حي يا قيوم.

 

(سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) [الصافات: 181 – 182].

الملفات المرفقة
إضاءات من الآداب النبوية والأخلاق المحمدية
عدد التحميل 15
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات