طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

14392

الشباب وقصة بئر معونة

المكان : المملكة العربية السعودية / الرس / حي الملك خالد / جامع الملك عبد العزيز /
التصنيف الرئيسي : السيرة النبوية الجهاد
تاريخ الخطبة : 1423/08/12
تاريخ النشر : 1439/02/04
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ الشباب والعودة إلى الدين الحق 2/ خير وسائل تربية الشباب 3/ أهمية تكامل التربية وشمولها لشباب الإسلام 4/ صفات القراء من الصحابة وسماتهم 5/ ملخص حادثة بئر معونة 6/ أبرز الدروس والعبر المستفادة من حادثة بئر معونة 7/ ملخص حادثة الرجيع وذكر أبطالها 8/ الحب الأسمى لله ولرسوله 9/ الحث على مدارسة السيرة النبوية.
اقتباس

لقد كان أكثر الصحابة شباباً صغاراً سطروا أروع المواقف، مواقف بطولية، ومواقف إيمانية، ودعوية وتربوية، ولا غرابة فقد تخرجوا من المدرسة المحمدية، اقرءوا سيرة أسامة بن زيد الحِب بن الحِب -رضي الله عنهما-، اقرءوا سيرة علي بن أبي طالب مثال البطولة وعلو الهمة، تأملوا سيرة معاذ بن جبل، وكيف كان أمة لوحده، قفوا مع سيرة الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، تدارسوا سيرة الشاب مصعب بن عمير الداعية الشهيد، تعرفوا على سيرة زُهرة بن الحوية التميمي بطل القادسية -رضي الله عنه-..

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله لا الله تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسول الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه وسلم تسليماً كثيراً..

 

أما بعد، أيها الناس اتقوا الله حق التقوى، واستمسكوا من الإسلام بالعروة الوثقى.

 

عباد الله: إن مما يسر كل مسلم هو هذه الصحوة واليقظة لدى المسلمين ورجوعهم إلى دينهم الذي ارتضى الله لهم، وخاصة في صفوف الشباب، فإننا نسمع ونرى بفضل الله -تعالى- قوافل الشباب من الجنسين، وقد ارتفعوا بهممهم، وتغلَّبوا على شرور أنفسهم، وتنبَّهوا لسببِ وجودهم وخلقهم، فهجروا وسائل المعاصي والشهوات، وأقبلوا على المساجد والصلوات، عرفوا معنى الحياة، وذاقوا اللذة الحقيقية، والحلاوة الإيمانية، والمعاني السماوية.

 

ومن حق هؤلاء أن نخصهم بكلمات، وأن نبذل لهم النصح والتوجيهات، ليزدادوا إيماناً وثباتاً، وخير نصيحة وتوجيه لهم بعد إخلاص هدايتهم لله فليست من أجل فلان ولا علان، وأيضاً فبعد الإخلاص لا بد من معرفة طريقهم الذي سلكوه وهو طريق الحبيب -صلى الله عليه وسلم- ومنهجه الواضح دون غلو ولا تمييع بل بوسطية الإسلام الرائعة، ومنهجية أصحابه الذائعة.

 

ومن أراد أن يتربى على هذا خاصة الشباب فخير ما يعينه هو القراءة والتأمل في السيرة والوقوف مع أحداثها الفذة، ودروسها المستفادة، تلك السيرة التي نسينها، بل ربما يجهلها الكثير من فصولها المربين والمربيات، والمعلمين والمعلمات، والآباء والأمهات، حتى تعلّق شبابنا من الجنسين بقدوات وهمية خائرة فاترة، وشباب أمة الإسلام ترتفع أعدادهم هذه الأيام، فمن يأخذ بأيديهم؟ وأين المحاضن التربوية التي تحتويهم؟

 

لقد كان أكثر الصحابة شباباً صغاراً سطروا أروع المواقف، مواقف بطولية، ومواقف إيمانية، ودعوية وتربوية، ولا غرابة فقد تخرجوا من المدرسة المحمدية، اقرءوا سيرة أسامة بن زيد الحِب بن الحِب -رضي الله عنهما-، اقرءوا سيرة علي بن أبي طالب مثال البطولة وعلو الهمة، تأملوا سيرة معاذ بن جبل، وكيف كان أمة لوحده، قفوا مع سيرة الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، تدارسوا سيرة الشاب مصعب بن عمير الداعية الشهيد، تعرفوا على سيرة زُهرة بن الحوية التميمي بطل القادسية -رضي الله عنه-.

 

شباب ذللوا سبل المعالي *** وما عرفوا سوى الإسلام دينا

تعهَّدهم فأنبتهم نباتاً  كريماً *** طاب في الدنيا غُصُونا

إذا شهدوا الوغى كانوا كماةً *** يَدُكُّون المعاقل والحصونا

شباب لم تحطمه الليالي *** ولم يُسلم إلى الخصم العرينا

وإن جَنَّ المساء فلا تراهم *** من الإشفاق إلا ساجدينا

كذلك أخرج الإسلامُ قومي *** شباباً مخلصاً حراً أمينا

وعلَّمه الكرامة كيف تُبنى *** فيأبى أن يُقيَّد أو يهونا

 

عباد الله: وتشهد سنة المصطفى -صلى الله علية وسلم- وسيرته العملية اهتمامًا واضحًا بالشباب، وسأعرض لنموذج واحد فقط يؤكد مدى العناية بالشباب، علمًا وعملاً ودعوة واحتسابًا وتضحية وجهادًا، ففي قصة السبعين الذين استشهدوا ببئر معونة خير مثال على تكامل التربية وشمولها لشباب الإسلام..

 

وقصتهم كما أخرجها البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك -رضي الله عنه-:” أن رعلاً وذكوان وعصية وبني لحيان استمدوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على عدو، فأمدهم بسبعين من الأنصار، كنا نسميهم “القراء” في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار ويصلون بالليل حتى كانوا ببئر معونة، قتلوهم وغدروا بهم.. “.

 

وفي صحيح مسلم عن أنس أيضًا قال: جاء ناس إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: أن ابعث معنا رجالاً يعلمونا القرآن والسنة، فبعث إليهم سبعين رجلاً من الأنصار يقال لهم القراء.. يقرؤون القرآن ويتدارسون بالليل يتعلمون، وكانوا بالنهار يجيئون بالماء فيضعونه في المسجد ويحتطبون فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصفة وللفقراء.. “.

 

وفي مسند الإمام أحمد عن أنس أيضاً قال: “كان شباب من الأنصار سبعين رجلاً يقال لهم القراء، يكونون في المسجد، فإذا أمسوا انتحوا ناحية من المدينة فيتدارسون ويصلون، يحسبهم أهلوهم في المسجد، ويحسبهم أهل المسجد في أهلهم، حتى إذا كان في وجه الصبح استعذبوا من الماء واحتطبوا من الحطب فجاءوا به فأسندوه إلى حجرة النبي -صلى الله عليه وسلم-“.

 

ومن مجموع هذه الروايات نستخلص الأمور التالية:

– أن هؤلاء السبعين من الشباب، كانت لهم همة في قراءة القرآن ومدارسته، وتعلم العلم والاجتماع عليه، حتى عُرفوا بالقراء، ويظهر حرصهم على أوقاتهم، فهم يكونون في المسجد لشهود الصلاة مع المسلمين، فإذا أمسوا انتحوا ناحية من المدينة للمدارسة والصلاة.. حتى يحسبهم أهلوهم في السجد، ويحسبهم أهل المسجد في أهليهم ..

 

الله أكبر معاشر الشباب! ما أحلى الاجتماع إذا كان على طاعة الله! ليس مجرد لقاء يكثر فيه القيل والقال، بل لقاء علمي تربوي عملي، فبرنامجهم خلال هذا اللقاء: مدارسة للقرآن وفهمه وليس فقط حفظه، ومن ثم صلاة وعبادة، ثم يجلبون الماء للمسلمين ويضعونه في المسجد، ثم يحتطبون الحطب فيبيعونه ويشترون بثمنه طعاماً لأهل الصفة وللفقراء!!

 

يحملون همهم، وهم غيرهم من الفقراء والمحتاجين، بل وهم خدمة المجتمع بسقيا الماء، همة في تلاوة القرآن ومدارسة العلم، وهمة في المحافظة على الصلوات؛ فرضها ونفلها، وهمة بالعمل فلم يكونوا عالة على أهليهم أو على المجتمع من حولهم بل كانوا يحتطبون ويبيعون..

 

بل تجاوز نفعهم للآخرين، هكذا فلتكن الأخوة، والتعاون على البر والتقوى: (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف: 67]، ولم يُقعِدهم ذلك كله عن الجهاد في سبيل الله، والدعوة لدينه، ولم يستكثروا أي شيء يقدمونه لهذا الدين، ولم يندموا إذا فاضت أرواحهم شهداء في سبيل الله.

 

وخلاصة ذلك الموقف الرهيب وتلك المأساة المفجعة؛ أن جاء أبو براء عامر بن مالك المدعو (ملاعب الأسنة) فدعاه الرسول إلى الإسلام، فلم يُسلم ولم يبعد، ثم قال: يا رسول الله لو بعثت أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى دينك، لرجوت أن يجيبوهم، فقال: إني أخاف عليهم أهل نجد، فقال: أبو براء: أنا جار لهم، فبعث معه سبعين رجلاً من خيار المسلمين وفضلائهم وساداتهم وقرائهم.

 

فسار القراء لإبلاغ دين الله، وما كانوا يدرون أنهم يحثون الخطا إلى مصارعهم في أرض انتشر الغادرون في فجاجها. فساروا حتى بلغوا بئر معونة، فأرسلوا أحدهم –وهو حرام بن ملحان- إلى عامر بن الطفيل –وهو ابن أخ لأبي براء عامر بن مالك– وكان رأساً في الكفر، فأعطاه حرام، كتاب رسول الله إليه يدعوه إلى الإسلام، فلم ينظر فيه، وأمر رجلاً من أتباعه أن يغتاله..

 

ثم استنفر عدو الله –عامر بن الطفيل– بني عامر لقتال الباقين فلم يجيبوه لأجل جوار أبي براء. فاستنفر بني سُليم فأجابته عُصية ورعل وذكوان، فجاؤوا حتى أحاطوا بأصحاب رسول الله فدافع القراء عن أنفسهم حتى استشهدوا كلهم غير كعب بن زيد بن النجار فإنه ارتثّ من بين القتلى، فعاش حتى استُشهد في الخندق.

 

وكان عمرو بن أمية الضمري، والمنذر بن عقبة بن عامر في سرح المسلمين، فرأيا الطير تحوم على موضع الواقعة، فنزل المنذر فقاتل المشركين حتى قتل، وأسر عمرو بن أمية، فلما أخبر عامر أنه من مضر أعتقه عن رقبة كانت على أمه.

 

ولما رجع عمرو بن أمية لقي رجلين من بني كلاب، فقتلهما وهو يرى أنه قد أخذ ثأر أصحابه، وما شعر أن معهما عهد من رسول الله، فأمر رسول الله بجمع ديتهما من المسلمين وحلفائهم من اليهود.

 

إنها عظمة الإسلام معاشر الشباب لا غدر لمن كان له عهد مهما كانت الظروف والأحوال، ومهما بلغت النفوس الحناجر وضاقت من الكفار فإن للإسلام آداب وأحكام يجب أن يتربى عليها شباب الإسلام .. فقد دفع النبي -صلى الله عليه وسلم- الدية للكافريْن رغم تألمه لأصحابه الذين قتلوا في بئر معونة، بل وقبلها بأيام الصحابة الذين قتلوا في حادثة الرجيع -كما سيأتي- أشد الألم، بل ما وجد على أحد ما وجد عليهم كما قال أنس.

 

بل من شدة ما وجد -صلى الله عليه وسلم- ظل يقنت ويدعو ثلاثين صباحاً على رِعل، وذكوان، ولحيان، وعصية، ويقول: عصية عصت الله ورسوله.

 

إنه درس عملي لشباب المسلمين في ضبط الأعصاب والتصرف بحكمة خاصة أثناء الفتن والشدائد، وأثناء الضعف وقلة الحيلة، ودرس في اللجوء إلى الله واستمرار الدعاء على الأعداء كل يوم ولشهر كامل .

 

عباد الله: لقد تجلى في هذه الحادثة: نماذج ومواقف غريبة، وعنايةً من الله بهم عجيبة، هي وربي قمم في الإيمان، وهي صالحة للاعتبار في أوساط الشيوخ والشبان.

 

فأحدهم كما تقدم كان حرام بن ملحان – خال أنس رضي الله عنهما-، فبينما هو يعطي كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعامر بن الطفيل يدعوه فيه إلى الإسلام، فلم ينظر فيه، وأمر رجلاً من أتباعه أن يغتاله فما شعر حرام إلا وطعنة غدرٍ تخترق ظهره، وتنفذ من صدره، فوقعت على غير كاره لها، بل كم تمنى أمثالها، فإنه ما إن وقعت موقعها منه حتى قال بالدم هكذا، ونضحه على وجهه ثم صاح “فزت ورب الكعبة، فزت ورب الكعبة“.

 

الله أكبر يا حرام! أي فوز هذا الذي تعنيه ! إنك تموت وتهجر الدنيا ولذاتها؟! فحدّثهم يا حرام عن حقيقة الفوز لا فوز المناصب ولا الملاعب، “فزت ورب الكعبة“.

 

ومن هؤلاء الشباب في الحادثة: عامر بن فهيرة -رضي الله عنه-، قال عنه أحد الكفار حين قتل: “لقد رأيته بعدما قتل رُفع إلى السماء حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض ثم وضع..”.

 

وقد ذكر الواقدي وابن المبارك: أن الملائكة وارته ولم يره المشركون، قال ابن حجر: وفي ذلك تعظيم لعامر بن فهيرة، وترهيب للكفار وتخويف.

 

أما قائدهم كما في رواية ابن إسحاق “المنذر بن عمرو الخزرجي”، فكان يلقب المُعنق ليموت وإنما لقب بذلك لأنه أسرع إلى الشهادة. ولا ينتهي عجبك من هؤلاء جميعًا حين تعلم أنهم سألوا الله أن يبلغ نبيه رسالتهم إليه، فأنزل الله -تعالى- على نبيه قرآناً يتلى حتى نسخ بعد “بلغوا قومنا أنا لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه“.

 

إنه رضا الله نعيم الدنيا والآخرة، فأي مطلب تطلبه النفس بعد هذا: أن يرضى الله -تعالى- عنها فلا يسخط عليها أبداً ؟! نسأل الله الكريم من فضله. (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ) [فصلت: 30- 32].

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، ومن استن بسنته إلى يوم يلقاه..

 

أما بعد.. عباد الله: وأما حادثة الرجيع فموقف آخر لثلة جادة مباركة من شباب الصحابة وقرائهم -رضوان الله عليهم-، وقد كانت قبل حادثة بئر معونة بأسابيع قليلة، فبعد غزوة أحد وفي شهر صفر من السنة الرابعة قدم على رسل الله وفد من عضل والقارة، وطلبوا من الرسول أن يرسل معهم إلى قومهم جمعاً من أصحابه يعلمونهم الدين، ويُقرؤونهم القرآن، فبعث معه عشرة من أصحابه في رواية البخاري، وفي قول ابن إسحاق أنهم ستة.

 

وجعل عليهم عاصم بن ثابت الأقلح أميراً فذهبوا معهم، فلما كانوا بالرجيع – وهو ماء لهذيل – استصرخوا عليهم حياً من هذيل وهم بنو لحيان، فتبعوهم وأحاطوا بهم، وكانوا قريباً من مائتي مقاتل، فلجأ الوفد إلى مكان مرتفع، فأعطى الأعراب الأمان للوفد إن نزلوا إليهم، فقال عاصم بن ثابت: “أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر“، فكان أصحابه معه على هذا، فقاتلوهم حتى قتل عاصم وستة من أصحابه، وبقي ثلاثة، فأعطوهم الأمان من جديد فقبلوا، فلما نزلوا ربطوهم وغدروا بهم، فقاومهم أحدهم فقتلوه، وبقي اثنان وهما خبيب بن عدي، وزيد بن الدثنّة، فاقتادوهما إلى مكة، وباعوهما على قريش.

 

فأما خبيب فقد اشتراه بنو الحارث بن عامر بن نوفل ليقتلوه بالحارث الذي قتله خبيب يوم بدر. فمكث عندهم أسيراً، حتى إذا أجمعوا على قتله، استعار موس من بعض بنات الحارث ليستحد به، فأعارته، وغفلت عن صبي لها فجلس الصبي على فخذ خبيب، فخشيت المرأة أن يقتله انتقاماً، فقال خبيب: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك إن شاء الله، فكانت تقول ما رأيت أسيراً قط خيراً من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزق رزقه الله.

 

فخرجوا من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين، ثم انصرف إليهم فقال: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدت، فكان أول من سن الركعتين عند القتل. ثم قال: اللهم أحصهم عدداً، واقتلهم بدداً، ولا تبق منهم أحداً، ثم قال:

 

ولست أبالي حين أقتل مسلمًا *** على أي جنب كان في الله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ يب *** ارك على أوصال شلوٍ ممزّع

 

ثم قتل وصُلب -رحمه الله ورضي الله عنه-.

 

وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه، فلما خرجوا به من الحرم، اجتمع حوله رهط من قريش فيهم أبو سفيان، فقال له أبو سفيان: أنشدك الله يا زيد، أتحب أن محمداً عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه، وأنك في أهلك؟ فاسمعوا معاشر المؤمنين والمؤمنات إلى إجابته الرائعة؟! اسمعوا معاشر الشباب والفتيات، كيف يكون الحب لله ورسوله؟! كيف يكون الإيمان الصادق إذا لامس شغاف القلوب؟ كيف تُبذل النفوس وكل ما تملك لعقيدتها؟!

 

قال زيد -رحمه الله ورضي الله عنه-: “والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وأني جالس في أهلي“.

 

الله أكبر! إنه الحب الخالص الذي لم يشوبه دخن حظوظ النفس، ولا تطلعاتها، ليس حب الشهوات والتعلق والعشق والإعجاب ؟!

 

إذا كان حب الهائمين من الورى بليلى *** وسلمى يسلب اللب والعقلا

فماذا عسى أن يصنع الهائم الذي *** سرى قلبه شوقاً إلى العالم الأعلى

 

إنه حب الله، حب هذا الدين، بذل النفس والنفيس من أجله، وحمل همه وتبليغه، بل وكلما اشتدت الأمور، وادلهمت الفتن، كلما زاد إيمان المسلم وثباتاً، هكذا معاشر الشباب يكون الحب لهذا الدين، وعقل وحكمة، وعمل ودعوة، وشجاعة وعزة

 

لا يُرى من فزع رهنَ أسى *** يقينُهُ كالطود في القلب رسا

يُبْصرُ في غور الخطوب قَبَسَا *** من نُصرة الله إذا ما استيأسا

 

ما أروعها من كلمة “والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه، وأني جالس في أهلي“. فقال أبو سفيان وكان مشركاً: “ما رأيت في الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً“. فأين الأجيال اليوم من المحبة الحقيقية لنبينا وحبيينا-صلى الله عليه وسلم- وتربيتهم عليها.

 

وبعثت قريش إلى موضع مقتل عاصم بن ثابت لما علموا بقتله ليأتوا بشيء من جسده لأنه قتل عظيماً من عظمائهم يوم بدر. وكان عاصم قد دعا الله -تعالى- أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركاً، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبر -وهو الزنابير– فحمته من رسولهم فلم يقدروا منه على شيء، ولم يستطيعوا أن يقطعوا من لحمه شيئاً.

بقدرة الواحد الأحد، الذي من توكل عليه حقاً كفاه، ومن لاذ حقاً بحماه حماه.

 

ولما علم المسلمون بمصرع إخوانهم حزنوا لفقدانهم خيرةً من شبابهم. وأحس المسلمون أن كفار الأعراب اشتد مكرهم وبلغت مطامعهم أن يصطادوا الرجال غدراً وخيانة.. ومع ذلك لم يتواصوا بالركون وتخفيف النشاط الدعوي بحجة اشتداد مكر الكفار، فالتضحيات في الدعوة إلى الله أمرٌ لابد منه، وسنةٌ مضى عليها الأنبياء وأتباعهم.

 

فلن تكون حرب القتل والغدر الإرهاب عائقاً دون نشر رسالة الخير، فلن تحجب من أنوارها إلا كقدر ما تحجبه كفّ الصبي من ضوء الشمس. فما كانت أمثال هذه المواقف العصيبة التي عاشها المسلمون لتوهنهم عن رسالة ملئوا بها قلوبهم، وسخروا لها أيامهم ولياليهم، وسقوا تربتها بصافي دمائهم.

 

لذلك أُرسل القراء قِبل نجد في نفس الشهر الذي وقعت فيه مأساة الرجيع، لكن بعد الأخذ بالأسباب والتي منها: إجارة أبي براء عامر بن مالك للقراء السبعين، ولكن قدر الله نازل لا محالة مهما اتُخذت التدابير، وفُعلت الأسباب، (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا) [الأحزاب: 38].

 

فأرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- خيرة شبابه للدعوة في أحلك الظروف وأشدها ليعلم الغدر وأهله أن الوفاء الحق سيبلغ ما بلغ الليل والنهار، وإن حدّثت الأيام بأمثال الرجيع وأشد، وهو ما وقع لأولئك القراء في بئر معونة كما تقدم ذكره.

 

يا شباب! إنها الدروس من أحداث السيرة، تصفو بها السريرة، وتقوى بها العزيمة، وتدفع القلق والحيرة، فأطيلوا النظر في مصنفاتها، …

 

وصلوا وسلموا

الملفات المرفقة
الشباب وقصة بئر معون
عدد التحميل 27
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات