طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

14339

الكلمة الطيبة وآثارها الحسنة

المكان : اليمن / صنعاء / بدون / ابن الأمير الصنعاني /
التصنيف الرئيسي : الأخلاق المحمودة
تاريخ الخطبة : 1435/05/06
تاريخ النشر : 1439/01/25
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ قيمة الكلمة الطيبة 2/ دلالتها على نقاء نفس صاحبها 3/ جملة من الكلام الطيب وعبادات الأقوال 4/ بواعث الكلام الطيب 5/ فضله 6/ آثاره في الدنيا والآخرة 7/ أحقية الوالدَين والأقربين بالكلام الطيب 8/ دلالات الكلام الخبيث وآثاره
اقتباس

والكلمة الطيبة عنوان المتكلم ودليله، ولباسه الساتر، وجماله الظاهر، وعطره الفواح، ومفتاحه إلى القلوب والأرواح، وسفيره الذي يصعد إلى السماء، ليجد حسن الجزاء. قال -تعالى-: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر:10].

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الرحيم الرحمن، خلق الإنسان، علمه البيان. وأشهد أن لا إله إلا الله القائل: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرَارٍ) [إبراهيم:24-26].

 

وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله جاء بالحق ونطق به، القائل: “والكلمة الطيبة صدقة” متفق عليه. صلى الله عليه وعلى آله الطيبين، وصحابته الصادقين، وزوجاته الطاهرات أمهات المؤمنين، وسلم تسليما.

 

أما بعد: فاتقوا الله-عباد الله-؛ فإن تقوى الله أطيب الأعمال وأزكاها، وأفضل الوصايا وأسماها، فما أوصى موصٍ بمثلها. قال -تعالى-: (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيّاً حَمِيداً) [النساء:131]. فمن اتقى الله نال الفلاح كله. (أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [البقرة:5].

 

 

أيها الناس: ذكر بعض المؤرخين أن يهودياً مرَّ بإبراهيم بن أدهم -رحمه الله-، فأراد ذلك اليهودي أن يستفز إبراهيم، فقال له: يا إبراهيم، ألِحْيَتُك أطهر من ذَنَب الكلب، أم ذنب الكلب أطهر من لحيتك؟! فقال إبراهيم: إن كانت في الجنة فهي أطهر من ذنب الكلب، وإن كانت في النار فذنب الكلب أطهر منها. فلما سمع اليهودي هذا الجواب الحليم من المؤمن الكريم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله!.

 

فتأملوا -أيها الإخوة الكرام- ماذا صنعت الكلمة الطيبة- مع ذلك الاستفزاز المقيت- في نفس اليهودي وكيف أنبتت نباتاً حسناً بإذن ربها! قال -تعالى-: (وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً) [الإسراء:53].

 

عباد الله: إن الكلمة الطيبة ثمرة طيبة تخرج من نفس طيبة، وزهرة حسنة تقطفها يد كريمة، من حديقة قلب معمور بالطيب وروائح الحب السليم. والكلمة الطيبة حروف مضيئة تنبثق من صدر يتلألأ بالنور، ويزهر بالسرور. تولد الكلمة الطيبة من ذلك المكان المشرق لتضيء القلوب والأرواح والوجوه. الكلمة الطيبة بسمة الحياة، وعطر الشفاه، وبلسم الجروح، وشفاء الجسد والروح.

 

والكلمة الطيبة عنوان المتكلم ودليله، ولباسه الساتر، وجماله الظاهر، وعطره الفواح، ومفتاحه إلى القلوب والأرواح، وسفيره الذي يصعد إلى السماء، ليجد حسن الجزاء. قال -تعالى-: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر:10].

 

والكلمة الطيبة تكشف عن مكنون صاحبها من رجاحة العقل، وصفاء القلب، قال الشاعر:

وزنِ الكلامَ إذا نطقت فإنما *** يُبدي عقولَ ذوي العقول المنطقُ

 

أيها المسلمون: إن الكلمة الطيبة هي الألفاظ الحسنة التي تخرج من فم الإنسان ابتداء أو جواباً، وتحمل معها الخير والنفع للناس، وتبتعد عن الفحش والبذاء، والإضرار والإيذاء، والشتم والاستهزاء.

 

إنها ليست كلمة واحدة، بل كلمات تنبع من مشكاة مليئة بما لذ وطاب من الكلام الذي ينبت في القلب السليم، وينشره اللسان المستقيم.

 

والكلمة الطيبة ذكرٌ لله -تعالى- وتسبيح، وتهليل وتكبير، وحمد ودعاء، وشكر وقراءة قرآن، وعلم نافع، وأمر بمعروف ونهي عن منكر، ونصيحة نافعة، وغير ذلك من العبادات القولية.

 

والكلمة الطيبة أقوال طاهرة من السباب وجرح الأعراض، وإيذاء الأسماع، وإيجاع القلوب، وإنبات وغر الصدور.

 

وهي جواب حسن، وَرَدٌّ لطيف على القريب والبعيد، والصديق والعدو. فالمؤمن طيب ولا يتكلم إلا بطيب الكلام. قال -تعالى-: (الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ أُوْلَئِكَ مُبَرَّؤُونَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) [النور:26].

 

إن صاحب النفس الشريفة لا تضيق عليه الألفاظ والأساليب فيلجأ إلى القول السيئ، بل لديه معجم رحب من الجمل النظيفة التي يستطيع أن يصل بها إلى مراده الحسن دون اللجوء إلى الكلمات الجارحة، ولو كانت على سبيل المزاح والدعابة، أو استرجاع الحق وإثباته.

 

عباد الله: إن الكلمة الطيبة نبتة حسنة تثمر وتزهر في نفوس الخلق، وترسل لهم ألذ الثمر، وأطيب العرف الشذيّ.

 

هذه النبتة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها لا بد لها من أرض تنبت عليها، فما هذه الأرض الطيبة التي خرجت منها الكلمة الطيبة؟ هذه الأرض الطيبة هي نفس المؤمن الذي يحسن عبادة الله -تعالى-، ويحسن معاملة الخلق، فقد دعاه علمه ومراقبته لله -تعالى- إلى أن تصدر منه الكلمات الحسنة.

 

أيها المسلمون: إن الطبع الصافي، والتربية الأسرية الناجحة، والبيئة الصالحة، والقدوة الحسنة، منابت خصبة تنبت المسلم الذي ينبلج من فمه النور الذي يبهج عيون الآخرين، ويشرح صدورهم.

 

هذه الكلمة الطيبة تصدر من المؤمن عن يقين بثواب الله عليها، وحسن جزائه لقائلها، وتصدر عن حب الخير للناس، وإرادة إدخال السرور عليهم.

 

وتصدر الكلمة الطيبة من المؤمن عن قوة عظيمة في الانتصار على النفس خاصة عند الخصام والجدال والعداوة، والقوي الحق هو الذي ينتصر على نفسه. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ليس الشديد بالصُّرَعَة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب” رواه مسلم.

 

كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقسم غنائم حُنين بالجعرانة، فقال ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم: يا رسول الله، اعدل! فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “ويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل“. فقال عمر: يا رسول الله، ائذن لي فيه فأضرب عنقه؟ فقال: “دعه…” متفق عليه. فانظروا إلى حلم رسول الله أمام هذه الكلمة الخبيثة التي خرجت من هذا الرجل وقالها لأعدل الناس -صلى الله عليه وسلم-!.

 

أيها الأحبة: إن النفس الإنسانية فيها من الشرور والأذى شيء كثير لا يحصى، ومن ذلك: أنها قد تستثار لتنطق برديء الكلام وسيء المقال، وفي هذه الحال يبرز دور تربية الإنسان نفسه، ومجاهدته لها، ومحاسبتها على ما تتفوه به باللسان وتقوله، مستعيناً في تربية لسانه على الكلمة الطيبة بما في الكلمة الطيبة عند الله من الثواب الجزيل، والخير الكثير. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “والكلمة الطيبة صدقة” متفق عليه. وقال: “إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أنها تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه، وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أنها تبلغ ما بلغت فيكتب الله بها سخطه إلى يوم يلقاه” رواه أحمد وابن حبان والترمذي وابن ماجة. وقال: “اتقوا النار ولو بشق تمرة، فإن لم تجد فبكلمة طيبة” متفق عليه.

 

أيها المسلمون: ما أجمل أن يكون الإنسان ذا كلمة طيبة مع الناس جميعاً، مع مَن عرف ومن لم يعرف! ولكن أجمل الجميل أن تكون مع أخص الناس به.

 

فالكلمة الطيبة مع الوالدين ولو قسوا وأغلظا في الكلام والتعامل؛ فإن لهما حقاً في حسن الخطاب، قال -تعالى-: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً) [الإسراء:23].

 

والكلمة الطيبة بين الزوجين، بدل التراشقِ بالألفاظ الجارحة، والكلمات النابية التي قد توصل إلى ما لا تحمد عقباه.

 

والكلمة الطيبة بين الإخوة والأخوات والأقارب والأرحام، والكلمة الطيبة بين الجيران في المنازل والأسواق والوظائف وأماكن العمل. والكلمة الطيبة بين المدير وموظفيه والمعلم وتلاميذه، والكلمة الطيبة بين السائقين والراكبين، وبين الباعة والمشترين. والكلمة الطيبة من الغني للفقير ومن رب المال للسائل بدلاً من النهر والمنِّ ورفع الأصوات بالطرد. قال -تعالى-: قال -تعالى-: (وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ) [الضحى:10]. وقال: (قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) [البقرة:263].

 

والكلمة الطيبة حتى مع الكافر، قال -تعالى-: (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [طه:34-44]. قيل: تصدى رجل للرشيد فقال: إني أريد أن أغلظ عليك لي في المقال، فهل أنت محتمل؟ قال: لا؛ لأن الله -تعالى- أرسل من هو خير منك إلى من كان شراً مني فقال: (فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) [طه:44].

 

والكلمة الطيبة مع الحيوان، فعن أبي برزة الأسلمي -رضي الله عنه- قال: بينما جارية على ناقة عليها بعض متاع القوم إذ بصرت بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وتضايق بهم الجبل فقالت: حل! اللهم العنها! قال: فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة” رواه مسلم.

 

والكلمة الطيبة مع الجماد أيضاً، فعن ابن عباس أن رجلاً لعن الريح -وقال مسلم إن رجلاً نازعته الريح رداءه على عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- فلعنها-، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “لا تلعنها؛ فإنها مأمورة، وإنه من لعن شيئاً ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه” رواه أبو داود والألباني وهو صحيح. إذن؛ أيها المسلم، ليس هناك مجال للكلمة الخبيثة في حياة المسلم.

 

عباد الله: إن الكلمة في حياة الإنسان لها شأن عظيم؛ فهي بوابة الخير أو بوابة الشر، وهي منطلق الأعمال الكبيرة، بل هي الوقود الأول للمعارك. والصراع الحقيقي اليوم صراع كلمة وفكرة تنتج عن ذلك أفعال وأحداث. فانظروا إلى الإعلام اليوم ماذا يصنع، سواء كان إعلام خير أم إعلام شر؟ فلا يستهينن أحد بالكلمة مهما قلت، ومن أي فم خرجت، فرب كلمة أضاءت الدنيا أو أظلمتها.

 

فالكلمة الطيبة لها آثارها الحسنة العاجلة والآجلة على صاحبها وعلى من بلغته، فكم من كلمة طيبة غيرت مجتمعاً من الشر إلى الخير، ومن الذل إلى العز، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن المعصية إلى الطاعة.

 

مصعب بن عمير -رضي الله عنه- خرج إلى المدينة داعياً إلى الله -تعالى-، وفي يوم من الأيام بينما كان جالساً مع أسعد بن زرارة جاءهما أسيد بن حضير فقال لهما: ما جاء بكما إلينا؟ تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة. فقال له مصعب: “أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمراً قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره“، فقال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس، فكلمه مصعب بالإسلام، وتلا عليه القرآن. قال أسيد: “فو الله لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم“، في إشراقه وتهلله، ثم قال: ما أحسن هذا وأجمله! ثم جاء سعد بن معاذ فقال مثل ما قال أسيد، فقالا له: “أو تقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره“، قال: قد أنصفت، ثم ركز حربته فجلس. فعرض عليه الإسلام فأسلم، ثم أخذ حربته فأقبل إلى نادي قومه، فلما رأوه قالوا: نحلف بالله! لقد رجع بغير الوجه الذي ذهب به! فلما وقف عليهم قال: “يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم؟”، قالوا: سيدنا، وأفضلنا رأيًا، وأيمننا نقيبة، قال: “فإن كلام رجالكم ونسائكم علىّ حرام حتى تؤمنوا بالله ورسوله“. فما أمسى فيهم رجل ولا امرأة إلا مسلمًا ومسلمة. لقد كانت كلمة مصعب الطيبة آسرة لهذين الخيِّرين -رضي الله عنهما- حتى أسلما، ثم سمعتم كيف كانت نتيجة إسلامهما بين قومهما.

 

ومن آثار الكلمة الطيبة أنها قد توحد الصفوف، وتجمع الشمل، وتؤلف بين القلوب، وتقرب بين الأباعد، وتحبب بين المتباغضين، وتذهب أحقاد الصدور، وتعين على إصلاح ذات البين.

 

يذكر أن علي بن الحسين -رحمه الله- كان بينه وبين حسن بن حسن -رحمه الله- شيء من الجفاء، فجاء يوماً حسنُ بن حسن وعلي بن الحسين جالس مع أصحابه في المسجد، فما ترك شيئاً إلا قاله له، وعليّ ساكت، فلما كان الليل، أتى علي بن الحسين حسن بن حسن في منزله، فقرع عليه بابه، فخرج إليه، فقال له: “يا أخي، إن كنت صادقاً فيما قلت لي فغفر الله لي، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك. السلام عليكم“. وولى؛ فما كان من الرجل إلا أن تبعه، والتزمه من خلفه، وأخذ يبكي، ويقول: “لا جرم لا عدت في أمر تكرهه”. فقال له علي: “وأنت في حل مما قلت لي“.

 

ومن الآثار الحسنة للكلمة الطيبة: أنها تجعل لصاحبها محبة بين الناس واحتراماً ومكانة مرموقة.

 

والكلمة الطيبة قد تنجي صاحبها يوم القيامة، فقد جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: أخبرني بشيء يوجب لي الجنة، قال: “عليك بحسن الكلام، وبذل السلام“، وفي رواية: “عليك بالسلام، وبذل الطعام” رواه ابن حبان والحاكم والبخاري في الأدب المفرد.

 

والكلمة الطيبة قد يُعز بها بعد الذلة، ويغتنى بعد القلة، ويشرف بعد الخفوت. خرج الشاعر الأعشى إلى سوق عكاظ -وهي السوق الأدبية في ذلك الزمان التي كانت تعرض فيها بضاعة الأدب- فتلقاه رجل فقير يقال له: المحلَّق، له ثمان بنات لم يتزوجن، فأراد أن يكسب منه كلمة من شعره بين العرب لعل بها تزويج بناته، فنحر له ناقته التي لا يملك غيرها وأكرمه، وبينما كان الأعشى عند المحلق تحلّقت البنات بالأعشى فقال لأبيهن: ما هؤلاء الجواري؟ فقال: هؤلاء بنات أخيك، فذهب الأعشى من بيته ولم يقل شيئاً، فلما وافى عكاظ قال قصيدته القافية التي منها قوله:

لعمري لقد لاحت عيون كثيرة *** إلى ضوء نار باليفاع تَحرّق

تُشب لمقرورَيْن يصطليانها *** وبات على النار الندى والمحلَّق

ترى الجود يجري ظاهراً فوق وجهه *** كما زان متنَ الهندواني رونق

 

ثم نادى: يا معاشر العرب، هل فيكم مذكار يزوج ابنه إلى الشريف الكريم؟ فما قام من مقعده إلا وقد زوجت البنات الثمان على أشراف من العرب.

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

 

أما بعد: أيها المسلمون، يذكر أن عمرو ابن هند قال ذات يوم لندمائه: هل تعلمون أحداً من العرب تأنف أمه من خدمة أمي؟ فقالوا: نعم، أم عمرو بن كلثوم، فأرسل عمرو ابن هند إلى عمرو بن كلثوم يطلب زيارته مع أمه، فأقبل ابن كلثوم مع أمه، فدخل هو على ابن هند، ودخلت أمه على هند أم عمرو. وكان عمرو ابن هند قد أمر أمه أن تنحي الخدم، وتستخدم ليلى أم عمرو بن كلثوم، فلما حضر الطعام قالت هند لليلى: يا ليلى، ناوليني ذلك الطبق، فقالت ليلى: لتقم صاحبة الحاجة إلى حاجتها، فأعادت عليها وألحّت، فصاحت ليلى: وا ذلاه! يا لَتغلب! فسمعها ابنها عمرو بن كلثوم فثار الدم في وجهه فاخترط السيف فضرب رأس عمرو ابن هند وذهب، وقال معلقته المشهورة التي أولها:

ألا هبي بصحنك فاصبحينا *** ولا تبقي خمور الأندرينا

أرأيتم ماذا صنعت الكلمة الخبيثة التي قالها عمرو ابن هند؟!.

 

عباد الله: إن الكلمة الخبيثة نفخة شيطانية، وصفة عدوانية، سببها ضعف النفس، وغرورها، وقوة الشر فيها، وسيطرة الحمق عليها، وقلة المراقبة لله -تعالى- فيما يتفوه به الإنسان.

 

إن الكلمة الخبيثة قد تفسد على الإنسان الدنيا والآخرة، وتجلب له شقاء كان في غنى عنه لولاها. قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك: ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا، ولا أكذب ألسناً، ولا أجبن عند اللقاء! يعني: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه-! فقال له عوف بن مالك: “كذبت! ولكنك منافق، لأخبرن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-“، فذهب عوف إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليخبره فوجد القرآن قد سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد ارتحل وركب ناقة فقال: يا رسول الله، إنما كنا نخوض ونلعب ونتحدث بحديث الركب يقطع به عناء الطريق. قال ابن عمر: “كأني أنظر إليه متعلقاً بحقب ناقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والحجارة تنكبه وهو ويقول: إنا كنا نخوض ونعلب. فيقول له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون، فالتفت إليه وما يزيده عليه”. قال -تعالى-: (وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ) [التوبة:65-66].

 

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “وإن أحدكم ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أنها تبلغ ما بلغت فيكتب الله بها سخطه إلى يوم يلقاه” رواه أحمد وابن حبان والترمذي وابن ماجة.

 

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ -رضي الله عنه-: “ألا أخبرك برأس الأمر كله وعموده وذروته وسنامه؟“، قلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه قال: “كف عليك هذا“، فقلت: يا نبي الله! وإنا لمؤاخذون مما نتكلم به؟ فقال: “ثكلتك أمك يا معاذ! وهل يكب الناس في النار على وجوههم -أو على مناخرهم- إلا حصائد ألسنتهم!” رواه الترمذي والنسائي وأحمد.

 

فاتقوا الله -يا عباد الله- وانتبهوا للكلمة؛ فإنها جنة أو نار، وربح أو خسارة، وسعادة أو شقاء. فسارعوا إلى الكلمة الطيبة ولا تحقروها مهما قلت؛ فإنه كالحبة قد تنبت ولو بعد حين، ولو في أرض لم يردها صاحبها؛ فإن الزمان يذهب، والأعمار تذهب، ولكن الكلمات تبقى. قال لقمان لابنه: “يا بني، إن من الكلام ما هو أشد من الحجر، وأنفذ من الإبر، وأمرّ من الصبِر، وأحرّ من الجمر، وإن من القلوب مزارع فازرع فيها الكلمة الطيبة؛ فإنها إن لم تنبت كلها نبت بعضها”.

 

واحذروا الكلمة الخبيثة مهما صغرت! فإنها قد تكون شرارة صغيرة تلد حريقاً عظيماً من الشقاء على صاحبها وعلى غيره.

 

نسأل الله أن يطهر ألسنتنا، ويصلح قلوبنا وأعمالنا.

 

هذا وصلوا وسلموا على خير البشر…

 

الملفات المرفقة
الكلمة الطيبة وآثارها الحسنة
عدد التحميل 15
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات