طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خادم الحرمين يؤكد الحرص على توطيد العلاقة مع العراق    ||    اليمن.. انطلاق مهمة "القبضة الحديدية" في حضرموت    ||    ليبيا.. تراجع حاد بأعداد المهاجرين في مركز تهريب البشر    ||    ميليشيات الحوثي تداهم المنازل بصنعاء وتختطف 40 فتاة    ||    مشاعر محبوسة    ||    انطواء طفلك.. بيدك أنت!    ||    مخالفات قولية عند نزول المطر    ||    الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة الغلو والتطرف    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

14324

كفران النعم

المكان : المملكة العربية السعودية / محايل - عسير / حي القرى / جامع الملك فهد /
تاريخ النشر : 1439/01/22
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ التأمل في النعم وخطر كفرانها 2/ قصة ملوك سبأ وكفرانهم للنعم 3/ حقيقة الشكر وأثره على النعم وقواعده 4/ خطر كفران النعم
اقتباس

كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها؛ امتن الله عليهم بنعمه، وساق إليهم رزقه وبركته، فغمرتهم الخيرات، وحلَّت بهم السعادات، وأصبحوا في عيش رغيد، ومنزل ميمون حميد، فجعل الله لهم مساكنهم آية عظيمة…

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً.

 

أما بعد:

 

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً) [الأحزاب: 70 – 71].

 

معاشر المسلمين: هل تأملتم النعم على بني آدم، ثم نكرانهم لها، وتضييع حق الله فيها؟

 

تٌقابل النعمة بالغفلة، وتجازى بالكفران، وتثمن بالسرف والإضاعة!

 

لقد بطر ابن آدم نعمة الله، حينما أكل وما شكر، وشرب وما اعترف، وأعطي وما حمد واتعظ؛ روى الترمذي في سننه بسند حسن من حديث أبي أمامة -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “عرَض عليَّ ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهباً، قلت: لا يا رب، ولكن أشبع يوماً وأجوع يوماً“، قال ثلاثاً أو نحو هذا، “فإذا جُعت تضرعت إليك وذكرتك وإذا شبعت شكرتك وحمدتك“.

 

أيها الإخوة الكرام: كانت سبأ ملوك اليمن وأهلها، امتن الله عليهم بنعمه، وساق إليهم رزقه وبركته، فغمرتهم الخيرات، وحلَّت بهم السعادات، وأصبحوا في عيش رغيد، ومنزل ميمون حميد، فجعل الله لهم مساكنهم آية عظيمة، قال تعالى: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ) [سبأ: 15] أي من ناحيتي الجبلين والبلدة بين ذلك. وبنى ملوكهم الأقادم، سداً منيعاً بين الجبلين ببلدة تسمى “مأرب”، وزرعوا الأشجار، ونمت الثمار بهجة وحسناً، وحصلت لهم البركة في ذلك، حتى إن المرأة كانت تمشي تحت الأشجار وعلى رأسها مِكتل أو زنبيل، وهو الذي تخترف فيه الثمار، فتتساقط الأشجار في ذلك ويمتلئ من الخيرات، لا يحتاج إلى كلفة ولا قطاف لكثرته ونضجه واستوائه. وبعث الله إليهم الرسل وأنذرهم، وأقرهم تعالى بعبادته وشكره: (كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) [سبأ: 15].

 

فمكثوا على ذلك مدة، ثم أعرضوا عن عبادة ربهم، وبطروا نعمته، وعبدوا الشمس، فعاقبهم تعالى جزاء كفرهم، وسلط عليهم جنده، وبدل نعمتهم نقمة، فانقلبت السعادة والأمان إلى تعاسة وشقاء، قال تعالى: (فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ العَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ) [سبأ: 16].

 

أرسل الله -تعالى- دابة من الأرض يقل لها: “الجُرَذ” فنقبت السد وحطمته، فانهار عليهم سيل العرم أي المياه الغزيرة، وهدت السد العظيم، فانساب في أسفل الوادي، وخرب ما بين يديه من الأبنية والأشجار المثمرة الأنيقة؛ كما قال تعالى: (وَبَدَّلْنَاهُم بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ) [سبأ: 16] (والخمْط هو الأراك، والأثل هو الطرفاء، وقيل: السمر)، ولما كان أفضل هذه الثمار السدر جعله تعالى قليلاً مع ما فيه من شوك -والله المستعان-.

 

ولم يكن تبديل هذه النعمة إلا بسبب كفرهم بالله، وتبديلهم نعمته وإعراضهم عن شكره، ولا يكون العذاب والتنكيل إلا بالكافرين ومن قلدهم: (ذلك جزيناهم بكفرهم ،وهل نجازي إلا الكفور).

 

أيها الإخوة: هذه قصة حكاها الله -تعالى- لنا في القرآن، تقرؤونها في كتابكم، وترددونها في كلام ربكم: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ) [سبأ: 15].

 

توالت النعم والخيرات وتكاثرت وازدهرت، ثم آلت إلى الدمار والفساد، لماذا‍‍؟! لماذا انقلبت الخيرات شروراً وباتت السعادة شقاء وصار الأمن مخافة وقلقاً؟!

 

كل ذلك بسبب الكفران والغفلة، كفروا نعمة الله، وأعرضوا عن عبادته وما اعترفوا بفضله!

 

أيها الإخوة: تأملوا ما أنتم فيه من النعم والآلاء، فاحمدوا الله عليها، واشكروه ناطقين ومعتقدين ومنقادين، قال ابن القيم -رحمه الله-: “الشكر ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناءً واعترافا، وعلى قلبه شهودا ومحبة، وعلى جوارحه انقيادا وطاعة“.

 

وقال الفيروز آبادي -رحمه الله-: “الشكر أعلى منازل السالكين، وفوق منزلة الرضا، فإنه يتضمن الرضا وزيادة، والرضا مندرج في الشكر، إذ يستحيل وجود الشكر بدونه وهو نصف الإيمان، ومبناه على خمس قواعد:

الأولى: خضوع الشاكر للمشكور.

الثانية: حبه له.

الثالثة: اعترافه بنعمته.

الرابعة: الثناء عليه بها.

الخامسة: أن لا يستعملها فيما يكره.

فمتى فقد منها واحدة، اختلت قاعدة من قواعد الشكر”.

 

أيها الإخوة: تدوم النعم بشكرها والخضوع لواجبها، بل تزداد مع الشكر وتتضاعف: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم: 7].

 

اللهم أعنا على ذكرك وشكرك، وحسن عبادتك.

 

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين فاستغفروه إنه هو التواب الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله حمداً طيباً مباركاً فيه كما يحب ويرضى، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أيها الإخوة في الله: كم من غني افتقر؟ وكم من مسرور شقي؟ وكم من مستقيم انحرف؟!

 

جنى عليهم كلهم كفران النعم، ونسيان حق الله -تعالى- فيها، قال صلى لله عليه وسلم: “إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها“، وروى البيهقي في شُعَب الإيمان عن النعمان بن بشير وحسنه الشيخ الألباني: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “التحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر، ومن لا يشكر القليل لا يشكر الكثير“.

 

وقال تعالى لنبيه -صلى الله عليه وسلم-: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُن مِّنَ الشَّاكِرِينَ) [الزمر: 66]، وفي الصحيحين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قام حتى تفطرت قدماه، فقالت عائشة -رضي الله عنها-: “أتصنع هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فقال: “يا عائشة، أفلا أكون عبداً شكوراً؟”.

 

عبـاد الله: اعتبروا من هلاك الأمم بكفران النعم, ودوموا على ذكر الله وشكره، وتأملوا وأنتم تقرؤون القرآن كيف هلكت دولة سبأ بكفران النعمة، وانقلبت أحوالها إلى الشقاء والضيق، فهل لنا فيها من معتَبر؟! وهل لنا فيها من مزدجر؟

وتأملوا قول الله -تعالى- في نوح -عليه السلام-: (إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً) [الإسراء: 3].

 

وكيف أثنى على إبراهيم -عليه السلام- بقوله: (شَاكِراً لأَنْعُمِهِ) [النحل: 121].

 

إنكم -يا مسلمون- لن تؤدوا حق الله في هذه النعم، ولكن هي عبادة جليلة تعنى الخضوع والاعتراف، قال داود -عليه السلام-: “كيف أشكرك يا رب؟ وشكري لك نعمة علي تستوجب الشكر، فقال: الآن شكرتني يا داود؟”.

 

إذا كان شكري نعمةَ الله نعمةً *** عليّ ماله في مثلها يجب الشكرُ

فكيف وقوع الشكر إلا بفضله *** وإن طالت الأيام واتصل العمرُ

إذا مس بالسراء عم سرورها *** وإن مس بالضراء أعقبها الأجرُ

وما فيها إلا إله ومنه *** تضيق بها الأوهام والبر والبحرُ

 

(وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) [إبراهيم: 34 ].

 

وهنا دعاء عظيم رواه أبو داود والنسائي بسند حسن علمه النبي -صلى الله عليه وسلم- لأمته قال: “من قال حين يصبح: اللهم ما أصبح بي من نعمة فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمد ولك الشكر، فقد أدى شكر يومه، ومن قال ذلك حين يمسي فقد أدى شكر ليلته“.

 

اللهم اجعلنا لك ذاكرين، لك شاكرين، لك مطواعين، لك راهبين، إليك أواهين منيبين.

 

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً رخاءً وسائر بلاد المسلمين.

الملفات المرفقة
كفران النعم
عدد التحميل 15
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات