طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خادم الحرمين يؤكد الحرص على توطيد العلاقة مع العراق    ||    اليمن.. انطلاق مهمة "القبضة الحديدية" في حضرموت    ||    ليبيا.. تراجع حاد بأعداد المهاجرين في مركز تهريب البشر    ||    ميليشيات الحوثي تداهم المنازل بصنعاء وتختطف 40 فتاة    ||    مشاعر محبوسة    ||    انطواء طفلك.. بيدك أنت!    ||    مخالفات قولية عند نزول المطر    ||    الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة الغلو والتطرف    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

14289

أوقاتكم أعماركم

المكان : السودان / الخرطوم / حي الدوحة / مسجد حي الدوحة /
التصنيف الرئيسي : أحوال القلوب
تاريخ الخطبة : 1439/01/02
تاريخ النشر : 1439/01/14
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ نعمة الوقت 2/ قيمته 3/ اعتناء القرآن الكريم به 4/ اغتنامه 5/ حسرةُ مضيّعيه
اقتباس

وقتك عمرك، وقتك أنفس مِن مالِك، أغلى من صحتك، فإنّ كل ذاهب قد يعود إلا الوقت؛ فإنه إذا ذهب لا يعود. ما من يوم يصبح إلا وهو ينادي: يا بن آدم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود..

الخطبة الأولى:

 

الْحَمْدُ لِلّهِ نحمده ونستعينه ونستهديه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، بلّغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في سبيل ربه حق الجهاد، ولم يترك شيئاً مما أمر به إلا بلغه، فتح الله به أعينا عميا، وآذانا صُما، وقلوبا غلفا، وهدى الناس من الضلالة، ونجاهم من الجهالة، وبصّرهم من العمى، وأخرجهم من الظلمات إلى النور، وهداهم بإذن ربه إلى صراط مستقيم.

 

اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره واهتدى بهداه.

 

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.  وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

أيها المسلمون عباد الله: في بداية عام هجري جديد أسأل الله -عز وجل- أن يهلّه علينا بالأمن والإيمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما يحب ويرضى، وأن يرزقنا خيره ونوره وبره ونصره وبركته وهداه، وأن يعيذنا من شره وشر ما فيه.

 

في بداية عام هجري جديد لا بد من كلمة أعظ بها نفسي وإخواننا المسلمين.

 

أقول: أيها المسلمون عباد الله، إن الله -جل جلاله- خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا في هذه الدنيا، وجعل لكل منا أجلا مسمى (فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ) [النحل:61].

 

وقتك -أيها المسلم- هو عمرك، إذا انتهى هذا العمر فإنه لا يعود، إذا انتهى العمر فإنه لا يمدد، كثير من الناس قد يوازن بين الوقت والمال، وشتان شتان! ولك أن تتأمل -أيها المسلم يا عبد الله- لو أن غنيا موسرا قد جمع الدنيا من أطرافها ثم نزل به ملك الموت وجلس عند رأسه يقول: اخرجي أيتها الروح الطيبة إلى مغفرة من الله ورضوان، أو يقول: اخرجي أيتها الروح الخبيثة إلى سخط من الله وغضب. لو أن هذا الغني الموسر عرض على أولئك الملائكة الكرام أن يضع ماله كله بين أيديهم في مقابل أن يؤخروه يوما واحدا أو ساعة واحدة؛ أكانوا يستجيبون له؟ أكانوا مؤخريه؟ اللهم لا! (فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ).

 

قال الله -عز وجل- (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) [المنافقون:10-11].

 

يا أيها المسلم:

الوقت أعظم ما عنيتَ بحفظه *** وأراه أسهل ما عليك يضيعُ

وقتك عمرك، وقتك أنفس من مالك، أغلى من صحتك، فإنّ كل ذاهب قد يعود إلا الوقت؛ فإنه إذا ذهب لا يعود.

 

ما من يوم يصبح إلا وهو ينادي: يا بن آدم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني فإني لا أعود.

 

الله -جل جلاله- أقسم بالوقت في كثير من آي القرآن، أقسم بالفجر وليال عشر، وأقسم بالعشر، وأقسم بالضحى والليل إذا سجى، وأقسم بالليل إذا يغشى والنهار إذا تجلى، وأقسم بالشمس وضحاها والقمر إذا تلاها والنهار إذا جلاها والليل إذا يغشاها؛ من أجل أن ينبهنا على هذه القيمة العظيمة، قيمة الوقت، على هذه النعمة الجسيمة التي هي أصل النعم.

 

الله -جل جلاله- نبهنا عليها في القرآن مرارا: (وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ) [إبراهيم:33-34]، (وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالْنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالْنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) [النحل:12]، (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [فصلت:37].

 

الله -جل جلاله- ينبهنا على هذه الظواهر الكونية: الليل والنهار والشمس والقمر، يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل من أجل أن ينبهك يا بن آدم إلى أن الأيام تمضي والليالي تتتابع، وأن السنين تنقضي، وأن الموفق من عباد الله من اغتنم عمره في طاعة الله، من جعل أيامه ولياليه مسابقة إلى الله -عز وجل-: (وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى) [طه:84].

 

في حديث أبي برزة الأسلمي -رضي الله عنه-  قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لا تزولُ قَدَمَا عبدٍ يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن أربعٍ: عَن عُمُرِه فيما أفناهُ، وعن جسدِهِ فيما أبلاهُ، وعن عِلمِهِ ماذا عَمِلَ فيهِ، وعن مالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وفيما أنفقَهُ“.

 

الله -جل جلاله- سألنا عن هذا العمر منذ أن بلغ أحدنا الحلم وجرى عليه القلم، إلى أن نزل به ملك الموت ففرق بين روحه وجسده، هذا العمر الله -عز وجل- أمرك أن تغتنمه، أمرك أن تستغله فيما خلقت لأجله: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات:56]، (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) [المؤمنون:115-116]، (أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى) [القيامة:36].

 

أتظن -أيها الإنسان- أنك قد خلقت في هذه الدنيا من أجل أن تأكل وتشرب، وتلهو وتلعب، وتغني وتطرب، ثم بعد ذلك تموت وينقضي الأمر؟ لا والله!

ولو أنا إذا متنا تُركنا *** لكانَ المَوْتُ راحَةَ كُلِّ حَيِّ

ولكنا إذا متنا بُعثنا *** ونُسأل بعد ذا عن كل شي

 

وعظ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجلا فكان مما قال له: “اغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هَرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سُقْمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغُلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ“.

 

اغتنم الساعة التي أنت فيها؛ فإنك لا تدري: هل تبقى حيا إلى التي تليها؟ الساعة التي بعدها؟ هل لأحدنا عهد عند الله أن يبقيه حيا؟ اللهم لا! قد يتكلم أحدنا فلا يتم الكلمة، قد ينام فلا يقوم، قد يصبح فلا يمسي، “إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من حياتك لموتك، ومن فراغك لشغلك“، الموفق من عباد الله من يغتنم الساعة التي هو فيها.

 

أيها المسلمون عباد الله: هذه كلمات ما أحوجنا إليها في زمان تتابع فيه الناس على تضييع أوقاتهم على تزكية أعمارهم في جلسات لاغية، في أمور فارغة، في جلسات أغلب ما فيها غيبة ونميمة ومراء ورياء ونفاق، هذا حال أغلب الناس، وقد علمنا ربنا -جل جلاله- أن هذا المضيع لوقته سيندم في حالتين حيث لا ينفع الندم: عند الموت، ويوم القيامة.

 

الحالة الأولى: عند نزول الموت ما أعظم ندمه! ما أشد حسرته في ذلك الموقف! (حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) [المؤمنون:99-100].

 

هذا المسكين عند الموت يندم ويتضرع: ربِّ ارجعونِ! لعلي أعمل صالحا فيما تركت! يكون الجواب: كلا، لا رجوع! لا سبيل إلى الدنيا! قد انتهى أمدك، قد انقضى عمرك، قد طويت صحيفتك، قد ختم على عملك، لا سبيل إلى الرجوع.

 

ثم الحالة الثانية التي يعظم فيها الندم، نسأل الله العافية: يوم القيامة، إذا بعثر ما في القبور، وحصل في الصدور، يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها، يوم توفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون.

 

في ذلك اليوم، أولئك الكفار، أولئك الفجار، أولئك المنافقون، أولئك المفرطون المضيعون، كلهم يندمون كلهم يتحسرون، حيث لا ينفع الندم، قال الله -عز وجل-: (وَلَوْ تَرَىَ إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النَّارِ فَقَالُواْ يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) [الأنعام:27]، يا ليتنا نرد! لكن؛ هيهات هيهات!.

 

(وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُم مِّنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ * وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ) [فاطر:36-37]، جاءكم الشيب، جاءتكم الأمراض، شيعتم الجنائز، غسلتم الموتى، ترددتم على القبور، عاينتم المحتضرين، كل هذه نذر قد جاءتكم، (وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ) [فاطر:37].

 

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “أعذر الله إلى امرئ أخر أجله حتى بلغ الستين سنة“، ما بقي له عذر، هذا الذي بلغ الستين سنة وما زال سادرا في غيه، مقبلا على دنياه، لا يطرأ الموت بباله، ما عنده عذر.

 

الحسن البصري -رحمه الله- وعظ الناس يوما فقال: “يا أبناء الستين، ما ينتظر بالزرع إذا بلغ أجله؟”، قالوا: الحصاد. فالتفت -رحمه الله- وقال: “يا معشر الشباب، إن الزرع قد تدركه العاهة قبل أن يبلغ“.

 

لا ينجو من الموت شاب ولا شيخ، صحيح ولا مريض، ذكر ولا أنثى، كبير ولا صغير، السعيد الموفق -يا عباد الله- من اغتنم أيامه ولياليه في طاعة الله، في ذكر الله، في قراءة القرآن، في مجالس العلم، في بر والديه، في صلة أرحامه، في الإحسان إلى خلق الله -عز وجل-.

 

السعيد الموفق من عدّ أيامه ولياليه من عمره تباعده من الدنيا وتقربه إلى الآخرة، وسأل الله حسن الخاتمة.

 

اللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير عمرنا أواخره، وخير أيامنا يوم نلقاك، اللهم أعنا على اغتنام أعمارنا فيما يقربنا إليك، وهب لنا توبة نصوحا ترضيك عنا يا أرحم الراحمين.

 

توبوا إلى الله واستغفروه.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبد الله ورسوله النبي الأمين، بعثه الله بالهدى واليقين؛ لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين.

 

اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين، وآل كل وصحب كل أجمعين، وأحسن الله ختامي وختامكم وختام المسلمين، وحشر الجميع تحت لواء سيد المرسلين.

 

أما بعد: أيها المسلمون، فاتقوا الله حق تقاته، وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون؛ لعلكم تفلحون.

 

وأعيد التذكرة لنفسي ولكم بوجوب أن نغتنم أوقات عمرنا فيما يقربنا إلى ربنا -جل جلاله-.

 

أيها المسلم: إياك إياك وتضييع الأوقات! إياك وإياك والمجالس التي لا خير فيها! قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ إِلا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً“، إلا كان عليهم حسرة يوم القيامة.

 

(وَأَنذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُم مِّن قَبْلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٍ * وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الأَمْثَالَ) [إبراهيم:44-45].

 

أيها المسلمون يا عباد الله: إن ناسا كأنهم تخصصوا في تضييع الأوقات، أوقات أنفسهم وأوقات غيرهم، الواحد منهم لا يكاد يُسمع منه ما يفيد، ولا يرى منه ما يسرّ، غافل عن الله -عز وجل-، غافل عن لقائه، ربما ينام عن الصلوات المكتوبات ولو أنه أدى بعضها في أوقاتها فإنه يمنّ على الله -عز وجل- بذلك ويرى نفسه خير خلق الله.

 

بعض الناس قد يمر عليه اليوم واليومان، بل ربما الشهر والشهران، ولم يقرأ من كتاب الله شيئا، بعض الناس تمر عليه الأوقات الكثيرة وما قدّم عملا ينفعه، لا في دنياه ولا في آخرته.

 

إن الأمم التي تقدمت -أيها المسلمون- ما تقدمت إلا بحفظ الوقت، صحيح أنهم حفظوا وقتهم لدنياهم فتقدموا في دنياهم.

 

أما نحن المسلمين فمأمورون بأن نحفظ أوقاتنا لدنيانا ولآخرتنا، “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لأخرتك كأنك تموت غدا”.

 

هذا الذي يعمر دنياه بما يقربه إلى الله -جل جلاله- إذا مات فقده الناس، شعروا بفقده، أما هذا الآخر الذي يعيش في دنياه هائما أو نائما، لاغيا أو لاهيا، فإنه إذا مات لا يشعر بموته أحد؛ لأنه ما كان في الدنيا نافعا لأحد، ولا كان في الدنيا متقربا إلى الواحد الأحد -جل جلاله-، ولا كان عاملا بما يرضيه.

 

وقد قيل:

إذا ما مات ذو علمٍ وتقوى *** فقد ثلمت من الإسلام ثلمهْ

وموت الحاكم العدل المولّى *** بحكم الشرع منقصةٌ ونقمه

وموت العابد القوّام ليلاً *** يناجي ربه في كل ظلمه

وموت فتى كثير الجود مَحلٌ *** فإن بقاءه خيرٌ ونعمه

وموت الفارس الضرغام هدمٌ *** فكم شهدت له في الحرب عزمه

فحسبك خمسةً يبكى عليهم *** وباقي الناس تخفيفٌ ورحمه

وباقي الناس هم همجٌ رعاع *** وفي إيجادهم لله حكمه

 

إذا مات العابد الصالح، إذا مات العالم التقي، إذا مات الحاكم العدل، إذا مات الجواد الكريم الباذل الذي رأى الناس منه خيرا، وعرفوا في ماله لله حقا، إذا مات العابد القوام بالليل، الذي علم الناس عنه الخير، هؤلاء هم الذين يُبكى عليهم، هؤلاء هم الذين يأسى الناس لفقدهم.

 

فكن أحد هؤلاء أيها المسلم، كن نافعا للناس، كن عابدا لله، كن مقبلا على الله -عز وجل-.

 

اللهم اغفر لنا وارحمنا…

الملفات المرفقة
أوقاتكم أعماركم
عدد التحميل 19
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات