طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خادم الحرمين يؤكد الحرص على توطيد العلاقة مع العراق    ||    اليمن.. انطلاق مهمة "القبضة الحديدية" في حضرموت    ||    ليبيا.. تراجع حاد بأعداد المهاجرين في مركز تهريب البشر    ||    ميليشيات الحوثي تداهم المنازل بصنعاء وتختطف 40 فتاة    ||    مشاعر محبوسة    ||    انطواء طفلك.. بيدك أنت!    ||    مخالفات قولية عند نزول المطر    ||    الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة الغلو والتطرف    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

14269

السير إلى الله

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
التصنيف الرئيسي : أحوال القلوب
تاريخ النشر : 1439/01/10
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ معالم في الطريق إلى الله تعالى 2/ معاني السير إلى الله جل وعلا 3/ درجات السير إلى الله تعالى 4/ أركان السير إلى الله سبحانه 6/ أحوال السير عند الأولياء.
اقتباس

والسير إلى الله يعني الانتقال من نفس غير مزكاة إلى نفس مزكاة، ومن عقل غير شرعي إلى عقل شرعي، ومن قلب كافر أو منافق أو فاسق أو مريض أو قاسٍ إلى قلب مطمئن سليم، ومن روح شاردة عن باب الله غير متذكرة لعبوديتها وغير متحققة بهذه العبودية إلى روح عارفة بالله قائمة بحقوق العبودية له، ومن جسد غير منضبط بضوابط الشرع إلى جسم منضبط انضباطاً كاملاً بشريعة الله…

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الخلاق العليم، العزيز الحكيم؛ لا يُدرك كنهه، ولا يحاط بعلمه، ولا يعلم الخلق شيئًا عنه إلا ما علّمهم, دلّهم على قدرته بمخلوقاته، وبرهن لهم على علمه بآياته، وجعل دون الغيب ستارًا لا يُكشف شيء منه إلا بأمره, نحمده حمدًا يليق به، وكل حمد نحمده يقصر عنه، ونشكره شكرًا يزيد نعمه، ومهما شكرناه لا نَفِيه حقه، ولكنه عفو كريم، بر رحيم.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخاتم رسله, رأى من آياته الكبرى ما رأى، وعلم من خلقه -سبحانه- ما علم؛ فزاده ما علم وما رأى تعظيما لله -تعالى- وعبودية ومحبة وخوفا ورجاء، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فاتقوا الله -تعالى- وأطيعوه، وأخبتوا له وأسلموا؛ فإن شأنه -سبحانه- عظيم، وإن حقه علينا كبير، وحقه الإيمان، ولن يحقق عبد الإيمان إلا بالاستسلام، ولن يستسلم إلا بقلب سليم من الشك والشرك والجحود, (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة:112].

 

أيها الناس: من عرف الله -تعالى- حق المعرفة أحبه حبًّا لا يعدله حب، وذل له ذلاً لا يدانيه ذل، وصرف الرجاء والخوف له وحده لا شريك له, ومن تفكر في خلق الله -تعالى-، ثم رأى تدبيره -سبحانه- لما خلق، علم أنه -عز وجل- عليم حكيم قدير، فاستسلم لشرعه كما قد كان مستسلمًا لحكمه، وانضوى تحت عبوديته الخاصة كما قد كان منضويًا تحت عبوديته العامة، وسارع في مرضاته؛ لعلمه بعظمته في صفاته، وكبريائه في عليائه، ولمعرفته بإحسان الله -تعالى- له، وقدرته عليه، فلا مفر منه إلا إليه، ولا نجاة إلا في عبوديته.

 

ينظر العبد المستسلم لله -تعالى- في خلق الله -سبحانه- فيرى صغره وضعفه بالنسبة لغيره من المخلوقات، ويعلم أنه مخلوق واحد من أعداد لا تُحصى من خلق الله -تعالى-، فيدرك صغر نفسه وضعفها وعجزها، وفقرها وذلها، ويعلم عظمة الله -تعالى- وقوته، وقدرته وغناه وعزته، فيزيده ذلك إيمانًا ويقينًا، ومحبة لله -تعالى-، ورجاء فيه، وخوفًا منه، واستسلامًا له، وذلاً في طاعته، وتفانيًا في مرضاته, قال -سبحانه- للسموات والأرض: (اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) [فصِّلت:11] استسلمت السموات السبع، والأرضون السبع، ولم تتمرد على الله -تعالى-، وهي أكبر من الإنسان, (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) [غافر:57].

 

وما أنت -أيها الإنسان- إلا مخلوق واحد من ملايين الخلق على أرض واحدة، فكيف بالأرضين السبع، وكيف بالسموات السبع وما فيهن؟! وكل ما في السموات والأرض مستسلم لله -تعالى-،  عبدٌ من عبيده، خاضعٌ لأمره، مقر بسلطانه، شاء أم أبى (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا) [آل عمران:83], لكن المؤمن حين يستسلم لله -تعالى-، ويرضى بدينه، وينقاد لشرعه؛ يكون وافق في خاصة نفسه حقيقة العبودية، ووفق في صرفها لمن يستحقها، فلم يقع في نفسه تعارض بين العبودية العامة والخاصة، ولم يكن متناقضًا في استسلامه العام والخاص, فهو مستسلم رغم أنفه لله -تعالى- كونًا وقدرًا كسائر المخلوقات، وهو مستسلم له -سبحانه- باختياره ورضاه حين أذعن له وانقاد لشريعته.

 

هذا الاستسلام الخاص هو سر الفلاح، وسبب النجاة، وكنز السعادة، ينجو صاحبه من الضنك في الدنيا، ومن النار في الآخرة، وهو الاستسلام الذي دعت إليه الرسل، وتنزلت به الكتب، وامتحن عليه البشر.

 

أيها الأخ الكريم: اعلم أن الطريق إلى الله هو سلوك صراطه المستقيم، الذي بعث الله به رسوله وأنزل به كتابه، وأمر الخلق كلهم بسلوكه والسير فيه، وعليه فإن طالب الوصول إلى الله والدار الآخرة يحتاج أن يكون عارفًا بطريق الوصول إليه، والطرق القواطع عنه؛ ذلك أن السائر إلى الله لا ينقطع سيره إليه ما دام في قيد الحياة.

 

عباد الله: والسير إلى الله يحتاج لمحركات ومعينات، ومحركات القلوب إلى الله تتمثل في المحبة والخوف والرجاء, وأقواها المحبة، فإن لم يكن عنده محبة تبعثه على طلب محبوبه فعليه بكثرة ذكر الله؛ لأن كثرة ذكره تعلق القلب به، ومطالعة آلائه ونعمائه تبعثه على التوجه إليه والحياء منه، وكذلك الخوف يحركه لمطالعة آيات الوعيد، ومعرفة عظمة الله، وهيبة جلاله وكبريائه، ومعرفة أهوال يوم القيامة, وكذلك الرجاء يحركه لمطالعة حلم الله وعفوه وكرمه، ومعرفة آيات الوعد..  وهكذا.

 

وإذا تحركت القلوب إلى الله وسارت إليه اعتصمت به، وقلت آفاتها، أو ذهبت عنها بالكلية قال -سبحانه-: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: 28].

 

ولكن العبد إذا عزم على السفر إلى الله -تعالى- عرضت له الخوادع والقواطع، فينخدع أولاً بالشهوات والرياسات والملاذ والمناكح ونحوها، فإن وقف معها انقطع عن ربه، وإن رفضها ولم يقف معها وصدق في سيره وطلبه ابتُلي بوطء عقبه، وتقبيل يده، وكثرة الأتباع، والتوسعة له في المجلس، والإشارة إليه بالدعاء، ورجاء بركته ونحو ذلك.. فإن وقف مع ذلك انقطع به عن الله وكان حظه منه، وإن قطعه ولم يقف معه ابتُلي بالكرامات، فإن وقف معها انقطع بها عن الله وكانت حظه، وإن لم يقف معها ابتلي بالتجريد والتخلي، ولذة الجمعية، وعزة الوحدة، والفراغ من الدنيا.

 

فإن وقف مع ذلك انقطع به عن المقصود، وإن لم يقف معه وسار ناظراً إلى مراد الله منه، وما يحبه منه، بحيث يكون عبده الموقوف على محابه ومراضيه أين كانت؟ وكيف كانت؟ تعب بها أو استراح، تنعم أو تألم، أخرجته إلى الناس أو عزلته عنهم، لا يختار لنفسه غير ما يختار له وليه وسيده، واقف مع أمره ينفذه حسب استطاعته، ونفسه عنده أهون عليه أن يقدم راحتها ولذتها على مرضاة سيده وأمره. فهذا هو العبد الذي وصل ونفذ، ولم يقطعه عن سيده شيء البتة: (ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) [الجمعة: 4].

 

والسير إلى الله -تعالى- يحتاج إلى صدق وعزيمة، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة: 119].

 

وسير البشر أنواع، فمنه السير الطبيعي وهو الذي لا اختيار للبشر فيه، وهو التقدم فى مراحل العمر، يقول -تعالى- (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) [نوح: 14], ومنه السير الاختياري: هو السير إلى الله، وهو قصد العبادة من أجل تزكية النفوس وتطهيرها من علائق الدنيا ومداخل الشيطان. ولكن أفضل السير إلى الله -تعالى- هو أن يسير الإنسان طائعاً مختاراً إلى الله -تعالى- محبًّا لربه، مستقيمًا على شرعه بموافقة الكتاب والسنة وهدي الشريعة الغراء، فى صحبة خبير عالم بالطريق ومسالكه، ممن ينطبق عليه قوله -تعالى-: (الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا) [الفرقان: 59].

 

أيها الإخوة: والسير إلى الله -سبحانه- درجات، فلقد قال -سبحانه-: (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ) [الانشقاق: 6]، والكدح هو السير زحفاً, وقال إبراهيم -عليه السلام- لما اعتزل قومه وسار إلى ربه -سبحانه-: (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ) [الصافات: 99], وقال في وصف الصالحين من عباده وأن منهم السابقين ومنهم من حاذوا الرضا والقرب من ربهم فقال: (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ) [الواقعة: 10، 11]، وقال -تعالى- مخبراً عن أعلى مراتب السير مرتبة العبودية الحقة قل: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) [الإسراء: 1].

 

أيها الإخوة: إن الفرار إلى الله يكون بأداء الفرائض، والاجتهاد فى النوافل قدر الاستطاعة، مع إخلاص النية لله، حتى يصل إلى درجة المحبة، فإذا وصل إلى هذه الدرجة يكون كما قال -تعالى- فى الحديث القدسي: “ما تقرب إليّ عبدي بشيء أحب إليّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليّ بالنوافل، حتى أحبه، فإذا أحببته، كنت سمعه الذى يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، وإن سألني لأعطينه، ولئن استعاذني لأعيذنه، وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته” (البخاري).

 

أيها الإخوة: وكل مسلم بالنسبة لأوامر الله مكلف بجهات ثلاث: من جهة قلبه بالإيمان والتوحيد,  والتسليم والانقياد، ومن جهة عقله بتقديم أوامر الله -عزَّ وجلَّ- على أوامر الخلق,  وتقديم ما يحبه الله على ما تحبه النفس، ومن جهة جسده بالعمل والعبادة.

 

إن الصدق والإخلاص والمتابعة هذه الأركان الثلاثة هي أركان السير إلى الله، وأصول الطريق التي من لم يبن عليها سلوكه وسيره فهو مقطوع، والسائرون في الحياة كثيرون، ولكن مقاصدهم مختلفة؛ لاختلاف أديانهم وطبائعهم وتوجهاتهم.. إلخ، وأعظمهم قصداً، وأشرفهم هدفاً هم السائرون إلى الله -تعالى-.

 

أيها الإخوة: والسير إلى الله يعني الانتقال من نفس غير مزكاة إلى نفس مزكاة، ومن عقل غير شرعي إلى عقل شرعي، ومن قلب كافر أو منافق أو فاسق أو مريض أو قاسٍ إلى قلب مطمئن سليم، ومن روح شاردة عن باب الله غير متذكرة لعبوديتها وغير متحققة بهذه العبودية إلى روح عارفة بالله قائمة بحقوق العبودية له، ومن جسد غير منضبط بضوابط الشرع إلى جسم منضبط انضباطاً كاملاً بشريعة الله -عز وجل-، وبالجملة من ذات أقل كمالاً إلى ذات أكثر كمالاً في صلاحها وفي اقتدائها برسول الله -صلى الله عليه وسلم- قولاً وفعلاً وحالاً.. هذا كله داخل في عباراتهم في تعريف السير إلى الله.

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، ولسائر المسلمين من كل ذنب؛ فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله حمدًا طيبًا كثيرًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.

 

عباد الله: ومن أراد السير إلى الله -تعالى- سيرًا صحيحًا مأمونًا فعليه بالقرآن، فهو النور الذي يبدد للسالك ظلمات الشك وينير له طريق الهدى، ومواعظ البشر مهما علت وسمت في البلاغة والتأثير فهي عاجزة على أن تقارب الموعظة القرآنية، فإنها تشفي الصدور والقلوب من مختلف أمراضها النفسية والمادية، كأمراض الشهوات والشبهات، وأمراض الهوى والانحراف وأمراض الشك والشرك وأمراض الأخلاق والحياة كلها، فهو شفاء للصدور ورحمة للمؤمنين قال -تعالى-: (قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ) [المائدة: 15].

 

ويجب أن ندرك أن مسؤولياتنا نحن المسلمين تجاه ديننا مرتبطة بعزنا وشرفنا ومجدنا ولن يكون لنا ذلك إلا إذا تمسكنا بكتاب الله -تعالى- وسنة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وهذا ما أكده المولى -تعالى- حين وجه الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن يستمسك بهذا الوحي، (فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ) [الزخرف: 43، 44].

 

عباد الله: إن أجل المقاصد المرادة، والغايات المطلوبة هي الوصول إلى الله، وحقيقته: وصول القلب إليه، بدوام العكوف بين يديه، والملازمة لأمره ونهيه، وهي التي يذكرها المتكلمون في أحوال القلوب بالسير إلى الله، فإن مرادهم: هو سير القلب إلى الله بسلوك الطريق المستقيم، وقد أضاف الله صراطه إلى سالكيه فقال: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ) [الفاتحة: 6، 7]، فهي إحدى الإضافتين الواقعة في القرآن الكريم للصراط. قال ابن رجب -رحمه الله-:” فأفضل الناس من سلك طريق النبي -صلى الله عليه وسلم- وخواص أصحابه في الاجتهاد في الأحوال القلبية، فإن سفر الآخرة يُقطَع بسير القلوب لا بسير الأبدان”.

 

إن المقصودَ مِن العبدِ هو عبادةُ الله ومعرفتُه ومحبتُه والإنابةُ إليه على الدَّوام، وسلوكُ الطريق التي تُوصلُه إلى دارِ السلام، وأكثرُ الناس غَلب عليهم الحِس ومَلكتهم الشهواتُ والعادات؛ فلم يرفعوا بهذا الأمرِ رأسًا، ولا جعلوه لبِنائهم أساسًا؛ بل أعرَضوا عنه اشتغالًا بِشَهواتِهم، وتَركوه عُكُوفًا على مُراداتِهم، ولم يَنتَهُوا لاستدراكِ ما فاتَهُم في أوقاتِهم، فهُم في جهلِهم وظُلمِهم حائِرون، وعن ذِكر ربّهم غافِلون، ولمصالِح دينِهم مُضيّعون، وفي سُكر عِشقِ المألوفاتِ هائِمون: (نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [الحشر: 19].

 

ولم ينتبهْ مِن هذه الرقدةِ العظيمة، والمُصيبةِ الجسيمة، إلا القليلُ مِن العقلاء، والنادرُ مِن النبلاء؛ فعَلِموا أنَّ الخسارةَ كلَّ الخسارةِ الاشتغالُ بما لا يُجدي على صاحبِه إلا بالوَبال والحِرمان، ولا يُعوّضُه مما يؤمّل إلا الخُسـران؛ فآثَروا الكاملَ على الناقص، وباعُوا الفانيَ بالباقي، وتحمّلوا تعبَ التكليفِ والعبادة، حتى صارتْ لهم لذةً وعادة، ثم صارُوا بعد ذلك سادة، فاسمعْ صِفاتِهم، واستعنْ باللهِ على الاتّصاف بها.

 

هذه هي أحوال السير عند الأولياء، وإذا سار المريد على هذا النحو لا يمكن أن يلتفت إلى غير الله، أما الذي يضل عن هذا النهج السوي فهو ينزل إلى أسفل ويخسر في الدنيا والآخرة، إن الذي يسير على هواه ولا يتبع طريق الله المستقيم لا يزيده الاجتهاد إلا ضلالاً، نسأل الله السلامة والعافية.

 

أيها الإخوة: إنّ كلَّ مسافر يحتاج في سفره إلى راحلة، وهكذا ما نحن فيه، حيث يحتاج المسافر والمهاجر والعائد إلى ربّه إلى زاد وراحلة، وآداب واعتقادات ورياضات شرعية, إنّنا في سيرنا المعنوي نحو الأُفق الأعلى والحضرة الأسمى نحتاج إلى راحلة تنسجم مع هذا الحال، وقابلة لحمل الأثقال، من ذنوب وجفاء وإهمال، فتغسل الروح والقلب من تلك الأدران، إنّها راحلة الليل ومركب السلوك وبُراق السير إلى الله -تعالى-؛ فالوصول إلى الله -عزّ وجلّ- سفر لا يُدرك إلاّ بامتطاء الليل؛ فصلاة الليل خير راحلة للسفر؛ لأنّ لربّكم -عزّ وجلّ- في أيام دهركم نفحات فتعرّضوا له، وهذه النفحات مستمرّة بالنزول غير منقطعة؛ (وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً) [الإسراء: 20].

 

أسأل الله أن يرزقنا الإخلاص في الأقوال والأعمال، وأن يحسن لنا الختام، وألا يتوفانا إلا وهو راضٍ عنا، اللهم ارزقنا قبل الموت توبة، وعند الموت شهادة، وبعد الموت جنة ونعيمًا.

 

الملفات المرفقة
السير إلى الله
عدد التحميل 37
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات