طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خادم الحرمين يؤكد الحرص على توطيد العلاقة مع العراق    ||    اليمن.. انطلاق مهمة "القبضة الحديدية" في حضرموت    ||    ليبيا.. تراجع حاد بأعداد المهاجرين في مركز تهريب البشر    ||    ميليشيات الحوثي تداهم المنازل بصنعاء وتختطف 40 فتاة    ||    مشاعر محبوسة    ||    انطواء طفلك.. بيدك أنت!    ||    مخالفات قولية عند نزول المطر    ||    الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة الغلو والتطرف    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

14265

الجزاء من جنس العمل

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون / بدون /
التصنيف الرئيسي : التربية
تاريخ النشر : 1439/01/08
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ الفرق بين حياة الأبدان وحياة القلوب 2/ كما تدين تدان 3/ إن الله لا يظلم الناس شيئًا 4/ من صور الجزاء من جنس العمل 5/ ثواب الحسنة الحسنة بعدها 6/ الدنيا مزرعة الآخرة.
اقتباس

الجزاء الرباني للعبد على عمله مماثل للعمل، من جنسه في الخير والشر؛ فمن ستر مسلماً ستره الله, ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة, ومن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة, ومن أقال نادماً أقال الله عثرته يوم القيامة, ومن أحسن إلى عباد الله أحسن الله إليه, فالجزاء أبداً من جنس العمل، وكما تدين تدان…

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله الرحيم الرحمن، علم القرآن، خلق الإنسان، علمه البيان، له مقاليد السموات والأرض، سبحانه كل يوم هو في شأن، وأشهد أن لا إله الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسوله سيد ولد آدم أجمع، وخير من صلى وركع، وأبلغ من دعا إلى الله فأسمع، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الأتقياء البررة، ورضي عنهم وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد: أوصيكم -أيها الناس- ونفسي بتقوى الله -سبحانه-، والتوكل عليه، والاستغاثة به، والاعتماد عليه، والتذلل بين يديه؛ فبذلك تكون الرفعة، وتحصل المنَّة، وتنال الدرجة، وتكون العاقبة المحمودة.

 

عباد الله: لا شك أن حياة القلب الحقيقية تكون بالإيمان بالله الواحد الديان، فإذا أمّد الله عبده بهذه الحياة أثمرت له محبة الله وإجلاله وتعظيمه والحياء منه ومراقبته وحسن التوكل عليه، وحياة النفس وسعادتها بهذه الحياة, ومتى فقدت هذه الحياة عاش الإنسان في الدنيا ليس بحي الحياة النافعة التي خُلق من أجلها، بل كانت حياته من جنس حياة البهائم، ولم يكن ميتاً عديم الإحساس كان في الآخرة كذلك, فحياة البدن بالطعام، وحياة القلب بالإيمان، وحياة الإنسان بدون الإيمان حياة ضالة معذبة شقية، لم تسترح راحة الأموات، ولم تعش عيشة الأحياء السعداء وفي الآخرة كذلك, قال -سبحانه-: (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى) [الأعلى: 9-10].

 

ومن أعرض عن الذكر الذي بعث الله به رسوله، وعميت عنه بصيرته، أعمى الله بصره يوم القيامة، وتركه في العذاب كما ترك الذكر في الدنيا, قال -سبحانه-: (وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا) [الإسراء: 97]، إن الإنسان الطَّيِّب يتفجر الطِّيْب من قلبه على لسانه وجوارحه، والخبيث يتفجر من قلبه الخبث على لسانه وجوارحه.

 

عباد الله: شاءت إرادة الله -تبارك وتعالى- أن يجعل الثواب والعقاب من جنس العمل، عدلاً من الله وفضلاً، وهذا ما قدره الله وقرره في أكثر من موضع في كتابه الكريم، قال -تعالى-: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) [الرحمن: 60]، فمن غرس الخير وبذل المعروف جازه الله بالمعروف، وقال -تعالى-: (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) [الإسراء: 7]، فكل عبد واختياره، فالخير أبوابه مشرعة والشر طرقه مفتحة، وكل عبد وما يختار لنفسه، وقال -سبحانه-: (إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا) [النساء: 149].

 

أيها الإخوة: إن الجزاء الرباني للعبد على عمله مماثل للعمل، من جنسه في الخير والشر؛ فمن ستر مسلماً ستره الله, ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة, ومن نفس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة, ومن أقال نادماً أقال الله عثرته يوم القيامة, ومن أحسن إلى عباد الله أحسن الله إليه, فالجزاء أبداً من جنس العمل، وكما تدين تدان، ويوضح ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- بصورة جلية فيقول: “مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ، يَسَّرَ اللهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا، سَتَرَهُ اللهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أخِيهِ” (مسلم).

 

ومن تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته, ومن ضار مسلماً ضار الله به, ومن شاق شاق الله عليه, ومن خذل مسلماً في موضع يجب نصرته فيه خذله الله في موضع يحب نصرته فيه, ومن أَنفق أُنفق عليه, ومن عفا عن حقه عفا الله له عن حقه, ومن تجاوز عن غيره تجاوز الله عنه, ومن استقصى استقصى الله عليه, ومن سمح سمح الله له, ومن رحم خلق الله رحمه الله, ومن عفا عنهم عفا الله عنه، ومن ظلمهم سلط الله عليه من يظلمه, والراحمون يرحمهم الرحمن, وإنما يرحم الله من عباده الرحماء، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- : “مَنْ لا يَرْحَمُ لا يُرْحَمُ” (البخاري ومسلم).

 

عباد الله: ومن صور الجزاء من جنس العمل: أن الله -عزَّ وجلَّ- وملائكته يصلون على معلمي الناس الخير، وذلك لأن تعليم الناس الخير يخرجهم من الظلمات إلى النور، والجزاء من جنس العمل, ولهذا كان الرسول -صلى الله عليه وسلم- أحق الناس بكمال هذه الصلاة, (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56]، فلما تسبب معلمو الخير للناس في دخولهم في جملة المؤمنين الذين يصلي الله عليهم وملائكته صلى الله عليهم وملائكته, قال -سبحانه-: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) [الأحزاب: 43]، وكذلك العالم كلما علّم الناس من جهالتهم جزاه الله بأن علمه من جهالته، وأمر الكائنات أن تستغفر له؛ لأن لها جميعاً حظ من علمه.

 

عباد الله: إن من آثر الله ومحابه على غيره آثره على غيره، وأعطاه ما يحب جزاء وفاقاً, والإمام العادل أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظل يوم لا ظل إلا ظله، فكما كان الناس في ظل عدله في الدنيا كان في ظل الرحمن يوم القيامة، ظلاً بظل، جزاء وفاقاً, وهكذا بقية السبعة, قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ -تعالى- فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: إِمَامٌ عَدْلٌ، وَشَابٌّ نَشَأ فِي عِبَادَةِ الله، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلانِ تَحَابَّا فِي الله، اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقال: إِنِّي أخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ، فَأخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ” (البخاري ومسلم).

 

وإذا استقام الناس استقامت ملوكهم، وإن عدلوا عدلت عليهم، وإن جاروا جارت ملوكهم وولاتهم, فسبحان من جميع أقضيته وأقداره جارية على مقتضى الحكمة، بل على أتم وجوه الحكمة والصواب، ولكن العقول الضعيفة محجوبة عنها وعن إدراك أسرارها.

 

إن الله منعم على جميع العباد، ولا يغير -سبحانه- نعمه التي أنعم بها على أحد حتى يكون هو الذي يغير ما بنفسه، فيغير طاعة الله بمعصيته، وشكره بكفره، وأسباب رضاه بأسباب سخطه، فإذا غَيَّر، غَيَّر الله عليه، جزاء وفاقاً, (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [الأنفال: 53]، فإن غَيَّر المعصية بالطاعة غَيَّر الله العقوبة بالعافية والسلامة، والذل بالعز، والتعب بالراحة, (لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ) [الرعد: 11].

 

ومن غض بصره عن المحرمات عوضه الله إطلاق بصيرته في العلم والإيمان والمعرفة، فرأى به ما لم يره من أطلق بصره، ولم يغضه عن محارم الله، فكما حبس بصره لله أطلق الله نور بصيرته، ومن أطلق بصره في المحارم حبس الله عنه بصيرته, ولهذا قال -سبحانه-: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ *  وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ) [النور: 30-31], وكلما أحسن الناس بأعمالهم أحسن الله إليهم برحمته كما قال -سبحانه-: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [الأعراف: 56].

 

أيها الأحبة: وأعظم الإحسان الإيمان والتوحيد والإنابة إلى الله، فمن أحسن عبادة ربه أحسن ربه إليه ورحمه قال -سبحانه-: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) [الرحمن: 60], والله -عزَّ وجلَّ- يعامل العبد في ذنوبه بمثل ما يعامل العبد الناس في ذنوبهم، فإذا عرف العبد ذلك كان في ابتلائه بالذنوب من الحكم والفوائد ما هو أنفع الأشياء له.

 

والمتقون لما فعلوا ما يحب الله، وتركوا ما يكره أعطاهم ما يحبون، ووقاهم مما يكرهون جزاء وفاقاً, قال -سبحانه-: (إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ * فَاكِهِينَ بِمَا آَتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) [الطور: 17-18]، جمع الله لهم بين النعيمين، نعيم القلب بالتفكه، ونعيم البدن بالأكل والشرب والنكاح، ووقاهم عذاب الجحيم، وعلى قدر ما يتقرب العبد إلى ربه يتقرب الله منه أكثر, كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “يَقُولُ الله -تعالى-: أنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلإ ذَكَرْتُهُ فِي مَلإ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعاً، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعاً تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعاً، وَإِنْ أتَانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً” (البخاري ومسلم).

 

وإذا توكل العبد على الله حق توكله، ثم كادته السموات والأرض ومن فيهن جعل الله له مخرجاً من ذلك وكفاه ونصره, (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا) [الطلاق: 2-3].

 

ومن بذل لله شيئاً عوضه الله خيراً منه، فمن جاء بالحسنة أعطاه الله عشراً، ومن صلى صلاة واحدة كتبها الله عشراً، ومن أنفق درهماً أخلفه الله عليه، وكتب له به عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة, (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [البقرة: 245]، فلا يزال العبد رابحاً على ربه في كل طاعة بحياة لا تشبه ما الناس فيه من أنواع الحياة، سعادة في الدنيا، وجنة ورضوان في الآخرة.

 

ومن كان مستوحشاً من الله بمعصيته إياه في هذه الدار فوحشته معه في البرزخ ويوم المعاد أعظم وأشد، ويعود عمله عليه بعينه، فيشقى به ظاهراً وباطناً.

 

أيها الإخوة: كلما أحدث الناس ظلماً وفجوراً أحدث لهم ربهم -تبارك تعالى- من الآفات والعلل في أغذيتهم وفواكههم، وهوائهم ومياههم، وأبدانهم وصورهم، وصفاتهم وأخلاقهم، من النقص والآفات، ما هو من موجب أعمالهم وظلمهم وفجورهم، قال -سبحانه-: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) [الروم: 41]، وأكثر هذه الأمراض والآفات بقية عذاب عذبت به الأمم السالفة، ثم بقيت منها بقية أُرصدت لمن بقيت عليه بقية من أعمالهم، حكماً قسطاً وقضاءً عدلاً.

 

عباد الله: وقد جعل الله -عزَّ وجلَّ- أعمال البر والفاجر مقتضية لآثارها في هذا العالم اقتضاء لا بدَّ منه؛ فجعل منع الإحسان والزكاة والصدقة سبباً لحصول القحط والجدب، ومنع نزول الغيث, وجعل ظلم المساكين، والبخس في الموازين، وتعدي القوي على الضعيف سبباً لجور الملوك والولاة الذي لا يرحمون إذا استرحموا, وهم في الحقيقة أعمال الرعايا ظهرت في صورة ولاتهم، فإن الله -سبحانه- بحكمته يظهر للناس أعمالهم في صور تناسبها, تارة بالقحط, وتارة بالجدب, وتارة بأمراض عامة, وتارة بهموم وآلام, وتارة بولاة جائرين, وتارة بعدو, وتارة بمنع بركات السماء والأرض, وتارة بتسلط الشياطين عليهم تؤزهم إلى أسباب العذاب أزاً؛ لتحق عليهم كلمة الله، وليصير كل منهم إلى ما خلق له كما قال -سبحانه-: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) [النساء: 123].

 

وهذا ما ثبت في السنة، فقد قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم-: “خَمْسُ خِصَالٍ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ أَنْ تَنْزِلَ بِكُمُ، أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ تُدْرِكُوهُنَّ: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالْأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ فَشَتْ فِي أَسْلَافِهِمْ، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلَّا أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَئُونَةِ، وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَمَا مَنَعُوا زَكَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلَّا مُنِعُوا الْمَطَرَ، وَلَوْلَا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللهِ، وَعَهْدَ رَسُولِهِ إِلَّا سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوَّهُمْ فَأَخَذُوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ يَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ وَيَتَّخِذُوا فِيمَا أَنْزَلَ اللهُ إِلَّا جَعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ” (ابن ماجه وحسنه الألباني).

 

أيها الأحبة: ومن صور الجزاء من جنس العمل أن من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون؛ صب في أذنيه الآنك يوم القيامة، ولا تزال المسألة بالرجل حتى يجيء يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم، وإذا تقرب العبد إلى ربه بالنوافل التي يحبها الله أحبه الرب، فكان سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، فبه يسمع، وبه يبصر، وبه يمشي.

 

ومنها: أن من كتم العلم ولم ينشره ولم يعلمه ابتلاه الله بنسيانه وذهابه منه، ومن كتم الحق أو كذب فيه فقد حاد الله في شرعه ودينه، وسنة الله أن يمحق عليه بركة علمه ودينه ودنياه، كما أن المتبايعين إذا صدقا بوركا في بيعهما، وإن كتما وكذبا محق الله بركة بيعهما.

 

أيها الإخوة: ومن أعلى صور الجزاء من جنس العمل أن من قرت عينه بالله في هذه الدار قرت عينه به يوم القيامة، وعند الموت، ويوم البعث، ويعود عليه عمله بعينه، فينعم به ظاهراً وباطناً، وقابل الله ما أخفاه المتقون من قيام الليل بالجزاء الذي أخفاه لهم مما لا تعلمه نفس، وقابل قلقهم وخوفهم واضطرابهم على مضاجعهم حين يقومون لصلاة الليل بقرة الأعين في الجنة, قال -سبحانه- عنهم: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة: 16-17].

 

وجعل -سبحانه- الجنة التي غرسها بيده لمن خلقه بيده ولأفضل ذريته، اعتناءً وتشريفاً، وإظهاراً لفضل ما خلقه بيده وشرفه, ولما كان الكفار في الدنيا في سجن الكفر والشرك وضيقه، وكانوا كلما هموا بالخروج منه إلى فضاء الإيمان وسعته رجعوا على حوافرهم كانت عقوبتهم في الآخرة كذلك كما قال -سبحانه- عن الكفار: (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ) [السجدة: 20]، فالكفر والمعاصي والفسوق كله غموم، كلما أراد الإنسان أن يخرج منه أبت عليه نفسه وشيطانه، فلا يزال في غمّ ذلك حتى يموت، فإن لم يخرج من غم ذلك في الدنيا بقي في غمه في البرزخ وفي القيامة.

 

نسأل الله السلامة والعافية، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، إنه هو الغفور الرحيم فاستغفروه.

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه وإخوانه وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

عباد الله: إن العبد إذا أخلى قلبه من محبة الله، والإنابة إليه، وطلب مرضاته, وأخلى لسانه من ذكره وحمده والثناء عليه, وأخلى جوارحه من شكره وطاعته وعبادته, ولم يرد من نفسه ذلك, ونسي ربه؛ نسيه الله كما نسيه, وقطع عنه الإمداد الواصل إليه منه كما قطع العبد العبودية والشكر والتقوى التي تناله من عباده, قال -سبحانه-: (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ) [الحج: 37]، وقال -سبحانه-: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) [الحشر: 19].

 

فإذا أمسك العبد عما ينال ربه منه، أمسك الرب عما ينال العبد من توفيقه، ومن أعرض عن الله وعن دينه خلى بينه وبين نفسه التي ليس له منها إلا الظلم والجهل, (وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) [المائدة: 41]، فعدم إرادته تطهيرهم، وتخليته بينهم وبين نفوسهم أوجب لهم من الشر ما أوجبه, فالذي إلى الرب وبيديه ومنه الخير, والشر كان مصدره منهم, وإليهم كان منتهاه, فمنهم ابتدأت أسبابه بخذلان الله -تعالى- لهم تارة, وبعقوبته لهم به تارة, فمن أحسن أحسن الله إليه بما يسره في الدنيا والآخرة, ومن أساء عوقب بما يسوؤه في الدنيا والآخرة, قال -سبحانه-: (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) [النساء: 123].

 

أيها الأحبة: إن كل صلاح في العالم سببه توحيد الله وعبادته وطاعة رسوله، وكل شر وبلاء في العالم فسببه الكفر ومخالفة الله، والله -عزَّ وجلَّ- على صراط مستقيم في قضائه وقدره، وفي أمره ونهيه، يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم بفضله ورحمته، ويصرف من يشاء عن صراطه المستقيم بعدله وحكمته؛ لعدم صلاحية المحل.

 

فمن أجاب فإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها, كما قال -سبحانه-: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا * وَإِذًا لَآَتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا * وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا) [النساء: 66-68]، ومن عقوبة السيئة السيئة بعدها كما قال -سبحانه-: (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ) [المائدة: 13].

 

أيها الإخوة: إن الدنيا مزرعة الآخرة, فمن هُدي في هذه الدار إلى صراط الله المستقيم الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه؛ هُدي هناك إلى الصراط المستقيم الموصل إلى جنته ودار ثوابه,  فإذا كان يوم لقائه نصب لخلقه صراطاً مستقيماً يوصلهم إلى الجنة، ثم صرف عنه من انصرف عنه في الدنيا، وأقام عليه من اتبع صراطه المستقيم في الدنيا, وجعل نور المؤمنين به الذي كان في قلوبهم في الدنيا نوراً ظاهراً يسعى بين أيديهم وبأيمانهم في ظلمة الحشر والموقف، وحفظ عليهم نورهم حتى قطعوه كما حفظ عليهم الإيمان به حتى لقوه, وأطفأ نور المنافقين أحوج ما كانوا إليه كما أطفأه من قلوبهم في الدنيا, (يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [الحديد: 12].

 

فمن لم يقبل نور الإيمان في الدنيا فلا حظَّ له في النور يوم القيامة، فهو أعمى وفي الظلمات فأنى يهتدي وينجو, (يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آَمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ) [الحديد: 13].

 

وعلى قدر سير العبد على الصراط المستقيم في الدنيا سيكون سيره على ذاك الصراط المنصوب على متن جهنم, فمن الناس من يمر كالبرق, ومنهم من يمر كالطرف, وقد سئل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الجسر فقال: “دَحْضٌ مَزِلَّةٌ، فِيهِ خَطَاطِيفُ وَكَلالِيبُ وَحَسَكٌ، تَكُونُ بِنَجْدٍ فِيهَا شُوَيْكَةٌ يُقَالُ لَهَا السَّعْدَانُ، فَيَمُرُّ الْمُؤْمِنُونَ، كَطَرْفِ الْعَيْنِ وَكَالْبَرْقِ وَكَالرِّيحِ وَكَالطَّيْرِ وَكَأجَاوِيدِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ، فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ، وَمَخْدُوشٌ مُرْسَلٌ، وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ” (البخاري ومسلم).

 

وأقام -سبحانه- أعمال العصاة على جنبتي الصراط كلاليب وحسكاً تخطفهم إلى النار كما خطفتهم في الدنيا عن الاستقامة على الصراط المستقيم, فلينظر العبد إلى الشبهات والشهوات والمظالم التي تعوقه عن سيره على هذا الصراط المستقيم، فإنها الكلاليب التي بجنبتي الصراط تخطفه وتعوقه عن المرور عليه، فإن كثرت هنا وقويت فكذلك هي هناك, (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) [فصلت: 46].

 

أيها الإخوة: إن الله عليم خبير يجزي الإنسان بجنس عمله، فمن خالف الرسل عوقب بمثل ذنبه، ومن احتال على إباحة ما حرمه الله بالحيل عاقبه بنقيض قصده كما احتال أصحاب السبت؛ فلعنهم الله ومسخهم قردة وخنازير جزاء احتيالهم على فعل ما حرمه الله عليهم, قال -سبحانه-: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) [البقرة: 65]، فهؤلاء احتالوا على وقوع الحيتان يوم السبت، وأخذوها يوم الأحد، فلما مسخ أولئك المعتدون دين الله بحيث لم يتمسكوا إلا بظاهره دون حقيقته مسخهم الله قردة تشبه الإنسان في بعض ظاهره دون الحقيقة جزاءً وفاقاً.

 

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم. نسأل الله كمال الإيمان به، وجميل التوكل عليه، وحسن الظن فيه. اللهم املأ قلوبنا ثقة بك، وتوكلاً عليك، ومحبة لك.

الملفات المرفقة
الجزاء من جنس العمل
عدد التحميل 20
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات