طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

14192

أهمية التربية الصالحة

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / حي العزيزية / جامع البواردي /
التصنيف الرئيسي : الأسرة والقرابة التربية
تاريخ النشر : 1438/12/22
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ فضل تربية الأبناء ورعايتهم 2/ طرق تربية الأبناء على البر 3/ من أعظم الأسباب الجالبة للعقوق الدافعة للبرِّ 4/ أهمية الحكمةُ في توجيه الأبناء 5/ من أعظمِ حُقوقِ الأبناء على الآباء.
اقتباس

والأبُ وإن كان –على الأغلبِ– أعقلُ وأخبرُ بالأمورِ من أبنائه، إلا أنه ينبغي أن يحترمَ شخصيةَ ابنه، ويتركَ له مجالَ الاختيار والتصرُّف، ولا يعترض عليه في كل صغيرة وكبيرة، دَعْه يخطئ ليصيب، ويحاول لينجح. ومن الملاحظ أنَّ بعض الآباء يعقدُ لأبنائه دائماً مجالسَ تحقيق يعاتب ويلاحظ ويوجِّه، وهذا حسنٌ، ولكنه يمِلُّهم. روى البخاري أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يتخوَّلُ أصحابه بالموعظةِ مخافةَ السآمةِ عليهم، سبحان الله مع حبهم ورغبتهم الشديدةِ في سماع نُصحه وموعظته إلَّا أنه كان يخاف أن يملُّوا.

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ للهِ المُستوجبِ لصفاتِ المدح والكمال والمستحق للحمد على كل حال، لا يحصي أحدٌ ثناءً عليه بل هو سبحانه كما أثنى على نفسه بأكمل الثناء وأحسن المقال، وأشهدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ له، عالمُ الغيبِ والشهادةِ الكبيرُ المُتَعال، وأشهدُ أنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، هدى بهِ الناسَ من الضلال، ووَضَع عنهم الآصارَ والأغلال، فصلى اللهُ عليهِ وعلى آلهِ وصحبهِ وسلمَ تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.

 

أيها الإخوةُ المؤمنون: جاء رجلٌ إلى عمرَ بنِ الخطاب -رضي الله عنه- يشكو عُقوق ولدِه، فدعا عمرُ بالولد ووَبَّخَهُ وناصحه، فقال الولد: “لا تَعجَل يا أميرَ المؤمنين، ألَيسَ لي حقٌ على أبي كما لهُ حقٌ عليَّ؟ قال: بلى، قال: فما حقي عليه؟ قال: أن يُحسِن اختيارَ أمِّك، ويسمِّيك اسماً حسناً، ويحفِّظَك القرآن، قال الولد: فإنَّ أبي لم يفعل شيئاً من ذلك: أمَّا أمِّي فهي أمَةٌ خَرقَاء اشتراها بدِرهمين فولدتني فسمَّاني جُعلاً، ولم يحفِّظني من القُرآن آيةً“.

 

فقال عمرُ للأبِ: “اخرُج فقد سبقتَ ولدكَ إلى العقوق”.

تَعَاطَيْتُما ثَوبَ العُقوقِ كِلاكُما **** أَبٌ غَيرُ بَرٍّ وابنُه غيرُ وَاصِلِ

 

ولا شكَّ أنَّ تربيةِ العِيال والقيام عليهم لها فضلٌ عظيمٌ عندَ اللهِ –تعالى-؛ روى مسلمٌ والترمِذي عن ثَوبان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “أفضَلُ دينارٍ يُنفقُه الرجلُ: دينارٌ يُنفِقُه على عِيالهِ، ودينارٌ ينفقهُ على فَرَسِه في سبيل الله ودينارٌ ينفقه على أصحابهِ في سبيل الله“.

 

قال أبو قِلابةَ: “بَدأ بأبي العِيال، وأيُّ رجلٍ أعظمُ أجراً من رجلٍ ينفقُ على عيالهِ صِغاراً يَعفُّهم الله به أو ينفعُهم الله به ويُغنيهم!”.

 

وعن كعبِ بن عُجْرَة -رضي الله عنه- قال: مرَّ على النبيِّ -صلى الله عليه وسلم- رجلٌ فرأى أصحابُ رسولِ الله -صلى الله عليه وسلم- من جَلَدِه ونَشاطه، فقالوا يا رسولَ الله: لو كانَ هذا في سبيلِ الله، فقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: “إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى علَى وَلَدِهِ صِغاراً فهُو في سبيل الله” (الحديثُ رواهُ الطَّبَرانيُّ وقال المُنذريُّ: رجالُه رجالُ الصحيح).

 

وقال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: “كفى بِالمَرْءِ إثْماً أنْ يُضَيِّعَ مَن يَعول”.

والأحاديثُ في هذا المعنى كثيرة..

 

وسألَ معاويةُ بنُ أبي سفيان -رضي الله عنهما-، الأحْنَفَ بنَ قَيسٍ عن الوَلَدِ: فقال: “يا أميرَ المؤمنين: أولادُنا ثمارُ قلوبِنا، وعِمادُ ظُهورنا، نحن لهم أرضٌ ذَلِيلةٌ، وسماءُ ظليلةٌ، فإنْ طلبوا فأعطِهم، وإن غضِبوا فأرضِهم، يمنحوك وُدَّهم، ويحبُّوك جُهدهم، ولا تكن عليهم ثِقلاً فيتمنوا موتك، ويكرهوا قُربك، ويملُّوا حياتك“، فقال معاوية: “للهِ أنتَ! لقد دخلت عليَّ وإني لمملوءٌ غيظاً على يزيد، ولقد أصلحتَ من قلبي له ما كان فسد“.

 

وقال عمر بن ذر الهمداني لأبيه يعاتِبُه: “يا أبتِ إنَّ عظيمَ حقِّك عليَّ لا يُذهبُ صغير حقي عليك، والذي تمُتُّ به إليَّ أمُتُّ بمثله إليك، ولستُ أزعمُ أنَّا سواء، ولكني أقولُ لا يحلُّ الاعتداء“.

 

أيها الإخوةُ الكرام: ولِضَعفِ التربية الصالحةِ، وغِيابِ أُصُولِ التعامُلِ الصحيح بين بعضِ الآباءِ وأبنائِهم ظهرتْ مظاهرُ العُقوق واضِحةً في بعض الأُسَر، والتَّفريطُ في أحيانٍ كثيرةٍ يكون من الآباء.

 

والطرقُ لجعلِ الأبناءِ بارِّين كثيرةٌ منها: تربيتُهم على الطاعةِ وتعظيمِ الدينِ والتمسُّكِ به: (يا أيُّها الذينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُم وأَهْليكُم نَاراً…) [التحريم: 6]، وقال تعالى عن إِسْماعيل: (وكَانَ يَأمُرُ أهلَهُ بالصَّلَاةِ والزَّكَاةِ وكانَ عِندَ ربِّهِ مَرْضِيَّاً) [مريم: 55].

 

بَعثَ الخليفةُ عبدُ العزيز بن مروان ابنَه عمر إلى المدينةِ يتأدَّبُ بها، وكتبِ إلى صالحِ بن كَيسان يتَعاهَدَهُ، فأبطَأ الغُلامُ يوماً عن الصلاةِ، فقال له مُؤَدِّبُه صالحُ بن كيسان: ما حبَسك؟ قال: كنت أُرَجِّلُ شَعري، فقال: بلغَ من تَسكينِ شعركِ أنْ تُؤثِرَهُ على الصلاة؟ فكتبَ إلى أبيهِ بذلك، فبعثَ الأبُ رسولاً إليه فما كلَّمَه حتى حلقَ شَعره.

 

وفَقَدَ هشام بن عبد الملك ولدَهُ يومَ جُمعةٍ فسأله عن سبب تأخُّرِه؟ فقال: إنَّ بَغْلتي مَرِضَت فعجَزَت عني، فقال: أما يمكنك المَشي؟! ثم منعه أن يركب سنةً، وألزمَه أن يشهد الجمعة ماشياً.

 

أيها المسلمون: وقلوبُ الأبناءِ بل قلوب الناس جميعاً بين أصبُعين من أصابع الرحمن يقلِّبُها كيف يشاء، فإن ربَّيتَ ولدك على الصلاة وحضور حلقات القرآن ونحوِها سخَّرهُ الله تعالى، وآتاك أجرك في الدنيا والآخرة، وإن سبقته إلى العقوق فلا تعجب إن ردَّ كَيلَك كَيلَين.

 

ومما يجلبُ بِرَّ الأولاد: أنْ يُداومَ الأبُ على الدعاء لهم بالصلاح قال -صلى الله عليه وسلم-: “ثلاثُ دعَواتٍ لا تُرَدُّ؛ دعوةُ الوالدِ لولده، ودعوةُ الصائم، ودعوةُ المُسافر” (رواه أبو داود والترمذي).

 

والدعاءُ للأولاد هو دَأْبُ الأنبياء والصالحين، قال تعالى حاكياً عن سليمان أنَّه قال في دعائه: (رَبِّ أوْزِعْني أنْ أشْكُرَ نِعمَتَك التي أنعمتَ عليَّ وعلى والدَيَّ وأنْ أعملَ صالحاً ترضاهُ وأصلِحْ لي في ذرِّيتي) [الأحقاف: 15].

 

وكان من دعاء الصالحين أنهم قالوا: (رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) [الفرقان: 74].

 

قال هشام بن حسان: سمعت سعيد بن جبير يقول: “إني لأزيدُ في صلاتي من أجل ابني“، قال هشام: “رجاءَ أن يحفظَهُ الله“.

 

ومن ذلك: أن يكون الأبُ نفسُه صالحاً طائعاً لله –تعالى-.

ذكرَ بعضُ المفسِّرين عندَ قوله تعالى في قصةِ الخضِر وموسى لما أصلحَ جدارَ الغُلامين وقال: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) [الكهف: 82]، ذكروا: أنَّ هذا الأبَ الصالحَ هو جدُّهم السابع، وقيل: العاشر، فبلغت بركةُ صلاحه وعبادته السابعَ من عَقِبِهِ.

 

لذا جاء في بعض الإسرائيليات أنَّ الله تعالى “أوحى إلى بعضِ أنبيائهِ: إني إذا رضيتُ أنعمتُ ونِعمتي لا يوازيها شيءٌ، وإذا غَضِبت لَعنتُ ولعنتي تبلغُ السابعَ من الولد“.

 

أيها الإخوة الكرام: وممَّا يجلِب برَّ الأبناء: أن يكونَ الأبُ رفيقاً في التعامُل معهم ولا يكونُ دائماً جِلفاً قاسياً إلّا إنِ احتاجَ الأمرُ لذلكَ، قال -صلى الله عليه وسلم-: “إنَّ اللهَ رفيقٌ يحبُّ الرِّفقَ في الأمرِ كلَّه، ويعطي على الرِّفقِ ما لا يعطي على العُنفِ وما لا يعطي على ما سِواهُ” (رواه البخاري).

 

وينبغي للأب أن يُعينُ أبناءه على بِرِّه، ولا يكلِّفُهم من البرِّ فوقَ طاقتِهم، ولا يُلِحُّ عليهم وقتَ ضجَرِهم، ولا يمنعُهم من شيءٍ مباحٍ يريدونه؛ مخافةَ أن يعصوهُ في ذلك فيستَوجِبونَ النار.

 

وكان يُقال: “الولدُ ريحانتُك سَبعاً، وخادمُك سَبعاً، وهو بعد ذلك صديقُك أو عدوُّك أو شريكُك”.

 

ومن عجيب ما يُروى في ذلكَ ما ذكرهُ الهيثمي في مجمع الزوائد بسند رجالُه ثقاتٌ عن أبي ليلى قال: كنتُ عند النبي -صلى الله عليه وسلم- وعلى صدره أو بطنه الحسن بن علي، فبالَ الغُلامُ فرأيتُ بولَه أساريعَ –أي طرائقَ– فقمت إليه؛ فقال: “دعوا ابني لا تُفزِعوه حتى يقضِيَ بولَه، ثم أتبَعَه الماء“.

 

وروى مسلمٌ عن أنسٍ -رضي الله عنه- قال: “ما رأيتُ أحداً كان أرحمَ بالعِيالِ من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-“.

 

ودخلَ عليهِ الأقرعُ بنُ حابسٍ -رضي الله عنه- فرآهُ يُقبِّلُ الحسنَ، فقال الأقرعُ: تُقبِّلون الصبيانَ! إنَّ لي عشرةً من الولدِ ما قبّلتُ واحداً منهم، فقال -صلى الله عليه وسلم-: “لا أَمْلِكُ أنْ نَزَعَ اللهُ الرَّحْمةَ من قلبِك“.

 

ومما يجلبُ برَّ الأبناء: أنْ يقدِّمَ الأبُ رضا الله –تعالى- على رضاهم، ولا تحملُه عاطِفتُه وحبُّه على تنفيذ ما يشتهونه وإن كانَ محرماً. قال -صلى الله عليه وسلم-: “مَن طلبَ رِضا الناسِ بِسَخَطِ اللهِ سَخِطَ اللهُ عليهِ وأَسْخَطَ الناسَ” (رواه الترمذي).

 

ومن الأمثلةِ الرائعةِ في ذلك: أنَّ شُريحَ بنَ الحارث القاضي، قال له ابنه: يا أبتِ إنَّ بيني وبين قومٍ خُصومةً، فأعرضُها عليكَ فإنْ كانَ الحقُّ لي خاصمتُهم وطلبتُ حقِّي، وإن كان لهم سكتُّ، فلما قصَّ عليه قال: بل خاصِمهم، فلما اختصموا إلى شُريحٍ قضى لهم على ابنه، فلما خرجوا، عاتبه ابنه، وقال يا أبي لو لم أشاورْكَ قبلها لما لُمْتُك، فقال شُريح: والله يا بنيَّ لأنتَ أحبُّ إليَّ من مِلءِ الأرضِ من مثلهم، ولكنَّ الله أعزُّ عليَّ منك، أن أُخبرك أنَّ القضاء عليكَ فتُصالحَهم فتذهبَ ببعض حقهم.

 

أيها الإخوة الكرام: فلا يجوزُ للأبِ أن يطاوعَ بنيهِ في إحضارِ المحرَّمات إلى المنزل، أو يسمح لولده أن يذهب إلى أماكنِ الفساد والمُنكر، فمثلُ هذا يعاملُه اللهُ بنقيضِ قصدِه، ومن طلب رضا الناس بسخطِ الله سخطَ الله عليه وأسخط الناس.

 

ومن أعظم الأسباب الجالبةِ للعقوق الدافعة للبرِّ: التفرِقةُ بين الأولاد في التعامُل أو العَطِيَّة أو غير ذلك، والظُلم مرتَعَه وخيمٌ، فإنَّ هذا يفسدُ الأولاد على أبيهم أولاً، ويورث الشَّحناء والبغضاء بينهم ثانياً، خاصةً إن كانوا من أمهاتٍ شتَّى.

 

وهبَ أبو النعمان بن بشيرٍ ولده النعمانَ غلاماً “عبداً”، ثم جاء ليُشهِدَ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- على ذلك فسأله: “يا بشيرُ ألكَ ولدٌ سِوى هذا؟ قال: نعم، فقال: “أكُلُّهم وهبتَ له مثل هذا؟” قال: لا، قال: فلا تُشهِدْني إذاً، فإني لا أشهدُ على جَور، اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم” (رواه مسلم).

 

فالتفريقُ بين الأولاد في إعطاءِ المال أو السيارة أو تكاليفِ حاجات البيت، أو حتى الإكثارِ من الثناء على أحدِهم أمامَ إخوانه أو أخواته، أو الانتصار لأحدهم دائماً، حتى وإن كان هو أصغرَهم أو أكبرَهم، كلُّ ذلك مما يثير الحسد والبغضاء في نفوسهم لأخيهم، وقد يتعدَّى هذا إلى والدهم، نعم قد يحتاجُ الأبُ إلى مكافأةِ بعضهم أو الثناء عليه دون بعض لفوزٍ أحرزهُ، أو نحو ذلك، فهذا لا بأس به إذا كان بقدرٍ موزون.

 

ولو سألت أكثر العاقِّين لآبائهم عن سبب بُغضِهم وحِقدهم على آبائهم أو إخوانهم لقال لك: أبي يحبُّ إخواني أكثرَ، أبي اشترى لأخي سيارةً ولم يشترِ لي، أبي يعطي أخي مالاً ولا يعطيني، فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم..

 

أقولُ قولي هذا وأستغفِرُ الله لي ولكم….

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد:

 

أيها الإخوة الكرام: ومن أصولِ التربية الإسلامية: الحكمةُ في التوجيه؛ فقد جاءت الشريعةُ على التيسير والتسديد والمقاربة، والأبُ وإن كان –على الأغلبِ– أعقلُ وأخبرُ بالأمورِ من أبنائه، إلا أنه ينبغي أن يحترمَ شخصيةَ ابنه ويتركَ له مجالَ الاختيار والتصرف، ولا يعترض عليه في كل صغيرة وكبيرة، دَعْه يخطئ ليصيب، ويحاول لينجح.

 

ومن الملاحظ أنَّ بعض الآباء يعقدُ لأبنائه دائماً مجالسَ تحقيق يعاتب ويلاحظ ويوجه، وهذا حسنٌ، ولكنه يمِلُّهم. روى البخاري أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يتخوَّلُ أصحابه بالموعظةِ مخافةَ السآمةِ عليهم، سبحان الله مع حبهم ورغبتهم الشديدةِ في سماع نُصحه وموعظته إلَّا أنه كان يخاف أن يملُّوا.

 

قال بعض أهل العلم موجِّهاً الآباء: ولا تُكثِر القولَ عليه بالعِتاب في كل حين، فإنه يهونُ عليه سماعُ الملامةِ، وركوبُ القبائحِ، ويسقطُ وقعَ الكلامِ من قلبه، ولْيكُن الأبُ حافظاً هيبةَ الكلامِ معهُ فلا يوبخْهُ إلَّا أحياناً“.

 

ومن أعظم صفات الكرام التغافلُ عن السيِّئات.

ليسَ الغَبيُّ بسيِّدٍ في قَومهِ *** لكنَّ سَيِّدَ قَومهِ المُتَغابي

 

بل ينبغي على الأبِ أن ينوِّعَ الأساليبَ في نُصحِ ولدِه فلا تكون دائماً مباشِرةٍ بل يكون أحياناً كما قيلَ: إيَّاكِ أعني واسمعي يا جارة، فيذكرُ له مرةً قصةً، ويعاتبه أخرى مع شيءٍ من المزحِ والتلَطُّف.

إذا رُمتَ يوماً أن تَسودَ قبيلةً *** فبالحُكمِ سُد لا بالتَّسلُّطِ والكِبْرِ

 

ومن أعظمِ حُقوقِ الأبناء على الآباء: المُخالطةُ لأبنائهم، فإنَّ الأبناءَ الصغارَ قد لا يُدركون الحياةَ بعُقولهم وأفهامهم لكنهم يدركونها بعُيونهم وبما يشاهدونه من مُلاطفةٍ ومُخالطةٍ، أما عندما ينشَغِلُ الأبُ صباحاً ومساءً عن أولاده، ويَكِلُ تربيتَهم إلى أمِّهم ولا يكونُ همُّه إلَّا مِلءَ بطونهم، وكسوةَ أجسامهم، فهذا هو التضييعُ المورِثُ للجفاء، وقد صوَّر الحاجبُ اليَشكُريُّ حالَ الأولادِ عند مفارقَتهم وبُعدهم عن أبيهم بقوله:

 

لما رأتْ بِنتي بأنِّي مزمعٌ *** بتِرَحُّلٍ من أرضِها فمُودِّعُ

ورأت رِكابي قُرِّبت لرِحالها *** قالت وغَربُ العينِ منها يدمَعُ

أبتا أتترُكُنا وتذهبُ تائهاً في *** الأرضِ تخفِضُكَ البلادُ وترفعُ

فيضيعُ صبيتُك الذين تركتَهم *** بمُضيمةٍ في المِصرِ لم يترعرَعوا

فيهم صغيرٌ ليس ينفعُ نفسَه *** وصغيرةٍ تبكي وطفلٌ يرضَعُ

إنَّا إذا ما غِبتَ عنَّا لم نجدْ *** ممَّا تخلَّفَ عندنا ما يَنفعُ

فأجبتُها حقاً بُنَيَّةَ واعلَمي أنْ *** لَيس ينفَعُ وِلْدَهُ من يقطعُ

 

أختمُ هذا المقامَ -أيها الأحبةُ في الله- بأن أقول: إنَّ الذي يستفيدُ من كلامِ الخُطَباءِ والوُعَّاظ والمُوَجِّهين هو الذي يستمعُ لِيُطَبِّق ويعمل، وليس الذي يستمعُ بهمَّةٍ تضعُفُ عن التطبيق ويَكَلُّ عن العمل.

 

اللهم اجعلنا ممن يسمعون القول ويتبعون أحسنه يا رب العالمين، اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلَنَا كُلَّهُ خَالِصَاً لِوَجْهِكَ الكَرِيمِ.

 

ربَّنا هبْ لنا من أزواجِنا وذُرِّياتِنا قُرَّةَ أعيُن واجْعَلْنا للمُتقين إماماً.

اللَّهمَّ أصْلِح أنُفَسنا ونِساءَنا وأولادَنا وبناتِنا.

اللهم أصلِح شبابَ المسلمين، وانفع بهم البلادَ والعبادَ والدين،

 

اللهمّ لا تدع لنا في مقامنا هذا ذنباً إلا غفرته، ولا همّاً إلا فرّجْته، ولا دَيناً إلا قضيته، ولا مريضاً إلا شفيته، ولا مبتلى إلا عافيته، ولا عقيماً إلا ذرية صالحةً رزقته، ولا ولداً عاقّاً إلا هديته وأصلحته يا ربَّ العالمين.

 

اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، اللهم إنا نسألك الجنة لنا ولوالدينا، ولمن له حق علينا، وللمسلمين أجمعين.

 

اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت إلى إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، سبحان ربك ربّ العزّة عما يصفون وسلامٌ على المرسلين والحمدُ لله رب العالمين.

 

عباد الله (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)؛ فاذكروا الله يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

الملفات المرفقة
أهمية التربية الصالحة
عدد التحميل 30
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات