طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

14171

مقاصد سورة عبس

المكان : مصر / القاهرة / بدون / عمر بن الخطاب /
التصنيف الرئيسي : هدايات القرآن الكر يم
تاريخ النشر : 1438/12/16
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ سبب نزول "سورة عبس" وبعض الحكم والغايات المستفادة من ذلك 2/ شرح آيات "سورة عبس" وبعض الدروس والعبر المستفادة منها 4/ أهداف ومقاصد وأسرار "سورة عبس" 5/ بعض فضائل ومناقب عبد الله بن أم مكتوم 6/ أوجه التناسب والترابط بين سورة "عبس" و "النازعات"
اقتباس

عبد الله بن أم مكتوم ذلكم الرجل الأعمى خير من ملئ الأرض من مثل هؤلاء الذين أبصروا بعيونهم، وعميت قلوبهم، فلا تلتفت عنه وعن مثله إلى مثل هؤلاء، عماه فيه فضيلة، إنه يصبر عليه، وينال به الجنة يوم القيامة، أما هؤلاء فعمى قلوبهم سيدخلهم النار، ولن…

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله رب العالمين، نحمده -سبحانه وتعالى- ونستعينه، ونتوب إليه، ونستهديه، ونستغفره، ونعوذ به -سبحانه- من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ولن تجد له وليا مرشدا.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وأشهد أن نبينا عبد الله ورسوله، وصفوته من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، صلوات ربي وسلامه على نبي الرحمة، ورسول الهدى؛ نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه، ومن بعده اهتدى، وصل علينا برحمتك يا رب العالمين.

 

أما بعد:

 

أيها الإخوة الكرام: موعدنا اليوم مع “سورة عبس”، ولهذه السورة موقف أو حدث مع النبي -صلى الله عليه وسلمَ- وهو: طلب كبار قريش من النبي أن لا يسوي بينهم وبين فقراء أو عامة المسلمين في المجلس أو على الأقل أن يجعل لهم مجلسا خاصا يجتمعوا فيه مع النبي -صلى الله عليه وسلمَ-، الأولى صعبة، والله -تعالى- نهاه عن ذلك، وقال: (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) [الأنعام: 52]، وصفهم بالإخلاص والصدق فلا تطردهم من عندك يا محمد -عليه الصلاة والسلام-، في آية أخرى: (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) [الكهف: 28] عينك لا تفارقهم، لا تعرض عنهم، لا تنظر إلى غيرهم.

 

ولكن جاء كبار قريش وتوصل معهم النبي -عليه الصلاة والسلام- بهذا الفكر الغالي إلى هذا الحل الوسط القريب: أن يجعل لهم مجلسا خاصا في بداية الأمر حتى يسلموا، فلما أسلم هؤلاء دخلت مكة كلها في الإسلام، وبعد ذلك سادهم التواضع، وما إلى ذلك من المعاني التي تربط بين المسلمين.

 

كان هذا فكر النبي -صلى الله عليه وسلَم- وتخطيطه للأمر، لكن (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) [يوسف: 76]، كان علم الله أعظم، وكان علم الله أكبر، وكان منظور الله أبعد وأحكم، بينما النبي -عليه الصلاة والسلام- جالس مع هؤلاء ليس في قاعة مغلقة إنما ربما في مسجده أو في مكان مفتوح؛ بعث الله “عبد الله بن أم مكتوم” وهو رجل أعمى البصر، واختاره الله بهذه الصفة ليأتي إلى النبي -صلى الله عليه وسلمَ-، وفي هذا التوقيت خرج من بيته خصيصا، وعانى مشاكل الطريق، وهو أعمى، حتى يصل إلى النبي -عليه الصلاة والسلام-، وليس له هدف من خروجه هذا إلا أن يزداد في دين الله علما، وذهب يسعى بقلبه وهمته إلى تعلم الدين أكثر وأكثر، يقصد النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولا يقصد طريقا آخر، ولا مصلحة أخرى هذه فقط إلى العلم فقط.

 

ولكن كان مشيئة الله أن يكون أعمى حتى إذا وقف عند النبي -عليه الصلاة والسلام- لا يرى شغل رسول الله -عليه الصلاة والسلام-، ولا يرى من يجالسه ولا في ماذا يجالسه فلا يقدر هذا التقدير ولا يقدر الأمر، لو كان غيره ممن يبصر لرأى الموقف هكذا قال النبي مشغول الآن أكلمه بعد ذلك.. وهكذا لكن هذا أعمى معه عذره لا يرى، فقال للنبي -عليه الصلاة والسلام- يا نبي الله علمني مما علمك الله؟ أو بعبارة أخرى مما تعددت به الروايات، وقع النبي في حرج صلى الله عليه وسلمَ فهو يكلم كبار قريش لو التفت عنهم إلى عبد الله بن أم مكتوم لنفضوا عنه وضاع هذا العمل الذي يرجو النبي -صلى الله عليه وسلمَ- كل خير ولو لم يجبه لظل عبد الله يكرر الطلب؛ لأنه لا يرى لماذا لم يجبه النبي -صلى الله عليه وسلمَ- فسيعيد الطلب لعله لم يسمع لعله لم ينتبه سأعيد عليه. وهذا الذي حدث ظل عبد الله يكرر الطلب رضوان الله عليه، والنبي -عليه الصلاة والسلام- أخذه الحرج بين الطرفين يكلم من ويلتفت إلى من وماذا يفعل؟! لا يستطيع أن يفصل في هذا الأمر، لكنه أعرض عن عبد الله فهذا مسلم يتحملنا ونبين له بعد ذلك فيتفهم الأمر.

 

أنزل الله -تعالى- هذه الآيات ليعاتب النبي -صلى الله عليه وسلمَ- فيما فعل، وأن عبد الله بن أم مكتوم ذلكم الرجل الأعمى خير من ملئ الأرض من مثل هؤلاء الذين أبصروا بعيونهم، وعميت قلوبهم، فلا تلتفت عنه وعن مثله إلى مثل هؤلاء، عماه فيه فضيلة إنه يصبر عليه وينال به الجنة يوم القيامة، أما هؤلاء فعمى قلوبهم سيدخلهم النار ولن يؤمنوا بك يا محمد -عليه الصلاة والسلام-.

 

نزلت الآيات تعلم الدنيا درسا: أن الدين هو أغلى شيء، أن الدين عزيز فلا تجري به وراء الناس إنما اعرضه فقط على الكافرين مجرد عرض، أخذه من أخذه فله الشرف وقد لبس التاج، وأعرض عنه من أعرض، فالدين عزيز وذاك هو الذليل، هو المحروم، هو الذي منع نفسه.

 

نزلت هذه الآيات على هذا الحدث لتعلم النبي -صلى الله عليه وسلمَ- عزة الدين، وأنه لا يلقى إلى من لم يطلبه إلا عرضا عزيزا عليه فقط، لكن لا نلح عليه، ولا نجري وراءه، أما من جاء يسعى ويطلب لنفسه، فهذا تقبل عليه، وتعطيه كل ما أراد، فهذا جاء مفتوح القلب مستعد للاستجابة فلا تهمله أبداً، درس عظيم في الدعوة يستفيد منه الدعاة -نفعنا الله جميعا به-.

 

ولذلك جاء سياق هذه السورة على هذا النحو يعاتب الله -تعالى- النبي -صلى الله عليه وسلمَ- في إعراضه عن عبد الله بن أم مكتوم، ولكن الله الكريم الحليم يعاتب نبيه الحبيب -صلى الله عليه وسلمَ- فيعاتبه بمنتهى اللطف ليعلمنا سبحانه إذا عتبت حبيبا وأحب أحبابك زوجتك وأحب أحباب الزوجة زوجها وأولادها، إخواننا المسلمين، وهكذا، فإذا عاتبت حبيبا فتلطف بالعتاب حتى لا تغلق قلبك نحوه.

 

الله -تعالى- قال: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) [عبس: 1] من هذا؟ لم يتوجه بهذا العتاب مباشرة مخاطبا النبي -صلى الله عليه وسلمَ- بل قال: (عَبَسَ وَتَوَلَّى)، ولم يقل: عبست وتوليت أن جاءك الأعمى، لكن صرف الخطاب عنه إلى مجهول، أي عبس الرجل وتولى أن جاءه الأعمى.

 

ثم خاطبه وقال: (وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى) [عبس: 3] هذا جاء مقبلا فإذا ما أعطيته موعظة الرجاء فيه أنه ينتفع بها ويستجيب: (عَلَّهُ يَزَّكَّى * أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ الذِّكْرَى) [عبس: 3 – 4]، ويلومه على ما فعل فيقول: (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى) [عبس: 5] أي استغن عنك وعن دينك وشريعتك وولاك ظهرك: (أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى) [عبس: 5 – 6] تدور وتلف وتأتي في مقابله وتقف تحجزه لتقنعه كلام الله، لا دعه ينصرف، دعه يتولى، فليس لله حاجة فيه، وأنت قد قمت بالبلاغ وانتهى الأمر ما عليك من شيء.

 

(أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى * فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّى * وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى) [عبس: 5 – 7] لو لم يؤمن، لو لم يتطهر من الشرك والكفر ماذا عليك أنت يا محمد؟ ليس عليك شيء: (مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ) [الأنعام: 52] لن تحاسب عليهم طالما بلغت وأديت.

 

(وَأَمَّا مَن جَاءكَ) انظر إلى تعبير القرآن (جَاءكَ) ليس له هدف آخر إلا أنت يا محمد، جاءك خصيصا، ولم يقل: “جاء” إذاً جاء لحاجة فوجد النبي، فقال: أسأله عليه الصلاة والسلام، أو أتعلم منه بالمرة، (جَاءكَ) ما خرج من بيته ولا أخرجه من بيته إلا أن يأتي إليك أنت، يسعى السعي في الأرض الجري، ولكن من ابتلي بعينيه لا يجري في الطريق، فالطريق مخاطر، إنما السعي هنا سعي همة، جاء مهتما بالأمر حريصا عليه.

 

(جَاءكَ يَسْعَى * وَهُوَ يَخْشَى) [عبس: 8 – 9] الخشية، هي: التقدير، تقدير الأشياء حقها وقدرها، جاءك يسعى وهو يعلم قيمة العلم، قيمة المعرفة، قيمة الدين، قيمة القرب من الله -سبحانه وتعالى-، (فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّى) [عبس: 10] تتلهى عنه بهؤلاء القوم الكفرة؟! (كَلَّا)، (كَلَّا) هنا يعني: لا، لا تفعل هذا مرة أخرى يا نبي الله.

 

(كَلَّا) إذًا ما القضية كيف تكون؟ (إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ) [عبس: 11]، ما عليك إلا أن تذكر ويتذكر من يتذكر، وله الخير والشرف -كما قلنا-، ويعرض من يعرض والوبال والخسران عليه، ولن يضر الله، ولن يضرك في شيء: (كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَاء) [عبس: 11 – 12] من كانت له رغبة، من كانت له إرادة (فَمَن شَاء ذَكَرَهُ) [عبس” 12] أين؟ القرآن، ومن أين جاء؟ (فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ) [عبس: 13] الصحف نفسها ذاتها مكرمة، فكرموا أوراق المصحف، كرموا الأوراق التي يكتب فيها القرآن مصحفا أو غيره، فإن صحف القرآن مكرمة، شرع الله هذا.

 

(مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ) [عبس: 14] أيضا ارفعوها فوق كل شيء، وضعوا المصحف فوق كل كتاب، واجعلوا القرآن قبل كل شيء في القول، في الفعل، في العمل به، قدموا القرآن دائما وأولا: (مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ) [عبس: 14] في اللوح المحفوظ القرآن هناك مثبت قبل أن ينزل إلينا، وهناك الكتاب محفوظ: (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) [الواقعة: 79]، لا يمسه إلا ملك، لا يصل إليه إنسان، ولا يقربه جان ولا شيطان، إنما ملائكة موكلة بحفظ اللوح المحفوظ: (لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ) [الواقعة: 79].

 

وهذه الصحف بجلالها وروعتها: (بِأَيْدِي سَفَرَةٍ) [عبس: 15] أي سفراء (كِرَامٍ بَرَرَةٍ) [عبس: 16] الملائكة وصفوا بالكرم دائما، ليس كرم اليد فقط، فليس عندهم أموال، إنما كرم الطبع، سخي في قلبه، تخيل أنه في عليائه، ومنهم من يحمل عرش الرحمن ولا حاجة له عندنا، ولا صلة له بنا، ومع ذلك يدعون لنا، ويستغفر لنا، فكريم هو أم لئيم؟ كريم، لو كان لئيما –معاذ الله وحاشا- الملائكة أن تكون كذلك، لوضعوا بيننا وبين الله فتنا فأغضبوه علينا: عبادك يفعلون كذا، ويذنبون كذا، ويخالفون ويشركون، حتى يستقدموا الله علينا، لكن من كرم طبعهم يستغفرون الله لنا، من دعائهم: (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) [غافر: 7] دعاء جميل في “سورة غافر” وفي غيرها من الملائكة للناس، كرام وليس لئام، لا يخفون عنا شيئا من الوحي، ولا يكتمون عنا شيئا من أمر الله، كل ما أمرهم الله بلغوه لرسوله -عليه الصلاة والسلام-، بلغه جبريل ولا يكتم شيئا.

 

(كِرَامٍ بَرَرَةٍ) [عبس: 16] البار هو الذي يعطي الحق لصاحبه، لا يكتم حقا عن صاحبه أبدا، فهو بار يبر كل واحد بحقه.

 

انتهت الآيات التي نزلت على هذا السبب، وهذا هو المقطع الأول من السورة بمعاتبة النبي -صلى الله عليه وسلمَ- العتاب اللطيف بتعليمه كيف يفعل في الدعوة، وتعليم الدعاة من بعده: التنبيه على عظمة الدين والقرآن، ولذلك قال بعض الحكماء أي من الكلام الحكيم الذي أنسجه العقل: “لا تعلقوا الدرة في أعناق الخنازير” لو معك درة شيء ثمين، قطعة ذهبية، لا تجعلها قلادة في رقبة الخنزير، فإنما العرب الجهلة كانوا إذا قلدوا الأنعام بشيء وضعوا فردة حذاء، زوج من زوجي الحذاء في رقبته، علقوا فيها حبلا، علقوا فيها تميمة أخرى، شيئا مهانا، إنما تعلق في أعناق البهائم والخنازير دررا وجواهر! هذا ما ينبذه العقل، فالدين أعظم درة، أعظم جوهرة، أعظم نعمة أنعم الله بها على أهل الأرض، ولذلك لا تعلق في أعناق الخنازير.

 

بعث الله موسى -عليه السلام- إلى فرعون -عليه اللعنة- كما عرفنا في سورتنا السابقة “سورة النازعات”: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُلْ هَل لَّكَ) [النازعات: 17 – 18] لم يقل له: خذ هذه الرسالة، واعمل بها، ربما لا يستحقها وما لا يعرفها، ربما لا يعرف حقها ولا قدرها، إنما اعرض عليه إن عرف قيمتها أخذها، وإن لم يعرف قيمتها تركها وبقيت الرسالة بجلالها وبهائها وعظمها: (هَل لَّكَ إِلَى أَن تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى) [النازعات: 18 – 19]؟ عرض، ولذلك يقال: الدين يعرض على الكافر ولا يفرض، ما عندنا فرض على أحد ليسلم، لا نجبره، لا نلزمه: (أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ) [هود: 28]؟! إنما المسلم الذي قبل الدين وجبت عليه فرائض هذا الدين، ووجب عليه أن يلتزم بنظام وأحكام هذا الدين، إنما الدين يعرض ولا يفرض على الكافر فقط، تدخل معنا أو لا تدخل برأيك باختيارك بمحبتك بعقلك بوعيك، لكن لا يجبره أحد.

 

فالدين عزيز (إِنَّهَا تَذْكِرَة * فَمَن شَاء ذَكَرَهُ * فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ * مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ * بِأَيْدِي سَفَرَةٍ * كِرَامٍ بَرَرَةٍ) [عبس: 11 – 16]، هناك إنه جاء من علم، جاء من فوق ولم ينبت من الأرض من الطين، (لَكِتَابٌ عَزِيزٌ) [فصلت: 41]؛ لذلك عظموه وعززوه، وارفعوا من رفعه، واحفظوا من حفظه، واقرؤوا سيرة من قرأه، هؤلاء هم الأبطال أهل القرآن، هؤلاء هم عظماء التاريخ الذين حفظوا رسالات الله -تبارك وتعالى-، فلم يصرفوها ولم يضيعوها.

 

ثم تأخذ السورة في موضوع آخر، ولكن هو موضوع يتصل بالأمر نفسه، هؤلاء كانوا كفارا رغم أن الله المال والعزة والشرف، له سمعة، عمداء في الناس، يقال عنهم: الملأ، يعني تراهم يملؤون العين، انظر إلى هذا الرجل هيئته عظيمة ولكن قلبه وعقله عقل عصفور، أجسام البغال وعقول العصافير، تكلمه تراه تافها، سفيها، سبحان الله! هيئته لا تدل عليه، من يرى جسمه لا يرى قلبه وقوله، ولذلك الذي يفصح عن القلب اللسان، فقال أهل الحكمة أيضا: “المرء مخبوء تحت لسانه فإذا تكلم عرف” تجد كلامه قيما، إذاً هو قيم، تجد كلامه تافها إذاً هو تافه، رغم صورته الجسيمة والعظيمة كل هذا لا يغني، فإن قلبه قلب سافه، مقاله سفيه، رأيه ليس رشيدا، فلا عبرة به، هؤلاء الكفار الذين كفروا بالدين، وردوا القرآن، وكذبوا بالنبي -صلى الله عليه وسلمَ-، هم الذين يقول الله عنهم: (قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) [عبس: 17] (قُتِلَ) أي لعن، لعنة الله على هذا الإنسان الكافر، (مَا أَكْفَرَهُ) يعني ما جعله يكفر! والدنيا من حوله بل نفسه التي بين جنبيه تحدثه بأن لهذا الكون خالقا، وأن هذا الخالق لا بد أن يكون واحدا، وهذا الواحد -سبحانه- لا بد أن يكون معبودا وحده لا شريك له؟ لأن العين والأذن لم تر ولم تسمع بمثله أبداً، ما سمعنا بأحد ولا رأينا أحدا، قال: إني خلقت السموات، أو لي سموات مثل السموات، أو لي شمس مثل الشمس، أو خلقت خلقا مثل الإنس والجن! ما سمعت الأذن، ولا رأت العين، ولا خطر على قلب إنسان: أن هناك مثيلا لله -تبارك وتعالى-؛ كما قال عن نفسه: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ) [الشورى: 11]، (وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص: 4]، فيا أيها الإنسان العاقل الذي جعل الله لك عقلا: لو فكرت بعقلك لعلمت أن هذا الكون يستحيل أن يكون صدفة؟ هذا التلفون الصغير، هذا القلم الذي نكتب به، هذه الأوراق المرصوصة والمنظومة في كراس نكتب فيه يستحيل في العقل أن تكون موجودة صدفة، كانت حجرا فانقلبت شيئا مثل هذا، وصنعة مثل هذا، مع بساطتها يستحيل في العقل أن تكون هكذا، إنما العقل يسلم وهو مغمض عينيه أن هذه الصنعة لها خالق، فما بالك بسماء ذات أبراج؟ وأرض ذات فجاج؟ وبحار ذات أمواج؟ وخلق كلهم أزواج؟ ألا يدل ذلك على وجود إله عظيم؟ وانتظام هذا الكون، وهذا الخلق بنظام واحد ألا يدل ذلك أن على من يدير أمره ويدبره هو خالق واحد ورب واحد؟! من خلق هذا كله، ودبر الأمر كله، ألا يستحق من خلقه أن يشكروه ويعبدوه؟ ومن ذا الذي يستحق العبادة غيره؟! من له فضل علينا في نعمة واحدة حتى نعبده؟! لا يوجد: (وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللّهِ) [النحل: 53]، إذاً أنت تعبد إلا من أنعم عليك بكل النعم.

 

(قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) كيف يكفر؟! حوله هذه الآيات قالها كافر قبل أن يسلم.

 

وله -سبحانه وتعالى- في كل شيء آية *** تدل على أنه واحد

 

خاصة في عصر العلم اليوم، وقد أظهر الله معجزات في خلق الإنسان، وفي خلق الأكوان، تدل على عظمة الخلق ودقة الخلق بما ينبهر به العلماء، وتقف أمامه الآلات الحديثة، إذاً صنع من هذا؟ أعلم العلماء اليوم لا يعرفون هذا إلا بعد أن يكتشفوه ويبحثوه ويجربوه ثم يعلموه، علموه كله أو جزأه، إذاً صنعه من هو أكبر منكم، من الأكبر إلا الله؟ لماذا لا تقولوا جميعا -أيها العالم-: “لا إله إلا الله” في عصر غزا العلم فيه قلوبكم وغزا القرآن علومكم وقلوبكم وحياتكم؟ لماذا لا توحدوا الله -سبحانه وتعالى-؟ “لا إله إلا الله”، والذي جاء بهذا الكلام الصدق المعجز هو النبي -صلى الله عليه وسلمَ-: “أشهد أن محمدا رسول الله”؟ الذي قال هذا الكلام من أربعمائة عام ليعجز به الناس في هذه الأيام إنه لنبي صدق، إنه حق لا ينطق عن الهوى، لا ينطق من تلقاء نفسه: (إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) [النجم: 4 – 5] -عليه الصلاة والسلام-.

 

(قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ) [عبس: 17] أي (مَا أَكْفَرَهُ)! صيغة تعجب! هذا القمر ما أجمله! هذا الزرع ما أنضره! هذا الثمر ما أحلاه! وهكذا.. يعني أنه جميل جدا! حلو جدا! (مَا أَكْفَرَهُ)! يعني ما الذي جعله يكفر كل هذا الكفر؟! أن يكفر في نفسه فهذا مسموح به والحساب يوم القيامة: (فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ) [الكهف: 29]، أما أن يسيء إلى الله! أما أن يسب رسولا من رسل الله -عليهم الصلاة والسلام-، أما أن يسيء إلى كتاب مقدس نزل من السماء، أما أن يكذب بحقيقة قائمة فإنه غير مسموح به؛ فإنه بذلك يكون قد طغى كما طغى فرعون، وما طغى الكافرون: (إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا * لِلْطَّاغِينَ مَآبًا) [النبأ: 21 – 22] تعدى الحد في الكفر، الله قال له: آمن أو اكفر لنفسك، لكن تكفر غيرك! تشكك المسلم في دينه ليخرج منه! هذا طغيان!

 

(مَا أَكْفَرَهُ)! يعني ما أشد كفره! وكأن الله يقول لهذا الإنسان: ألا تفكر في نفسك؟ ألا ترى الله وآثار قدرته في خلقك؟ (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ) [عبس: 18] اسأل نفسك هذا السؤال، والإجابة موجودة في القرآن بإعجاز، وفي العلم بتفصيل: (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ)؟ أيها الإنسان الجميل، البصير، السميع، العاقل، المخترع، المكتشف، المبتكر، بهذه الصفات العالية: مما خلقك الله؟ (مِن نُّطْفَةٍ) [عبس: 19] من ماء قليل جدا، (نُّطْفَةٍ) هي الماء القليل، في آية أخرى: (مِّن مَّاء مَّهِينٍ) [المرسلات: 20] جعل الله منها إنسانا، من هذا الماء المهين الذي نحتقره رغم أنه طاهر، لا يقبله أحد يأتي على ثوبه أو على بدنه، من هذا الماء خلقنا.

 

(مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ) [عبس: 19 – 20] سبيل الخروج من الرحم قبل أن تعرف القيصريات الله أعد المرأة لتلد من رحمها لا من بطنها، لا بشق البطن، ولكن جعل لذلك فتحة، وجاء لهذه الفتحة طلق يفتحها، وتفتح بقدر معين في توقيت معين، ولكن خلق (الإِنسَانُ عَجُولاً) [الإسراء: 11]، (ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا) (إِذا) هذا حق لا بد أن يكون يوم القيامة، لم يقل: “ثم إن شاء” إن شك، لكن (إِذَا) تحقيق (ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ) [عبس: 22] عرضه على الله للحساب، هل وفى الإنسان بقدر ربه؟ أبداً والله: (كَلَّا لَمَّا يَقْضِ مَا أَمَرَهُ) [عبس: 23] الإنسان لم يقض كل ما أمره الله به، ولكن عذرنا أو نجاتنا بالاستغفار، نستغفر الله مما لم نستطع فعله.

 

إذاً، على هذا الإنسان أن ينظر في نفسه فيرى أثر خلقه، أو ينظر الإنسان فيما بين يديه: (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) [عبس: 24]، والطعام يكون بين أيدينا، بين كفينا، بين أضلعنا، نأكله ونتذوقه، ونعرف اختلاف طعومه، واختلاف أشكاله، وعظيم منظره، وهو طعام شهي لذيذ، مغذي، فيه شفاء: (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ) [عبس: 24]، من الذي صنع لك هذا الطعام؟ الفلاح؟ أبدا، فهو وضع البذور ونام، وكذلك المهندس الزراعي وضع البذور ونام، وأنزل الله ماء المطر ليرويها كما في بلاد العرب الأخرى، وعندنا نرويها بماء النيل، والنيل أجراه ربنا -سبحانه وتعالى- وليس من أيدينا نحن، إذاً الفضل لله.

 

(أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا * ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا) [عبس: 25 – 26] شقا محكما، شقا فوق البذرة بالضبط لتخرج النبتة الضعيفة التي لا حول لها ولا قوة إلا بخالقها -سبحانه وتعالى-.

 

(فَأَنبَتْنَا فِيهَا) كل ما تحتاجونه أنتم وأنعامكم، (حَبًّا) [عبس: 27] وهو الأقوات، والأقوات: القمح والذرة واللوبيا والفاصوليا والفول، وما إلى ذلك، هذه الحبوب، (وَعِنَبًا) رمزا للفواكه، (وَقَضْبًا) النبات الذي يأكل في عوده كالقصب والجرجير والفجل، وما إلى ذلك، (وَقَضْبًا) يقضبه الإنسان بأسنانه، أي يقطعه قطعا قطعا ويأكله، (وَزَيْتُونًا) لم يرد أن يحدق، وأن يفتح شهيته، فالزيتون فيه أسرار عظيمة لم يعرفها الإنسان إلا اليوم: (وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا) [عبس: 29]، غذاء وشفاء وبركة، يأتي بغير جهد ذلك التمر بأنواعه الكثيرة، وأشكاله العديدة: (وَنَخْلًا)، (وَحَدَائِقَ) للنزهة، للتفسح، لرؤية الجمال في الكون، لتجميل الحياة، (وَحَدَائِقَ غُلْبًا) [عبس: 30] من الحدائق من هو عيدان قائمة هكذا لا جمال فيها، ولا ظل لها، ولكن ما أجمل الحدائق الغلبا التي تكاثفت أغصان أشجارها، والأغصان مليئة بالأوراق، والأوراق يخرج من بين براعمها زهور، كل ذلك يوصل مكانا للإنسان لكي يستروح فيه، ويستظل به، ويتلذذ بهذا الجو العليل، وهذه النسمة العليلة اللطيفة: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: 14].

 

(وَحَدَائِقَ غُلْبًا * وَفَاكِهَةً) ليس العنب فقط، بل فاكهة كثيرة: (وَفَاكِهَةً وَأَبًّا) [عبس: 31]، (أَبًّا) طعام للحيوان، ما هو؟ الله أعلم، ما استطاع أبو بكر وعمر أن يتكلما في تفسيره، إنما عرف أنه طعام للحيوان.

 

كل هذا لمن؟ وهل لله فيه حاجة؟ أبداً والله هو الغني: (مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) [عبس: 32]، وهذه النعم الخارجة من الطين والتراب، سبحان الله! وتتمتع أنعامكم كذلك، وتتغذى وتكثر، وفي النهاية الأنعام تعود علينا نذبحها ونأكلها، ونشرب من ألبانها، ونلبس من جلودها وأصوافها وأوبارها وأشعارها: (مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) [عبس: 32]، كل ذلك يعود إلى الإنسان: (مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) [عبس: 32].

 

ولما تغاض الإنسان عن ركوب الدواب العادية، وركب ما لا يأكل هذه النباتات والخضروات والمراعي والأب، ونحوها؛ إنما تقتات هذه الدواب من شيء آخر، من مستخرجات البترول الله -تعالى- أخرج للناس بترولا من الأرض: (مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) [عبس: 32]، كيف تركب السيارة والطائرة وهكذا.. فلا بد لها من وقود خاص، من أين هذا الوقود؟ وكيف نصنعه؟ الله أخرجه من الأرض آبارا وعيونا, سبحان الله! (مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) على كل الأشكال.

 

بينما الإنسان غارقا في المتع، متلذذا بالنعم، متقلبا في الأرض يذهب ويأتي، وكثيرون يأخذهم الغرور بالنعم، وينسون المنعم -سبحانه وتعالى- تأتي الساعة فجأة بغتة وهو لا يدري، الساعة الكبيرة العظيمة الآخرة: الصاخة التي هي الطامة الكبيرة تأتي فجأة، وساعة كل واحد أيضا على حدة تأتي فجأة، ومن مات قامت قيامته، بدأت القيامة بالنسبة له، وبقيت القيامة الكبرى تقوم على من تقوم عليه.

 

(فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ) [عبس: 33] بعد المتابع مباشرة فيه وهو يتمتع تقوم عليه ساعته، (فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ) سميت هنا بالصاخة؛ لأنها تحدث صوتا عظيما رهيبا مرعبا، تخيل السماء تنشق! الكواكب التي مثل الأرض هكذا، ومثل القمر تتناثر وتتبعثر وتسقط على بعضها وتصطدم ببعضها! لو اصطدمت سيارة بسيارة تعرفون كم يكون الصوت، فكيف بقمر مع أرض! بأرض مع مجرة أخرى؟! كل ذلك يصطدم ويقع على بعض! الدنيا تخرب! العالم يتهدم! لو بيت يتهدم يحدث رجة وصاخة عظيمة في المنطقة فما بالك بالكون كله؟! فلذلك يسمع عند قيام الساعة صوت رعيب رهيب، يقال له: (الصَّاخَّةُ)، متى هذا؟ كان الكفار دائما يكذبون: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [الملك: 25]، يقول الله -تعالى-: (يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ) [عبس: 34] أكثر الناس نفعا له في الدنيا، أول ما يقع يقول: أخ، يعني أدركني يا أخي! سيدنا موسى -عليه السلام- خاف أن يذهب وحده إلى فرعون قال: (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي) [طه: 29] من يا موسى تريد من الناس؟ (هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي) [طه: 30 – 31] الأخ أول ما يفر منه الكافر يوم القيامة أخوه ابن أبيه وأمه.

 

(يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ) الزوجة، (وَبَنِيهِ) [عبس: 36]، لماذا يفرون من بعضهم؟ كل مشغول بهمه (لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ * وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُّسْفِرَةٌ) [عبس: 37 – 38]، يعني ظاهرة كل جزء فيها واضح، ما فيها تقطيب، ما فيها تعرج، إنما واضحة منفردة منبسطة، لماذا؟ لأنها تضحك (ضَاحِكَةٌ مُّسْتَبْشِرَةٌ) [عبس: 39] -اللهم اجعلنا منهم يا رب- يضحكون مما بشروا به من الخير والجنة، فأسفرت وجوههم، وظهرت كلها لم يختف جزء منها.

 

(وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ) [عبس: 40] كأنها مغبرة، هي ليس فيها غبار ولكنها سوداء كالوجه الذي عليه غبار: (عَلَيْهَا غَبَرَةٌ [عبس:40] تَرْهَقُهَا .. ) أي تعلوها (قَتَرَةٌ) [عبس:41]، كشرة وعبوس كما في أول السورة: (عَبَسَ) تظهر عليها علامات الخوف والضيق، والغضب والحرج، وكل ذلك يجتمع في هذا الوجه.

 

(تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ) [عبس: 41] من هؤلاء يا رب؟ (أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ) [عبس: 42] الذين كان النبي -عليه الصلاة والسلام- يجلس معهم ومع أمثالهم هكذا يكونون يوم القيامة.

 

هذا سياق السورة -أحبتي الكرام- ترونه يتكلم عن يوم القيامة أيضا، وعن الكافر الذي يكفر بذلك، وينكره لضيق أفقه، وقلة علمه.

 

نسأل الله -تعالى- أن يعلمنا من علوم القرآن، وأن ينفعنا بذلك في الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا من أصحاب الوجوه المسفرة الضاحكة المستبشرة، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله -تعالى- لي ولكم…

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

 

أما بعد:

 

فأوصيكم -عباد الله- بتقوى الله العظيم، ولزوم طاعته، وأحذركم ونفسي عصيانه -تعالى-، ومخالفة أمره، فهو القائل سبحانه وتعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) [فصلت: 46].

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل على محمد النبي وأمهات المؤمنين وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

 

أما بعد:

 

أيها المسلم الكريم: هذه السورة بسياقها هذا تقدم تقديما مختصرا، وتبعث برسالة مختصرة، ألا وهي: أنه هناك غضب، لله غضب، ولك أن تغضب، فهذه غريزة فيك، ولكن متى نغضب؟ وكيف نغضب؟ ومتى يغضب الله –عز وجل-؟ ومن أي شيء يغضب؟

 

هذه السورة عنوانها: “عبس”، والعبوس ظهور علامات الغضب في الوجه، كما نسميها: “تكشير” نرى الوجه الكشر فنعرفه، هذا هو العابس، وإذا كان اليوم كله أحزان مغضبة نقول عنه: “يوم عبوس”، وأشد هذه الأيام يوم القيامة: (عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ) [المدثر: 10]، لذلك قال الله -تعالى-: (يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا) [الإنسان: 10].

 

اليوم نفسه صار عبوسا كأن علامات الغضب ظهرت على الزمان نفسه، ظهرت على الهواء من كثرة الغضبى، ومن كثرة الغضب، ومن كثرة ما يغضب في جو الكفار يوم القيامة.

 

الله -تعالى- يغضب مماذا؟

 

حين تفضل كافرا على مسلم، حتى ولو كنت رسولا مقربا إلى الله لن يقبل الله منك ذلك، هذا رسول الله محمد -صلى الله عليه وسلمَ- لم يفاضل، ولكن يعني مال لغرض شريف، مال إلى كبار قريش وهم كفار، وتولى وعبس في وجه رجل مسلم، وإن كان أعمى، هذا أمر أغضب الله، فقال: (كلا)، هذه كلمة رد شديد.

 

يغضب الله حينما تفضل أعداءه على أوليائه، والله -تعالى- عرض هذه القضية عرضا مفصلا في القرآن، من ذلك قوله: (أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ * إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ) [القلم: 35 – 38]، هل عندكم كتاب بهذا؟ هل عندكم عهد من الله بهذا؟ هل لكم زعيم يتولى هذا الأمر بعلم وحكمة ومعرفة؟ لا يوجد كل هذا، إنما فضل الله، وأثر وليه على عدوه.

 

ومن أوثق عرى الإيمان: حب أحباب الله وأوليائه، وبغض أعداء الله، والكافرين به، بالقلب، فليس أولياء الله هم من يطيرون في الهواء، أو يمشون على الماء، بل أنتم كلكم أولياء الله، كل من صلى وصام وعبد الله فهو من أولياء الله، إنما يتولى الله بطاعته، ولكن يختلف تقديرنا في الولاية، أنت ولي وأنا ولي لله، ولكن أنت أعلى مني بدرجة أو درجات، وهذا أعلى منك، وهذا أنا أعلى منه، وهكذا.. درجات، لكن الكل أولياء الله، وقالوا: “ولي الله من إذا رأيته ذكرك بالله“، حاله ومقاله يذكرك بالله، إذاً هذا ولي الله.

 

فالله -تعالى- في هذه السورة يحرر هذا الميزان، هؤلاء مجموعة، وأي مجموعة، إنهم رؤساء الناس، كبراء الناس، الله خفف ميزانهم حتى طاح ونزل ولم يرجح، ورجح ميزان عبد الله بن أم مكتوم، رغم أنه أعمى، ومنسوب إلى أمه، لكن قيمته عالية عند الله.

 

“عبد الله” هذا كان من كفار مكة، كان من رجال قريش، ثم أسلم وحسن إسلامه، ثم هاجر إلى المدينة قبل هجرة النبي -عليه الصلاة والسلام- كان من السابقين الأولين، وهناك استقبل النبي -عليه الصلاة والسلام-، كان النبي يحبه -عليه الصلاة والسلام- حتى جعله مؤذنا له مع بلال، وفي الحديث: “إن بلالا يؤذن بليل” ما يسمى بالفجر الكاذب كمدفع إمساك تنبيه إلى اقتراب وقت الفجر الذي نمسك عنده: “إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم“.

 

أيضا “عبد الله بن أم مكتوم” من فضائله: أن النبي -صلى الله عليه وسلمَ- استخلفه واليا على المدينة في بعض الغزوات، يخرج النبي -عليه الصلاة والسلام- ويولي على الناس “عبد الله بن أم مكتوم” رغم أنه أعمى، لكن هذا يدل على فضله وشرفه، وسعة عقله، ما شاء الله استخلفه أكثر من مرة، وتوفي رَضي الله عنه وأرضاه في زمان عمر بن الخطاب -رَضي الله عنه-.

 

“عبد الله” ولد أعمى، وكان العرب غالبا يطلقون على الأعمى “مكتوما”، فنسبت أمه إلى ذلك، فصارت “أم مكتوم”، وهو ابنها، فقيل عنه: “ابن أم مكتوم” قيل: هي أمه، وقيل: هي جدته من جهة أبيه، ونسب إلى أمه؛ لأن نسب أمه كان أعلى في العرب من نسب أبيه، فتشريفا لعبد الله وإخوته نسب إلى أمه -عليهم جميعا رضوان الله-، وأمه اسمها: “عاتكة”، ويعتبر عبد الله هذا ابن خال السيدة خديجة -رضَي الله عنها-، فهو من أشراف قريش نسبا، ومن أشراف المسلمين قدرا.

 

وبعد أن نزلت هذه الآيات وتسبب “عبد الله” في عتاب رباني للنبي -صلى الله عليه وسلمَ-، البشر منا ما كان ليقابل “عبد الله” بعد ذلك بوجه طلق بشوش، كل ما يقابله يلومه: أنت السبب! جاءك من وراءك الملامة!.. وهكذا يلومه البشر مثلنا، أما عليه الصلاة والسلام فكان على خلق عظيم، كل ما قابل “عبد الله” بعد ذلك كان يقول له: “مرحبا بمن عاتبني فيه ربي“.

 

ووالاه كل هذه المناصب مؤذنا وواليا على المدينة، وقربه منه، وهكذا.. عرف النبي -صلى الله عليه وسلم- قدره كما أرد الله -سبحانه وتعالى-.

 

هذه السورة -أحبتي الكرام- ترتبط بما قبلها كما تعودنا في سور القرآن، وكلها مترابطة؛ لأن الذي رتبها هو الله، فترتيبه حكيم، وفعله كله ذو حكمة.

 

“سورة النازعات” و “سورة عبس” كلتهما تتحدثان عن يوم القيامة، ولكن كل واحدة تقدم شكلا معينا، تظهر بهيئة خاصة بها، إنما الموضوع واحد فيهما، في “سورة النازعات” الكلام عن اليوم ووسائل إقناع بأن البعث حق، في “سورة عبس” يتكلم الله عن الكافر الذي كفر بيوم القيامة، كيف تكفر؟ ما أكفرك؟ وكل الدلائل تقول على أن الله حق، وأن البعث حق، وأن النبي -عليه الصلاة والسلام- حق ، كيف تكفر؟

 

“سورة النازعات” ذكر الله في أولها حالة الموت، موت الكافر حين تأتيه الملائكة النازعات تغرق روحه في بدنه وعروقه فتنتزعها الملائكة نزعا وانتزاعا، وموت المؤمن بقبض الملائكة الطيبين الذين يدعون روحه إلى الخروج: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً) [الفجر: 27- 28]، فتنشط الروح معهم: (وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا) [النازعات: 2]، تقول: لبيك يا ربي، وتنشط معهم، وتقبل على الله –عز وجل- فإنها تحب لقاء الله.

 

هذا هو الموت، ماذا بعد الموت؟ البعث، ذكر الله دليل البعث في “سورة عبس”، وذكر البعث نفسه، قال تعالى: (مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ * ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ * ثُمَّ إِذَا شَاء أَنشَرَهُ) [عبس: 19 – 22]، بعثه وعرضه عليه يوم القيامة، من يعلم أصل خلق الإنسان وأطوال خلقه أيعجز عن أن يعيد خلقه مرة أخرى؟! كلا والله، طالما معه خريطة الصنع، وخطة التصنيع، فلا يعجز أبداً، ولا يمنعه شيء، هذا في البشر، فما بالك في الله -عز وجل- الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء؟ فذكرت “سورة النازعات” الموت، وذكرت “سورة عبس” البعث.

 

انتبه -أخي معي- إلى هذا الموقف الجميل بين آخر “سورة النازعات” وبين أول “سورة عبس”، ختم الله “سورة النازعات” عن الكافرين الذين فرطوا في الدنيا، وفوجئوا بالموت وفوجئوا بالقيامة: (وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ) [الزمر: 47]، وجاءوا يوم القيامة صفر اليدين، ليس معهم عمل ينجيهم، قال تعالى: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا) يوم القيامة (لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) [النازعات: 46] يعني يتذكرون الدنيا فيرونها كأنها كانت ساعة ومضت دون أن يحدثوا فيها عملا صالحا.

 

حالهم ساعتها: تعبس وجوهم أم تضحك وجوهم؟ المفرط حين يعلم فوات الأوان وفوات الخير يعبس وجهه: (عَبَسَ وَتَوَلَّى) أول “سورة عبس”، كأنه تعقيب على ذلك الموقف.

 

والقرآن فيه درر كثيرة، وعبر عظيمة، لكن هذا ما يسر الله -سبحانه وتعالى-؛ ففي “سورة النازعات” ذكر الله القيامة أيضا بقوله: (الطَّامَّةُ الْكُبْرَى) التي تعم الجميع، وتعم كل شيء، وذكرها هنا في “سورة عبس” بقوله: (الصَّاخَّةُ) أي التي يصحبها صوت شديد رعيب.

 

نسأل الله -تبارك وتعالى- أن يبلغنا تمام القرآن، وتمام هذا الموضوع، وأن يرزقنا طول العمر، وحسن العمل.

الملفات المرفقة
مقاصد سورة عبس
عدد التحميل 21
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات