طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    المسلم البَكّاء والمسلم البَنّاء..مساءلة للخطاب الدعوي    ||    شكّل مجتمعك كما تُحب    ||    مبكاة العابدين!    ||    غنيمة الشتاء    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

14163

مقاصد سورة الانفطار

المكان : مصر / القاهرة / بدون / عمر بن الخطاب /
تاريخ الخطبة : 1432/02/17
تاريخ النشر : 1438/12/14
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ المقصود بالانفطار وفضل "سورة الانفطار" 2/ أهوال يوم القيامة وأحداثها 3/ بعض مقاصد "سورة الانفطار" وأهدافها 4/ أوجه الترابط بين "سورة الانفطار" والسور التي قبلها
اقتباس

الكواكب مثل الأرض أجسام ضخمة مهولة، انظر إلى الأرض واتساعها وعظمها وكبرها، كل كوكب كذلك، وربما كان أكبر من ذلك، ومن جميل صنع الله، ومن عظيم رحمته بنا: أن كل كوكب له فلك يسير فيه، ويجول فيه كالقطار يسير في مسار معين حسب…

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله رب العالمين، نحمده -سبحانه وتعالى- ونستعينه ونستهديه، ونتوب إليه، ونستغفره ونعوذ به -سبحانه- من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، ولن تجد له وليا مرشدا.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير، وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله، وصفوته من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وكشف الله به الغمة، وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فصلوات ربنا وتسليماته على هذا النبي الكريم، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد:

 

أيها الإخوة المسلمون -عباد الله-: نعاود الاجتماع حول مائدة القرآن مرة بعد مرة بفضل ربنا -سبحانه وتعالى-، ومائدة القرآن بين أيدينا اليوم ونحن نطالع مطالع السور ومقاصدها، مائدة القرآن اليوم: “سورة الانفطار” تلكم السورة التي أنزلها الله -تعالى- على رسوله -صلى الله عليه وسلمَ- في العهد المكي قبل الهجرة النبوية المباركة.

 

وسماها بهذا الاسم المروع المخيف: “الانفطار”، والانفطار هو الانشقاق، ولكن يبدو فيه شدة، ويبدو فيه أصوات، ويبدو فيه انفجار، بخلاف كلمة الانشقاق، فهي حدوث انشقاق في البناء، والسموات خلقها الله -تعالى- خلقا شديدا: (وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا) [النبأ: 12]، ولكن يأذن الله فيها فتنفطر وتظهر فيها الشقوق، حتى يكون الشق الواحد كفتحة الباب؛ كما قال رب الأرباب -سبحانه وتعالى-: (يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا * وَفُتِحَتِ السَّمَاء فَكَانَتْ أَبْوَابًا) [النبأ: 18 – 19]، قال المفسرون: “الشق الواحد كالباب”.

 

سميت هذه السورة بهذا الاسم المذكور بألفاظ أخرى، وبهذا اللفظ أيضا في سور كثيرة مما يدل على أن هذا البناء العظيم فوق رؤوسنا بأن هذا السقف المحفوظ الذي يمسك الله به ولا يزول أبداً طول الدنيا.

 

يخبر الله -تعالى- في هذه السورة أنها تنفطر وتنشق يوما من الأيام حين يأذن الله الملك العلام، وبدأ السورة بهذا الخبر: (إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ).

 

سورتنا المباركة اشتركت مع السورة الماضية في فضلها؛ حيث روى الإمام أحمد وغيره -رحمهما الله تعالى- عن ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ- قال: “من سره أن ينظر إلى القيامة كأنها رأي عين فليقرأ: (إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ)، و (إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ)، و (إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ)”، فهذه السور الثلاث تصور القيامة صورة مختصرة، صورة كاملة من بدايتها إلى نهايتها.

 

وبدأ الله -تعالى- هذه السورة ببعض الأهوال التي تحدث يوم القيامة، ولكن مختصرة عن السورة السابقة، فقال سبحانه وتعالى: (إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ) أي انشقت، وكما قلت كلمة الانفطار تشير إلى انفجار، وهي من كلمة صبر وهي إيجاد الشيء لأول مرة، فتلك أول مرة تنشق فيها السموات لم تنشق منذ أن خلقها الله -تعالى- وفطرها أول مرة إلا تلك المرة في آخر الدنيا.

 

(إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ) والله -تعالى- هو الذي يفطرها وهو الذي يشقها ويفجرها، ولكن من سهولة الأمر عليه نسب الأمر إلى السموات كأنها ستنفطر وحدها بمجرد أن يأذن الله لها، فهي من وقت مبكر تنتظر هذه اللحظة، إنها تنتظر ذلكم الإذن من الله -سبحانه وتعالى-، ويظهر ذلك في قول الله -تعالى-: (إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ) [الانشقاق: 1 – 2]، قال المفسرون: “أي أطاعت ربها حين أمرها، ولكن يبدو أن ذلك الأمر بالانفطار والانشقاق كان عند السموات بمثابة الإذن“.

 

إذاً، هي تستأذن من قبل ذلك أن تتفطر، أن تنشق لتتهدم فوق رأس الناس، ولكن الله لم يأذن لها حتى إذا جاء وقت الأمر فأمر، اعتبرته إذناً وإجابة لاستئذانها، كما يقول الله -تعالى-: (تَكَادُ السموات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ) [مريم: 90]، وذلك حين نسب الناس لله الولد، وهناك من ينسب لله الولد، وهناك من يشايعه ويوافقه، ويرضى بعمله، وإن لم يعمل مثله فهو مثله أيضا، فإن من أقر الظالم على ظلمه فهو شريكه في الظلم، ومن شارك ورضي بقتل القاتل للقتيل فهو شريك له في الإثم والذنب، إنما كان ينبغي أن يمنعه، كان ينبغي أن ينصحه، كان ينبغي أن ينصره على نفسه.

 

(وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا) [مريم: 88]، ولكي يتخذ الرحمن ولدا هذا الولد له أم، ولذلك يعتقد بعض الناس أن الله اتخذ ولدا، إذاً، اتخذ زوجة -سبحانه وتعالى لم تكن له صاحبة- فكيف يكون له ولد؟ كما قال عن نفسه: (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُن لَّهُ صَاحِبَةٌ) [الأنعام: 101] لم تكن له زوجة، ولا خادمة، ولا هو في حاجة إلى زوجة، ولا يشتهي أمرا مثل هذا، فهو أعلى وأكبر من ذلك، ولا يحتاج إلى ولد ليحمل ذكره من بعده، فهو الحي الباقي الآخر الذي لا شيء بعده.

 

إذًا، افترى الخلق على الله افتراءً عظيما، شبهوه بأنفسهم وبالمخلوقات الأخرى التي تشتهي، يشتهي ذكرها إناثها طلبا لولد يكون بينهما -جل الله وتعالى عن ذلك-: (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا) [مريم: 88 – 89]، (شَيْئًا) منكرا، ما أثر هذه الكلمة؟ لم تؤثر في الناس؛ سمعها الموحدون ولم يتأثروا، لكن الجمادات: السموات، الأرض، الجبال، تأثرت أثرا بالغا بهذه الكلمة، وغارت غيرة شديدة على وحدانية خالقها -سبحانه وتعالى-، يخبر الله عن ذلك الحدث، وعن ذلك الأثر في قوله: (تَكَادُ السموات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَن فِي السموات وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا) [مريم: 90 – 93] الكل عبيد لله، فالسموات والأرض والجبال منذ فترة وهي تريد وأوشكت واقتربت، يعني استعدت في نفسها أن تتفطر وتتهدم وتتكسر، وتنشق الأرض لتدمر ابن آدم العاصي المشرك الذي افترى على الله، ونسب له الولد، والولد لا يأتي إلا من زوجة، افتراءً أعقبه افتراء.

 

هذه المكونات للكون السموات والأرض والجبال أوشكت أن تتهدم وتتكسر، لولا أن الله لم يأذن لها، حتى إذا أمرها يوم القيامة: انشقي وانفطري، استجابات على الفور؛ لأنها طالما انتظرت ذلك الأمر، فاعتبرته إذنا من الله -تعالى-: (إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ)، فالشرك يدمر الدنيا لو ترك الله الأمور لبعضها، لو رتب الله هذا على ذاك لتهدمت الدنيا حين اتخذ الناس إلها من دون الله، حين نسبوا له شريكا أو زوجا أو ولدا، ولكن رحمة الله بالمؤمنين أن يحفظ الله كونه، ولكن رحمة الله للعالمين أن يستبقيهم في الدنيا، وأن يعمرهم فيها، ما يتذكر فيهم من يتذكر، لئلا يكون على الناس حجة يوم القيامة، فلا يقل أحد: استعجلنني ربي بمجرد أن عصيت أول مرة، قضيت علي، سلطت علي جندك وخلقك.. لا، عش فيها كما تشاء، عش فيها فترة طويلة، ولننظر كيف تعمل.

 

وها هم هؤلاء يواظبون على الشرك ويداومون عليه، ولم يضعوا لأنفسهم حد رجعة.

 

فنعوذ بالله من شؤم هذه المعصية ومن غيرها.

 

(إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ) [الانفطار: 1 – 2]، الكواكب جمع كوكب، وهو كون من مثل كون الأرض، هذه الأرض كلها كوكب واحد، وهناك كواكب أخرى لا حاجة لنا بمعرفتها، الناس جاهلون بأنفسهم، ولا تزال في أنفسهم أسرار لم يكتشفوها بعد، وفي أرضهم آيات لله لم يعرفوها بعد، وعرفوا ما عرفوا من أسرار الخلق ولم يوحدوا الله –عز وجل-، ويذهبون هناك بعيداً إلى المريخ، ويصلون إلى القمر، وإلى كذا.. والله أعلم أنهم قد ذهبوا أم لم يذهبوا.. ولكن توجهاتهم إلى غير ما خلقهم الله له، الله -تعالى- خلقنا في الأرض، ولفت أنظارنا إلى الأرض، وقال: (وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ) [الذاريات: 20 – 21]، (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ) [فصلت: 53] في الفلك، في الفضاء، في أعماق الأرض، في البحار، وهذا كاف للإيمان، الآيات الموجودة في هذه الكونيات كافية جدا لئن يعرف الإنسان أن الله حق، وأن الله واحد لا شريك له، وليتبع شرعه، وليؤمن برسوله -صلى الله عليه وسلمَ-.

 

ولكنه كالطالب الذي تظاهر بأنه مثقف، ويحب الإطلاع، ويحب المذاكرة، ترك المواد الواجبة عليه، والمفروضة عليه، والتي سيختبر فيها، وراح يقرأ هنا وهناك، ويتثقف في أشياء لا تلزمه، إن عاقبته خسران، إن نتيجته الرسوب والسقوط والفشل.

 

هذه هي البشرية الضالة تبحث فيما ليس لها، وتترك ما وجب عليها: (وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ) [الانفطار: 2]، يكفي أن نعرفها إجمالا، أما تفصيلا فبعد أن ننهي الواجب عليك أولا، وأن تنتفع به ابحث كما تشاء بعد ذلك.

 

الكواكب مثل الأرض أجسام ضخمة مهولة، انظر إلى الأرض واتساعها وعظمها وكبرها، كل كوكب كذلك، وربما كان أكبر من ذلك، ومن جميل صنع الله، ومن عظيم رحمته بنا: أن كل كوكب له فلك يسير فيه، ويجول فيه كالقطار يسير في مسار معين حسب الشريط الحديدي الذي وضع له، قال الله -تعالى-: (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [الأنبياء: 33]، والسبح حركة لطيفة، حركة هادئة، حركة انسيابية لا تشعر بها، ولذلك الأفلاك تدور ولا تسمع صوتا، الأفلاك تدور حولنا وندور حولها ولا نسمع ضجيجا، إنما نسمع من عربات الطريق ضجيجا عظيما جدا، حتى ولو كنا داخل بيوتنا إنما صنع الله أعظم، صنع الله ألطف: (كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) [الأنبياء: 33] تصطدم سيارة بسيارة، ولكن لا يصطدم فلك بفلك، كل فلك يعلم مساره، ولا يخرج عنه، إلى أن يأذن الله بالقيامة، فيفك هذه الكواكب عن أفلاكها، فتسبح في فضاء لا يمسكها شيء، فتتناثر وتتبعثر هنا وهناك، قل لي بربك: كيف لو اصطدم كوكب بكوكب؟ كيف لو وقع كوكب على كوكبنا الأرض؟ ماذا يفعل بنا؟ ماذا يفعل بمن يحضر يوم القيامة ويشهدها؟ إن ذلك لحدث مهول، حدث خطير، قطار يخرج عن فلكه يموت بالمئات، ولكن ما بالك بكوكب  يخرج عن فلكه.. سيصطدم بالآخر أو بغيره، أين الإنسان؟ إنه حيران، ينادي: أين المفر؟ (كَلَّا لَا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ) [القيامة: 11 – 12].

 

(وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ) [الانفطار: 2 – 3]، وعرفناها من السورة السابقة فجرت هناك بالنار، وهنا فجرت، أي فتحت جوانبها وتفجرت شواطئها من كثرة ما فيها من النار، الله -تعالى- يجمع الشمس والقمر ويقذفهما في البحار، فتعود المياه إلى طبيعتها، إلى عنصر يشتعل، وآخر تساعد على الاشتعال، فستشعل البحار، وتفجر نارا من شدة النار تتفجر الجوانب والشواطئ، وهكذا.. حدث في غاية الهول -نعوذ بالله-.

 

لم يكتف ولم يقتصر على الكواكب فقط، وعلى النجوم كما في السورة السابقة إنما اشتمل البحار أيضا ففجرها: (وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ)، وكلمة: فجرت هنا تتناسب مع: (إِذَا السَّمَاء انفَطَرَتْ)، الانفطار والانفجار قريبان من بعضهما: (وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ) [الانفطار: 3 – 4]، (بُعْثِرَتْ) أي بعثر ما فيها، فأخرجت الأجساد، وأخرجت الأرض أثقالها، هذا حدث خطير، حدث مهول؛ لأنه هو لحظة البعث، والله -تعالى- يقول: (أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ) [العاديات: 9]، أفلا يعلم الإنسان كيف يكون حاله؟ وماذا يكون من أمره إذا بعثر ما في القبور؟ أي أخرج ما فيها من أجساد، وكل جسد مات يعود من جديد سواء كان قبره في الأرض، أو كان قبره في بطن الحيوانات، أو الوحوش، أو الأسماك في البحور، أو أحرق ونثر ترابه ورماده في الهواء، الله يجمع خلقه من جديد وهو على شيء قدير.

 

(وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ) ليس بعد ذلك إلا أن يجتمع الناس في أرض الحشر فينتقلون بعد ذلك بشفاعة النبي -صلى الله عليه وسلمَ- إلى موقف الحساب، وعند الحساب يقدم له الكتاب، فيقرأ ما فيه، فيجد الكتاب (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا) [الكهف: 49]، ساعتها: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ) [الانفطار:5] في هذه الآية تفاسير عدة، أجملها: ما قدمت من عمل، وأقبلت عليه، سواء كان خيرا أو شرا، وما أخرت، أي أجلت، يعيني امتنعت وابتعدت عن هذا العمل فلم تفعل، إذا يعلم الإنسان ساعتها العمل الذي عمله، فإن كان خيرا انفرجت أساريره، وانبسط، وسر وبش وهش واستبشر، وإن كان غير ذلك حزن وندم وتحسر.

 

وما أخرت من أعمال، فإن كان قد أخر خيرا ظل يقول: سأتوب من يوم الجمعة، وتأتي عليه الجمعة يقول: إن شاء الله الجمعة القادمة، إن شاء الله من رمضان، ويأتي عليه رمضان يقول: إن شاء الله من ذي الحجة، يسوف في التوبة، يسوف في العمل.

 

البسي الحجاب يا بنيتي، إن شاء لما أتزوج، لما عقدت إن شاء الله أكون عند زوجي.. وهكذا يؤجل الإنسان أعمالا خيرية كثيرة يستطيعها الآن يقدر عليها ولكن زهد فيها، تكاسل عنها، يأتيه الموت فجأة لم يدرك العمل، ضاع منه، فات الأوان، انقطع العمل، هذا مما أخره: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ).

 

أما من تأخر عن فعل الشر عرضت عليه المعصية، فقال: معاذ الله، عرضت عليه المعصية فقال: إني أخاف الله، وقع في المعصية، فقال فورا: استغفر الله، ذلك قد أخر العمل السيئ وبعد عنه، ولم يقدم عليه، كل ذلك سيعلمه الإنسان حينما يقرأ كتابه، حتى مجرد الهم، هم بحسنة وجدها في كتابه، هم بسيئة وجدها في كتابه: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ)

 

ثم يعاتب الله الإنسان الكافر ومن ورائه العاصي عتابا لطيفا، ما كان يستحقه هذا العبد الفاجر إنما الله كريم يعاتبه بلطف: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ) [الانفطار: 6] أي ما الذي جعلك تغتر بكرم ربك؟! أجزاء ومقابل أن كنت معك كريما تكفر بي؟! تنكر وجودي؟! تشرك معي غيري ممن لا يساويني؟ فتأخر عبادتي وتقبل على معصيتي! أهذا جزاء إكرامي لك؟! أهذا شكر المعروف؟!

 

ما أجلك يا رب وأنت تلاطف عبدك الكافر بهذا الأسلوب اللطيف.

 

(يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ * الَّذِي خَلَقَكَ) [الانفطار: 6 – 7] كيف كان الله كريما معنا، (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ) [الانفطار: 7 – 8]، ذكر العلماء في ذلك أمورا كشفها الله للعلم الحديث حول تكوين الإنسان، وخلق الإنسان أشياء تذهل العقل، أشياء تدل دلالة واضحة على حكمة الله وجلال الله ونعمة الله علينا في هذا الخلق، خلق سوي، بمعنى ضع يديك بجوار بعضهما، الكفين على بعضهما، ومد يديك، لا تجد يدا أطول من يد، ولا أعرض من يد، ولا ساقا أطول من ساق، ولا قدما أكبر من قدم، هذا في الغالب، إلا حالات مرضية نادرة ابتلاء من الله، أو بناء على حادثة، إنما الشأن العام في الناس خلق سوي، لا تجد عينا واسعة هكذا، وعينا ضيقة هكذا، لا تجد أنفا مرة يمينا ومرة شمالا، ومرة إلى فوق.. لا، خلق في منتهى الاستواء والتسوية، بحيث ينظر أحدنا إلى الآخر فيستحسن منظره، الله ما أجمله، وخاصة حينما ينظر الزوجان إلى بعضهما، ينظر الأبوان إلى أبنائهما، ينظر الإنسان إلى نفسه في المرآة فيرى نفسه غزالا، يرى صقرا، يرى أسدا.. فقل: ما شاء الله تبارك الله الخلاق العظيم.

 

وهكذا جمال، تسوية: (فَعَدَلَكَ)، في قراءة صحيحة: “فعدلت” الخلق الإنساني الذي خلقه الله خلق معدل من يومه ينزل الإنسان من بطن أمه، صنعة معدلة لا تقبل التعديل ولا تقبل التغيير، ولذلك جرم الله -تعالى- من غير خلق الله فيه، فحرم حلق اللحية، وحرم نتف الحاجب، أو أخذ بعض شعراته، وأنزل الله على فاعله والمفعول له لعنة رجل كان أو امرأة، شعيرات من الحاجب تنزل عليها اللعنة، تنزل اللعنة على تلك الفتلة وفاتلها، والمفتول لها، احذر يا رجل قد لعن الله هذا في النساء التي يطلب فيهن الجمال والتجمل والتزين، هذا النوع من الزينة حرمه الله، حرم على المرأة أن تقبل عليه فاعلة أو مفعولة لها، فما بالك بالرجل الذي يطلب فيه الخشونة والشعور التي تظهر في جسمه وفي وجهه وهكذا..

 

حرم الله -تعالى- التفريج بين الأسنان، شيء بسيط جدا لا يذكر يأخذ ما بين السنتين أو ما بين السنين، الله -تعالى- يلعن فاعله، لماذا؟ لأنه خلق خلقا كاملا، فماذا ستحط يدك أنت يا ابن آدم؟ أأنت أعلم من الله؟ أتفهم في الجمال أحسن من الله؟ هل ذوقك أعظم من ذوق الله وذوقه في الجمال؟ أترى غير ما يرى الله؟ أتخالف الله؟ المسألة خطيرة، ومن غير في تلك الشعيرات، وغير في تلك التافهات، سيغير في الكبيرات والعظيمات، وهكذا رأت العين حولنا في الدنيا لم تكتف النساء بنزع شعيرات من الحاجب، بل وصل بهن الأمر والدفع الشيطاني إلى أن أنزلن الحاجب تماما، ووضعن مكانه وشما رسما بقلم أو بغيره! حسبنا الله! هذا تغيير لخلق الله.

 

(فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ) في صورة عظيمة قف عند أي مخلوق من المخلوقات التي خلقها الله، وانظر فيه، وانظر في نفسك، قف جنب الشجر، قف بجوار الحيوان، انظر إلى الحشرات، وانظر إلى صورتك وصورة كل هذه المخلوقات، ماذا لو خلقنا الله مثلهم؟ كيف بنا؟ هذا أحسن؟ أو صورتهم أحسن وتركيبهم أحسن؟

 

لك الحمد ربنا على نعمتك، رفع الله رؤوسنا إلى أعلى، أقام الله هامتنا وقوامنا فهي عود معتدل، وقوام منسق، ما شاء الله أعيننا إلى الأمام لا إلى الأسفل لننظر إلى البعد، ولنر طريقنا هناك وهدافنا من ورائه، بخلاف الحيوانات والحشرات أعينها في الغالب إلى أسفل، فتنظر في الأسفل تنظر في التراب، لا يا إنسان أنت خلق كريم على الله: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) [الإسراء: 70] فركبك الله في صورة عظيمة، لا تطمع في غيرها، تعلمون فيما يطمع الإنسان؟ في العالم اليوم وفي البلاد التي تتدعي التقدم والتحضر يطالب الرجل أن يتحول إلى امرأة، ويذهب إلى بعض المصحات التي تتولى ذلك، فتحول شكله الظاهر إلى امرأة، ربما تخرج له ثديين كبيرين، ربما تفعل في وجهه شيئا يجعله كوجه النساء، ويكفي أن يحلق شاربه ولحيته ويطيل شعره وجعله مثل النساء، وربما تطالب المرأة أن تكون رجلا .. وهذا قد وقع في بعض الأفراد حصل بالفعل.

 

تعلمون أغرب من ذلك: أن هناك حيث يريدون الحرية لهم يوم حرية بدون حدود، أنت حر ولا تضر، فيعطونهم يوما، الشيء الذي يطمعون فيه ويفعلونه في ذلك اليوم الذي يفك عنهم القيود كما يحدث الشهود: إنهم يخلعون ملابسهم كلها كما ولدتهم أمهاتهم، ويمشون على الأرض على أيديهم وأرجلهم!

 

الإنسان حين يطمح بنفسه يطمح أن يكون حيوانا، هذا تصديق الله -تعالى- عن الكافر يوم القيامة حين يرى الحيوانات حين حاسبها الله، أو قضى بينها، فيقول لها: “كوني ترابا”، (وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا) [النبأ: 40] يعني يا ليته كان حيوانا فصار ترابا كالحيوان.

 

وفي الدنيا حين أطلق له العنان وفك رباطه صنع مثل الحيوان، لكن لم تكتمل حيوانيته، ولم يستطع فلم يكن له ذيل، ولم يخرج صوتا مثل صوت الحيوان، إنها لحظات فقط ينزه فيها نفسه، ينفث فيها عن روحه، يشعر أنه وصل مقصوده فصار حيوانا يمشي على الأرض بأربع.

 

نعوذ بالله من هذا الظلام.

 

(فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ * كَلَّا) [الانفطار: 8 – 9] (كَلَّا) لهذا الضلال، (كَلَّا) إنكار لنعم لله وجحودها، إنما الذي جعلك -أيها الإنسان- الكافر تغتر بربك أنك كذبت بالحساب، كذبت بيوم القيامة: (بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ) [الانفطار:9]، الدين هنا هو الحساب: (وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ) [الانفطار: 10 – 11]، ملائكة حفظة كرام ليس عندهم لؤم.

 

(كَاتِبِينَ) يكتبون العمل الذي عمله الإنسان لئلا تكون له حجة يوم القيامة، لو قال الملك: يا رب أنا حفظت أعماله، لقد عمل كذا وكذا وكذا.. سيقول: يا رب إنه يفتري عليه، إنه نسي، لا، الكتاب لا يضل ولا ينسى، هنا كل شيء مكتوب: (اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا) [الإسراء: 14].

 

(يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) [الانفطار: 12] سر عظيم هذا التعبير، لم يقل: “يرون ما يفعلون” أو “يبصرون ما تفعلون”، إنما قال: “ما تفعلون”؛ لأن العلم يتوقف على النظر ويتوقف على غيره، قد يحدث بغير نظر وبغير سمع أو بشيء من هذا، الله -تعالى- أعطاهم قدرة على أن يعلموا أعمال العباد وإن لم يروها؛ لأن الملك كريم حيي يستحي أن ينظر للإنسان ساعة أن يخلع ملابسه في حمامه أو عند قضاء حاجاته، أو عند خلوته بزوجته، يخلع ملابسه فإن الملك ساعتها يغض بصره، ويتحول عن العبد الذي يراقبه، ولكن تحوله هذا يحجزه عنه، ولا يحجب عمل عمله الإنسان؛ لأنه يعلم ما يفعله ذلك العبد ولو من وراء ظهره: (يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) [الانفطار: 12].

 

تنتهي السورة، وتختم بعرض المشهد الأخير يوم القيامة: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ) [الانفطار: 13]، الأبرار أقل درجة في المؤمنين، هم الذين أعطوا لكل ذي حق حقه، أعطوا الله حقه، أعطوا البشر حقهم، هؤلاء في نعيم، النعيم من حولهم.

 

وفي المقابل: (وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) [الانفطار: 14] الجحيم من حولهم تحيط بهم؛ لأنهم فجروا كفروا وتعدوا الحد، كفروا وصدوا عن سبيل الله، كفروا وشككوا المسلمين، كفروا واستهزؤوا بالقرآن، وسبوا النبي العدنان -صلى الله عليه وسلمَ-، أذوا وافتروا على الرحمن -سبحانه وتعالى- بنسبة الولد إليه، وغير ذلك، هذا الفجور دفعهم إلى جهنم حتى صاروا في وسط الجحيم.

 

(وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ) متى (يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ) [الانفطار:15]؟ يوم القيامة، يوم الحساب: (وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ) [الانفطار: 16]، لا يمكن لأحد أن يتخلف أبداً، لا يقدر على ذلك ولا يساعده أحد.

 

(وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ) [الانفطار: 16 – 17]، إنه يوم عظيم علمك كله مهما علمت مهما علم أعلم عالم في الدنيا فإنه لا يستطيع أن يتخيل ولا أن يتصور شدة وهول يوم القيامة.

 

(وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ * ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ) [الانفطار: 17 – 18]، يجيب الله بوصف ليوم الدين: (يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا…)، وتلك شدة ما بعدها من شدة، أو تلك شدة من شدائد يوم القيامة أني سأعرفك وتعرفني وأنا صاحبك وأنت صاحبي لا أملك لك ولا تملك لي، ولا أغني عنك ولا تغني عني، أنا ابنك وأنت والدي أو أنت ابني وأنا والدك.. لا أغني عنك ولا تغني عني، إلا أن يأذن الله فيشفع المؤمنون لبعضهم، أما الكفار فإنهم لا يسأل حميم حميما: (وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا) [المعارج: 10] الصديق الحميم لا يسأل صديقه الحميم، لماذا؟ لأنه لا يجيبه، لا يلتف إليه مهما سأله، لماذا؟ (لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) [عبس: 37]، فلذلك يفر بعضهم من بعض: (الْأَخِلَّاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ) [الزخرف: 67].

 

(يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا) إذاً، من الذي يملك يومها الذي ينادي (لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ)؟ فلا يجيب أحد خوفا من الله، وإجلالا لله، وإن كانوا يعلمون الجواب، فيكرر الله السؤال حتى يجيب أولا هو: (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) [غافر: 16]، فينطق الخلق جميعا بعد كلام الله، فيقولون: (لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)، وكأنهم يقرون لله بما قال يومها بعد أن أنكروا ما قال الله في الدنيا يومها لا يملكون خطابا، لا بد  أن يقول بإذن الله ولا يقول إلا ما يرضي الله ولا يملك غيرها: (وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ) [الانفطار: 19].

 

نسأل الله -تبارك وتعالى- أن يهبنا من ملكه يوم القيامة الجنة العالية الرفيعة بغير حساب ولا عتاب، ولا نشر كتاب، إنه الكريم الحنان المنان الوهاب.

 

أقول قولي هذا، وأستغفر الله -تعالى- لي ولكم فاستغفروه دائما إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.

 

أما بعد.

 

فأوصيكم -عباد الله- بتقوى الله العظيم، ولزوم طاعته، وأحذركم ونفسي عصيانه -تعالى-، ومخالفة أمره، فهو القائل سبحانه: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاء فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ) [فصلت: 46].

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدا عبد الله ورسوله، اللهم صل على محمد النبي وعلى أزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل بيته كما صليت على آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

 

أما بعد:

 

أيها الإخوة المسلمون الكرام: هذه سورة الانفطار، وهذا سياقها، وتلك بعض دروسها، أما هدفها فواضح، فإنها مع السورة السابقة ومع معظم هذا الجزء الكريم الخاتم للقرآن الكريم، كلها تدور حول محور واحد وهو: التأكيد على حقيقة يوم القيامة، يوم القيامة حق، ومعظم سور هذا الجزء تتكاتف كلها لتأكد هذه المعلومة؛ لأنها معلومة غيبية لا ترى بالعين الآن، ولا تحس بالحواس، ولذلك تحتاج إلى تأكيد وتأييد في قلب الإنسان، صدق المؤمنون، ولكن الكافرين أكثر ولم يصدقوا وكذبوا وأنكروا: (وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [الملك: 25]، ويقولون: (ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ) [ق: 3] إلى آخر ذلك من عبارات الإنكار.

 

(ذَلِكَ) لأن ذكر يوم القيامة واعتقاد الإنسان له شيء في داخل الإنسان في قلبه يصلح حياته، يعدل سلوكه، يجعل عمله رشيداً، وقوله سديداً، يجعله يحسب قبل أن يتكلم، وقبل أن يفعل، أين يذهب بي هذا القول؟ وأين يدفعني هذا العمل إلى جنة أم إلى نار؟! أما الذي لا يعتقد أن هناك امتحان آخر العام فإنه لا يذاكر ولا يهتم، ولا يلتفت إلى الدروس، كالذي لا يعتقد في يوم القيامة ولا يؤمن بالحساب يظل يكذب على نفسه، ويوهم نفسه بهذا حتى يصدق نفسه، فيظن أنه لا حساب، إذاً، أفعل ما أفعل، وأقول ما أقول، آخذ ما آخذ، وأترك ما أترك، و (لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) [آل عمران: 75]، هذه عقيدة اليهود ليس علينا حساب فيما نفعله في كل الأمم، وفي كل الشعوب، لا يحاسبنا الله على ذلك، كانوا يسخرون ويهزؤون ويسبون رسول الله -صلى الله عليه وسلمَ-، والله يمهلهم، والله يحلم عنهم، ولا يعاجلهم بالعقوبة، ففهموا أن هذه الأعمال أمور عادية لا معاص ولا جرائم ولا شيء، ولا حساب عليهم فيها، فقالوا: (لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ) [المجادلة: 8]، يعني لو كان فيما نقول وفيما نعمل حساب لحاسبنا الله -تعالى-؛ لأنهم في أجدادهم وفي أبائهم عرفوا من خلال تاريخ أمتهم أن الله كان يعاجل اليهود دائما بحسابه، يفعلون كذا وينزل عليهم لعنة، يفعلون كذا يحرم عليهم بعض الطيبات، يفعلون كذا فيفتنهم بفتنة، فلما فعلوا جرائم في المسلمين وفي بعض الأمم الأخرى ورأوا أنهم لا يعذبون، واستصغروا ما يقع لهم من مصائب ومحن في الدنيا، قالوا: (لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ) يعني ما فعلنا شيء، وهذا منطق كثير من الناس، وخاصة الكافرين يظن أن الله لا يحاسبه، وانساق وراءهم جمع من المسلمين، يستخف ذنبه، ويستهزأ بجرمه، ويرى أنه ما صنع شيئا، وأن فلانا أكبر منه، أو أعصى منه، أو أظلم منه، وماذا فعلت؟! فلان يعمل أشياء كثيرة أنا لا أعمل ثلثها! أنت وهو تعذبون وكل من يفعل ذلك محاسب، وذلك على الله يسير، لكن لن يعذرك الله بأنك أخف ذنب من فلان، أو أن فلانا أظلم منك، سوف تحاسب أنت ومن هو أظلم منك.

 

عقيدة الإيمان بيوم القيامة والإيمان بالبعث تصلح الإنسان، لذلك مر بنا في سياق السورة قول الله -تعالى-: (كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ) يعني إنكم اغتررتم بكرم ربكم، فكفرتم به، وعصيتم ما عصيتم؛ لأنكم تكذبون بالحساب، وقال الله عن الكافرين في آية أخرى: (إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا * وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا) [النبأ: 27 – 28] كانوا يريدونها حياة همجية، حياة عابثة، يفعل كل إنسان فيها ما يفعل، ولا يحاسب على شيء، فنزه الله عن اللعب، ولا يفعل الله شيئا من هذا الهرج، إنما أفعال الله دائما حكيمة، والوسائل عند الله توصل إلى مقاصد، فإذا كان المقصد طيبا فالوسيلة طيبة، والعكس كذلك، إذا كان المقصد سيئا فوسيلته سيئة، والغاية لا تبرر الوسيلة.

 

عمل حكيم فهناك حساب، وكنا قبل ذلك لو رأينا إنسانا يبني مبنى من المباني مدرسة أو عمارة، أو غير ذلك، فسألناه ما هذا؟ قال: بناء أبنية، ماذا ستصنع به؟ والله بعد أن يكتمل سأستأجر من يهدمه، ثم أبنى غيره وأهدمه، معي أموالا كثيرة، فأريد أن أسلي وقتي! كيف نصف هذا الرجل بكثرة ماله وعلو جاهه؟ سنصفه بالجنون والسفه، ربما يحجر عليه قانونا وضعيا يحجر عليه، ولله المثل الأعلى أتريدون أن يكون الله كذلك؟!

 

يبسط أرضا عظيمة كهذه، وينشر حولها أفلاكا أخرى، ويقيم هناك بناءَ شديدا سقفا محفوظا، ويزينه بالنجوم الكثيرة العظيمة الضخمة التي تسير أيضا في أفلاك لا يصطدم نجم بنجم، وفي النهاية وقد خلق الله بينهما خلقا كثيرا كما ترون، وكما تعلمون، وفي النهاية يهدم الله كل هذا البناء، ويقضي على تلك الحياة بدون نتيجة؟! لا يجد الفقير عوضا عن فقره، ولا المريض عوضا عن مرضه، ولا يحاسب الغني عن غناه، ولا الصحيح على صحته! إنها حياة عابثة الله ينكر هذا: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ * فَتعالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) [المؤمنون: 115 – 116] أي تنزه الله، فإنه ملك حق، يعني لا يعبث لا يفعل باطلا سبحانه وتعالى.

 

فالسورة هذه جاءت تؤكد مع غيرها على أن البعث حقيقة؛ لأن هذه العقيدة عقيدة مهمة لإصلاح الدنيا، يقول الله -تعالى-: (لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) [التكاثر: 5] بالقيام، بالبعث (لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ) [التكاثر: 5 – 6] في الدنيا خيال هناك في آخر هذا الطريق جنة، في آخر هذا الطريق نار، كأني أراها يراها قلبي وخيالي وحسي وإن لم ترها عيني.

 

(ثُمَّ) علماء اللغة العربية يقولون: (ثُمَّ) للبعد، للمسافة، بعد مسافة زمنية بعيدة يعلمها الله -عز وجل- بعد البعث: (ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ) [التكاثر:7]، ترونها بأعينكم يوم القيامة: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) [التكاثر: 8]، يومئذ يوم ترونها بأعينكم ستحاسبون يومها وتسألون.

 

إذاً، عقيدة البعث في الدنيا اعتقاد فيها الجزم بها، احتواء القلب عليها واطمئنانه بها تجعله يتخيل الجنة في نهاية الطريق الصالح، ويتخيل النار في آخر طريق الرشوة والربا والزنا والعصيان، فحينما يتخيل الجنة هناك يسرع إليها، ويسبق إليها، حين يتخيل النار هنا يحس بحرارتها فلا تمتد يده للرشوة ولا للربا، ولا لغير ذلك، فتصلح الدنيا.

 

وللأسف نسمع ممن هم مسؤولون عن الدعوة: لا تكلموا الناس في النار والقيامة.. الناس مكبتون فلا تزيدوا في حزنهم، يعني جهلوهم بيوم القيامة! جهلوهم بحياة القبر! فيعيشوا في الدنيا للدنيا فلا يعمل ليوم القيامة، ينسى يوم القيامة، لا شيخ يذكره، ولا إعلام يبين له، ولا أحد يعلمه، جهل بيوم القيامة، فيعيش في الدنيا كالطالب الذي يقضي دراسته وهو يعلم أنه ليس هناك امتحان ولا اختبار، إنما سيأتيه وزير التعليم بنفسه ويهنئه آخر العام من غير امتحان، تفضل انتقل للمرحلة الثانية! بأي شيء؟! ماذا قدم؟!

 

لا، هذا ضياع وضلال، هذا جهل، إنما لا بد أن نعرف، إنما نذكر النار ونذكر الجنة، الاثنان معا.

 

ونسأل الله -تعالى- أن تكون دارنا هي الجنة.

 

ختاما -أحبتي الكرام- في هذه السورة سورتنا مرتبطة بالسورة السابقة كطبيعة السورة القرآنية كلها، فإن سورة التكوير ذكرت تفجير البحار، وهو إيقادها نار، وهذه السورة ذكرت المرحلة التي بعدها، وهي حيث تفجر البحار، تفجر شواطئها من شدة النار التي تحتويها.

 

كذلك السورتان على موضوع واحد فهما كالكلمتين المترادفتين، وكالراكبين على راحلة واحدة، فرادف أحدهما وراء الأخرى.

 

سورة التكوير ذكرت أمرا مجملا، فصلته هنا هذه السورة على اختصار فيهما، سورة التكوير جاء فيها قول الله -تعالى-: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا أَحْضَرَتْ) [التكوير: 14]، ماذا أحضرت؟ تفسرها هذه السورة: (عَلِمَتْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ) [الانفطار: 5] في كلتا السورتين ذكر لبعض آيات يوم القيامة، وما ذكر في السورة السابقة غير ما ذكر في هذه السورة، ذكرت السورة السابقة من علامات وأهوال يوم القيامة ما يحدث للنجوم حيث تنكدر وينطفئ نورها بما فيها الشمس تكور عليها أشعتها، هذه السورة الانفطار ذكر الله فيها ما يحدث للكواكب المظلمة التي لا تشع نورا كالأرض ماذا يحدث لها؟ تتناثر عن أفلاكها، وتتبعثر عن طرقها، فيصطدم بعضها ببعض، وتحدث الأهوال الجسام.

 

اللهم إنا نسألك يا ربنا سؤال الفقراء والمساكين والمحتاجين يا رب العالمين، نسألك سؤال المبتهلين أن تثبتنا على الدين، اللهم ثبتنا على دينك.

الملفات المرفقة
مقاصد سورة الانفطار
عدد التحميل 11
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات