طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خادم الحرمين يؤكد الحرص على توطيد العلاقة مع العراق    ||    اليمن.. انطلاق مهمة "القبضة الحديدية" في حضرموت    ||    ليبيا.. تراجع حاد بأعداد المهاجرين في مركز تهريب البشر    ||    ميليشيات الحوثي تداهم المنازل بصنعاء وتختطف 40 فتاة    ||    مشاعر محبوسة    ||    انطواء طفلك.. بيدك أنت!    ||    مخالفات قولية عند نزول المطر    ||    الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة الغلو والتطرف    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

14156

العيد ودعوة التوحيد – خطبة عيد الأضحى 1438هـ

المكان : المملكة العربية السعودية / مكة المكرمة / المسجد الحرام / المسجد الحرام /
التصنيف الرئيسي : الأضحى التوحيد
تاريخ الخطبة : 1438/12/10
تاريخ النشر : 1438/12/13
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ مظاهِر العبودية لله تعالى في عيدِ الأضحَى 2/ سر تشريع العبادات كلِّها في الحجِّ وغيرِه 3/ ظهور التوحيد في كل نُسُك مِن مناسِكِ الحجِّ 4/ آدابَ العيد وأحكام الأضاحِي.
اقتباس

العيدُ شَعيرةٌ عظيمةٌ مِن شعائِرِ الله، نلهَجُ فيه بذِكرِه وشُكرِه، ونُظهِرُ الفرَحَ بنعمتِه، إنه تعاطُفٌ ومحبَّة، وتوادٌّ ورحمة، ونُفوسٌ مُتسامِحة، ورحِمٌ موصُولة. فاهنَأُوا بعيدِكم، وصِلُوا أرحامَكم؛ فصِلَتُهم بركةٌ في الرزق، ومنسَأةٌ في الأثَر، وتوفيقٌ في الحياةِ الدنيا، ورِضوانٌ مِن الله -تعالى- في الأُخرى…

الخطبة الأولى:

 

الحمدُ لله؛ الحمدُ لله الذي بنعمتِه تتمُّ الصالِحات، وبعَفوِه تُغفَرُ الذُّنوبُ والسيئات، وبكرمه تُقبَل العطايا والقُرُبات، الحمدُ لله، الحمدُ لله الذي أماتَ وأحيَا، ومنَعَ وأعطَى، وأرشَدَ وهدَى، (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) [الإسراء: 111].

 

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر عددَ ما أهلَّ الحَجِيجُ بأنساكِهم، الله أكبر عددَ ما رفعُوا بالتلبِيَة أصواتَهم.

 

الله أكبر عددَ ما صعَدَ لله تعالى مِن دعواتهم، الله أكبر عددَ ما رمَوا مِن جِمارِهم، الله أكبر عددَ ما أراقُوا مِن دماءِ هداياهم.

 

الله أكبر كبيرًا، والحمدُ لله كثيرًا، وسُبحان الله بُكرةً وأصيلًا.

الله أكبر عددَ خلقِه، ورِضاء نفسِه، وزِنةَ عرشِه، ومِدادَ كلِماته.

 

وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له ملِكٌ عظيمٌ مُقتَدِر، تأذَّنَ بالزيادة لمَن شكَر، وتوعَّد بالعذابِ مَن جحَدَ وكفَر، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه صاحِبُ الوجهِ الأنوَر، والجَبينِ الأزهَر، والشافِعُ المُشفَّعُ في المحشَر، صلَّى الله عليه وعلى آلِه وأصحابِه، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعدُ .. أيها المؤمنون: اتَّقُوا اللهَ -تعالى- حقَّ التقوَى، واحفَظُوا أوامِرَه، وعظِّمُوا حُرُماته وشعائِرَه، (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) [البقرة: 197].

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

 

أيها المُسلمون في كل مكان .. حُجَّاج بيت الله الحرام: مُبارَكٌ عليكم هذا العيد، وحبَانا الله وإياكم بيومِ المَزِيد، وأعادَه على المُسلمين في أمنٍ وأمانٍ، ورخاءٍ وإيمانٍ.

 

أيها المُؤمنون: العيدُ شَعيرةٌ عظيمةٌ مِن شعائِرِ الله، نلهَجُ فيه بذِكرِه وشُكرِه، ونُظهِرُ الفرَحَ بنعمتِه، إنه تعاطُفٌ ومحبَّة، وتوادٌّ ورحمة، ونُفوسٌ مُتسامِحة، ورحِمٌ موصُولة. فاهنَأُوا بعيدِكم، وصِلُوا أرحامَكم؛ فصِلَتُهم بركةٌ في الرزق، ومنسَأةٌ في الأثَر، وتوفيقٌ في الحياةِ الدنيا، ورِضوانٌ مِن الله -تعالى- في الأُخرى.

 

ففي “الصحيحين”: قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: “مَن أحبَّ أن يُبسَطَ له في رِزقِه، ويُنسَأَ له فِي أثَرِه فليَصِلْ رحِمَه“. فاللهَ اللهَ -يا عباد الله-، أمَّكَ وأباك، وأختَكَ وأخاك، ثُم أدناك أدناك.

 

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

 

حُجَّاج بيت الله الحرام: إن هذا اليوم العظيم هو يوم الحجِّ الأكبر، وهو أعظمُ أيام الدنيا.

قال ابنُ القيِّم – رحمه الله تعالى-: “يومُ عرفة مُقدِّمةٌ ليوم النَّحر بين يدَيه؛ فإن فيه يكون الوقوفُ والتضرُّع والتوبة، والابتِهال والاستِقالة، ثم يومُ النَّحر تكون الوِفادةُ والزِّيارة، ولهذا سُمِّي طوافُه طواف الزِّيارة؛ لأنهم قد طهُرُوا مِن ذنوبِهم يوم عرفة، ثم أذِنَ لهم ربُّهم يوم النَّحر في زيارتِه والدخُولِ عليه، والدخُولِ إلى بيتِه.

 

ولهذا كان فيه ذَبحُ القَرابِين، وحَلقُ الرُّؤوس، ورَميُ الجِمار، ومُعظمُ أفعال الحجِّ، وعملُ يوم عرفة كالطُّهور والاغتِسال بين يدَي هذا اليوم“، (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: 29].

 

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

 

والواجِبُ عليك – أخي الحاجُّ – بعد أن وقَفتَ بعرفة، وبِتَّ بمُزدلِفَة أن تَبِيتَ ليالِيَ أيام التشريقِ بمِنَى؛ اتِّباعًا لسُنَّة النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وأيامُ التشريقِ هي التي عناها الله – عزَّ وجل – بقولِه: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) [البقرة: 203].

 

وفي “صحيح مسلم”: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: “أيامُ التشريقِ أيامُ أكلٍ وشُربٍ وذِكرٍ لله -عزَّ وجل-“.

 

فاشكُرُوا اللهَ – عباد الله – أن بلَّغَكم هذه الأيام المُبارَكة، وأكثِرُوا فِيها مِن ذِكرِه وتكبيرِه؛ اتِّباعًا لسُنَّة رسولِه -صلى الله عليه وسلم-، واقتِداءً بالصَّحبِ الكرامِ – رضي الله عنهم وأرضاهم -.

 

ففي “صحيح البخاري”: “كان عُمر -رضي الله عنه- يُكبِّرُ في قُبَّتِه بمِنَى، فيسمَعُه أهلُ المسجدِ فيُكبِّرُون، ويُكبِّرُ أهلُ الأسواق حتى ترتَجَّ مِنى تكبيرًا“.

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

 

حُجَّاج بيت الله الحرام: كَم في الحجِّ مِن مشاهِدَ جليلَة، وآياتٍ عظيمة، وليس شيءٌ أظهَرُ فيه مِن توحيدِ الله – جلَّ جلالُه -، وصَرفِ العبادة له وحدَه لا شريكَ له؛ فأعمالُ الحجِّ كلُّها تبدأُ بتوحيدِ الله، وتُختَمُ بتوحيدِه.

 

قال جابِرُ -رضي الله عنه- عن تلبِيَة النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-: حتى إذا استَوَت به ناقَتُه على البَيْدَاء أهلَّ بالتوحيد: “لبَّيكَ اللهم لبَّيكَ، لبَّيكَ لا شريكَ لك لبَّيكَ، إن الحمدَ والنعمةَ لك والمُلك، لا شريكَ لك” (رواه الإمام أحمد).

والطوافُ بالبيتِ توحيد، بل ما رُفِعَت الكعبةُ إلا مِن أجلِ ذلك، (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا) [الحج: 26].

 

وما صعَد -صلى الله عليه وسلم- على جبلِ الصَّفَا ليسعَى بينَه وبين المروَةِ دعَا بالتوحيدِ فقال: “لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلك وله الحمدُ، وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحدَه، أنجزَ وعدَه، ونصَرَ عبدَه، وهزمَ الأحزابَ وحدَه” (رواه مسلم).

 

وكلُّ العِباداتِ مِن صلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ مدارُها على التوحيد، (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) [الأنعام: 162، 163].

 

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

 

معاشِر المُؤمنين: إن أعظمَ الشُّرور والبلايا التي أصابَت أُمَّةَ مُحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- إنما كانت بسببِ ضَعفِ التوحيد في النُّفوس، وانتِشار البِدع والضلالات في المُجتمعات، وصَرفِ العِبادة لغيرِ الله، واتِّخاذِ الوُسطاء والشُّفعاء، والإحداث في الدين بما ليسَ مِنه، (أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ) [الشورى: 21].

 

وفي “الصحيحين” مِن حديث الصِّدِّيقة – رضي الله عنها وأرضاها -، أنَّ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- قال: “مَن أحدَثَ فِي أمرِنا هذا ما ليسَ مِنه فهو رَدٌّ“.

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

 

أيها المُؤمنون .. حُجَّاج بيت الله الحرام: إن السلام مِن أعظم مظاهِرِ الحجِّ، فترَى المُحرِمَ مُنذ أن يدخُل في النُّسُك فهو في سلامٍ، فلا يحِلُّ له أن يقتُلَ صيدًا ولا يُعينُ على ذلك، ولا أن يأكُلَ ما صِيدَ مِن أجلِه، ثم إذا دخلَ مكَّة جمعَ بين سلامِ الإحرام وسلامِ الحرَم؛ فالحَرَمُ لا يُنفَّر صيدُه، ولا يُقطَعُ شجَرُه، ولا يُختلَى خَلاه.

 

ففي “الصحيحين”: أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قامَ يوم الفتح فقال: “إن الله حرَّم مكَّة يوم خلقَ السماوات والأرض، فهي حرامٌ بحرامِ الله إلى يوم القِيامة، لم تحِلَّ لأحدٍ قبلي، ولا تحِلُّ لأحدٍ بعدِي، ولم تحلِل لي قطُّ إلا ساعةً مِن الدَّهر، لا يُنفَّرُ صَيدُها، ولا يُعضَدُ شَوكُها، ولا يُختلَى خَلاها، ولا تحِلُّ لُقطتُها إلا لمُنشِد“.

 

وإذا نظَرنا – معاشِر المُؤمنين – إلى مظاهِرِ السلام في الحجِّ، فإنها تعُمُّ هذه المحظُورات الماديَّة، وكذلك أقوالَ الناسِ وأفعالَهم، والله -تعالى- يقولُ في مُحكَم تنزيله: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) [البقرة: 197].

 

ولذلك نجِدُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- في حجِّه يحُثُّ الناسَ على الرِّفقِ واللِّين؛ حِرصًا مِنه -صلى الله عليه وسلم- على سلامتِهم وأمنِهم، وتذكِيرًا مِنه بمبادِئ السلام الأصِيلَة.

فلما رآهُم عند الجَمَرات وهم في زِحامٍ وتدافُعٍ شديدٍ، قال: “يا أيها الناس! لا يقتُل بعضُكم بعضًا، وإذا رمَيتُم الجَمرَة فارمُوها بمِثلِ حصَا الخُذف” (رواه أبو داود في “سننه”).

 

إن الإسلام -يا عباد الله- هو دينُ السلام، والنبيُّ -صلى الله عليه وسلم- هو نبيُّ السلام، والله – جلَّ جلاله، وتقدَّسَت أسماؤُه – هو السلام، ويدعُو إلى دار السلام، (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [يونس: 25].

 

لذلك حرِصَ -صلى الله عليه وسلم- على ترسِيخِ هذا المبدأ العظيم في قُلوبِ أمَّته؛ لأن فيه وحدتَهم وتآلُفَهم، وعِزَّهم وقُوَّتَهم.

فعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: قال رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم-: “أفشُوا السلامَ كي تعلُو، أفشُوا السلامَ كي تعلُو” (رواه الطبرانيُّ بإسنادٍ حسنٍ).

أي: لكَي يرتفِعَ شأنُكم، فتكونوا في منَعَةٍ وقُوَّة.

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

 

أمةَ الإسلام: في مِثلِ هذه الأيام المُبارَكة، قامَ -صلى الله عليه وسلم- خطِيبًا في النَّاسِ في هذه المشاعِر المُقدَّسة، فودَّعَ أصحابَه، وأرسَى قواعِدَ الدين، وكمالَ الشريعة، وبيَّن تمامَ النِّعمة، وأنزلَ الله عليه عشِيَّةَ عرفة في يوم الجُمعة: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) [المائدة: 3].

 

فقرَّر -صلى الله عليه وسلم- في خُطبه التوحيدَ، وحِفظَ النُّفوسِ والأموالِ والأعراضِ، وألغَى معانِيَ العُنصريَّة؛ فربُّنا واحِد، ونبيُّنا واحِد، وكِتابُنا واحِد، وأصلُ خِلقَتنا واحِد، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات: 13].

 

وحثَّ -صلى الله عليه وسلم- في خُطبه على توحيدِ الصفِّ وجَمع الكلِمة، ونَبذ الخِلاف والفُرقة، وحذَّر – بأبي هو وأُمي – أمَّتَه مِن الرِّبا.

 

وكان مما قالَه – عليه الصلاة والسلام – في مِثلِ هذه الأيام: “يا أيها الناس! أيُّ يومٍ هذا؟”، قالوا: يومٌ حرام، قال: “فأيُّ بلدٍ هذا؟”، قالوا: بلدٌ حرام، قال: “فأيُّ شهرٍ هذا؟”، قالوا: شهرٌ حرام، قال: “فإن دماءَكم وأموالَكم وأعراضَكم عليكُم حرامٌ كحُرمة يومِكم هذا، في بلدِكم هذا، في شهرِكم هذا“، فأعادَها مِرارًا، ثم رفعَ رأسَه فقال: “اللهم هل بلَّغتُ؟ اللهم هل بلَّغتُ؟”.

 

قال ابنُ عباسٍ – رضي الله عنهما -: فوالذي نفسِي بيدِه؛ إنها لوصيَّتُه إلى أمَّته: “فليُبلِّغ الشاهِدُ الغائِبَ، لا ترجِعُوا بعدِي كُفَّارًا يضرِبُ بعضُكم رِقابَ بعضٍ” (رواه البخاري).

 

أمَا واللهِ فقد بلَّغَ الشاهِدَ، واستمَعَ الغائِبُ، وتناقَلَت الأُمَّة كلِمات نبيِّها المُبارَكة. فجزَى الله عنَّا أصحابَ رسولِه -صلى الله عليه وسلم- خيرَ الجزاء على ما نصَرُوه وآزَرُوه، وبلَّغُوا عنه، وجمَعَنا بهم في الفِردوس الأعلَى، (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة: 128].

 

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

 

أيها المُؤمنون: إن الواجِبَ على المُسلمين في كل مكانٍ اتِّباعُ توجيهاتِ نبيِّهم -صلى الله عليه وسلم-؛ لتتحقَّق السعادةُ لهم في الدنيا والآخرة.

 

ففي “صحيح مسلم”: قال -صلى الله عليه وسلم-: “ترَكتُ فيكُم ما لن تضِلُّوا بعدَه إن اعتَصمتُم بِهِ: كِتابَ الله“.

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

 

بارَك الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفعَني وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، أقولُ قولي هذا، وأستغفِرُ اللهَ لي ولكم مِن كل ذنبٍ، فاستغفِروه؛ إنه هو الغفورُ الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ لله، الحمدُ لله الذي بلَّغَنا هذا العيدَ بفضلِه وكرمِه، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، وصفِيُّه وخليلُه، أرسلَه الله -تعالى- رحمةً للعالمين، صلَّى الله عليه وعلى آلِهِ وأصحابِه، ومَن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

 

الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.

 

أمةَ الإسلام: لم يُغادِر النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- هذه البِقاعَ الطاهِرةَ في حجَّة الوداع إلا وقد أوصَى بالنساء خَيرًا.

وإن حُقوقَ المرأة -يا عباد الله- وحريَّتَها وكرامتَها كلُّ ذلك مما ضمِنَه لها الإسلام بعد أن أعلَى شأنَها وحفِظَ مكانتَها، وجعلَها شقِيقَةَ الرجُل؛ فإن كانت أمًّا رؤُومًا فبِرُّها مقرُونٌ بحقِّ الله تعالى، وهو مُقدَّمٌ على بِرِّ الأبِ ثلاثَ مرات.

 

وإن كانت زوجةً فقد قال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-: “أكمَلُ المُؤمنين إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا، وخَيرُكم خَيرُ لنسائِهم” (رواه الترمذي في “سننه”، وقال: “حديثٌ حسنٌ صحيحٌ”).

 

وإن كانت بِنتًا أو أُختًا، فقد بشَّر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- مَن عالَهنَّ وأحسنَ تربيتهنَّ بالجنة؛ فعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ -رضي الله عنه-، أن رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “لا يكونُ لأحدٍ ثلاثُ بناتٍ أو ثلاثُ أخَوَات فيُحسِنُ إليهنَّ، إلا دخلَ الجنة“؛ رواه البخاري في “الأدب المُفرد”.

 

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

 

أيها المُسلمون: إنكُم في يومٍ عظيم، تتلُوه أيامٌ معدُوداتٌ عظيمةٌ، فاقدرُوها حقَّ قَدرِها، واعمُرُوها بطاعةِ الله وذِكرِه، وأكثِرُوا فيها مِن حَمدِه وشُكرِه، (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) [الحج: 32].

 

وإن مِن أجَلِّ الأعمالِ في هذه الأيام: التقَرُّبَ إلى الله – عزَّ وجل – بذَبحِ الهَديِ والأضاحِي، وهي سُنَّةُ أبِينا إبراهيم – عليه السلام -، وما عمِلَ ابنُ آدم يوم النَّحر عملًا أحَبَّ إلى الله مِن إراقَةِ دمٍ.

 

ويُسنُّ لمَن أرادَ أن يُضحِّي أن يختارَ لأُضحيتِه أطيَبَها وأفضَلَها وأسمَنَها وأكرَمَها. فاختارُوا لأنفسِكم، تقبَّل الله ضحاياكُم.

 

ويُجزِئُ مِن الإبِل ما تمَّ له خمسُ سنين، ومِن البقَر ما تمَّ له سنَتَان، ومِن الضَّأن ما تمَّ له ستَّةُ أشهُر، ومِن المَعزِ ما تمَّ له سنة.

 

ولا تُجزِئُ العَورَاءُ البيِّنُ عَوَرُها، ولا المريضةُ البيِّنُ مرَضُها، ولا العَرجاءُ البيِّنُ ضَلَعُها، ولا الهَزِيلَةُ التي لا تُنقِي.

 

وتُجزِئُ الشاةُ الواحِدةُ عن الرجُل وأهلِ بيتِه، والبَدَنةُ والبقرَةُ عن سبعة.

 

وأيامُ الذَّبحِ أربعة تبدأُ مِن بعد صلاةِ العيد إلى غُروبِ شمسِ آخر أيام التشريق، وهو اليوم الثالث عشر، والذَّبحُ في النهار أفضلُ مِن اللَّيل، وهو في يوم العيدِ أفضلُ مِما بعدَه، ومَن كان يُحسِنُ الذَّبحَ فليَذبَحها بنفسِه.

 

ويُسمِّي ويُكبِّر؛ لما ثَبَتَ في “الصحيحين” أن النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- ضحَّى بكبشَين أملَحَين أقرَنَين، ذَبَحَهما بيدِه وسمَّى وكبَّر.

والسنَّةُ – معاشر المُؤمنين – أن يأكُلَ المُسلم مِن أُضحيتِه، ويُهدِي مِنها، ويتصدَّق.

 

فبادِرُوا إلى سُنَّة رسولِكم -صلى الله عليه وسلم-، وطِيبُوا بها نفسًا، واشكُرُوا اللهَ على توفيقِه لكُم، وكبِّرُوه على ما هدَاكُم، (لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ) [الحج: 37].

 

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

 

أمةَ الإسلام: ها هُم ضُيوفُ الرحمن في مشهَدٍ مَهِيبٍ، تُضِيءُ بهم المشاعِر المُقدَّسة؛ فمِنهم مَن يرمِي جَمرَةَ العقَبَة، ومِنهم مَن يحلِقُ أو يُقصِّرُ رأسَه، ومِنهم مَن يذبَحُ هَديَه، في يُسرٍ وسُهولةٍ واطمِئنانٍ، وأمنٍ وأمانٍ، وذلك بفضلِ الله – تبارك وتعالى – أولًا وآخرًا، ثم بجُهودِ هذه الدولة المُبارَكة المملكة العربية السعودية، التي جعلَت مِن أهمِّ أولوياتها خِدمة الحرمَين الشريفَين وقاصِدِيهما؛ ليكون البيتُ المُعظَّم كما أرادَ الله – عزَّ وجل – مَثابَةً للناسِ وأمنًا.

 

فمِن مِنبَرِ الكعبةِ المُشرَّفة، وفي يومِ النَّحر والجُمعة أحبِّ أيامِ الله إلى الله، نرفعُ أكُفَّنا بدعواتٍ لكلِّ مَن عمِلَ في خِدمةِ ضُيُوفِ الرحمن، ولرِجالِ أمنِنا المُرابِطين على ثُغورِنا، ولمَن هم في داخِلِ بلادِنا.

 

جزاكُم الله عن حُجَّاج بيتِه خيرَ الجزاء، ونسألُ الله -تعالى- أن يُلحِقَكم ثوابَ كلِّ مَن أدَّى مناسِكَ الحجِّ والعُمرة، نعم، وكلِّ مَن قصَدَ مسجِدَ رسولِه -صلى الله عليه وسلم-؛ فعملُكم – بإذن الله – مأجُور، وسعيُكم مشكُور، (فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى) [الليل: 5- 7].

 

ثم اعلَمُوا -معاشِرَ المُؤمنين- أنه قد اجتمَعَ لكُم في هذا اليوم المُبارَك عِيدان: عِيد الأضحَى وعِيد يوم الجُمعة؛ فمَن شهِدَ العِيد سقَطَت عنه الجُمعة؛ لما في “سنن أبي داود”: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: “قد اجتَمَعَ في يومِكم هذا عِيدان؛ فمَن شاءَ أجزأَه مِن الجُمعة، وإنا مُجمِّعُون“.

الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

 

حُجَّاج بيت الله الحرام: اشكُروا اللهَ -تعالى- على ما هيَّأ لكُم ويسَّر مِن أداء هذا الرُّكن المُعظَّم بأمنٍ وطُمأنينةٍ وسلامٍ، واحرِصُوا على أداء ما تبقَّى مِن مناسِكِ حجِّكُم، كما شرَعَ لكم نبيُّكم -صلى الله عليه وسلم-، واستشعِرُوا ما أنتُم فِيه مِن عبادةٍ، والتَزِمُوا بالوقارِ والسَّكِينةِ، وسدِّدُوا وقارِبُوا، وأبشِرُوا أمِّلُوا؛ فإن ربَّكم رحيمٌ عفُوٌّ كريمٌ.

 

جعلَ الله حجَّكُم مبرُورًا، وسعيَكم مشكُورًا، وذَنبَكم مغفُورًا.

اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما بارَكتَ على إبراهيمَ وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد.

 

اللهم وفِّق حُجَّاج بيتِك الحرام، اللهم وفِّق حُجَّاج بيتِك الحرام، اللهم تقبَّل مِنهم حجَّهم وسائرَ أعمالِهم، اللهم أتمِم لهم مناسِكَهم في أمنٍ وأمانٍ، ويُسرٍ واطمِئنانٍ، اللهم رُدَّهم إلى بُلدانهم سالِمين غانِمين، اللهم أجِب دُعاءَهم، وبلِّغهم رجاءَهم، وأخرِجهم مِن ذنوبِهم كيومِ ولَدَتْهم أمهاتُهم برحمتِك يا أرحم الراحمين.

 

اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذِلَّ الشركَ والمُشرِكين، واحمِ حَوزةَ الدين، واجعَل هذا البلدَ آمنًا مُطمئنًّا، رخاءً سخاءً، وسائرَ بلادِ المُسلمين.

 

اللهم مَن أرادَ الإسلامَ والمُسلمين بسُوءٍ فاجعَل تدبيرَه تدميرًا عليه يا قويُّ يا عزيز، يا ذا الجلال والإكرام، اللهم إنا ندرأُ بك في نُحورِهم، ونعُوذُ بك مِن شُرورِهم.

 

اللهم يا حيُّ يا قيُّوم، برحمتِك نستغِيثُ، أصلِح لنا شأنَنا كلَّه، أصلِح لنا شأنَنا كلَّه، ولا تكِلنا إلى أنفُسِنا طرفَةَ عينٍ.

 

اللهم فرِّج همَّ المهمُومين مِن المُسلمين، ونفِّس كَربَ المكرُوبِين، واقضِ الدَّينَ عن المَدِينِين، واشفِ مرضانا ومرضَى المُسلمين.

 

اللهم فرِّج همَّ إخواننا المُسلمين في بُورما، وفي سُوريا، وفي اليمَن، وفي العراق، وفي فلسطين، وفي كل مكانٍ برحمتِك يا أرحم الراحمين، اللهم احقِن دماءَهم، اللهم احقِن دماءَهم، وآمِن روعاتهم، وأطعِم جائِعَهم، واحفَظ أعراضَهم، وانصُرهم على مَن بغَى عليهم.

 

اللهم حرِّر المسجِدَ الأقصَى مِن ظُلم الظالِمين، وعُدوان المُحتلِّين برحمتِك يا أرحم الراحمين.

 

اللهم يا حيُّ يا قيُّوم وفِّق وليَّ أمرِنا خادمَ الحرمَين الشريفَين لما تُحبُّ وترضَى، وخُذ بناصِيَته للبِرِّ والتقوَى، اللهم وفِّقه ووليَّ عهدِه وأعوانَه لِما فِيه صلاحُ العبادِ والبلادِ، اللهم جازِهم بالخيرات على خِدمة الحُجَّاج والمُعتمِرين، وخِدمة الحرمَين الشريفَين.

 

اللهم وفِّق جميعَ وُلاةِ أمور المسلمين لِما تُحبُّه وترضَاه.

سُبحان ربِّك ربِّ العزَّة عما يصِفُون، وسلامٌ على المُرسَلين، والحمدُ لله ربِّ العالمين.

الملفات المرفقة
العيد ودعوة التوحيد – خطبة عيد الأضحى 1438هـ
عدد التحميل 183
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات