طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خادم الحرمين يؤكد الحرص على توطيد العلاقة مع العراق    ||    اليمن.. انطلاق مهمة "القبضة الحديدية" في حضرموت    ||    ليبيا.. تراجع حاد بأعداد المهاجرين في مركز تهريب البشر    ||    ميليشيات الحوثي تداهم المنازل بصنعاء وتختطف 40 فتاة    ||    مشاعر محبوسة    ||    انطواء طفلك.. بيدك أنت!    ||    مخالفات قولية عند نزول المطر    ||    الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة الغلو والتطرف    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

14147

عشر ذي الحجة أفضل أيام الدنيا

المكان : الأردن / عمان / مرج الحمام / مسجد ام المؤمنين /
التصنيف الرئيسي : عشر ذي الحجة
تاريخ الخطبة : 1437/11/23
تاريخ النشر : 1438/12/12
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ إكرام الله تعالى أمةَ نبيه الكريم 2/ فضل العشر 3/ من أعمال العشر 4/ اغتنام عشر ذي الحجة بالطاعات
اقتباس

لذا -أحبتي في الله- لما أراد ابن حجر في الفتح أن يذكر: لم فضلت هذه الأيام؟ ولم جعل الله لها هذا المقام؟ قال -رحمه الله-: “لأن الله جمع فيها من ألوان العبادة وصنوفها ما لم يجمع في سواها، وجمع لها من الأيام ما لم يجمع في سواها”.

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ به من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مُضِلّ له، ومَن يُضْلِلْ فلا هاديَ له.

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلم.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

أسأل الله العظيم رب العرش العظيم بمنه وكرمه وعفوه وفضله ورحمته أن يجيرني وإياكم منها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

أحبتي في الله: لما قدر الله -عز وجل- على هذه الأمة أن جعل أعمارها وآجالها ما بين الستين والسبعين، وأقلهم من يجوز ذلك، وكانت الأمم الماضية يعيش الواحد منهم ألفا وألفين وثلاثة، ولعله يزيد.

 

ولو أن الواحد من الأمم الماضية تصدق في كل يوم بقرشٍ، أو سجد في كل يوم سجدة، أو أتى في كل يوم بحسنة؛ فمن ذا يسابقه ممن كان بعده؟.

 

ولما كانت هذه الأمة كما النبي -صلى الله عليه وسلم- قال، كما عند الإمام أحمد في مسنده: “أَنْتُمْ تُوَفّونَ سَبْعِينَ أُمَّةً، أَنْتُمْ خَيْرهَا وَأَكْرمهَا عَلَى اللَّهِ -عز وجل-“.

 

ولما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-، كما في حديث أبي سعيد الخدري الذي في البخاري ومسلم: “ونادى الله آدم بصوته قال: يا آدم، قال: لبيك وسعديك والخير كله بين يديك!”… الحديث… قال النبي: “يقول الله: يا آدم، أخرج بعث النار، قال: يا رب، وما بعث النار؟ قال أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين إلى النار”، فأشفق الصحابة من هذا الحديث لما علموا الناجي من كل ألف واحد، وكأن الصحابة قد ثقلت عليهم الأرض، بل قد جمع الله جبال الهموم على صدورهم؛ فقال الصحابة: يا رسول الله، وأينا الواحد من هذا الواحد؟ فقال -صلوات ربي وسلامه عليه- مبشرا أمته بأن التسعمائة وتسعة وتسعين إنما هم من يأجوج ومأجوج، والواحد من هذه الأمة. ثم قال -صلى الله عليه وسلم- “وإني لأرجو الله أن تكونوا ربع أهل الجنة“، قال أبو سعيد الخدري: فكبّرنا، أي: قلنا “الله أكبر“، وقال: “وإني لأرجو الله أن تكونوا ثلث أهل الجنة“، فقال أبو سعيد: فكبّرنا، فقال “وإني لأرجو الله أن تكونوا شطر أهل الجنة“، أي: أن تأخذوا النصف.

 

ثم وصف النبي هذه الأمة في سائر الأمم، قال: “أَنْتُمْ فِي النَّاسِ إِلَّا كَالشَّعَرَةِ السَّوْدَاءِ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَبْيَضَ، أَوْ كَشَعَرَةٍ بَيْضَاءَ فِي جِلْدِ ثَوْرٍ أَسْوَدَ“.

 

أحبتي في الله: أتت عائشة النبي -صلى الله عليه وسلم- فرأت النبي -صلى الله عليه وسلم- طيب النفس كما عند البزار فقالت قلت يا رسول الله أدعو لي، فقال النبي: “اللهم اغفر لعائشة ما قدمت وما أخرت وما أسرت وما أعلنت“… فَفَرِحَتْ فرحا شديدا حتى سقط رأسها في حجره فنظر النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى حميرائه الصديقة الحبيبة إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “أوَسَرّك دعائي؟”، من لا يسره أن يدعو له رسول الله أن يغفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ من أشد فرحا من ذلك؟. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “يا عائشة، أَوَسَرَّكِ دعائي؟”، قالت: يا رسول الله، ومن لا يسره ذلك؟ فقال النبي لها: “والذي نفسي بيده إن هذا دعائي لأمتي في كل صلاة“. اللهم لك الحمد!.

 

يا أمة الإسلام إن ضاقت أعمارنا وقلت أعمالنا عما سبقنا من الأمم فأبشروا؛ فقد جعل الله لنا ولكم من مواسم الخير وأيام الطاعات وساعات الفضائل وكرامات المقامات ما يجعلنا أول الأمم دخولاً للجنة، قال -صلى الله عليه وسلم-: “نحن الآخرون“، أي: في الدنيا زمانا، “ونحن الأولون“، أي: يوم القيامة حسابا ونجاة ودخولا لجنات النعيم.

 

ومن أعظم المواسم التي أنعم الله بها على هذه الأمة وأكرمها بها وجمع فيها ألوان الخير وصنوف الطاعات ومكاثر الحسنات هي الأيام التي يحول بيننا وبينها ساعات.

 

يا أيها المسلمون، يا من توحدون الله، يا من تخشون عذابه، يا من ترجون رحمته، يا من تريدون جنته: بينكم وبين غروب شمس اليوم ساعات، تدخل عليكم لحظات، والله هي أبرك اللحظات عند رب الأرض والسماوات: (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ) [الفجر:1-2]، فلا يقسم العظيم إلا بما كان عنده عظيما، (وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ)، قال ابن عباس: “هي ليالي العشر من ذي الحجة“.

 

قال الله -تعالى- لما بنى إبراهيم الخليل -عليه السلام- البيت العتيق، قال الله لإبراهيم: يا إبراهيم، أذّن في الناس بالحج. فقال إبراهيم: يا رب، هذا صوتي، وأين البلاغ؟ فإني لا أطيقه! وكيف يكون يبلغ ذلك الناس؟ فقال الله: يا إبراهيم، عليك النداء وعلينا البلاغ. فقال: أيها الناس، إن الله قد أمركم بحج البيت العتيق، ألا فحجوا، فما بقي أحد إلا وبلغه نداء إبراهيم في شرق الأرض وغربها، في كل فج عميق، فقال بعض الناس: لبيك! وقال ممن كان في صلب أبيه: لبيك، قال الأثر: “فما قال أحد لبيك إلا وأجاب إبراهيم في حج أو عمرة“.

 

ثم -أيها الأحبة في الله-: (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ) [الحج:27-28]، قال ابن عباس: “الأيام المعلومات هي أيام العشر من ذي الحجة”.

 

أنتم مقبلون على ساحة من أبرك الساحات، وعلى ساعات من أعظم الساعات. أين الصائمون؟ أين القائمون؟ أين الذاكرون؟ أين المجتهدون؟ أين العابدون؟ فأمامكم مضمار يسبق فيه من سبق، ولا يلحق فيه من لحق.

 

أمامكم مضمار لا مقام فيه للراحة، ولا محل فيه للنوم، ولا مقام فيه للفراش، هي أيام وساعات يتقلب فيها الصادقون بين ذكر الله، وإنفاق الأموال، وقراءة القرآن، وصيام النهار، وقيام الليل.

 

إنها العشر التي قال فيها النبي، كما روى البخاري من حديث ابن عباس: “ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله”،  اللهم اجعلنا ممن تحب، اللهم اجعلنا ممن يرضيك ويبلغ محبتك ومراضيك، “ما من أيام“، وهذا لا يستثنى فيه، “ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه العشر“، يعني العشر من ذي الحجة، فلم يستغربوه، وكان الصحابة لا يوازون بالجهاد شيئا من الأعمال، فقالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: “ولا الجهاد في سبيل الله“.

 

والله تسبيحه في هذه الأيام أعظم من الجهاد في سبيل الله، تسبيحه وتكبيره وتحميده وصيام في النهار وركعة في الليل، والله إنها أعظم من الجهاد في سبيل الله! ليس بخبري ولا بكلامي؛ إنما بكلام الذي لا ينطق عن الهوى، الصادق المصدوق، صلى عليه ربه ومولاه. قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: “ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله ولم يرجع بذلك من شيء“.

 

هذه الأيام هي أعظمها وأكرمها عند الله؛ ولذا قال سعيد بن جبير فيما روى ابن أبي الدنيا في جزئه الذي صنفه وجمعه في فضل العشر من ذي الحجة بإسناد صحيح، قال: “ما من الشهور شهر أعظم حرمة من شهر ذي الحجة“.

 

وروى البيهقي -بإسناد صحيح- عن كعب الأحبار، ولا يصح رفعه إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وإن كان رفعه يشهد له جملة من النصوص: “اختار الله الزمان فاختار الله وأحب منها الأشهر الحرم، ثم اختار الله وأحب من الأشهر الحرم شهر ذي الحجة واختار الله وأحب من شهر ذي الحجة العشر الأول“، ألم يقل النبي -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه في خطبته في حجة الوداع، كما في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمر: “ألا تعلمون؟”، أي: هل تعلمون؟ “ألا تعلمون أي شهر أعظم حرمة؟”، قالوا: ألا شهرنا هذا، ألا وهو شهر العشر شهر ذي الحجة الذي عظمه الله على سائر السنة.

 

لما بحث علماؤنا بحثا قالوا: أيهم أعظم أجراً وأعظم مقاما ومنزلةً: العشر من ذي الحجة الأُوَل أما العشر الأواخر من رمضان؟ فكان للعلماء في ذلك مذاهب ثلاثة: قال بعضهم: إنما العشر الأواخر أعظم من العشر الأول من ذي الحجة، وقال بعضهم، كابن حبان: إنما العشر الأواخر من رمضان والعشر الأوائل من ذي الحجة هم على سواء في الفضل، وقال ابن تيمية وابن القيم: لا، إنما العشر الأواخر من رمضان خير في ليلها، والعشر الأوائل من ذي الحجة خير في نهارها؛ وسبب ذلك أن في العشر الأواخر من رمضان ليلة القدر، ولا توازيها ليلة، ولا تنازعها ليلة من ليالي الدنيا والعمر والحياة. ثم قال ابن رجب: ومن يسأل في المفاضلة بوجود ليلة القدر فليلة القدر لا يساويها شيء، ولكننا نسأل عن يومٍ بليله ونهاره من أيام العشر من ذي الحجة أهو أفضل أم يوم بليله ونهاره من أيام العشر الأواخر من رمضان من دون ليلة القدر، والله إن العشر الأول من ذي الحجة أعظم من العشر الأواخر من رمضان، وأكرم عند الله! هل من مشمر؟!.

 

كان سعيد بن جبير -رحمه الله- إذا دخلت عليه العشر الأوائل من ذي الحجة اجتهد اجتهاداً لا يقدر عليه فيما سواه، [مافي] نوم، [مافي] راحة، [مافي] انشغال بالدنيا ولا التجارات ولا الأموال والأولاد، لا، هي أيام معدودات وليال معدودات، ثم كم فاز الفائز وخسر الخاسر! اللهم لا تجعلنا منهم.

 

لذا -أحبتي في الله- لما أراد ابن حجر في الفتح أن يذكر: لم فضلت هذه الأيام؟ ولم جعل الله لها هذا المقام؟ قال -رحمه الله-: “لأن الله جمع فيها من ألوان العبادة وصنوفها ما لم يجمع في سواها، وجمع لها من الأيام ما لم يجمع في سواها“.

 

هي أيام الحج، فيها يوم عرفة، فيها يوم النحر، هي أيام التكبير والتهليل والتحميد،كان عمر وأبو هريرة وابن عمر إذا دخلت ليالي العشر من ذي الحجة كانوا يكبرون، وهذا تكبير خاص بهذه العشر، هي أيام خصها الله بالتكبير، هي أيام صيام، هي أيام الأضحية والهدي، المسلمون يضحون ويريقون الدماء لله في منازلهم، والحجاج يقدمون هديهم في منى ومشعرهم.

 

جعل الله لعباده حتى يغنموا ما فيها من الفضائل، يوم عرفة أعظم الأيام، يوم عرفة أكثر الأيام عتقا من النار، يوم النحر أعظم الأيام عند الله، مع يوم القر، وهو الذي يقر فيها الحجيج بمنى.

 

يوم عرفة، لما خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- بأصحابه وأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- عرفه، واستقبل النبي -صلى الله عليه وسلم- القبلة مد يديه، كما في حديث ابن عباس عند البيهقي وفي إسناده مقال، قال: “فمد النبي يديه إلى السماء يدعو كاستطعام المسكين“.

 

لما نزل خطام ناقته فمسك النبي الخطام بيده الأخرى وظل مادا يده، لم يرخ بها، فنزل النبي -صلى الله عليه وسلم- يمسك الخطام بيمينه أو شماله مادّا يده الأخرى لم يرخها يلتمس الدعاء في كل لحظة، دعا النبي من زوال الشمس ولم ينقطع من غروبها، لم يكف ولم يفتر ولم ينقطع ولم يقف ولم يمل ولم يسأم ولم يلتفت ولم ينظر ولم يأمر ولم ينه، لم يفعل شيئا إلا الدعاء!.

 

نادى النبي بلالا، قال: “يا بلال، نادِ الناس“، فقال بلال على الصخرة: أنصتوا لرسول الله، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “أيها الناس في عرفة، إني قد أتاني جبريل آنفا وأقرأني من الله السلام، وأخبرني أن الله قد غفر لأهل عرفة وأهل الموقف، وضمن عنهم التبعات“،  فقام عمر فقال: يا رسول الله، ألنا خاصة أم لمن جاء بعدنا؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “لكم ولمن جاء بعدكم“، فقال عمر: “كثر خير الله وطاب“.

 

أيام الله فيها التلبية، يلبي الحجاج: لبيك يا من ناديتنا وأمرتنا لبيك، يا من طلبتنا وسألتنا لبيك، يا من بيده كل حاجتنا لبيك، يا من نرجو رحمته وعفوه لبيك، لبيك والخير كله بيديك، لبيك. قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “ما من مُلَبٍّ يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر حتى تنقطع الأرض من هاهنا وهاهنا عن يمينه وشماله“، وقال -صلى الله عليه وسلم-: “مَا أَهَلَّ مُهِلٌّ قَطُّ إِلا بُشِّرَ، وَلا كَبَّرَ مُكَبِّرٌ قَطُّ إِلا بُشِّرَ“. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ: “نَعَمْ“.

 

النبي -صلى الله عليه وسلم- يخبرنا ما من ملبٍّ إلا ويلبي ما على يمينه وشماله، كل حجر إلا ويلبي عن يمينه كل شجر… كل شيء يلبي لتلبيته: لبيك إله الحق لبيك، لبيك يا ذا الفضل لبيك، لبيك والخير كله في يديك لبيك.

 

يا مسلم، أمامك أيام بها يراق الأضاحي، ويقدم العبد القرابين لله رب الأرض والسماء، ويجب عليه وجوبا عينيا  أن يمسك شعره وأظفاره، ولا يجوز أن يأخذ من شعره وأظفاره شيئا. ما الحكمة؟ قال: لأن الله إذا أراد أن يغفر له عند أول قطرة أحب الله أن يغفر له كاملا بشعره وأظفاره، أيام اللهِ اللهَ في اغتنامها! هي أيام العمر والحياة، أيام الجد والاجتهاد.

 

يا من كان يغنم رمضان فيجلس بعد الفجر إلى شروق الشمس: افعل ما فعلت في رمضان، يا من كان يختم في رمضان في كل ثلاث وخمس مرة، اختم هذه الختمات في هذه الأيام، عليكم بصيامها وهو قول الأمة والجمهور، فالنبي يقول: “ما من أيام العمل”، وهذا يشمل كل عمل، وإن نفت عائشة صيام النبي هي لم تنفي الحكم، والنبي -صلى الله عليه وسلم- جاء في حديث عن بعض أزواجه كان من أكثر صيامه أن يصوم التسع من ذي الحجة، وإن كان الخلاف في ذلك، فالجمهور على الصيام، فصوموا، وإن أردتم الخروج من الخلاف فأفطرتم يوما أو يومين فلا حرج.

 

ثم اجعل لنفسك أورادا في هذه الأيام، استغفر في اليوم ألفاً وألفين وثلاثة، وسبح ألفاً وألفين وثلاثة، واحمد ألفاً وألفين وثلاثة، وكبر مليوناً واثنين وثلاثة، ووحد الله وهلل، تصدق وأنفق من مالك ما تطيق، لا تفطرن حتى إذا جاء يوم النحر وهو يوم من أعظم الأيام، وهو يوم إراقة الدماء، واجتماع الناس على التكبير مع الإراقة؛ لعل الله أن يكتبني وإياك من الفائزين الناجين، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم…

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم وأبارك على محمد وآله وصحبه أجمعين.

 

وبعد: في هذه الأيام من أيام العشر من ذي الحجة يجتمع وفد الله حول بيته، الحجاج والعمار، وفد الله، اللهم اجعلنا منهم، دعاهم فأجابوه، فإياك أن يسبقك حاج إن لم تكن منهم! ليعلم الحجاج أنهم قد تركوا من ورائهم في بلادهم ومنازلهم رجالا وعُبادا ينافسونهم في حسناتهم وهم في عرفة ومنى ومزدلفة، لن نستطيع أن ننكر أن الله قد جعل في الحج ما لم يجعل في سواه، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة“، “من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه“، أي: ولا سيئة إلا ما بقي من الحقوق التي يجب أن يردها.

 

جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- رجلان، أحدهما من الأنصار، والآخر من ثقيف، فسبقه الأنصاري، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- للثقفي: ” يا أخا ثقيف، سبقك الأنصاري!”، فقال الأنصاري: أنا أبدّه يا رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال له: “يا أخا ثقيف سل عن حاجتك، وإن شئت أن أخبرك عما جئت به تسأل عنه“، قال: فذاك أعجب إلي أن تفعل، قال: ” فإنك تسألني عن صلاتك، وعن ركوعك، وعن سجودك، وعن صيامك، وتقول: ماذا لي فيه؟”، قال: إي والذي بعثك بالحق! قال: “فصل أول الليل وآخره، ونم وسطه“، قال: فإن صليت وسطه، قال: “فأنت إذا -قال- فإذا قمت إلى الصلاة فركعت فضع يدك على ركبتيك، وفرج بين أصابعك، ثم ارفع رأسك حتى يرجع كل عضو إلى مفصله، وإذا سجدت فأمكن جبهتك من الأرض، ولا تنقر، وصم الليالي البيض: ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة“، ثم أقبل على الأنصاري، فقال: “سل عن حاجتك، وإن شئت أخبرتك”، قال: فذلك أعجب إلي، قال: “فإنك جئت تسألني عن خروجك من بيتك تؤم البيت الحرام، وتقول: ماذا لي فيه؟ وجئت تسأل عن وقوفك بعرفة وتقول: ماذا لي فيه؟ وعن رميك الجمار، وتقول: ماذا لي فيه؟ وعن طوافك بالبيت، وتقول: ماذا لي فيه؟ وعن حلقك رأسك، وتقول: ماذا لي فيه؟”، قال: إي والذي بعثك بالحق! قال: “أما خروجك من بيتك تؤم البيت فإن لك بكل وطأة تطؤها راحلتك يكتب الله لك بها حسنة، ويمحو عنك بها سيئة، وأما وقوفك بعرفة فإن الله -عز وجل- ينزل إلى السماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة فيقول: هؤلاء عبادي جاؤوني شُعثا غُبرا من كل فج عميق يرجون رحمتي، ويخافون عذابي، ولم يروني، فكيف لو رأوني؟ فلو كان عليك مثل رمل عالج، أو مثل أيام الدنيا، أو مثل قطر السماء ذنوبا، غسلها الله عنك، وأما رميك الجمار فإنه مذخور لك، وأما حلقك رأسك؛ فإن لك بكل شعرة تسقط حسنة، فإذا طفت بالبيت خرجت من ذنوبك كيوم ولدتك أمك“.

 

أي أيام كهذه الأيام؟ وأي لحظات كهذه اللحظات؟ وأي ساعات كهذه الساعات؟.

 

أسأل الله العظيم، رب العرش العظيم، أن يجعلنا من عتقائه في يوم عرفة.

 

الملفات المرفقة
عشر ذي الحجة أفضل أيام الدنيا
عدد التحميل 5
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات