طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

13963

هذا خلق الله

المكان : المملكة العربية السعودية / المدينة المنورة / حي المسجد النبوي / المسجد النبوي الشريف /
التصنيف الرئيسي : أحوال القلوب الخلق والآفاق
تاريخ الخطبة : 1438/11/05
تاريخ النشر : 1438/11/06
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/اختِصاصِ الله تعالى بالخلق والإيجاد 2/عظمة الخالق الجليل وقُدرتِه 3/خلقِ الله تعالى لعرشِه وما ميَّزَه به على سائرِ مخلُوقاتِه 4/فضلِ المسجِدِ الأقصَى وأهميته عند المُسلمين.
اقتباس

الكَونُ كلُّه شاهِدٌ بربوبيَّته، وفي كل شيءٍ له آيةٌ تدلُّ على أنه واحِدٌ، قال -سبحانه-: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ)..

الخطبة الأولى:

 

إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شُرورِ أنفُسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادِيَ له، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آلِه وأصحابِه، وسلَّمَ تسليمًا كثيرًا.

 

أما بعد: فاتَّقوا الله – عباد الله – حقَّ التقوَى، وراقِبُوه في السرِّ والنجوَى.

 

أيُّها المسلمون: الله تعالى موصُوفٌ بصِفات الجلال، منعُوتٌ بنُعوتِ الجمال، كامِلٌ في ذاتِه وأسمائِه وصِفاتِه وأفعالِه، لا سَمِيَّ له ولا نظيرَ ولا شبِيهَ له ولا مَثِيل، (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) [الشورى: 11].

 

ومِن أخصِّ أسمائِه: الخالِقُ الخلَّاقُ، والخلقُ فِعلُه وصِفتُه، ولا تجوزُ هذه الصِّفةُ لغيره، وليس في العلُوم أظهَرُ مِن كونِ الله خالِقًا، وهو أصلُ كل حقيقةٍ، فجميعُ الحقائِقِ تنتَهِي إلى خلقِه وإيجادِه، فهو الذي خلقَ وعلِمَ، ولهذا أقرَّت به جميعُ الأُمم، واحتَجَّ الله به على مَن أشركَ وكفَرَ، قال -سبحانه-: (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ) [الطور: 35].

قال جُبيرُ بن مُطعِم – رضي الله عنه -: “لما سمِعتُها كادَ قلبِي أن يطِيرَ”.

فربُّنا مُبدِعُ الخلقِ لا شريكَ له، قال تعالى: (هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ) [فاطر: 3].

 

ولو اجتمَعَ مَن بأقطارِها على خلقِ أضعفِ مخلوقٍ لعجَزُوا عنه، قال -سبحانه-: (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) [الحج: 73].

خلَّاقٌ عليمٌ كلُّ ما في الوُجودِ مِن بديعِ صُنعِه، (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [الزمر: 62].

كثيرُ الخَلقِ لا مُنتهَى لخلقِه، ولا نظيرَ له فيه، (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) [المؤمنون: 14].

ولم يزَل خالِقًا يخلُقُ ما يشاءُ، وهو الفعَّالُ لما يُريد، أتقنَ ما خلقَ، وأبدَعَ ما صنَعَ، (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى) [الأعلى: 2، 3].

 

وجميعُ الخلق بتقديرِه وتدبيرِه، قال -سبحانه-: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) [الفرقان: 2].

وهم تحت قَهرِه وتسخِيرِه، وجعلَ لكل مخلُوقٍ قدَرًا معلُومًا، قال -سبحانه-: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) [القمر: 49].

 

حكيمٌ في خلقِه، مُنزَّهٌ عن العبَثِ فيه، قال -سبحانه-: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ) [المؤمنون: 115].

 

وكلُّ مخلُوقٍ فلله في خلقِه حِكمة، قال -سبحانه-: (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ) [الدخان: 38، 39].

 

الكَونُ كلُّه شاهِدٌ بربوبيَّته، وفي كل شيءٍ له آيةٌ تدلُّ على أنه واحِدٌ، قال -سبحانه-: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ * وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ * تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) [ق: 6- 8].

 

وفي خلقِه -سبحانه وتعالى- دلائِلُ كثيرةٌ على أسمائِه وصِفاتِه، قال -سبحانه-: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا) [الطلاق: 12].

 

والمخلُوقاتُ كلُّها جمعًا ووحدانًا حُجَّةٌ لله على ألوهيَّته، وبذلك قرَّر -سبحانه- توحيدَ عبادتِه، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) [البقرة: 21].

 

وغايةُ الخلقِ كلِّهم: التألُّهُ لله وعبوديَّته، (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) [الذاريات: 56].

وكلُّ ما عُبِدَ مِن دُون الله فباطِلٌ لعجزِه أن يخلُقَ شيئًا، قال تعالى: (أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ) [الأعراف: 191].

 

والتفكُّرُ في المخلُوقاتِ عِظةٌ وعِبرةٌ، وفيه حادٍ إلى تعظيمِ الخالِقِ، ومُوجِبٌ لزيادةِ الإيمان، قال تعالى: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [آل عمران: 190، 191].

 

وأعظمُ المخلُوقات وأكبَرُها عرشُ الرحمن، وصَفَه الربُّ بالعظَمَة، فلا يعلَمُ قَدر سعَته وكِبَره إلا الذي خلَقَه، وهو مخلُوقٌ مربُوبٌ، (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ) [غافر: 62].

أثنَى على نفسِه بربوبيَّته له فقال: (رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) [التوبة: 129].

 

ومدَحَ ذاتَه بمُلكِه إيَّاه، فقال: (رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ) [غافر: 15].

قال ابنُ كثيرٍ – رحمه الله -: “صاحِبُ العرش العظيم العالِي على جميعِ الخلائِقِ“.

 

أضافَه إلى نفسِه تشريفًا وتكريمًا، فقال: (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ) [البروج: 15].

خلَقَه الله قبل السماوات والأرض، قال -عزَّ وجل-: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [هود: 7].

 

قال -صلى الله عليه وسلم-: «كان الله ولم يكُن شيءٌ قبلَه، وكان عرشُه على الماء ثم خلقَ السماوات والأرض، وكتبَ في الذِّكر كلَّ شيءٍ» (رواه البخاري).

 

وأولُ ما خلَقَ الله القلَمَ أمرَه بكتابةِ المقادِير، وكان العرشُ قبلَه مخلُوقًا، قال -عليه الصلاة والسلام-: «كتبَ الله مقادِيرَ الخلائِقِ قبل أن يخلُقَ السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشُه على الماء» (رواه مسلم).

 

والعرشُ غيبٌ لا نراهُ في الدنيا، وقد أخبَرَنا الله ببعضِ صِفاتِه؛ لتحقيقِ الإيمانِ بالله وعلُوِّه على خلقِه، فعرشُ الله -عزَّ وجل- كالقُبَّة فوقَ العالَم، وصَفَه النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بذلك فقال: «إن عرشَه على سماواتِه لهكذا» -وقال بأصابِعِه مثلَ القُبَّةِ عليه–. (رواه أبو داود).

 

وللعرشِ قوائِمُ وجوانِبٌ، قال -عليه الصلاة والسلام-: «فإنَّ الناسَ يَصعَقُون يوم القِيامة، فأكُون أولَ مَن تنشَقُّ عنه الأرض، فإذا أنا بمُوسَى آخِذٌ بقائِمةٍ مِن قوائِمِ العرشِ، فلا أدرِي أكان فيمَن صَعِقَ أم حُوسِبَ بصَعقَةِ الأُولى» (متفق عليه).

وفي لفظٍ: «باطِشٌ جانِبَ العرشِ» (رواه البخاري).

 

كان العرشُ على الماءِ قبل خَلقِ السماواتِ والأرض، قال -سبحانه-: (وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) [هود: 7].

ولا يزالُ على ماءٍ بعد خلقِها، قال -عليه الصلاة والسلام-: «والعرشُ فوقَ الماءِ، واللهُ فوقَ العرشِ لا يَخفَى عليه شيءٌ مِن أعمالِكم» (رواه ابنُ خُزيمَة).

 

هو أعلَى المخلُوقات وأرفعُها، وهو سقفٌ لها، خصَّه الله بالقُربِ فليس في الخلقِ شيءٌ أقرَب إليه مِنه، والله طيِّبٌ لا يَقرَبُ مِنه إلا طيِّبٌ.

خلَقَ الله العرشَ واختصَّه بالعلُوِّ والارتِفاعِ فوقَ جميعِ ما خلَقَ.

 

قال ابنُ كثيرٍ – رحمه الله -: “العرشُ هو سقفُ المخلُوقات، وجميعُ المخلُوقات مِن السماوات والأرض وما فيهما وما بينهما تحت العرش مقهُورِين بقُدرةِ الله تعالى، وعِلمُه مُحيطٌ بكل شيءٍ، وقَدَرُه نافِذٌ في كل شيءٍ، وهو على كل شيءٍ وَكِيلٌ“.

 

وصَفَه الله بالمجدِ فقال: (ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ) [البروج: 15]، ومَجدُه في عظمَتِه وعلُوِّ مِقدارِه.

كريمٌ جامِعٌ لخِصالِ الحَمدِ لا أشرفَ في المخلُوقات مِنه، حسَنُ المنظَر بهِيُّ الشكلِ، قال -سبحانه-: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ) [المؤمنون: 116].

 

هو أثقَلُ المخلُوقات وَزنًا، مرَّ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- بجُويرية – رضي الله عنها – بُكرةً حين صلَّى الصُّبحَ، وهي في مسجِدِها، ثم رجَعَ بعد أن أضحَى وهي جالِسَة، فقال: «ما زِلتِ على الحالِ التي فارَقتُكِ عليها؟»، قالت: نعم، فقال: «لقد قُلتُ بعدَكِ أربعَ كلماتٍ ثلاثَ مراتٍ لو وُزِنَت بما قُلتِ مُنذ اليَوم لوَزَنتهنَّ: سُبحان الله وبحمدِه عدَدَ خلقِه، ورِضا نفسِه، وزِنةَ عرشِه، ومِدادَ كلِماتِه» (رواه مسلم).

قال شيخُ الإسلام – رحمه الله -: “فهذا يُبيِّنُ أن زِنةَ العرشِ أثقَلُ الأوزان“.

 

وبين يدَي العرشِ كُرسِيٌّ عظيمٌ، قال تعالى: (وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ) [البقرة: 255].

وهو كالمَرقاةِ إلى العرشِ، وما الكُرسيُّ ما عظَمَته إلى العرشِ إلا كحَلقةٍ مِن حديدٍ أُلقِيَت بين ظهرَي فلاةٍ مِن الأرض.

 

وكَّلَ الله في الدنيا بحَملِ عرشِه أربعةَ ملائكةٍ عِظام، لا يُفارِقُونَ التسبيحَ له والثناءَ عليه والاستِغفارَ للمُؤمنين، قال تعالى: (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ) [غافر: 7].

 

ومِن حولِ العرشِ ملائِكةٌ شغَلَهم الذِّكرُ والدعاءُ، قال تعالى: (وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ) [الزمر: 75].

 

احتَجَّ الله بربوبيَّته لعرشِه على ألوهيَّته، فقال: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) [المؤمنون: 86].

وتمدَّحَ في تفرُّدِه بالعبادة بربوبيَّته له، فقال: (اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ) [النمل: 26].

ونزَّهَ نفسَه عما وصَفَه به المُفتَرُون مِن النقائِصِ ذاكِرًا بربوبيَّته لأعظَم مخلُوقاتِه، فقال: (سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) [الزخرف: 82].

 

وكان -عليه الصلاة والسلام-، يُكثِرُ مِن التوسُّلِ في دُعائِه بروبيَّة الله له، ويُثنِي عليه بذلك، فعند الكَربِ كان يقولُ -عليه الصلاة والسلام-: «لا إله إلا الله العظيمُ الحليمُ، لا إله إلا الله ربُّ العرش العظيم، لا إله إلا الله ربُّ السماواتِ وربُّ الأرضِ وربُّ العرش الكريم» (متفق عليه).

 

والرَّحِمُ مُعلَّقةٌ بالعرشِ تقولُ: «مَن وصَلَني وصَلَه الله، ومَن قطَعَني قطَعَه الله» (رواه مسلم).

ولما قضَى الله الخلقَ كتبَ في كتابِه فهو عنده فوقَ العرشِ: «إن رحمَتِي غلَبَت غضَبِي» (متفق عليه).

 

وكلُّ يومٍ تسجُدُ الشمسُ تحت العرشِ لله، قال -عليه الصلاة والسلام-: «فإنها تذهَبُ حتى تسجُدَ تحت العرشِ، فذلك قولُه تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [يس: 38]» (متفق عليه).

 

قال أبو ذَرٍّ – رضي الله عنه -: سألتُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- عن قولِه تعالى: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا)، قال: «مُستقَرُّها تحت العرشِ» (متفق عليه).

 

واهتَزَّ عرشُ الرحمن لمَوتِ صحابِيٍّ جليلٍ لم يُدرِك مِن الإسلام سِوَى ستِّ سنواتٍ، ولكن أسلَمَ جميعُ قومِه على يدَيه، ومات وعُمرُه سبعةٌ وثلاثُون عامًا، قال -عليه الصلاة والسلام-: «اهتَزَّ عرشُ الرحمن لمَوتِ سعدِ بن مُعاذٍ» (متفق عليه).

 

قال الذهبيُّ -رحمه الله-: “هذا مُتواتِرٌ، أشهَدُ بأنَّ رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- قالَه“.

واختَصَّ الله العرشَ ببقائِه إذا فنِيَ الخلقُ، وليس داخِلًا فيما يُقبَضُ ويُطوَى يوم القِيامة، ولا يَفنَى باتفاقِ أهلِ السنَّة.

 

قال شيخُ الإسلام -رحمه الله-: “وأما العرشُ فلم يكُن داخِلًا فيما خلَقَه الله في الأيام الستَّة، ولا يشُقُّه ولا يَفطُرُه؛ بل الأحاديثُ المشهُورةُ دلَّت على ما دلَّ عليه القرآنُ مِن بقاءِ العرشِ“.

 

وفي الآخرة يحمِلُه ثمانِيةُ ملائِكة، ويأتِي الله -عزَّ وجل- عليه للفصلِ بين الخلائِقِ، قال -سبحانه-: (وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ) [الحاقة: 17].

 

وإذا استشفَعَ الناسُ بالأنبِياء يوم القيامة لفَصلِ القضاءِ، اعتَذَرُوا لهَولِ الموقِفِ وشِدَّتِه؛ حتى ينتَهُوا إلى نبيِّنا -صلى الله عليه وسلم-، قال -عليه الصلاة والسلام-: «فيأتُونِي، فأسجُدُ تحت العرشِ فيُقال: يا مُحمَّد! ارفَع رأسَك، واشفَع تُشفَّع، وسَلْ تُعطَ» (متفق عليه).

 

وإذا اشتَدَّ الكَربُ بالخلقِ في المحشَر، ودنَت الشمسُ مِن رُوؤسِهم قَدرَ مِيلٍ، أظلّض الله في ظلِّ عرشِه صَفوةً مِن خلقِه، قال -عليه الصلاة والسلام-: «سَبعةٌ يُظِلُّهم الله في ظِلِّه يوم لا ظِلَّ إلا ظِلُّه: الإمامُ العادِلُ، وشابٌّ نشَأَ في عبادةِ ربِّه، ورجُلٌ قلبُه مُعلَّقٌ في المساجِد، ورجُلان تحابَّا في الله اجتمعَا عليه وتفرَّقَا عليه، ورجُلٌ طلَبَتْه امرأةٌ ذاتُ منصِبٍ وجمالٍ فقال: إني أخافُ الله، ورجُلٌ تصدَّقَ أخفَى حتى لا تعلَمَ شِمالُه ما تُنفِقُ يَمينُه، ورجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خالِيًا ففاضَت عينَاه» (متفق عليه).

و”المُتحابُّون في الله يُظِلُّهم الله في ظلِّ عرشِه” (رواه أحمد).

 

والجنَّةُ درجاتٌ ومنازِلُ، وأعلاها الفِردوس، سَقفُها عرشُ الرحمن، قال -عليه الصلاة والسلام-: «إذا سألتُم اللهَ فاسأَلُوهُ الفِردَوس؛ فإنه أوسَطُ الجنَّة وأعلَى الجنَّة، ومِنه تنفِجِرُ أنهارُ الجنَّة، وفوقَه عرشُ الرحمن» (رواه البخاري).

 

وبعدُ .. أيها المسلمون: لئِن كان العرشُ عظيمًا كبيرًا، فالله -سبحانه- علِيٌّ عظيمٌ واسِعٌ كبيرٌ مُحيطٌ بكلِّ شيءٍ ولا يُحيطُ به شيءٌ، ظاهِرٌ ليس فوقَه شيءٌ، باطِنٌ لا يحجُبُه عن خلقِه شيءٌ، وعظَمَةُ المخلُوقات دليلٌ على عظمَتِه وكِبريائِه، شاهِدةٌ بعزِّه وجلالِه.

 

وشرَفُ المُسلم في إيمانِه بالغَيبِ، ويَقِينِه به، وعلى ذلك مدارُ الإيمان وتحقيقُه، والله وصَفَ عبادَه المُتقين بقوله: (يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [البقرة: 3].

 

وأثنَى على مَن آمَنَ بالغيبِ بقوله: (أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [البقرة: 5].

وفي الإيمانِ بالغيبِ وخشيةِ الله وتعظيمِه وطاعتِه طُمأنينةُ القلبِ، وانشِراحُ الصَّدرِ، وسعادةُ الدنيا والآخرة.

أعوذُ بالله من الشيطان الرجيم: (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [لقمان: 11].

 

باركَ الله لي ولكم في القرآنِ العظيم، ونفَعَني الله وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، أقولُ قولِي هذا، وأستغفرُ الله لي ولكم ولجميعِ المُسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، إنه هو الغفورُ الرحيمُ.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمدُ للهِ على إحسانِه، والشكرُ له على توفيقِهِ وامتِنانِه، وأشهدُ أن لا إله إلا اللهُ وحده لا شريكَ له تعظِيمًا لشأنِه، وأشهدُ أنَّ نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آلهِ وأصحابِه، وسلَّمَ تسليمًا مزيدًا.

 

أيُّها المسلمون: علُوُّ الله على خلقِه مُستقِرٌّ في الفِطَر، شهِدَت به العقولُ وأدلَّةُ الكتاب والسنَّة، وهو مُقتضَى الكمال. قال ابنُ القيِّم – رحمه الله -: “على إثباتِ علُوِّ الله أكثَرُ مِن ألفِ دليلٍ“.

 

وقد استوَى -سبحانه- على عرشِه استِواءً يَلِيقُ بجلالِه وعظَمَته، وهو علُو! خاصٌّ على أعظَم خلقِه، (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى) [طه: 5].

 

قال الأوزاعيُّ – رحمه الله -: “كنَّا والتابعُون مُتوافِرُون نقولُ: إن اللهَ على عرشِه، ونُؤمِنُ بما وردَت به السنَّةُ مِن صِفاتِه – جلَّ وعلا –“.

 

ولمكانَةِ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم-، وعظيمِ رسالتِه أُسرِيَ به مِن مكَّة إلى المسجدِ الأقصَى، ومنه عُرِجَ به إلى السماء السابِعة، وسمِعَ صَريفَ أقلامِ الملائكة الكتَبَة، واختارَ الله المسجِدَ الأقصَى مسرَى لنبيِّه ومنه عُرِجَ؛ إعلامًا بفضلِه وعلُوِّ قَدرِه، فهو مسجِدٌ بنَاهُ الأنبِياء، وهو أولُ القِبلَتَين، وثانِي مسجِدٍ أُسِّس في الأرض بعد المسجِدِ الحرام.

 

وهو أحدُ المساجِدِ الثلاثةِ التي لا تُشدُّ الرِّحالُ إلا إليها، وفيه صلَّى النبيُّ -صلى الله عليه وسلم- إمامًا بالأنبياء والمُرسَلين، وقد بارَكَ الله فيه وفيما حولَه، قال -سبحانه-: (الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) [الإسراء: 1].

وإلى بيتِ المقدسِ وما حولَه يعُودُ الخلقُ وهناك يُحشَرُون.

 

حبُّه في قُلوبِ المُسلمين دِينٌ وإيمانٌ، وتعظيمُه مِن تعظيمِ الله، ومُنذُ أُسِرض مسجِدُ الأنبياء والأحوالُ فيه مُحزِنة، والأخبارُ مُفجِعَة، والمصائِبُ فيه مُوجِعة: عبَثٌ بقواعِدِ بُنيانِه، وإحراقٌ له، ونهيٌ عن ذِكرِ الله وإقامة الصلاةِ فيه، وسَفكُ دماءٍ وأذِيَّةٌ للعابِدِين، وتبديلُ بيتِ الله الآمِنِ إلى موطِنِ خوفٍ ورُعبٍ.

 

والله قادِرٌ على إعادتِه للمُسلمين لعِمارتِه بالعبادة وتعظيمِ شعائِرِه إن هم عادُوا إلى الله، قال -سبحانه-: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ) [محمد: 7].

وجزَى الله وُلاةَ أمرِنا خيرًا على ما يبذُلُونَه في ذلك.

 

ثم اعلَموا أنَّ الله أمرَكم بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّه، فقال في مُحكَمِ التنزيل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)  [الأحزاب: 56].

 

اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على نبيِّنا محمدٍ، وارضَ اللهم عن خُلفائِه الراشِدين، الذين قضَوا بالحقِّ وبه كانُوا يعدِلُون: أبي بكرٍ، وعُمرَ، وعُثمان، وعليٍّ، وعن سائرِ الصحابةِ أجمعين، وعنَّا معهم بجُودِك وكرمِك يا أكرَم الأكرَمين.

 

اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمُسلمين، وأذِلَّ الشركَ والمُشرِكين، ودمِّر أعداءَ الدين، وأصلِح أحوالَ المُسلمين في كل مكانٍ يا قويُّ يا عزيز.

 

اللهم احقِن دماءَهم، واجعَل دِيارَهم دِيارَ أمنٍ وأمانٍ ورخاءٍ يا ذا الجلال والإكرام، ورُدَّهم إليك ردًّا جميلًا.

اللهم وفِّق إمامَنا لهُداك، واجعَل عملَه في رِضاك، ووفِّق جميعَ وُلاة أمورِ المسلمين للعمَلِ بكتابِك وتحكيمِ شرعِك يا رب العالمين.

 

(رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) [البقرة: 201].

اللهم انُر جنودَنا، وثبِّت أقدامَهم، وانصُرهم على العدوِّ يا رب العالمين، واجعَل بلادَنا بلادَ أمنٍ ورخاءٍ واستِقرارٍ يا قويُّ يا عزيز.

 

(رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف: 23].

عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) [النحل: 90]؛ فاذكُروا اللهَ العظيمَ الجليلَ يذكُركم، واشكُرُوه على آلائِه ونِعمِه يزِدكم، ولذِكرُ الله أكبر، والله يعلَمُ ما تصنَعون.

 

 

الملفات المرفقة
هذا خلق الله
عدد التحميل 52
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات