أثر الأحاديث الضعيفة على النفس والتربية

عبدالعزيز بن علي الحربي

2022-10-12 - 1444/03/16
عناصر الخطبة
1/ ذم المبالغة في تخويف العباد إلى درجة القنوط 2/ فهم مغلوط للورع في الإفتاء 3/ سمات المربي والواعظ الصادق 4/ تبصير الدعاة ببعض الأخطاء في الدعوة 5/ ذم تربية الناس على الزجر المبالغ فيه عن المحرمات 6/ أمثلة لأحاديث نبوية موضوعة في الترغيب والترهيب 7/ آثار الأحاديث المكذوبة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

اقتباس

تربية الناس على الزجر من بعض المحرمات بلغ مبلغًا عظيمًا لا يريده الله تعالى ولا رسوله، وذلك كالحديث الذي فيه: "درهم ربا يأكله الرجل أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية"، أستغفر الله العظيم، حديث يرويه كثير من الواعظين، وبعضهم يصححه، وهذا حديث لا نحتاج أن نبحث عن إسناده.. ثم لماذا كان أشد من ست وثلاثين زنية؟! ألا يكفي زنية واحدة أو اثنان أو ثلاث، ولماذا ست وثلاثون؟ ولماذا لم يكن ثلاثون؟! هكذا يحلو لهذا الواعظ أن يضع على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا الحديث، بل هناك من هو أشد من ذلك وأعجب يقول فيه القائل: "الربا بضع وسبعون شعبة أدناها مثل أن ينكح الرجل أمه تحت ستار الكعبة"!!

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًّا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين وتابعيهم وسلم تسليمًا كثيرًا.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]، (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: فإنَّ خير الحديث كتابُ الله، وخير الهدي هديُ محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

 

فيا عباد الله! اتقوا الله ما استطعتم، وأطيعوه فما أسعدكم إن أطعتكم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) [فاطر:5].

 

الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني.

لا تركنَنَّ إلى الدنيا وما فيها *** فالموت لا شك يُفنينا ويُفنيها

واعمل لدار غدٍ رضوانُ خازنها *** والجار أحمد والرحمن ناشيها

قصورها ذهب والمسك طينتها *** والزعفران حشيشٌ نابتٌ فيها

 

يظن كثير من الناس ظنًّا وإن الظن لا يغني من الحق شيئًا، يظنون أن تربية الناس على تعظيم الصغائر وعلى المبالغات في التخويف إلى درجة التقنيط من رحمة الله تعالى يظنون أن ذلك منهج سوي، وما هو بسوي، ويظن بعض الناس أن تحريم الحلال أولى من تحريم الحرام، وهذا ليس بصحيح وذلك ليس بصحيح.

 

يقول المولى سبحانه وتعالى: (وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلاَلٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُواْ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ) [النحل:116].

 

قال ابن وهب قال مالك: "كانوا يقولون إياكم وكذا، وإياكم وكذا، ولم يكونوا يقولون: هذا حلال وهذا حرام، إلا إذا جاء في كتاب الله -سبحانه وتعالى-، وفي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نصًّا صريحًا"، فكانوا يتورعون عن ذلك.

 

ويظن بعض الناس أن الورع أن يحرِّم الإنسان بعض الحلال أو يحرِّم المشتبهات أو يقول عن الصغائر أنها كبائر أو يقول عن الكبائر أنها كذا وكذا، من آثار الغضب الإلهي، ومعاذ الله أن نغضب أكثر من غضب الله، والمربي الناجح والواعظ الناجح هو الذي لا يؤمن الناس من مكر الله، ولا يقنطهم من رحمة الله.

 

إن لكثير من الكلمات والأمثال والأقوال والآثار أثرًا في النفس وأثرًا في التربية لاسيما إذا كانت تلك الأقوال منسوبة إلى الشرع، وأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو الذي قالها وأنها من الإسلام لها آثار على النفس تتشكل بعد ذلك في نفس ذلك الصغير أو في نفس ذلك الكبير تتشكل على ألوان مختلفة، إما أن تورثه عقدًا نفسية وإما أن تورثه شذوذًا في نفسه أو في فكره أو عقله، وإما أن تورثه توحدًا أو وسواسًا خبالاً.

 

ومن الناس من سمع أمورًا مشوهة عن الإسلام، فارتد عن دين الله، وهنالك اليوم قنوات للإلحاد يطعنون في الدين من خلال ما يقوله بعض الواعظين كذبًا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا يتأثر بذلك ولا يرتد عن دينه إلا من كان في قلبه شك، وكان في حيرة من أمره من قبل. أما من كان ثابتًا وكان راسخًا في دينه وعقيدته؛ فإن تلك الأشياء لا تورده الإلحاد ولكن قد تورثه جانبًا آخر في فهم الدين.

 

وأريد أن أضرب لكم أمثلة على ذلك من الأحاديث التي يقولها بعد الواعظين وسمعتها غير مرة من على منبر الجمعة، ولعل كثيرًا منكم سمع بعضها أو كثيرًا منها.

 

هنالك حديث ينسب إلى رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول فيه الواضع "من أصبح وهمه غير الله فليس من الله في شيء" يحلو لكثير من الواعظين أن يوجه الناس بمثل هذه الأخبار الواهيات وغفل أن الناس بشر، وأن هذا ليس في استطاعة الإنسان؛ فإن الإنسان قد يصبح وهمه أو قلبه مشغول بأمر من أمور دنياه، أو بأمر من أمور حياته أو خوفه على نفسه، أو لأي أمر من الأمور الكثيرة، فالناس بشر وليسوا ملائكة، كيف يمكن أن يكون هذا الكلام صحيحًا وأن الذي يصبح وليس همّه إلا الله حين يصبح إذا كان همه شيئًا آخر غير الله فليس من الله في شيء.. أي هو مطرود من رحمة الله؛ فالله لا يتولاه برحمته ولا برعايته ولا بشيء من ذلك.

 

وهكذا تربية الناس على الزجر من بعض المحرمات التي هي محرمات، ولكن الزجر فيها بلغ مبلغًا عظيمًا لا يريده الله تعالى ولا رسوله، وذلك كالحديث الذي فيه "درهم ربا يأكله الرجل أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية"، أستغفر الله العظيم، حديث يرويه كثير من الواعظين، وبعضهم يصححه، وهذا حديث لا نحتاج أن نبحث عن إسناده كيف يكون درهم واحد من الربا، والربا حرام ومن الكبائر ولا شك، ولكن كيف يكون الدرهم الواحد أشد عند الله تعالى من ستة وثلاثين زانية أيريدون أن يستهينوا بالزنا؟

 

ثم لماذا كان أشد من ست وثلاثين زنية؟! ألا يكفي زنية واحدة أو اثنان أو ثلاث، ولماذا ست وثلاثون؟ ولماذا لم يكن ثلاثون؟!

 

هكذا يحلو لهذا الواعظ أن يضع على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذا الحديث، بل هناك من هو أشد من ذلك وأعجب يقول فيه القائل: "الربا بضع وسبعون شعبة أدناها مثل أن ينكح الرجل أمه تحت ستار الكعبة"!!

 

ما هذا؟! استهانة بالزنا، واستهانة بالمحارم، واستهانة بالكعبة، هذا أدناها فكيف بأعلاها! لا يستطيع الإنسان أن يتصور الذنب الذي يقابل الشعبة السبعين أو ما فوق السبعين ما ندري ما يقول هذا الكاذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

واسمع لآخر الحديث لأن الحديث لم يكتمل "وإن أربى الربا أن يستطيل الرجل على عرض أخيه المسلم" أي هذا هو أربى الربا أكبر من البضع والسبعين شعبة أن يستطيل الرجل على عرض أخيه المسلم، فهو أكبر بكثير من أن ينكح الرجل أمه تحت ستار الكعبة!

 

ومن يسلم من هذا؟! ومن يسلم من الكلام عن أخيه المسلم؟! من يسلم الآن من الغيبة؟!

 نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يتوب علينا.

 

وهذا يشبه حديثًا آخر يقول أيضًا بعض المربين على سبيل زجر الشباب وزجر الشباب يحتاج إلى توجيه حكيم، وإلى بيان إلى لما يزجر عنه المربي وتفصيل يبين فيه تفصيل أضرار ذلك الشيء، ويبين فيه حكمة النهي عنه، ويقول إياك كذا وكذا، إياك وأن تفعل كذا هذا الحديث يقول فيه القائل: "ناكح يديه كناكح أمه في حجر الكعبة"، كله استهانة بكعبة الله تعالى وبيته المعظم كالذين استهانوا بهذا البيت المعظم، فأطلقوا عليه صاروخًا وأردوا هدمه، هدم الله تعالى قلوبهم وعقولهم.

 

يا معشر الإخوة: إننا نحتاج إلى أن نتفقه في ديننا، وأن نفهمه حق الفهم حتى في موضوع الطلاق فيما يقال عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "أبغض الحلال عند الله الطلاق"، فالحلال كله حلال، وليس هنالك شيء بغيض من الحلال والطلاق؛ كهدم البيت أحيانا يكون هدم البيت واجبًا لأمر من الأمور، وأحيانًا فاضلاً مستحبًّا، وأحيانًا يكون ممنوعًا وحرامًا، نوع من الخبال أن يهدم الإنسان بيته وأن ينقض غزله.

 

وكذلك الحديث الذي هو أبلغ من هذا "تزوجوا ولا تطلقوا فإن الطلاق يهتز له العرش"، إذًا العرش في كل وقت يهتز؛ لأنه لا تخلو لحظة من طلاق، هذا كذب على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال بعض العلماء: احكم بوضع خبر إن ينجلي قد باين المعقول أو منقولا *** خالفه أو ناقض الأصولا

 

الأحاديث التي تخالف المعقولات والمنقولات حكمها حكم من قرأ قول الله تعالى فخر عليهم السقف من تحتهم لا عقل ولا نقل، الله قال (فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِن فَوْقِهِمْ) والسقف لا يخر تحت، وإنما يخر من علو، فلا يجوز لنا أيها الأخوة أن نغتال عقولنا وعقول أبنائنا وشبابنا بمثل هذه التربية التي نظن أنها تنفعهم وهي في الحقيقة تضرهم.

 

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقنا جميعًا إلى ما يحبه ويرضاه إنه سميع الدعاء، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إله الأولين والآخرين، وأشهد أن نبينا محمدًا عبدُ الله ورسوله أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وكفى بالله شهيدًا، صلى الله عليه وعلى آله السادة الغرر ما اتصلت عين بنظر وسمعت أذن بخبر.

 

يا معشر الإخوة: ما مضى من الأحاديث كان في نوع من التحذير وهنالك أحاديث في الترغيب وضعها من وضعها ظنًّا منه أن الناس تنفعهم هذه الأشياء، وهي في الحقيقة تضرهم وما اشتغل الناس في بدعة أو بشيء من الأشياء التي لم يقولها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا وكان في ذلك انصراف عن النصوص الصحيحة الصريحة في كتاب الله وفي سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

 وقد وضع أناس أحاديث على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأغراض متعددة، منهم من كان قصده إفساد الدين، ومنهم من أراد أن ينصر رأيه، ومنهم من أراد أن يضع الأحاديث للحكام في عصره من أجل أن يوافق هواهم ومن أرادها ترغيبًا أو ترهيبًا.

 

والواضعون بعضهم ليفسدا *** ديناً وبعض نصر رأي قصدا

كذا تكسباً وبعض قد روى *** للأمراء ما يوافق الهوى

وشرهم جماعة قد وضعوا *** محتسبين الأجر فيما يدعوا

فقبلت منهم ركوناً لهم *** حتى أبانها الأولى همُ همُ

كالواضعين في فضائل السور *** فمن رواها في كتابه فذر

 

هنالك حديث يقول فيه الواضع "تفكُّر ساعة خير من عبادة ستين سنة"، سهلت العبادات اختصر عليك الحياة كلها في ساعة! كل العبادات في ساعة، فكر ساعة أي تفكر في الله أو الكون خير من عبادة ستين سنة! ضيعتم أعماركم في الصلوات والعبادات وتركتم هذه الساعة!

 

وهنالك بعض الأحاديث التي تختلف على الإنسان وينفصم عنده الرأي وينشق إلى جهتين أو الناس يختلفون في ذلك على حسب استقبالهم في تلك الأحاديث كحديث "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد"، فهذا قد يحمل ذلك الإنسان النشيط الحريص على العبادة وعلى الطاعة أن يحافظ على الصلوات في المسجد، ولكنه قد يحمل ذلك الضعيف الذي لم يبلغ مبلغ الثبات والرسوخ إلى أنه يترك الصلاة بالمرة ولا يصلي؛ لأن الصلاة في البيت في المكان الذي هو جار للمسجد لا تصح فلِمَ يصلي! فلا يصلي بالمرة، هذا من آثار الأحاديث المكذوبة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يرزقنا إتباع نبيه -صلى الله عليه وسلم- والتأسي به في كل شيء، فمن أراد حكمة الدنيا والآخرة والسعادة فيهما فعليه باتباع رسول الله عليه وسلم، وليفهم أن هذا الدين يسر وليس بعسر، وأنه لن يشاد الدين أحد إلا غلبه.

 

اللهم آت نفوسنا تقواها، وزكها أنت خير من زكاها، أنت وليها ومولاها.

 

 

 

المرفقات

الأحاديث الضعيفة على النفس والتربية

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات