طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    الرئيس الشيشاني: السعودية دافعت عن صورة الإسلام في العالم    ||    السعودية: مليار دولار للعراق و3 قنصليات جديدة    ||    العثور على مدينة 'مفقودة' في العراق    ||    عبد العزيز بوتفليقة يطلب السماح والصفح من الشعب الجزائري    ||    كيف تورط الحوثيين في نشر الكوليرا في اليمن .. تقرير    ||    الرجولة    ||    الإفادة في منافع الكتابة!!    ||    في صحبة الغرباء    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

12200

من دروس الهجرة

المكان : الجزائر / الجزائر / مساجد العاصمة /
التصنيف الرئيسي : شخصيات مؤثرة التربية
تاريخ النشر : 1438/01/05
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ أهمية الاقتداء والاعتبار بمواقف المهاجرين في هجرتهم 2/ نموذجان من نماذج الهجرة وما فيها من العبر 3/ التضحية والأثرة وأثرهما على هذا الدين
اقتباس

ولأنّ هذه الأيام توافق ذكرى الهجرة النبوية، فإنّ من امتثال أمر الله تعالى أن نسترجع هذا الحدث التاريخي الخالد بعبره وفوائده؛ لأنّ تلك الهجرة غيّرت مجرى التاريخ، ووضعت أساسات بناء الأمة، وشيّدت أعمدة الدولة، وأبرزت صورة الإنسان المؤمن، المكلف بعمارة الأرض ورعايتها في أبهى صورة، وأرقى نموذج ..

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله مصرّف الليل والنهار، ناصر المستضعفين وولي الأخيار، وقاصم الجبابرة وخاذل الأشرار، ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له (خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالفَخَّارِ) [الرَّحمن:14]، وأصلي وأسلم على النبيّ المختار، خير من أقام وسافر، وجاهد وهاجر، المرفوع ذكره ما تعاقب الليل والنّهار، وعلى آله الطيبين الأطهار، وصحابته الأبرار، من المهاجرين والأنصار، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

 

أما بعد: فاتقوا الله وأطيعوه، وابذلوا في سبيل مرضاته كل ثمين ونفيس، واشتروا الباقية بالفانية، واقتدوا بما عنهم رضي وأوصى: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآَخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) [الأحزاب:21].

 

أيّها النّاس: إنّ في تصريف الشهور والدهور آيات عجيبة، وعظات كثيرة؛ ولذلك أمر الله تعالى في كتابه الكريم بالنظر في تاريخ الأمم السابقة، وتأمّل حياتها ونهايتها، والبحث عن أسباب هلاكها وخسرانها، وأخذ العبرة والعظة منها، فالحياة متصلة مستمرة، يؤثر بعضها في بعض، وسنن الله في التاريخ واحدة، لا تتبدل ولا تتغير.

 

وكما أرشد الأمّة إلى الاعتبار بمصارع الأمم الماضية، فقد حثّها على الاقتداء بسلف الأمّة من الصحابة والتابعين، من المهاجرين والأنصار: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة:100]، والاقتداء بهم باب يفتح النّفوس والعقول على أسباب النصر والتمكين لهذا الدين، فقد جسّد الصحابة رضوان الله عليهم بتضحياتهم والتزامهم الإسلام المنشود، وحملوا الدعوة في أحلك الأوقات، وتعرضوا في سبيلها إلى المشاق والمهالك، فنالوا المحامد والرضوان، وعلا شأنهم في كل الأزمان؛ ولم ينكر فضلهم إلا كافر أو منافق أو رافضي لعّان.

 

ولأنّ هذه الأيام توافق ذكرى الهجرة النبوية، فإنّ من امتثال أمر الله تعالى أن نسترجع هذا الحدث التاريخي الخالد بعبره وفوائده؛ لأنّ تلك الهجرة غيّرت مجرى التاريخ، ووضعت أساسات بناء الأمة، وشيّدت أعمدة الدولة، وأبرزت صورة الإنسان المؤمن، المكلف بعمارة الأرض ورعايتها في أبهى صورة، وأرقى نموذج.

 

عباد الله: إن دروس الهجرة كثيرة، والإحاطة بها تحتاج إلى دروس ومحاضرات وملتقيات، إلّا أن أبرز دروسها: تلك التضحيات العظيمة التي قدمها الصحابة الكرام؛ في سبيل نصرة هذا الدين، والتمكين له، وحمايته من الأعداء، فقد عرفت الهجرة نماذج مشرفة مشرقة؛ تستحق الوقوف عندها، لتكون منطلق استئناف مسيرة حياتنا الإسلامية الراشدة، وإعادة الاعتبار لقيم البذل والتضحية في حياتنا.

 

النموذج الأوّل: أيّها النّاس: لم تكن الهجرة حكرا على الرجال فحسب، بل شاركت النساء فيها، رغم ضعفهن، وشدة الأخطار المحدقة بهن، وشارك فيها حتّى أطفال المسلمين، ولم تكن محصورة في الأفراد، بل هاجرت أسر بأكملها، ومنها: أسرة آل أبي سلمة، وقد هاجرت هذه الأسرة المباركة إلى الحبشة، ثم رجعت إلى مكة، فلما جاء الإذن بالهجرة، تعرّضت أسرة آل أبي سلمة لمأساة كبيرة ترويها أُمّنا أم سلمة -رضي الله عنها- بنفسها، فتقول: "لمّا أجمع أبو سلمة الخروج إلى المدينة رجل لي بعيره، ثم حملني عليه وحمل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثم خرج بي يقود بي بعيره، فلمّا رأته رجال بني المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غَلَبْتنا عليها، أرأيت صاحبتك -زوجتك- هذه، علامَ نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خِطام البعير من يده فأخذوني منه. قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد، رَهْطُ أبي سلمة، فقالوا: لا والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا. قالت: فتجاذبوا بُنيَّ سلمة بينهم حتّى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو عبد المغيرة عندهم، وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة. قالت: ففُرّق بيني وبين زوجي وبين ابني. قالت: فكنت أخرج كل غداة فأجلس بالأبطح، فما أزال أبكي حتّى أَمسى سنةً أو قريبا منها حتّى مرّ بي رجل من بني عمّي، أحد بني المغيرة فرأى ما بي فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تُخرجون هذه المسكينة؟ فرّقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها؟!

 

قالت: فقالوا لي: الحقي بزوجك إن شئت. قالت: وردّ بنو عبد الأسد إلي عند ذلك ابني. قالت: فارتحلت بعيري ثم أخذت ابني فوضعته في حجري ثم خرجت أُريد زوجي بالمدينة. قالت: وما معي أحد من خلق الله. قالت: فقُلت أَتَبَلَّغُ بمن لقيت حتى أقدمَ على زوجي، حتّى إذا كنت بالتنعيم، لقيت عثمان بن أبي طلحة أخا بني عبد الدّار. فقال لي: إلى أين يا بنت أبي أميّة؟ قالت: فقلت: أريد زوجي بالمدينة. قال: أوما معك أحد؟ قالت: فقلتُ: لا والله إلّا الله وبُنيَّ هذا. قال: والله ما لك من مترك. فأخذ بخِطام البعير فانطلق معي يهوي بي، فوالله ما صحبت رجلاً من العرب قطُّ، أرى أنّه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي، ثم استأخر عنّي، حتّى إذا نزلتُ استأخر ببعيري، فحطّ عنه ثم قيّده في الشجرة، ثم تنحى وقال: اركبي، فإذا ركبت واستويت على بعيري أتى فأخذه بخطامه فقاده حتّى ينزل بي. فلم يزل يصنع ذلك بي حتّى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمروِ بن عوف بقباء قال: زوجك في هذه القرية -وكان أبو سلمة بها نازلاً فادخُليها على بركة الله. ثم انصرف راجعا إلى مكة. قال فكانت تقول: والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة. وما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة".

 

فانظروا -عباد الله- إلى عظيم بذل الصحابة رضوان الله عليهم؛ لنصرة هذا الدين، وإرضاءً لرب العالمين، فقد تعرضت أسرة أبي سلمة رضي الله عنهم للاضطهاد والقهر، ونالها من الشدة الكثير الكثير، لكنها ثبتت على الاسلام، ولم تتخل عن الهجرة، فقد استمر أبو سلمة في هجرته محتسبا صابراً، وموقنا أن الله لن يضيّع أهله، مادامت تجارته مع الله (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ? ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [يونس:62].

 

وحُبست أم سلمة -رضي الله عنها- حوالي سنة، وأصيب ابنهما في يده، وفُرق بينها وبين زوجها، وحُرمت من ابنها الذي تركته مصابا كسيراً، وظلمها أهلها وأقاربها، فلم يردها ذلك عن دينها، ولم يَضعُف موقفها، فما الذي صنع من هذه الضعيفة جبلا لا يهتز أمام ريح المحن والتعذيب؟ إنّه الايمان إذ يتمكن من القلوب، وإنها الصلة بالله إذ تتوثق، إنه اليقين الذي إذا سكن القلوب جعل الإنسان أقوى من كل المغريات والمحن والمصائب، الايمان الصادق إذ رسخ في القلب لم يعرف المستحيل، ولم تُقعده العقبات، وقد تجسد ذلك كلّه في أسرة أم سلمة وزوجها رضي الله عنهم .. حتّى استحقت أن تكون مثلاً أعلى لكل أسرة مسلمة، فلتكن -أخي المسلم وأخي الزوج- كأبي سلمة رضي الله عنه، في ثباته على دينه، وعزمه على تحقيق أمر ربه، وصبره على الأذى في سبيله، ولتكن أم سلمة -رضي الله عنها- قدوةً لكل مسلمة، فهي مثال حيّ عن المرأة الصادقة، العالية الهمّة، التي لا يردها شيء عن نصرة دينها، حتّى لو كان فقدان زوجها أو فلذة كبدها.

 

أختي المسلمة: إنّ الهجمة على الإسلام هذه الأيام لا تستثني أحدا، غير أن أعداءه يركزون على المرأة أكثر من غيرها؛ لأنّهم يعلمون أن أشد وسيلة لهدم المجتمعات المسلمة أن يضعفوا صلة المرأة بربها ودينها، فبضعفها فتضعف الأسرة، وتضيع الأجيال؛ ولهذا يبذلون كل طاقاتهم لسلخ المسلمة عن دينها، تحت مسميّات كثيرة، فتارة باسم التحضر، وتارة باسم التقدم، وتارة باسم حقوق المرأة وحريّتها، وتارة باسم المدنية والحداثة، حتّى تضحي بدينك، فلا تكوني ممن يبعن آخرتهن بعرض من الدنيا قليل، حتّى لا تؤتى الأمّة من قبلك، ولتكن أم سلمة -رضي الله عنها- قدوة لك إذا حاولوا ثنيك عن الالتزام بدينك والعمل له، لتكوني خير خلف لخير سلف، وحصنا للإسلام والمسلمين.

 

إن هذه النماذج المشرّفة والخالدة هي التي يجب أن يقتدي بها المسلمون في مختلف شؤون حياتهم، فتُدرج قصصهم في كتب التعليم، وتذاع في الإعلام والصحف، وتُعقد لها المجالس والمحاضرات، حتّى يرسخ الاقتداء بها، وتستحضر النّفوس القيم التي تربت وعاشت وماتت عليها، خاصّة أننا في زمنِ يعرف فيه سلم القيم انقلابا رهيبا داخل مجتمعاتنا المسلمة، لصالح سلم قيم مادي دنيوي شهواتي، جعل أهل الايمان والصلاح مغيبين، وجعل أهل المجنون والخلاعة واللهو قدوات مُقدمة، ونماذج منصوح بها.

 

نسأل الله تعالى أن يرفع أهل الصلاح في هذه الأمة، وأن يبعد عنها أهل الشقاوة والفساد، وأن يزيل فتنتهم عن المسلمين؛ إنه سميع مجيب.

 

وأقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين، والصّلاة والسّلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين

 

أما بعد: فاتقوا الله تعالى وأطيعوه، (وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ) [البقرة:281].

 

أمّا النموذج الثاني -يا عباد الله- فهو نموذج من الطراز الرفيع، وصورةٌ مشرقةٌ احتفى بها القرآن الكريم، وأنزل في حقها آيات تتلى إلى يوم الدين .. يتحدث هذا النموذج عن رجل باع الدنيا ليشتري الآخرة، عن صحابي جليل ضحى بالغالي والنّفيس؛ ليرضي ربه وينصر دينه .. عن صهيب الرومي -رضي الله عنه- سابق الروم إلى الإسلام، وأحد أثرياء مكة قبل البعثة ووجهائها.

 

وقصة صهيب عجيبة في الجاهلية وفي الإسلام، فقد وُلد في أسرة حُكم وأمارة، إذ كان والده أميراً على الأبلة في عهد كسرى، وكان له قصر كبير على شاطئ الفرات .. ثم أُسر وبيع في سوق النِّخاسة، واستقر به الحال بمكة، ثم أعتقه مولاه عبد الله بن جدعان لخصاله الحميدة، وذكائه الشديد، وصار شريكا له في تجارته، حتّى  أضحى من أغنياء مكة، فلما جاء الإسلام أسلم وثبت، وحين جاء الأمر بالهجرة إلى المدينة، استعدّ لها وهيّأ نفسه، فقد كان يفترض أن يكون ثالث الرسول عليه الصلاة والسلام وأبي بكر رضي الله عنه، لكنه تخلّف عنهما بعد أن ضيّق عليه مشركو مكّة، إلى أن أفلت منهم، فلمّا كان بالبيداء أدركه كفار قريش؛ ليمنعوه عن بُغيته، فتوعدهم بالرمي -وكان قناصا ماهرا- إن تقدموا، ثم خيّرهم بين تركه يهاجر على أن يعطيهم كل ما يملك، فقال المشركون: "أتيتنا صعلوكا فقيراً، فكثُر مالك عندنا وبلغت بيننا ما بلَغت، والآن تنطلق بنفسك ومالك؟ فدلّهم على ماله وانطلق إلى المدينة " وتلقاه عليه الصلاة والسلام وهو يبارك له صفقته الرابحة مع الله قائلا: "ربح البيع أبا يحيى .. ربح البيع أبا يحيى" وفيه نزل قول الحق تبارك وتعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) [البقرة:207].

 

أيها المؤمنون: إن المال من أحب الأشياء إلى النّفوس، وفقدانه من أشد ما تلقاه القلوب؛ فقد فُطر الناس على حبه والتعلّق به (وَتُحِبُّونَ الْمَال حُبًّا جَمًّا) [الفجر:20] غير أن هجرة صهيب الرومي -رضي الله عنه- بتلك الصورة المشرقة؛ أثبتت أن المال لا يساوي شيئا عند المؤمن، إذا صار عقبة في طريقه إلى الله، فلا شيء أغلى عند المؤمن من نيل رضى ربه، ورفع راية التوحيد، وإعلاء شرعه، وذلك شأن أهل الايمان .. الايمان الذي يربي في المسلم الهمّة العالية، ويجعل الماديات أحقر من أن توقفه عن مسيرة الهدى، فهو يوقن أنها من متاع الدنيا، وأن متاعها إلى زوال.

 

أيها الشاب الذي أشغله الترف عن دينه وواجباته نحو ربه وأمته، أيها الغني الغافل عن البذل للإسلام والمسلمين: ليتك تجعل صهيبا الرومي قدوتك في حياتك وأمورك، فقد ضحّى -رضي الله عنه- بكل ما يملك؛ في سبيل أن يحيا مسلما، وفي سبيل أن يهاجر إلى الأرض التي يكون فيها حرا موصولا بربه، وفي سبيل أن يكون للإسلام أرضه ودولته وشوكته، لم يثنه المال عن مقصده، ولا تهديد عن تحقيق هدفه، وكان كبيرا أمام ما حقه الفناء والزوال، فلا يكن الترف والثراء شاغلاً لك عن خدمة قضايا المسلمين، وبذل الغالي والنّفيس في سبيل نصرة دينك، ولتكن كبيرا بمواقفك وصفقاتك مع الله تعالى؛ اقتداءً بخير الخلق بعد الأنبياء عليه السلام، فإن أدركت تقصيرك فاستدرك ما فاتك من خير وعطاء، فما أحوج الأمّة إلى من يقدم ماله لرعاية الفقراء والأيتام، وبناء المدارس والمستشفيات، وكفالة الدعاة، والتخفيف عن المنكوبين، ومساعدة المرضى، والاهتمام بالعاجزين، وقد جعل الله من صفات المؤمنين البذل والإنفاق، وإطعام الطعام، وهما من أعظم أسباب دخول الجنّة، يقول تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبَّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا) [الإنسان:8].

 

عباد الله: إن التضحية قيمة عظيمة في حياة المسلمين؛ فبها يحفظ الدين، ويعلو شأن المسلمين، وقد كانت التضحية أبرز صفة تحلى بها المهاجرون، فنالوا بها العز والتمكين، ودانت لهم الأرض بعد حين؛ لهذا كانت معيارا هامّا وفائدة جليلة حملها درس الهجرة.

 

فإن ضعفت همم المسلمين عن العطاء والبذل تسلل العجز إلى قلوبهم، وضعفت الحمية لنصرة أرضهم ودينهم، وتمكن الأعداء من ديارهم، ولقد أثبت التاريخ أن الإسلام يضعف بالبخل والأنانية، والبحث عن المصالح الدنيوية، والتلبس بالهمم السخيفة، والجري وراء الأعمال الحقيرة، وثبت أيضا أن الإسلام يقف وينتصر بأهل البذل والعطاء، فلم تنجح الهجرة، ولم ينتشر ويسود الإسلام العالم إلا بما بذله السابقون من تضحيات عظيمة، قدموا فيها أرواحهم وأموالهم وأولادهم. نُصرة لراية الايمان والتوحيد، ونشرا لدين الرحمة والعدل في العالمين.

 

وصلوا وسلموا على نبيكم.

 

 

———–

ملحوظة: قصة أم سلمة -رضي الله عنها- ( انظر ابن هشام: السيرة النبوية 469/1، والذهبي تاريخ الإسلام: 312/1، وابن كثير: البداية والنهاية 28/3، والحديث صحيح، انظر صحيح السيرة النبوية: إبراهيم العلي)

 

 

 

الملفات المرفقة
دروس الهجرة1
عدد التحميل 103
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات