طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خادم الحرمين يؤكد الحرص على توطيد العلاقة مع العراق    ||    اليمن.. انطلاق مهمة "القبضة الحديدية" في حضرموت    ||    ليبيا.. تراجع حاد بأعداد المهاجرين في مركز تهريب البشر    ||    ميليشيات الحوثي تداهم المنازل بصنعاء وتختطف 40 فتاة    ||    مشاعر محبوسة    ||    انطواء طفلك.. بيدك أنت!    ||    مخالفات قولية عند نزول المطر    ||    الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة الغلو والتطرف    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

12185

الصحابة بين أهل السنة والرافضة

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / حي الغدير / جامع الشيخ ابن باز /
تاريخ النشر : 1437/11/20
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ فضل الصحابة 2/ محبة النبي الكريم لهم 3/ نهيه عن سبهم 4/ حقوقهم علينا 5/ موقف الرافضة من الصحابة 6/ تفنيد دعوى أنهم لا يسبون الصحابة
اقتباس

إن معرفة قدر الصحابة وما لهم من شريف المنزلة وعظيم المرتبة من أولى المهمات المتعلقة بصلاح العقيدة واستقامة الدين؛ ولذا كان علماء الإسلام يؤكدون في كتب العقائد على مكانة الصحابة في الأمة، ويذكرون في ذلك فضلهم وفضائلهم وأثرهم وآثارهم، مع الدفاع عن أعراضهم وحماية حياضهم؛ إذ الدفاع عنهم دفاع عن رسول الله، فهم بطانته وخاصته، ودفاع أيضا عن الإسلام، فهم حملته ونقلته.

الخطبة الأولى:

 

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَّهَ -عِبَادَ اللَّهِ- حَقَّ التَّقْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ تَقْوَى اللَّهِ خَيْرُ زَادٍ يُدَّخَرُ، وَأَرْجَى ثَوَابِ عَمَلٍ يُنْتَظَرُ، (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) [الْبَقَرَةِ: 197].

 

مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ: إِنَّهُمْ خَيْرُ جِيلٍ عَرَفَتْهُ الْبَشَرِيَّةُ، إِنَّهُمُ الرِّجَالُ الَّذِينَ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا، إِنَّهُمُ السَّابِقُونَ الَّذِينَ تَمَثَّلُوا هَذَا الدِّينَ فِي أَكْمَلِ صُورَةٍ، وَطَبَّقُوا هِدَايَتَهُ عَلَى نَحْوٍ لَا يَتَكَرَّرُ أَبَدًا، إِنَّهُمْ صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ، مَصَابِيحُ الدُّجَى، وَشُمُوسُ الْهُدَى، سَادَةُ الْأُمَّةِ وَعُنْوَانُ مَجْدِهَا، هُمْ قُدْوَةُ الْمُؤْمِنِينَ وَخَيْرُ عِبَادِ اللَّهِ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ، أَغْزَرُ النَّاسِ عِلْمًا، وَأَدَقُّهُمْ فَهْمًا، وَأَصْدَقُهُمْ إِيمَانًا، وَأَحْسَنُهُمْ عَمَلًا، بِدِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَصَلَ الْإِسْلَامُ إِلَى أَطْرَافِ الْأَرْضِ، وَبِجِهَادِهِمْ وَتَضْحِيَاتِهِمْ قَامَ صَرْحُ الدِّينِ، وَانْهَدَمَ شِرْكُ الْمُشْرِكِينَ.

 

كَانُوا فِي الْحَيَاةِ أَوْلِيَاءَ، وَبَعْدَ الْمَمَاتِ أَحْيَاءً، رَحَلُوا إِلَى الْآخِرَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِلُوا إِلَيْهَا، وَخَرَجُوا مِنَ الدُّنْيَا وَهُمْ بَعْدُ فِيهَا.

 

آمَنُوا بِالنَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حِينَ كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، وَدَافَعُوا عَنْهُ حِينَ آذَاهُ النَّاسُ، وَآوَوْهُ حِينَ طُرِدَ مِنْ وَطَنِهِ.

 

قَوْمٌ اخْتَصَّهُمُ اللَّهُ بِصُحْبَةِ خَلِيلِهِ وَحَبِيبِهِ، وَاصْطَفَاهُمْ رَبُّهُمْ بِتَبْلِيغِ رِسَالَةِ نَبِيِّهِ، أَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ، (فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) [آلِ عِمْرَانَ: 146].

 

نَقَلُوا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ، وَهَدَوُا الْعِبَادَ إِلَى السُّنَّةِ، فَكَانُوا بِذَلِكَ أَهْلًا لِرِضْوَانِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَجَنَّتِهِ، كَانُوا بِذَلِكَ طَلِيعَةَ خَيْرِ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ.

 

إِنَّهُمْ –بِحَقٍّ- جِيلٌ فَرِيدٌ فِي إِيمَانِهِ وَجِهَادِهِ وَعِلْمِهِ وَعَمَلِهِ وَصِدْقِهِ وَإِخْلَاصِهِ، يَعْجِزُ اللِّسَانُ عَنْ ذِكْرِ مَآثِرِهِمْ، وَيَكِلُّ الْقَلَمُ فِي تَعْدَادِ فَضَائِلِهِمْ.

 

إِخْوَةَ الْإِيمَانِ: إِنَّ مَعْرِفَةَ قَدْرِ الصَّحَابَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ شَرِيفِ الْمَنْزِلَةِ وَعَظِيمِ الْمَرْتَبَةِ مِنْ أُولَى الْمُهِمَّاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِصَلَاحِ الْعَقِيدَةِ وَاسْتِقَامَةِ الدِّينِ؛ وَلِذَا كَانَ عُلَمَاءُ الْإِسْلَامِ يُؤَكِّدُونَ فِي كُتُبِ الْعَقَائِدِ عَلَى مَكَانَةِ الصَّحَابَةِ فِي الْأُمَّةِ، وَيَذْكُرُونَ فِي ذَلِكَ فَضْلَهُمْ وَفَضَائِلَهُمْ وَأَثَرَهُمْ وَآثَارَهُمْ، مَعَ الدِّفَاعِ عَنْ أَعْرَاضِهِمْ وَحِمَايَةِ حِيَاضِهِمْ؛ إِذِ الدِّفَاعُ عَنْهُمْ دِفَاعٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ، فَهُمْ بِطَانَتُهُ وَخَاصَّتُهُ، وَدِفَاعٌ أَيْضًا عَنِ الْإِسْلَامِ، فَهُمْ حَمَلَتُهُ وَنَقَلَتُهُ.

 

قَالَ الطَّحَاوِيُّ -رَحِمَهُ اللَّهُ- فِي عَقِيدَتِهِ: “وَنُحِبُّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَا نُفْرِطُ فِي حُبِّ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَلَا نَتَبَرَّأُ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَنُبْغِضُ مَنْ يُبْغِضُهُمْ وَبِغَيْرِ الْحَقِّ يَذْكُرُهُمْ، وَلَا نَذْكُرُهُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ، وَحُبُّهُمْ دِينٌ وَإِيمَانٌ وَإِحْسَانٌ، وَبُغْضُهُمْ كُفْرٌ وَنِفَاقٌ وَطُغْيَانٌ”.

 

صَحَابَةُ رَسُولِ اللَّهِ تَسَوَّرُوا الْعِزَّ وَالشَّرَفَ، وَتَبَوَّؤُوا الْفَخْرَ وَالسَّنَا يَوْمَ أَنْ زَكَّاهُمْ رَبُّهُمُ الَّذِي يَعْلَمُ مَا خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، تَقَلَّدُوا مِنْ رَبِّهِمْ ثَنَاءً عَاطِرًا، وَوِسَامًا خَالِدًا، (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) [فُصِّلَتْ: 42].

 

شَهِدَ لَهُمْ رَبُّهُمْ -وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا- أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ حَقًّا: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) [الْأَنْفَالِ: 74].

 

كَمَا شَهِدَ لَهُمْ رَبُّهُمْ بِصَلَاحِ سَرَائِرِهِمْ، وَاسْتِقَامَةِ ضَمَائِرِهِمْ، فَرَضِيَ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ: (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا) [الْفَتْحِ: 18].

 

بَلْ إِنَّ شَرَفَهُمْ وَفَضْلَهُمْ قَدْ سُطِّرَ قَبْلَ مَبْعَثِ مُحَمَّدٍ، وَصَفَهُمْ رَبُّهُمْ بِأَكْمَلِ الصِّفَاتِ وَأَجْمَلِ السِّمَاتِ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) [الْفَتْحِ: 29].

 

هُمْ أَنْصَارُ خَيْرِ الْبَشَرِ وَخَاتَمِ الرُّسُلِ (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ) [الْأَنْفَالِ: 62]. وَفَازُوا بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ) [التَّوْبَةِ: 117].

 

إِخْوَةَ الْإِيمَانِ: لَمْ تَشْهَدِ الْبَشَرِيَّةُ أَبَدًا أَنْ تَآلَفَ قَوْمٌ فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَسَبٍ وَلَا مُصَاهَرَةٍ وَلَا مُرَابَطَةِ دَمٍ وَعَنْ طَوَاعِيَةٍ وَاخْتِيَارٍ إِلَّا فِي صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَلَمْ يَظْهَرِ الْإِيثَارُ وَالْكَرَمُ فِي أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ كَمَا ظَهَرَ فِي صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ؛ وَلِذَلِكَ اسْتَحَقُّوا الثَّنَاءَ الْعَاطِرَ مِنْ رَبِّهِمْ بِقَوْلِهِ: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ) [الْحَشْرِ: 9].

 

الصَّحَابَةُ كَانُوا فِي السِّلْمِ مُعَلِّمِينَ مُصْلِحِينَ هُدَاةً عَامِلِينَ، وَصَفَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ أَنَّهُمْ أَمَانٌ لِأُمَّتِهِ، فَقَالَ: “النُّجُومُ أَمَنَةُ السَّمَاءِ، فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ، وَأَنَا أَمَنَةٌ لِأَصْحَابِي، فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِي مَا يُوعَدُونَ، وَأَصْحَابِي أَمَنَةٌ لِأُمَّتِي، فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِي أَتَى أُمَّتِي مَا تُوعَدُ” أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

 

أَمَّا فِي الْحُرُوبِ وَالذَّوْدِ عَنْ حِيَاضِ الْإِسْلَامِ فَقَدْ ضَرَبَ الصَّحَابَةُ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي نُصْرَةِ الدِّينِ، وَالِاسْتِجَابَةِ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ، يَقُولُ اللَّهُ شَاهِدًا عَلَى جِهَادِهِمْ وَثَبَاتِهِمْ: (الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ * الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) [آلِ عِمْرَانَ: 172-173].

 

يَخْرُجُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ يُرِيدُونَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، فَلَمْ يَفْجَأْهُمْ إِلَّا قُرَيْشٌ قَدْ خَرَجَتْ مِنْ مَكَّةَ بِكِبْرِهَا وَكُبَرَائِهَا وَحَدِّهَا وَحَدِيدِهَا، وَالْمُسْلِمُونَ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ وَاسْتِعْدَادٍ لِهَذَا الْعَدُوِّ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خَطِيبًا فِي النَّاسِ فَقَالَ: “أَشِيرُوا عَلَيَّ أَيُّهَا النَّاسُ“، فَقَامَ الصِّدِّيقُ فَقَالَ وَأَحْسَنَ الْقَوْلَ، ثُمَّ قَامَ الْفَارُوقُ فَقَالَ وَأَحْسَنَ الْقَوْلَ، ثُمَّ قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ: “يَا رَسُولَ اللَّهِ، امْضِ لِمَا أَرَاكَ اللَّهَ فَنَحْنُ مَعَكَ، وَاللَّهِ لَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ، وَلَكِنِ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! لَوْ سِرْتَ بِنَا إِلَى بَرْكِ الْغِمَادِ لَجَالَدْنَا مَعَكَ دُونَهُ حَتَّى تَبْلُغَهُ -وَبَرْكُ الْغِمَادِ مَوْضِعٌ بِالْيَمَنِ يَبْعُدُ عَنْ مَكَّةَ بِخَمْسِ لَيَالٍ-.

 

وَالنَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- سَاكِتٌ يُرِيدُ أَنْ يَسْمَعَ رَأْيَ الْأَنْصَارِ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ: “وَاللَّهِ، لَكَأَنَّكَ تُرِيدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ!”، فَقَالَ النَّبِيُّ: “أَجَلْ“، فَقَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ: “قَدْ آمَنَّا بِكَ وَصَدَّقْنَاكَ وَشَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ هُوَ الْحَقُّ، وَأَعْطَيْنَاكَ عَلَى ذَلِكَ عُهُودَنَا وَمَوَاثِيقَنَا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، فَامْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لِمَا أَرَدْتَ فَنَحْنُ مَعَكَ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ! لَوِ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْتَهُ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ، مَا تَخَلَّفَ مِنَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَمَا نَكْرَهُ أَنْ تَلْقَى بِنَا عَدُوَّنَا غَدًا، إِنَّا لَصُبُرٌ فِي الْحَرْبِ، صُدَّقٌ فِي اللِّقَاءِ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُرِيَكَ مِنَّا مَا تَقَرُّ بِهِ عَيْنُكَ، فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ”، فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ كَلَامِ صَحَابَتِهِ، وَثَبَاتِهِمْ، وَنُصْرَتِهِمْ.

 

عِبَادَ اللَّهِ: وَحِينَمَا نُقَلِّبُ دَوَاوِينَ السُّنَّةِ نَجِدُ مَحَبَّةَ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِصَحَابَتِهِ ظَاهِرَةً جَلِيَّةً، وَلِذَا نَهَى عَنْ سَبِّهِمْ وَإِيذَائِهِمْ، وَأَخْبَرَ أَنَّ قَدْرَهُمْ لَا يَبْلُغُهُ عَمَلُ عَامِلٍ، رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ جَبَلِ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ“.

 

وَلَمَّا رَأَى الْمُصْطَفَى -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- تَعَبَ الصَّحَابَةِ وَجُهْدَهُمْ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ وَاسَاهُمْ بِكَلِمَاتٍ مِلْؤُهَا الْمَحَبَّةُ وَالرَّحْمَةُ، فَقَالَ: “اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ، فَأَصْلِحِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةَ“، وَقَالَ عَنْ أَهْلِ بَدْرٍ: “لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ“، وَقَالَ عَنْ أَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ: “لَا يَدْخُلُ النَّارَ -إِنْ شَاءَ اللَّهُ- مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا“.

 

وَمَا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِلَّا وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ، فَرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ.

 

لَقَدْ كَانُوا -بِحَقٍّ- جِيلًا صَالِحًا لَا يَتَكَرَّرُ، وَرِجَالًا اجْتَمَعَ فِيهِمْ مِنَ الْفَضْلِ وَالْخَيْرِ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ فِي غَيْرِهِمْ وَلَا بَعْدَهُمْ.

 

إِخْوَةَ الْإِيمَانِ: وَلَا تَزَالُ أُمَّةُ مُحَمَّدٍ بِخَيْرٍ مَا عَرَفَتْ لِلصَّحَابَةِ حَقَّهُمْ وَحُقُوقَهُمْ، حَقٌّ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ إِنْ رَامَتِ الصَّلَاحَ وَالْفَلَاحَ أَنْ تَلْزَمَ مَنْهَجَ صَحَابَتِهِ الْكِرَامِ فِي الِاعْتِقَادِ وَالسُّلُوكِ وَالْعَمَلِ، حَقٌّ عَلَى الْأُمَّةِ أَنْ تَنْشُرَ فَضَائِلَهُمْ وَتُسَطِّرَ مَنَاقِبَهُمْ، وَأَنْ تُرَبِّيَ الْأَجْيَالَ عَلَى سِيرَتِهِمْ، وَأَنْ تَمْلَأَ الْقُلُوبَ مَحَبَّةً لَهُمْ.

 

وَمِنْ حَقِّهِمْ -أَيْضًا- الدِّفَاعُ عَنْ أَعْرَاضِهِمْ، وَصِيَانَةُ أَقْدَارِهِمْ، وَالتَّحْذِيرُ مِنْ شَرِّ الطَّاعِنِينَ فِيهِمْ، اللَّامِزِينَ فِي عَدَالَتِهِمْ.

 

وَمِنْ أُصُولِ عَقَائِدِ السُّنَّةِ التَّأَدُّبُ مَعَ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَالِاسْتِغْفَارُ لَهُمْ، وَالتَّرَضِّي عَنْهُمْ، وَإِمْسَاكُ اللِّسَانِ عَمَّا شَجَرَ بَيْنَهُمْ مِنْ خُصُومَةٍ وَاقْتِتَالٍ، وَأَنَّ فِعْلَهُمْ ذَلِكَ دَائِرٌ بَيْنَ الْأَجْرِ وَالْأَجْرَيْنِ، فَهُمْ إِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُصِيبُونَ فَلَهُمْ أَجْرَانِ، وَإِمَّا مُجْتَهِدُونَ مُخْطِئُونَ فَلَهُمْ أَجْرٌ أَيْضًا.

 

وَهَؤُلَاءِ الْمُخْطِئُونَ لَهُمْ مِنَ السَّوَابِقِ الْحِسَانِ وَالْمَحَاسِنِ الْعِظَامِ مَا يُوجِبُ رِفْعَةَ دَرَجَاتِهِمْ، وَتَكْثِيرَ حَسَنَاتِهِمْ، وَاللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- يَغْفِرُ لَهُمْ إِمَّا بِتَوْبَةٍ مَاضِيَةٍ، أَوْ بِمَصَائِبَ مُكَفِّرَةٍ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا كَمَا عَلَّمَنَا وَأَدَّبَنَا رَبُّنَا: (رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [الْحَشْرِ: 10].

 

بَارَكَ اللَّهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِهَدْيِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، أَقُولُ مَا سَمِعْتُمْ، وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ الْعَظِيمَ.

 

الخطبة الثانية:

 

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.

 

أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللَّهِ، وَبَعْدَ الْكَلَامِ عَنِ الصَّحَابَةِ وَفَضْلِهِمْ لَا بُدَّ مِنَ الْحَدِيثِ عَمَّنْ نَاصَبَ صَحَابَةَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْعَدَاءَ، وَاتَّهَمَهُمْ فِي دِينِهِمْ، وَطَعَنَ فِي مَقَاصِدِهِمْ؛ لِنَعْرِفَ مِنْ خِلَالِ ذَلِكَ حَقِيقَةَ هَؤُلَاءِ الطَّاعِنِينَ وَمَكَانَتَهُمْ مِنَ الْإِسْلَامِ.

 

لَقَدْ طَمَسَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الرَّافِضَةِ، فَلَا هُمْ يَعْرِفُونَ لِلصَّحَابَةِ فَضْلًا، وَلَا هُمْ يَذْكُرُونَ لَهُمْ شَرَفًا، وَإِنَّمَا شَرَعُوا عَلَيْهِمْ سِهَامَ الْحِقْدِ وَالْعَدَاءِ، وَالْفَتْكِ وَالِافْتِرَاءِ.

 

زَعَمَتِ الرَّافِضَةُ أَنَّ الصَّحَابَةَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدِ ارْتَدُّوا إِلَّا نَفَرًا يَسِيرًا مِنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ مَا أَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ إِلَّا نِفَاقًا؛ لِأَطْمَاعٍ دُنْيَوِيَّةٍ وَمَصَالِحَ ذَاتِيَّةٍ، وَكُتُبُهُمْ مَلِيئَةٌ بِمِئَاتِ الرِّوَايَاتِ الصَّرِيحَةِ فِي تَكْفِيرِ الصَّحَابَةِ وَشَتْمِهِمْ وَلَعْنِهِمْ، بَلْ جَعَلُوا مِنَ الطَّعْنِ فِيهِمْ دِيَانَةً يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَى رَبِّهِمْ -تَعَالَى- زُلْفَى، وَصَدَقَ اللَّهُ: (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا) [الْكَهْفِ: 103-104].

 

وَحَتَّى لَا يَكُونَ الْحَدِيثُ جُزَافًا وَرَجْمًا بِالتُّهَمِ نَسْتَنْطِقُ كُتُبَ الرَّافِضَةِ عَنْ حَقِيقَةِ مَوْقِفِهِمْ مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَبِالْأَخَصِّ الصِّدِّيقُ وَالْفَارُوقُ وَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ، رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْجَمِيعِ.

 

إِخْوَةَ الْإِيمَانِ: الصِّدِّيقُ أَوَّلُ الصَّحَابَةِ إِسْلَامًا، وَأَقْرَبُ النَّاسِ مَوَدَّةً مِنْ قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، لَمْ يَتَرَدَّدْ فِي قَبُولِ دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ، وَوَاسَى رَسُولَ اللَّهِ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، أَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ صَفْوَةُ الْأَصْحَابِ، وَأَعْتَقَ بِمَالِهِ الْكَثِيرَ مِنَ الرِّقَابِ، بَشَّرَهُ الرَّسُولُ بِالْجَنَّةِ، وَاخْتَارَهُ رَفِيقَ دَرْبِهِ فِي الْهِجْرَةِ، لَمْ تَحْمِلِ الْغَبْرَاءُ وَلَمْ تُظِلَّ السَّمَاءُ بَعْدَ الْأَنْبِيَاءِ رَجُلًا أَفْضَلَ مِنْهُ.

 

وَلَكِنِّي أُحِبُّ بِكُلِّ قَلْبِي *** وَأَعْلَمُ أَنَّ ذَاكَ مِنَ الصَّوَابِ

 

رَسُولَ اللَّهِ وَالصِّدِّيقَ حُبًّا *** بِهِ أَرْجُو غَدًا حُسْنَ الثَّوَابِ

 

فَمَاذَا عَنْ كُتُبِ الرَّافِضَةِ وَآيَاتِهَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الْعَظِيمِ الْكَرِيمِ؟! لَقَدْ سَلَقُوهُ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ، لَمْ يَرْقُبُوا فِيهِ صِدْقَ الصُّحْبَةِ وَلَا مَكَانَةَ الْقُرْبَةِ، اتَّهَمُوهُ فِي إِسْلَامِهِ وَأَخْلَاقِهِ وَعِرْضِهِ وَأَمَانَتِهِ!

 

وَصَفَهُ نِعْمَةُ اللَّهِ الْجَزَائِرِيُّ أَحَدُ كِبَارِ مَرَاجِعِهِمْ فِي كِتَابِهِ: “الْأَنْوَارُ النُّعْمَانِيَّةُ” بِأَنَّهُ رَجُلُ سُوءٍ. وَصَنَّفَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْعَامِلِيُّ الْمُلَقَّبُ عِنْدَ الشِّيعَةِ بِالْمُحَقِّقِ الثَّانِي، صَنَّفَ كِتَابًا أَسْمَاهُ: “نَفَحَاتِ اللَّاهُوتِ فِي لَعْنِ الْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ”، وَأَرَادَ بِالْجِبْتِ أَبَا بَكْرٍ وَالطَّاغُوتِ عُمَرَ، زَعَمَ فِي كِتَابِهِ هَذَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ عَابِدًا لِلْأَوْثَانِ، وَكَانَ يُصَلِّي خَلْفَ النَّبِيِّ وَالصَّنَمُ مُعَلَّقٌ فِي عُنُقِهِ يَسْجُدُ لَهُ.

 

وَزَعَمَ الْبَحْرَانِيُّ فِي كِتَابِهِ “الْبُرْهَانُ” أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُفْطِرُ مُتَعَمِّدًا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَأَنَّهُ كَانَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ، وَيَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ!

 

وَذَكَرَ الطُّوسِيُّ، أَحَدُ كِبَارِ عُلَمَائِهِمْ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ مَشْكُوكٌ فِي إِيمَانِهِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَارِفًا بِاللَّهِ -تَعَالَى- قَطُّ.

 

أَمَّا كَبِيرُ الرَّافِضَةِ مُحَمَّدُ بْنُ بَاقِرٍ الْمَجْلِسِيُّ مُفْتِي الدَّوْلَةِ الصَّفَوِيَّةِ فَقَدْ قَالَ بِعَدَمِ هِدَايَتِهِ فِي كِتَابِهِ: “مِرْآةُ الْعُقُولِ”. كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا!

 

وَأَمَّا الْفَارُوقُ الَّذِي فَرَّقَ اللَّهُ بِإِسْلَامِهِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، وَكَانَ إِسْلَامُهُ عِزًّا وَوِلَايَتُهُ فَتْحًا، وَجَعَلَ اللَّهُ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِهِ وَقَلْبِهِ، وَتَهَاوَتْ فِي عَهْدِهِ مَمَالِكُ الرُّومِ، وَأَطْفَأَتْ جُيُوشُهُ نَارَ الْمَجُوسِ، وَكَانَ عَدْلُهُ وَزُهْدُهُ وَخَوْفُهُ مِنْ رَبِّهِ مَضْرِبَ الْمَثَلِ فِي تَارِيخِ الْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، فَمَاذَا كَتَبَ الرَّافِضَةُ عَنْهُ؟!

 

لَقَدْ أَبْغَضُوهُ بُغْضًا لَا يُوصَفُ، رَمَوْهُ بِكُلِّ شَيْنٍ وَنَقِيصَةٍ، قَالَ عَنْهُ الْمَجْلِسِيُّ: “لَا مَجَالَ لِعَاقِلٍ أَنْ يَشُكَّ فِي كُفْرِ عُمَرَ“، ثُمَّ لَعَنَ الْفَارُوقَ وَلَعَنَ كُلَّ مَنِ اعْتَبَرَهُ مُسْلِمًا، بَلْ لَعَنَ كُلَّ مَنْ يَكُفُّ عَنْ لَعْنِهِ. يَقُولُ الْمَجْلِسِيُّ أَيْضًا: “وَعَقِيدَتُنَا -أَيْ: عَقِيدَةُ الرَّافِضَةِ- أَنَّنَا نَتَبَرَّأُ مِنَ الْأَصْنَامِ الْأَرْبَعَةِ: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَمُعَاوِيَةَ، وَمِنَ النِّسَاءِ الْأَرْبَعِ: عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَهِنْدَ وَأُمِّ الْحَكَمِ، وَمِنْ جَمِيعِ أَتْبَاعِهِمْ وَأَشْيَاعِهِمْ، وَإِنَّهُمْ شَرُّ خَلْقِ اللَّهِ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ”.

 

أَمَّا إِمَامُهُمْ فِي هَذَا الْعَصْرِ الْهَالِكُ الْخُمَيْنِيُّ فَقَالَ عَنْ عُمَرَ: “إِنْ عُمَرَ آذَى رَسُولَ اللَّهِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَأَثَّرَ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَكَانَتْ صَدْمَةً لَهُ عَجَّلَتْ بِرَحِيلِهِ عَنْ هَذَا الْعَالَمِ، وَإِنَّ هَذَا الْإِيذَاءَ مِنْ جَانِبِ عُمَرَ إِنَّمَا كَانَ تَعْبِيرًا لِلْكُفْرِ وَالزَّنْدَقَةِ الَّتِي يُبْطِنُهَا عُمَرُ بِدَاخِلِهِ“.

 

بَلْ إِنَّ الرَّافِضَةَ اعْتَبَرُوا اسْتِشْهَادَ عُمَرَ يَوْمَ عِيدٍ لَهُمْ وَفَرَحٍ عِنْدَهُمْ، وَيَعْتَبِرُونَ قَاتِلَهُ أَبَا لُؤْلُؤَةَ الْمَجُوسِيَّ مُسْلِمًا شُجَاعًا، وَيُلَقِّبُونَهُ بَابَا شُجَاعَ الدِّينِ، وَبَنَوْا لَهُ فِي مَدِينَةِ “كَاشَانَ” الْإِيرَانِيَّةِ ضَرِيحًا عَظِيمًا زَعَمُوا أَنَّهُ قَبْرُ أَبِي لُؤْلُؤَةَ الْمَجُوسِيِّ، وَفِي التَّاسِعِ وَالْعَاشِرِ وَالْحَادِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ يُحْيُونَ ذِكْرَى أَبِي لُؤْلُؤَةَ الْمَجُوسِيِّ وَيَشُدُّونَ الرِّحَالَ إِلَى قَبْرِهِ، وَأَلَّفَ أَحَدُ عُلَمَائِهِمْ كِتَابًا سَمَّاهُ: “عَقْدُ الدُّرَرِ فِي بَقْرِ بَطْنِ عُمَرَ”، ذَكَرَ فِيهِ أَشْعَارًا كَثِيرَةً قِيلَتْ فَرَحًا بِمَقْتَلِ عُمَرَ، بَلْ إِنَّ الرَّافِضَةَ قَالُوا عَنِ الْفَارُوقِ كَلَامَ سُوءٍ يُسْتَحَيَا -وَاللَّهِ- مِنْ قَوْلِهِ وَتَدْنِيسِ الْأَسْمَاعِ بِذِكْرِهِ.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: عَائِشَةُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- هِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ، حَازَتْ عَلَى قَصَبِ السَّبْقِ إِلَى قَلْبِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ بَيْنِ سَائِرِ أَزْوَاجِهِ، بَرَّأَهَا اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ، وَلَمْ يَتَزَوَّجِ النَّبِيُّ بِكْرًا غَيْرَهَا، وَقُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ وَرَأْسُهُ بَيْنَ سَحْرِهَا وَنَحْرِهَا، وَقُبِرَ فِي بَيْتِهَا؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيْهِ، فَهَلْ يُحِبُّ الشِّيعَةُ عَائِشَةَ وَيُنْزِلُونَهَا الْمَنْزِلَةَ الَّتِي أَنْزَلَهَا اللَّهُ وَأَنْزَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؟!

 

لَقَدْ آذَى الرَّافِضَةُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي أَهْلِهِ كَمَا آذَاهُ الْمُنَافِقُونَ حَيًّا فِي عِرْضِهِ، يَزْعُمُ أَحَدُ كِبَارِ عُلَمَائِهِمْ أَنَّ عَائِشَةَ هِيَ الْمَعْنِيَّةُ بِقَوْلِهِ -تَعَالَى-: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا) [النَّحْلِ: 92]. وَذَكَرَ الْقُمِّيُّ أَشْهَرُ مُفَسِّرِيهِمْ عِنْدَ قَوْلِهِ: (ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا) [التَّحْرِيمِ: 10]، فَقَالَ: “وَاللَّهِ، مَا عَنَى بِقَوْلِهِ: (فَخَانَتَاهُمَا) إِلَّا عَائِشَةَ“.

 

وَوَصَفَ الرَّافِضَةُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِأُمِّ الشُّرُورِ وَالشَّيْطَانِ، وَأَنَّهَا تُسَافِرُ مَعَ الرِّجَالِ، وَأَنَّهَا كَانَتْ تَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، بَلِ اتَّهَمُوهَا -وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ- بِالزِّنَا، وَنَسَبُوا إِلَيْهَا أَقْوَالًا فِي غَايَةِ الْخِسَّةِ وَالدَّنَاءَةِ.

 

إِنَّ الرَّوَافِضَ شَرُّ مَنْ وَطِئَ الْحَصَى *** مَنْ كُلِّ إِنْسٍ نَاطِقٍ أَوْ جَانِ

 

مَدَحُوا النَّبِيَّ وَخَوَّنُوا أَصْحَابَهُ *** وَرَمَوْهُمُ بِالظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ

 

حَبُّوا قَرَابَتَهُ وَسَبُّوا صَحْبَهُ *** جَدَلَانِ عِنْدَ اللَّهِ مُنْتَقِضَانِ

 

عِبَادَ اللَّهِ: هَذِهِ بَعْضُ مَوَاقِفِ الرَّافِضَةِ مَعَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَشَيْءٌ مِنْ أَقْوَالِهِمْ، وَكُتُبُهُمْ مُسَوَّدَةٌ بِمِثْلِ هَذِهِ الشَّنَائِعِ وَأَعْظَمَ؛ وَلِذَا فَإِنَّ التَّحْذِيرَ مِنَ الرَّافِضَةِ وَأَقْوَالِهِمْ مِنْ أَوْلَى الْوَاجِبَاتِ؛ لِأَنَّهُمْ دُعَاةُ هَدْمٍ لِلْإِسْلَامِ، وَتَشْوِيهٍ لِصُورَةِ رَعِيلِهِ الْأَوَّلِ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ -رَحِمَهُ اللَّهُ-: “إِذَا رَأَيْتَ أَحَدًا يَذْكُرُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِسُوءٍ فَاتَّهِمْهُ عَلَى الْإِسْلَامِ“.

 

أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: وَيَزْعُمُ الرَّافِضَةُ الْيَوْمَ أَوْ بَعْضُهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَسُبُّونَ الصَّحَابَةَ، وَنَحْنُ -وَاللَّهِ- نَتَمَنَّى أَنْ يَكُونُوا صَادِقِينَ فِي دَعْوَاهُمْ، لَكِنَّ لِسَانَ الْحَالِ وَالْوَاقِعِ يُكَذِّبُ دَعْوَاهُمْ، فَلَا زَالَ الرَّافِضَةُ يُحْيُونَ الْمَذْهَبَ الْإِمَامِيَّ وَيَنْشُرُونَ تُرَاثَهُ، وَيَطْبَعُونَ كُتُبَهُمُ الْقَدِيمَةَ الْمَلِيئَةَ بِالْكُفْرِ وَالزَّنْدَقَةِ، لَا زَالَ مُعَاصِرُوهُمْ يَنْقُلُونَ مِنْ هَذَا التُّرَاثِ الْأَسْوَدِ، لَا زَالَ بَعْضُ آيَاتِهِمْ كَالْخُمَيْنِيِّ وَالْخُوئِيِّ وَغَيْرِهِمْ يُعْلِنُونَ السِّبَابَ وَاللَّعْنَ لِلصَّحَابَةِ.

 

دُعَاءُ صَنَمَيْ قُرَيْشٍ” طُبِعَ فِي إِيرَانَ وَالْهِنْدِ قَبْلَ سَنَوَاتٍ. لَا زَالَ عُلَمَاؤُهُمُ الْمُعَاصِرُونَ يُدَبِّجُونَ أَنْوَاعَ الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ لِلْكِلِينِيِّ وَالْقُمِّيِّ وَالْمَجْلِسِيِّ وَالْعَامِلِيِّ وَغَيْرِهِمُ الَّذِينَ أَعْلَنُوا كُفْرَهُمْ صَرَاحَةً بِتَكْفِيرِ الصَّحَابَةِ وَلَعْنِهِمْ.

 

إِنْ كَانَ الرَّافِضَةُ صَادِقِينَ فِي دَعْوَاهُمْ فَلْيَتَبَرَّؤُوا مِنْ عُلَمَائِهِمُ الَّذِينَ لَعَنُوا الصَّحَابَةَ وَكَفَّرُوهُمْ، وَلْيَقُولُوهَا صَرَاحَةً: إِنَّ غَالِبَ رِوَايَاتِ كُتُبِهِمْ فِي الْمَذْهَبِ فِيهَا كَذِبٌ وَاخْتِلَاقٌ. أَمَّا أَنْ يُعِيدُوا طِبَاعَةَ كُتُبِ عُلَمَائِهِمُ الْقَدِيمَةِ وَيَنْشُرُوهَا وَيُمَجِّدُوا مُؤَلِّفِيهَا فَهَذَا لَا نَجِدُ لَهُ إِلَّا تَفْسِيرًا وَاحِدًا، هَذَا التَّفْسِيرُ هُوَ مِنْ صُلْبِ عَقِيدَتِهِمْ وَأَسَاسِ دِينِهِمْ، إِنَّهَا التَّقِيَّةُ الَّتِي اعْتَبَرُوهَا تِسْعَةَ أَعْشَارِ الدِّينِ، وَلَا دِينَ لِمَنْ لَا تَقِيَّةَ لَهُ!

 

وَلِذَا لَا يُمْكِنُ أَنْ نَتَقَارَبَ مَعَهُمْ أَوْ نَتَعَايَشَ مَعَهُمْ سِلْمِيًّا حَتَّى يَكُفُّوا عَنَّا قَيْأَهُمْ وَسَبَّهُمْ لِصَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَيَتَبَّرَؤُوا صَرَاحَةً مِنْ أَئِمَّتِهِمْ وَآيَاتِهِمْ.

 

لَا تَرْكَنَنَّ إِلَى الرَّوَافِضِ إِنَّهُمْ *** شَتَمُوا الصَّحَابَةَ دُونَمَا بُرْهَانِ

 

لَعَنُوا كَمَا بَغَّضُوا صَحَابَةَ أَحْمَدٍ *** وَوِدَادُهُمْ فَرْضٌ عَلَى الْإِنْسَانِ

 

حُبُّ الصَّحَابَةِ وَالْقَرَابَةِ سُنَّةٌ *** أَلْقَى بِهَا رَبِّي إِذَا أَحْيَانِي

 

اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ، إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ…

 

الملفات المرفقة
عدد التحميل 106
الصحابة بين أهل السنة والرافضة – مشكولة
عدد التحميل 106
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات