طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    وظيفة العقل بين العلم التجريبي والشرعي وإسهامه في العلم المتكامل!    ||    تحرير مواقع جديدة في الحديدة.. والجيش اليمني يواصل تقدمه    ||    الصحة العالمية تعلن المملكة خالية من شلل الأطفال    ||    الأمم المتحدة تطالب بنجلاديش بعدم إعادة "الروهينجا" إلى ميانمار    ||    خارجية أميركا: مستعدون لشطب السودان من قائمة الارهاب لكن بشروط    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

11992

وليت عليكم ولست بخيركم .. درس لكل عاقل

المكان : سوريا / الباب / بدون / أبي بكر الصديق رضي الله عنه /
تاريخ النشر : 1437/10/18
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ خطبة أبي بكر الصديق يوم توليته للخلافة 2/ بعض صفات أبي بكر الصديق وأخلاقه 3/ بعض صفات الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأخلاقه 4/ خطورة الاستكبار وعقوبة المستكبرين 5/ عقوبات ومخاطر استكبار ولي أمر المسلمين على الرعية
اقتباس

لنتساءل: أين تربَّى سيدنا أبو بكر الصدِّيق -رضي الله عنه-؟ في أيِّ دولةٍ أو في أيِّ مؤسسةٍ تربَّى هذه التربية؟ يقيناً ما تربَّى هذه التربية في دولةٍ علمانية, ولا في دولةٍ مدنية, ولا في دولةٍ ليبرالية, ولا في دولةٍ رأسمالية, ولا في دولةٍ اشتراكية. لقد تربَّى هذه التربية في مدرسة الإسلام, في دولة الإسلام. لقد تربَّاها على…

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله رب العالمين, وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

أما بعد:

 

فيا عباد الله: أريد أن أقفَ معكم في هذا الأسبوع مع كلمات قالها سيدنا أبو بكر الصدِّيق –رضي الله عنه- عندما تولَّى الخلافة, لتكون هذه الكلمات نبراساً لكلِّ راعٍ استرعاه الله -تعالى- على رعيَّةٍ, سواء كانت صغيرةً كالأسرة وما شاكلها, أو كانت كبيرةً كرعية الأمَّةِ والولايةِ العامة.

 

هذه الكلمات درسٌ لكلِّ راعٍ نحو رعيَّته, ولكلِّ حاكمٍ نحو محكومه, ولكلِّ رئيسٍ نحو مرؤوسه, ولكلِّ ملك نحو أمَّته وشعبه.

 

يا عباد الله: لمَّا وُلِّيَ سيدنا أبو بكرٍ الصدِّيق -رضي الله عنه- الخلافة وقف خطيباً في أمَّته وشعبه, حَمِدَ الله -تعالى- وأثنى عليه بالذي هو أهله, ثم قال: “أَيّهَا النّاسُ! فَإِنّي قَدْ وُلّيت عَلَيْكُمْ وَلَسْت بِخَيْرِكُمْ, فَإِنْ أَحْسَنْت فَأَعِينُونِي؛ وَإِنْ أَسَأْت فَقَوّمُونِي. الصّدْقُ أَمَانَةٌ وَالكَذِبُ خِيَانَةٌ. وَالضّعِيفُ فِيكُمْ قَوِيّ عِنْدِي حَتّى أُرِيحَ عَلَيْهِ حَقّهُ إنْ شَاءَ اللهُ, وَالقَوِيّ فِيكُمْ ضَعِيفٌ عِنْدِي حَتّى آخُذَ الحَقّ مِنْهُ إنْ شَاءَ اللهُ. لا يَدَعُ قَوْمٌ الجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللّهِ إلا ضَرَبَهُمْ اللّهُ بِالذّلّ. وَلا تَشِيعُ الفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطّ إلا عَمّهُمْ اللّهُ بِالبَلَاءِ. أَطِيعُونِي مَا أَطَعْت اللّهَ وَرَسُولَهُ, فَإِذَا عَصَيْتُ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَلا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ. قُومُوا إلَى صَلاتِكُمْ يَرْحَمُكُمْ الله“.

 

يا عباد الله: لنتساءل: أين تربَّى سيدنا أبو بكر الصدِّيق -رضي الله عنه-؟ في أيِّ دولةٍ أو في أيِّ مؤسسةٍ تربَّى هذه التربية؟

 

يقيناً ما تربَّى هذه التربية في دولةٍ علمانية, ولا في دولةٍ مدنية, ولا في دولةٍ ليبرالية, ولا في دولةٍ رأسمالية, ولا في دولةٍ اشتراكية.

 

لقد تربَّى هذه التربية في مدرسة الإسلام, في دولة الإسلام.

 

لقد تربَّاها على يَدَي سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.

 

لقد تربَّى على خلق التواضع ومَحْوِ الأنا, تربَّى على مَحْوِ الذات, تربَّى على مراقبة النفس, تربَّى على قوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) [الحجرات: 13].

 

تربَّى على ذلك في دولة الإسلام, تربَّى على ذلك بالقول الذي سمعه من رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-, وبالذي رآهُ في شخص الحبيب -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-.

 

تربَّى على العبوديَّة لله -تعالى- حيث لا فَرْقَ بين حاكمٍ ومحكومٍ, ولا بين سيِّدٍ وعبدٍ, ولا بين أميرٍ ومأمورٍ, الكلُّ سواسية, الكلُّ عبيدٌ لله -تعالى-, الكلُّ مسؤولٌ بين يدي الله -تعالى-, الكلُّ راجعٌ إلى الله -تعالى-, يقول تعالى: (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا) [مريم: 93 – 95].

 

أيها الإخوة الكرام: أوَّل كلمة قالها الصدِّيق: “أَيّهَا النّاسُ فَإِنّي قَدْ وُلّيت عَلَيْكُمْ وَلَسْت بِخَيْرِكُمْ” تواضعٌ وعدم تمييز بينه وبين أفراد الأمة؛ لأنَّ المسؤولية تكليفٌ وليست تشريفاً, وما أجمل الحاكمَ والأميرَ والملكَ والرئيسَ والراعيَ إذا كان متواضعاً, وما أقبحه عندما يكون مستكبراً.

 

إنَّ الصدِّيق -رضي الله عنه-, سمع النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- وهو يُرَبِّي الأمَّةَ كُلَّها على خُلُقِ التواضع بأقواله, منها:

 

أولاً: روى الإمام مسلم عن عِيَاضِ بنِ حِمَارٍ -رضي الله عنه- قال: قال رسول اللَّه -صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم-: “إِن اللَّه أَوحَى إِليَّ أَنْ تَواضَعُوا حتى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلى أَحدٍ، ولا يَبغِيَ أَحَدٌ على أَحَدٍ“.

 

ثانياً: روى الطبراني والبزار عن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- قال: “ما من آدميٍّ إلا وفي رأسه حَكَمَةٌ بِيَدِ مَلَكٍ, فإذا تَوَاضَعَ قِيْلَ لِلْمَلَكِ: ارفع حَكَمَتَهُ، وإذا تَكَبَّر قِيْلَ لِلْمَلَكِ: ضَعْ حَكَمَتَهُ“.

 

والحَكَمَةُ هي: حديدة توضع على أنف الفرس وحنكه تمنعه من مخالفة راكبه.

 

نعم -يا عباد الله- من تواضع لله رفعه الله, ومن استكبر أذلَّهُ الله -تعالى-, وصدق الله -تعالى- إذ يقول: (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [آل عمران: 26].

 

يا عباد الله: لقد ربَّى سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- الأمة على خُلُقِ التواضع قولاً وعملاً, وهذا ما سمعه الصدِّيق ورآه, حتى ظهر على لسانه وحاله عندما تسلَّم الخلافة وقال: “أَيّهَا النّاسُ فَإِنّي قَدْ وُلّيت عَلَيْكُمْ وَلَسْت بِخَيْرِكُمْ“.

 

لقد كان رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- متواضعاً سلوكاً وعملاً, كما جاء في سيرته العَطِرَة:

 

أولاً: أخرج البخاري عَن البَرَاءِ -رضي الله عنه- قَالَ: “كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَنْقُلُ التُّرَابَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ, حَتَّى أَغْمَرَ بَطْنَهُ أَوْ اغْبَرَّ بَطْنُهُ, يَقُولُ:

 

وَاللَّهِ لَوْلا اللَّهُ مَا اهْتَدَيْنَا  ***  وَلا تَصَدَّقْنَا وَلا صَـلَّيْنَا

فَأَنْزِلَنْ سَــكِـينَةً عَلَيْنَا  ***  وَثَبِّتْ الأَقْدَامَ إِنْ لاقَيْنَا

إِنَّ الأُلَى قَـدْ بَغَوْا عَلَيْنَا  ***  إِذَا أَرَادُوا فِــتْـنَةً أَبَــيْنَا

 

وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ أَبَيْنَا أَبَيْنَا”.

 

ثانياً: روى أبو يعلى عن السيدة عائشة -رضي الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “آكل كما يأكل العبد, وأجلس كما يجلس العبد“.

 

ثالثاً: بل حذَّر سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- الأمَّة أن تطريه كما أطرت النصارى سيدنا عيسى بن مريم -عليه السلام-؛ كما يروي ذلك الإمام البخاري عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ  -رضي الله عنهما- سَمِعَ عُمَرَ -رضي الله عنه- يَقُولُ عَلَى المِنْبَرِ: “سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: “لا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتْ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ, فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ, فَقُولُوا: عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ“.

 

فالصدِّيق -رضي الله عنه- سَمِعَ من سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- أحاديثَ التواضع, ورأى منه خُلُقَ التواضع, فتأسَّى بالنبي -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-, وظَهَرَ أثرُ هذا التأسِّي يومَ توليهِ الخلافة, من خلال خُطبتِهِ رضي الله عنه.

 

أيها الإخوة الكرام: هذه الكلمة التي صدرت من الصدِّيق -رضي الله عنه- يوم خلافته كانت نتيجةً لتربية سيدنا رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- له, ونتيجةً لقراءته القرآن العظيم, حيث عَلِمَ الصدِّيق -رضي الله عنه-, أنَّ أوَّلَ المستكبرين هو إبليس, قال تعالى: (إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ) [البقرة: 34].

 

وعَلِمَ كذلك عاقبة المستكبرين في الأرض بغير حقٍّ من خلال القرآن العظيم, فعاقبة المستكبر على رعيَّته وخيمةٌ عاجلاً أم آجلاً في الدنيا والآخرة.

 

من العواقب الوخيمة للمستكبر على رعيَّته: أولاً: أنَّه يُصْرَفُ عن آيات الله -تعالى-, فلا يُحلُّ حلالاً ولا يُحرِّمُ حراماً, ولا يَقِفُ عندَ حدٍّ من حدود الله -تعالى-, قال تعالى: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ) [الأعراف: 146] فالمستكبر يتَّخذ سبيل الغيِّ سبيلاً له, ولو كان يوصله إلى نار جهنَّم -والعياذ بالله تعالى-.

 

ثانياً: أنَّه لا بشرى له يوم القيامة, وعمله الصالح يُصبح هباءً منثوراً, قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْ عُتُوًّا كَبِيرًا * يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلاَئِكَةَ لاَ بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِّلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَّحْجُورًا * وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُورًا) [الفرقان: 21 – 23].

 

ثالثاً: أنَّ الله -تعالى- يأخذه أخذَ عزيزٍ مقتدر, طالَ الزمانُ أم قَصُر, قال تعالى: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لاَ يُرْجَعُون * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ) [القصص: 38-40].

 

وقال تعالى: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ) [فصلت: 15 – 16].

 

رابعاً: أنَّ مآل المستكبر على رعيَّته, وعلى من استرعاه الله -تعالى- عليهم, إلى جهنَّم وبئسَ المصير, قال تعالى: (قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ) [الزمر: 72].

 

وقال تعالى: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ) [الأحقاف: 20].

 

يا عباد الله: لقد عَلِمَ الصدِّيقُ -رضي الله عنه- مآلَ العبدِ المستكبر على رعيَّته في الدنيا والآخرة, فأقبل على نفسه وروَّضها وهذَّبها, حتى قال رضي الله عنه يوم بويع على الخلافة: “أَيّهَا النّاسُ فَإِنّي قَدْ وُلّيت عَلَيْكُمْ وَلَسْت بِخَيْرِكُمْ“.

 

يا عباد الله: هذا هو الصدِّيق -رضي الله عنه- الذي أعطى درساً لكلِّ راعٍ ولكلِّ حاكمٍ, كيف يكون الراعي والحاكم مع رعيَّته وأمَّته, هذا هو الصدِّيق -رضي الله عنه- الذي تربَّى في مدرسة الإسلامِ الذي يصفه الغرب اليوم بأنَّه دين إرهاب.

 

الإسلام ليس دينَ إرهاب, ولا يصفه بهذا الوصف إلا فئةٌ من المستكبرين الذين يريدون أن يعيشوا فوق الناس, وعلى حساب الناس, ولو على حساب دمائهم وأعراضهم, الإسلام لا يُوصَفُ بالإرهاب من قِبَلِ الشعوبِ والأممِ, ولا يُوصَفُ بالإرهاب من قِبَلِ الرعيَّة والمحكومين, بل يُوصَفُ بذلك من قِبَل الحكَّام والرؤساء والأمراء الذين ما رضوا إلا بالاستعلاء على الآخرين, لذلك تراهم ينادون بالعلمانيَّةِ تارةً, وبالمدنيَّةِ تارةً, وبالليبراليةِ تارةً, وبالرأسمالية وبالاشتراكيَّة وهكذا, ولا ينادون بالإسلام, لأنَّ الإسلام يمحو الفوارق بين الحاكم والمحكوم, ولا خيريَّة ولا أفضليَّة إلا بالعمل والتقوى وبمحوِ الأنا, ورضي الله -تعالى- عن الصدِّيق الذي قال مقولته: “أَيّهَا النّاسُ فَإِنّي قَدْ وُلّيت عَلَيْكُمْ وَلَسْت بِخَيْرِكُمْ“.

 

لقد أتعب كلَّ راعْ وكلَّ حاكمٍ وكلَّ ملكِ وكلُّ رئيسٍ من بعده رضي الله عنه.

 

أقول هذا القول, وأستغفر الله لي ولكم, فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

 

الملفات المرفقة
عليكم ولست بخيركم درس لكل عاقل
عدد التحميل 180
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات