طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    خادم الحرمين يؤكد الحرص على توطيد العلاقة مع العراق    ||    اليمن.. انطلاق مهمة "القبضة الحديدية" في حضرموت    ||    ليبيا.. تراجع حاد بأعداد المهاجرين في مركز تهريب البشر    ||    ميليشيات الحوثي تداهم المنازل بصنعاء وتختطف 40 فتاة    ||    مشاعر محبوسة    ||    انطواء طفلك.. بيدك أنت!    ||    مخالفات قولية عند نزول المطر    ||    الإجراءات الفكرية والعملية لمواجهة الغلو والتطرف    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

10694

خطر المال الحرام

المكان : السودان / الخرطوم / حي الدوحة / مسجد حي الدوحة /
التصنيف الرئيسي : بناء المجتمع قضايا اجتماعية
تاريخ الخطبة : 1437/01/24
تاريخ النشر : 1437/02/10
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ المال الحرام شؤم في الدنيا وفي الآخرة 2/ النفوس مجبولة على حب المال 3/ المال حلاله حساب وحرامه عقاب 4/ حفظ المال مقاصد الشريعة 5/ مفاسد جرأة بعض الناس على المال العام 6/ منهج النبي وخلفائه الراشدين في صيانة المال العام 7/ عقوبة المختلس من المال العام 8/ دلالات فوز حزب العدالة والتنمية في انتخابات تركيا
اقتباس

المال المكتَسَب من حرام شؤم في الحياة وبعد الممات، شؤم في الدنيا وفي الآخرة، إن أنفق منه فلا بركة فيه وإن تصدق منه فلا قبول له، وإن ترك في هذه الدنيا وانتقل كاسبه إلى الآخرة فهو زاده إلى النار.. وإن ناسًا يجترئون على المال العام إما بالاختلاس، وإما بالخيانة، وإما بالرشوة، وإما بالابتزاز، وإما بإساءة الاستعمال، وإما باستعماله في مصالح خاصة، وإما باستعماله في شؤون حزبية، أو مصالح سياسية، لا يعود نفعها على جمهور المسلمين، هذا كله من الاعتداء على المال العام الذي يحاسب الله -عز وجل- به…

الخطبة الأولى:

 

(الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً وَأَجَلٌ مُّسمًّى عِندَهُ ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ * وَهُوَ اللّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ) [الأنعام: 1- 3].

 

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه وخليله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في سبيل ربه حق الجهاد، ولم يترك شيئًا مما أمر به إلا بلّغه، فتح الله به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا وقلوبًا غلفًا، وهدى الناس من الضلالة ونجاهم من الجهالة، وأخرجهم من الظلمات إلى النور وهداهم بإذن ربه إلى صراط مستقيم، اللهم صلّ وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره واهتدى بهداه.

 

أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. وما قل وكفى خير مما كثر وألهى، وإنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين..

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]،  (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

أما بعد أيها المسلمون عباد الله؛ فإن ربنا -تبارك وتعالى- قد “قسم بينكم أخلاقكم، كما قسم بينكم أرزاقكم، وإن الله -عز وجل- يعطي الدنيا مَن يحب ومَن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب، فمن أعطاه الله الدين، فقد أحبه، والذي نفسي بيده، لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه“، قالوا: وما بوائقه يا نبي الله؟ قال: “غشّه وظلمه، ولا يكسب عبد مالاً من حرام، فينفق منه فيبارك له فيه، ولا يتصدق به فيقبل منه، ولا يترك خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار، إن الله -عز وجل- لا يمحو السيئ بالسيئ، ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث“.

 

هذا كلام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يبين لنا فيه أن المال المكتسب من حرام شؤم في الحياة وبعد الممات، شؤم في الدنيا وفي الآخرة، إن أنفق منه فلا بركة فيه وإن تصدق منه فلا قبول له، وإن ترك في هذه الدنيا وانتقل كاسبه إلى الآخرة فهو زاده إلى النار.

 

أيها المسلمون عباد الله: إن الله -جل جلاله- قد خلق النفوس مجبولة على حب المال ساعية في تنميته وتكثيره، دءوبة في جمعه وتسمينه، لا يستثنى من ذلك أحد كما قال جل من قائل: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) [آل عمران:14].

 

وقال جل وعلا: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) [الحديد: 20].

 

الإنسان يحب المال كما قال الله -عز وجل-: (إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ * وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ * وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ) [العاديات: 6- 8]، لحب الخير أي لحب المال.

 

روى الإمام البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: “لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى الثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على مَن تاب“.

 

وروى الإمام أحمد والترمذي من حديث كعب بن مالك -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: “مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ لِدِينِهِ“، لو أن ذئبين ضاريين جائعين مفترسين أُرسلا في غنم فإنهما سيمزقان تلك الغنم تمزيقًا، ويلتهمانها التهامًا، كذلك هذا الحريص على المال يجمعه من حله وحرامه لا يبالي من أين اكتسبه ولا فيما أنفقه، هذا الإنسان قد أفسد دينه فسادًا أعظم من فساد ذلك الذئبين في تلك الغنم.

 

أيها المسلمون عباد الله: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سمع رجل يقرأ (أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ)، فقال عليه الصلاة والسلام: “يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك يا ابن آدم من مالك إلا ما أكلت فأفنيتَ، أو لبستَ فأبليتَ، أو تصدقت فأمضيتَ”، سوى الذي تأكله، سوى الذي تلبسه، سوى الذي تتصدق به تقدمه بين يدك زخرًا عند الله، ما جمعته من مال حلال ما سوى ذلك أنت ذاهب عما قريب وتاركه للناس.

 

فالمال أيها المسلمون عباد الله: حلاله حساب وحرامه عقاب، حرص رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أن يزهّدنا في الدنيا، وأن يرغّبنا في الآخرة، وكان صلوات ربي وسلامه عليه في بيته وأسرته خير مثال في التقلل من الدنيا، والاكتفاء بالضرورة منها صلوات ربي وسلامه عليه كان من دعائه “اللهم اجعل رزق آل محمد قوتًا“.

 

وكان يمر عليه الهلال والهلال ثم الهلال، وما يوقد في بيوت أزواجه نار، وما لهم طعام إلا الأسودان؛ التمر والماء، كان يبيت الليالي طاويًا، يتقلب على فراشه من شدة الجوع لا يجد عشاءً.

 

لما طالبه أزواجه بالنفقة، وأكثرن عليه في ذلك -رضوان الله عليهن- خيَّرهن بين البقاء معه على شظف العيش وقلة المال، وبين التسريح بإحسان، وأنزل الله -عز وجل- قوله: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا * وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 28- 29].

 

حرص صلوات ربي وسلامه عليه على أن يربّي أصحابه على أن الدنيا متاع، على أن الدنيا ممر، الدنيا قنطرة إلى الآخرة، الدنيا عَرَض حاضر يأكل منه البر والفاجر، والآخرة وعد صادق يحكم فيه ملك عادل؛ يحِقّ الحق ويبطل الباطل، فكونوا أبناء الآخرة ولا تكونوا أبناء الدنيا؛ فإن كل أم يتبعها ولدها.

 

الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرّ بالسوق داخلاً من بعض العالية، والناس كنفته –الناس قد أحطوا بجانبيه صلى الله عليه وسلم- فمرّ بجدي أسك –أي: صغير الأذنين- ميت فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: “أيكم يحب أن هذا له بدرهم“، فقالوا: “ما نحبّ أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟” قال: “أتحبون أنه لكم“، قالوا: “والله لو كان حيًّا كان عيبًا فيه؛ لأنه أسكّ، فكيف وهو ميت؟” فقال: “فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم“.

 

هذا الذي لا تريدونه بدرهم، هذا الذي تلفظونه، وتزهدون فيه، الدنيا أهون على الله منه، الدنيا بأبيضها وأصفرها، بدينارها ودرهمها، الدنيا بمتاعها بأبهتها، بخيلها ورجلها أهون على الله من جدي أسك ميت، الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، ولو وزنت جناح بعوضة ما سقى كافرًا منها شربة ماء.

 

أيها المسلمون عباد الله: إن شريعة الإسلام لما كانت نازلة من رب حكيم خبير هو الذي خلق النفوس، وهو الذي يعلم جِبِلّتها، وما طُبعت عليه جاءت بحفظ هذه الأموال قال أهل العلم: “أجمع العقلاء على أن مقاصد الشارع من الخلق خمسة؛ أن يحفظ عليهم دينهم، وأنفسهم، وأعراضهم، وعقولهم، وأموالهم“.

 

ما أنزل الله كتابًا ولا بعث نبيًّا إلا من أجل الحفاظ على هذه الضرورات الخمس؛ الدين والنفس، والعرض والعقل والمال، كل ما أدى إلى تضييع هذه الأصول الخمس أو إفسادها؛ فإن الشريعة تمنعه شريعة الإسلام من أجل أن تحفظ المال حرمت الربا، حرمت الغش، حرمت التدليس، حرمت التجارة في المحرمات، حرمت القمار، حرمت أكل أموال الناس بالباطل، حرمت التسول، حرمت أكل أموال اليتامى؛ حرمت كل ما فيه ضرر على المال، بل أوجبت في الاعتداء على المال بالسرقة حدًّا معلومًا ورد بنص قطعي في كتاب الله (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [المائدة: 38- 39].

 

بل إن شريعة الإسلام قد أباحت للمسلم أن يقاتل من جاء ليأخذ ماله، فإن رجل سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والحديث في الصحيحين قال يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَالَ: “فَلَا تُعْطِهِ مَالَكَ” قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَالَ: “قَاتِلْهُ؟” قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَالَ: “فَأَنْتَ شَهِيدٌ” قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَالَ “هُوَ فِي النَّارِ“.

 

“من قُتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون عِرْضه فهو شهيد، ومن قُتل دون نفسه فهو شهيد، هذه ضرورات لا قوام للحياة إلا بها، المال هو عصب الحياة (وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً) [النساء: 5].

 

أيها المسلمون عباد الله: إذا كانت الشريعة معنية بأن تحفظ الأموال الخاصة مالي ومالك ممتلكاتي وممتلكاتك، متاعي ومتاعك، فهي كذلك أحرص على أن تحفظ المال العام المال الذي يعود نفعه لجمهور المسلمين لا مالك له على التعيين، هذا المال الشريعة الإسلامية تحفظه.

 

ألا إن ناسًا يجترئون على المال العام إما بالاختلاس، وإما بالخيانة، وإما بالرشوة، وإما بالابتزاز، وإما بإساءة الاستعمال، وإما باستعماله في مصالح خاصة، وإما باستعماله في شؤون حزبية، أو مصالح سياسية، لا يعود نفعها على جمهور المسلمين، هذا كله من الاعتداء على المال العام الذي يحاسب الله -عز وجل- به.

 

ألا إن واجبًا على من ولاه الله الأمر أن يحفظ المال العام، وأن يسن في ذلك من القوانين الرادعة، وأن يضع من اللوائح القاطعة ما يكفّ أيدي السفهاء؛ فإن من مساوئ الأخلاق -أيها المسلمون عباد الله- أن إنسانًا عفيفًا متعففًا صادقًا متصدقًا يكتفي بالحلال عن الحرام يكفّ يده عن مال الله عفيفًا متعففًا يلي وظيفة عامة، يلي مسئولية ثم بعد ذلك ينصرف منها، ما تربح من وظيفته، ولا أكل من المال العام خرج من وظيفته؛ إما إنه قد بلغ سن المعاش -كما يسمونه- أو أنه أقيل أو استقال أو لغير ذلك من الأسباب، خرج من وظيفته خفيف اليد عما يحل له، فإن ناسًا يتهمونه بأنه قليل الذكاء أو أنه بليد التصرف، أو أنه لم يحسن الاستفادة من وظيفته، يقولون: ما بال فلان قد بقي في عمله كذا وكذا من السنين، ثم خرج بلا شيء، قد ضيع عياله.

 

هكذا يقول كثير من الناس، ولربما نبذوه بألقاب يندى لها الجبين، وهذا والله من الأمر بالمنكر والنهي عن المعروف، هذا من الفتّ في عضد الأمناء الشرفاء الأتقياء الأسخياء الذين علموا يقينًا أنه لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه.

 

لا يزال في المجتمع الأوفياء الفضلاء الكرماء الذين يلون الوظيفة، ثم لا تمتد أيديهم إلى ما حرَّم الله عليهم، فيخلفهم الله -عز وجل- بركةً في أرزاقهم وصلاحًا في بالهم وهدوءًا في أحوالهم، وصحة في أجسادهم، واستقامة في ذرياتهم؛ فيكونون على خير في الحياة وبعد الممات، وما أكثرهم!! والحمد لله.

 

لكن هؤلاء الذين يتربحون من وظائفهم، وتمتد أيديهم إلى ما حرم الله عليهم، أقول: إن واجبًا على من ولاه الله الأمر أن يأخذ على أيديهم، وأن يردعهم بعقوبة تزجر غيرهم أن يتعاطوا مثل أفعالهم؛ فإنه “تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من جرائم“، هكذا فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهكذا كان خلفاءه -رضوان الله عليهم- وهكذا كل حاكم صالح على مر تاريخ المسلمين.

 

إن نبينا -عليه الصلاة والسلام- كان يبعث العمال على الصدقات ويولي الولاة ويعين القضاة، ثم بعد ذلك يضع لهم النظم والمبادئ والأحكام التي تسيّر عملهم، لما جاء ابن اللتبية -رضي الله عنه- فقال: “هذا لكم، وهذا أُهدي إليّ” فغضب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقام في الناس خطيبا فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: “ما بال العامل نبعثه فيجيء فيقول: هذا لكم، وهذا أهدي إليّ؟‍‍‍‍ ألا جلس في بيت أبيه فينظر أيهدى إليه أم لا‍‍‍‍‍‍!! والذي نفس محمد بيده، لا نبعث أحداً منكم فيأخذ شيئاً إلا جاء يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيراً له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، فرفع يديه حتى رأيت عفرة إبطيه فقال: اللهم هل بلغت ثلاثاً“. فتركه ابن اللتبية -رضي الله عنه- وما أخذ منه شيئًا، قال له أبو ذر -رضي الله عنه-: “هذا خير لك“، هكذا يأمره بالمعروف وينهاه عن المنكر، ويحثه على التمسك بأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

 

أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- لما جاء معاذ من اليمن قال له أبو بكر “ارفع إلينا حسابك“، قال له معاذ “أحسابان؛ حساب من الله وحساب منك” قال له أبو بكر: “بلى“، فرفع إليه معاذ ما كان من إيراد ومنصرف، ما دخل من المال العام وما خرج منه.

 

وعمر بن الخطاب -رضي الله عنه- وضع دستورًا قال: “أما بعد أيها الناس! فإني ما وجدت صلاح هذا الدين إلا بثلاث: أداء الأمانة، والأخذ بقوة، والحكم بما أنزل الله، وما وجدت صلاح هذا المال إلا بثلاث: أن يُؤخذ من حق، وأن يُنفق في حق، وأن يُمنع من باطل، ألا وإني مثلي في مالكم كمثل ولي اليتيم إن استغنيت استعففت، وإن افتقرت أكلت بالمعروف“.

 

ثم إن عمر -رضي الله عنه- كان يعيّن الثقات الأمناء الأكفاء ولاة وقضاة وعمالاً، ثم يحصي عليهم ثرواتهم قبل أن يتولوا ثم يحصي عليهم ثرواتهم بعد أن يعزلهم، أو إذا استقالوا، فإذا حامت حول الواحد منهم شبهة بأنه قد تربح أو استفاد؛ فإن عمر يقاسمه ماله مع ما ينزل به من النكال، بل كان يأمر الولاة إذا رجعوا أن يدخلوا نهارا لئلا يخفوا شيئًا من مال قد استزادوه.

 

إن ناسًا يسألون عن الفساد، ألا إن أمارة ظاهرة على الفساد أن يتولى إنسان مسئولية ما تدر عليه إلا مالاً معلومًا راتبًا معدودًا، ثم بعد ذلك يرى عليه من الاستطالة في البنيان والتوسع في العيش والانبساط في الدنيا ما لا تؤهله لذلك وظيفته، ولا ييسره له راتبه فمن أين له هذا؟ هذا سؤال عمر بن الخطاب لكل من ولاه.

 

أيها المسلمون عباد الله: إن الذي يسرق من المال العام لا يُقطع؛ على هذا إجماع أهل العلم، ما خالف في ذلك إلا إلياس بن معاذ، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “لَيْسَ عَلَى مُخْتَلِسٍ، وَلا خَائِنٍ، وَلا مُنْتَهِبٍ قَطْعٌ“.

 

بعد ذلك الناس إذا سمعوا هذا الحديث فإنهم فريقان إلا من رحم الله؛ فريق يظن وبعض الظن إثم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أباح له أن يتخوض في مال الله، وأن يأكل مما حرم الله، وأن يتربح من وظيفته بغير حساب ولا عذاب.

 

وفريق آخر وهم سيء الظن بالشرع أصلاً ممن فسدت قلوبهم، وخابت أمانيهم يقولون ما بال الشريعة تفرق بين سارق ومختلس ومنتهب وغاصب؟

 

أيها المسلمون: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، قال علماؤنا: “فرق بين السارق وغيره لقلة هذا بالنسبة إلى السرقة“، لقلة الاختلاس والانتهاب والغصب بالنسبة إلى السرقة ولسهولة إقامة البينة على الاختلاس والانتهاب بخلاف السرقة؛ فإن السارق يأخذ خفية يتسلل في جنح الظلام وإقامة البينة عليه من الصعوبة بمكان، ولذلك شددت الشريعة في عقوبة السارق.

 

بعد ذلك هل المختلس يذهب هكذا لا حساب ولا عقاب؟

نقول له: رد ما أخذت بعدما قامت عليه البينة، ويذهب متمتعًا بوظيفته وحياته، وكأنه ما كان منه شيء؟! لا والله، قال أهل العلم “بل يعزر تعزيرًا بليغًا يردعه“.

 

قال ابن فرحون -رحمه الله- وهو من علماء المالكية الكبار في كتابه “تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام“، قال: “وليس للتعزير ذنب معين لا يتعداه ولا شخص معين“.

 

فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عزر بالهجر، أي: ترك الكلام كما فعل مع الثلاثة الذين خُلفوا، كما أعزر بتخريق الثياب كما أمر عبدالله بن عمرو بن العاص لما رأى عليه ثوبين معصفرين، وعزر بالهدم لما علم أن ناسًا من المنافقين يجتمعون في بيت من البيوت من أجل أن يثبطوا الناس عن غزوة تبوك، أرسل طلحة وجماعة من الصحابة فهدموا ذلك البيت الذي كانوا يجتمعون فيه، وهدم مسجد الضرار؛ صلوات الله وسلامه عليه.

 

وكذلك عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- حرّق حانوت مَن كان يبيع خمرًا، وكان اسمه روشيدا فسماه فويسقا.

 

الغالّ من الغنيمة، آكل المال العام، المتربح من الوظيفة كذلك له عقوبات بعضها معنوي، وبعضها حسي، من العقوبات المعنوية: نفي الشهادة عنه، رجل من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض غزواته أصابه سهم غرب فمات، قال الصحابة هنيئًا له الجنة هنيئًا له الشهادة، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إني رأيت قبره يشتعل عليه نارًا“، فتشوا متاعه وجدوا خزر من خرز يهود لا يساوي درهمين أخذه من الغنيمة.

 

قال عمر بن الخطاب: “تقولون في مغازيكم فلان شهيد، ومات فلان شهيدًا، ولعله قد يكون قد أوقر راحلته، ألا لا تقولوا ذلكم، ولكن قولوا كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “من مات في سبيل الله أو قُتل فهو شهيد“.

 

من العقوبات المعنوية ترك الصلاة عليه، فإن رجلاً من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قتل في بعض غزواته، قال عليه الصلاة والسلام: “صلوا على صاحبكم فإنه قد غل من الغنيمة”، فتش الصحابة متاعه فوجدوا شملة قطيفة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “إنها لتشتعل عليه نارًا في قبره“.

 

واحد من الصحابة سمع هذا الكلام فجاء بشراك أو شراكان، أي: نعال، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: “شراك أو شراكان من نار“.

 

هكذا كان ردعه، هكذا كان زجره صلوات ربي وسلامه عليه ما قال عليه الصلاة والسلام هؤلاء لهم تاريخ ناصع، هؤلاء لهم أعمال طيبة نستر عليهم، نسكت عنهم، لا بل أعلنها صلوات ربي وسلامه عليه أن الاعتداء على المال العام، والغلول من الغنية لا يشمع فيه جهاد، ولا نصاعة تاريخ، ولا طيب عمل، أعلنها مدوية “إن قبره ليشتعل عليه نارًا“.

 

ومن العقوبات التعزيرية -أيها المسلمون عباد الله- أن تفرض الغرامة المالية، فإن نبينا -صلى الله عليه وسلم- لما تكلم عن الزكاة قال: “مَن أعطاها مؤتجرًا فله أجرها، ومن أباها فإنِّي آخذها وشطر ماله، عزمةٌ من عزمات ربنا، لا يحِلُّ لآل محمَّد منها شيء” ونصف ماله ما نأخذ الزكاة فقط ممن منعها بل لا بد من تغريمه.

 

أيها المسلمون عباد الله: هذه كلمات أبذل فيها النصح لنفسي ولإخواني؛ بأن نتقي الله -عز وجل-، وأن نعف عن الحرام أبذلوا النصح لمن ولاه الأمر؛ لأن الأكل من المال العام سُبّة في جبيننا، ومنقصة في إسلامنا ومطعنة في إيماننا، وإن واجبًا علينا أن نتنادى من أجل النهي عن هذا المنكر (الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ)[الحج:41].

 

اللهم إنا نسألك رزقًا طيبًا حلالاً مباركًا فيه، اللهم باعد بيننا وبين الحرام، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم اجعل رزقنا حلالا طيبا، توبوا إلى الله واستغفروا..

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين، ولا عدون إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله إله الأولين والآخرين، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدالله النبي الأمين بعثه الله بالهدى واليقين لينذر من كان حيّا، ويحق القول على الكافرين، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين وآل كلّ وصحب كلّ أجمين، وأحسن الله ختامي وختامكم وختام المسلمين وحشر الجميع تحت راية سيد المرسلين.

 

أما بعد أيها المسلمون: فاتقوا الله حق تقاته، وتوبوا إلى الله جميعا لعلكم تفلحون.

 

واعلموا أن مما شرح صدور المؤمنين وسر قلوبهم في هذا الأسبوع ما كان في تركيا من انتخابات نزيهة فاز بها من يرفعون شعار الإسلام من ينصرون المستضعفين في كل مكان من يجعلون المسجد الأقصى همًّا من أعظم همومهم، ويجعلون إخوانهم المستضعفين في فلسطين، وفي سوريا، وفي غيرها من أرض الله يجعلون من بلادهم ملاذًا لهم يفتحون لهم الأبواب، وييسرون لهم الأسباب، ويعاملونهم معاملة المسلم لأخيه المسلم “المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، ولا يخذله ولا يحقره“، هكذا فعل حزب العدالة والتنمية في تركيا، فنال ثقة الناخبين؛ لأنهم عهدوا منهم حين حكموا عفة ونزاهة وسعيًا في مصالح الناس، فإن كبيرهم لما سُئل قيل لهم: لماذا نجحت حيث فشل غيرك؟ أجاب في كلمتين اثنتين: قال “لأني لم أسرق“.

 

عفّ عما حرم الله، فعفّ من تحته عما حرم الله، واستقامت أمور الناس، وانتقلت تركيا من حال إلى حالٍ، في كل يوم يحييون سنة، ويميتون بدعة، بعدما بقيت تركيا نحو من مائة سنة تحت ظل حكم علماني باطش بغيض لا يرجو لله وقارًا، حكم طمس معالم الإسلام وغيّر مظاهر التدين وجرَّمها؛ جاء هؤلاء من أجل أن يعيدوا لتلك البلاد إسلامها، وإيمانها ودينها ويقينًا، وهكذا ينبغي أن يكون الحاكم المسلم، وهكذا يتوق المسلمون إلى قائد رباني يسمع كلام الله، ويسمعهم، وينقاد إلى أمر الله ويقودهم يعفّ عما حرم الله، ويحملهم على ذلك.

 

أسأل الله العظيم أن يصلح الراعي والراعية..

 

 

الملفات المرفقة
المال الحرام
عدد التحميل 204
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات