طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

10310

نبوءات الرسول وطرق التعامل مع الأمراض والأوبئة

المكان : المملكة العربية السعودية / بيشة / جامع إمام الدعوة /
التصنيف الرئيسي : الإيمان قضايا اجتماعية
تاريخ النشر : 1437/01/02
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/تقدير الله للخير والشر 2/تحقق ما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- من الملاحم والفتن 3/إخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- بانتشار ا?وبئة وموت الفجأة في آخر الزمان 4/أسباب انتشار الأوبئة والأمراض في آخر الزمان 5/بعض حوادث الأوبئة والطواعين عبر التاريخ 6/كثرة الأوبئة وانتشاها في هذا الزمن 7/الابتلاء با?وبئة والأمراض والطواعين 8/وسائل التحرز والتحصن من الأوبئة والأمراض المعدية
اقتباس

عباد الله: إن مما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سيقع في آخر الزمان، انتشار ا?وبئة، الموت بين الناس، وكثرة موت الفجأة، وذلك يكون بأمور كثيرة، من الحوادث، والز?زل، والبراكين، وا?وبئة، وا?عاصير، وغير ذلك من الطوافين التي يكون فيها هلاك ?عداد كبيرة من الناس، وكذا الحروب والملاحم التي…

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

عباد الله: فإن الله ربكم خلقكم ورزقكم، وكفاكم وإليه مرجعكم، يجمعكم ليوم لا ريب فيه، يفعل في أمركم ما يشاء ويحكم ما يريد، له الحكمة البالغة لا معقب لحكمه، يبلوكم بالضراء والسراء، ويبلوكم بالخير والشر، يبتليكم، ويمتحنكم، فمن صبر،ف (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر: 10].

 

(وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ) [التغابن: 11].

 

الإيمان بالله -عز وجل- أنه هو الخالق البارئ المصور المتصرف المدبر، يفعل ما يشاء، لا راد لحكمه، ولا لأمره، الإيمان بالله أنه قدر مقادير الأشياء قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، فكتب كل ما كان، وما سيكون، إلى يوم القيامة، في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، فيبلو سبحانه وتعالى عباده بما شاء من أقداره، وآلامه، ومن الخير الذي يحبونه، والشر الذي يكرهونه.

 

عباد الله: فاتقوا الله، وأطيعوه، وعلقوا قلوبكم به سبحانه، وأسلموا له إسلاما كليا.

 

أسلموا وجوهكم، وأسلموا قلوبكم، وأخلصوا له نياتكم، فإن الخلق خلقه، وا?مر أمره، ولن يكون العبد مؤمنا إلا إذا علم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأنه قد رفعت ا[قلام، وجفت الصحف، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم الدين: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ) [الأنعام: 17].

 

أيها المسلمون: إن من علامات نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-، ودلائل صدقه عليه الصلاة والسلام: تحقق ما أخبر به حين كان ينزل عليه الوحي -صلى الله عليه وسلم-، فأخبر يومها بما يكون قبل الساعة من الملاحم والفتن، ولا يزال ذلك يتحقق، ويراه الناس أمام أعينهم، فيصدقون ما أخبربه صلى الله عليه وسلم، فيعلمون أنه رسول الله حقا.

 

توقن بذلك قلوبهم، وتطمئن بذلك نفوسهم، ويثبت الله المؤمنين بحمده سبحانه في زمن الفتن، وفي زمن البلاءات المزلزلات، والفتن التي تحرف كثير من الناس، وتزلهم عن الثبات، وأهل الايمان على هدى من ربهم، ثبتوا فثبتهم الله، واستقاموا فأقامهم الله على دينه القويم، وصراطه المستقيم.

 

عباد الله: إن مما أخبر به النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه سيقع في آخر الزمان، انتشار ا?وبئة، الموت بين الناس، وكثرة موت الفجأة، وذلك يكون بأمور كثيرة، من الحوادث، والزلازل، والبراكين، والاوبئة، والاعاصير، وغير ذلك من الطوافين التي يكون فيها هلاك لأعداد كبيرة من الناس، وكذا الحروب والملاحم التي أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنها تكون في آخر الزمان، حينما يفسد الناس، وتكثر الفتن، والجهل والبعد عن دين الله، وعندما يتجرأ الناس على حدود الله -عز وجل-، وعندما يكثر الفساد، وعندما يكثر الفساد في الأرض، فيكون بذلك أمور تنذر الناس وتقرعهم، فيها موت للبشر، وللدواب، وللنبات، ولغير ذلك مما هو قوام حياة الإنسان، وحياة غيره على هذه الأرض.

 

عباد الله: إن الله -عز وجل- أخبرنا في كتابه الكريم أنه ما أصاب أحد مصيبة إلإ كانت بما كسبت يداه: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) [الشورى: 30].

 

ولقد أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه لا يزال يتفاقم هذا الأمر، حتى أن الإنسان ليمر بالقبر، فيتمنى أن يكون مكان المقبور من شدة ما يرى من القتل، واستباحة الدماء، واختلال الأمن، كما جاء في الأحاديث الصحيحة.

 

وهذا يعيشه ناس كثير في بلدان كثيرة اليوم.

 

نسأل الله أن يتم على هذه البلاد الأمن والإيمان، وأن يصرف عنها كل شر وفتنة، وأن يعافي إخواننا المسلمين في كل مكان.

 

وأما الموت بالأوبئة، فالنصوص عليها واردة من سنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومن علامات الساعة، ففي حديث عوف بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك، وهو في قبة له من أدم -أي خيمة من جلد-: "أعدد ستا بين يدي الساعة: موتي -صلى الله عليه وسلم-، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مئة دينار فيضل ساخطا، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلإ دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الاصفر فيغدرون فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفا" [رواه الإمام البخاري].

 

فهذه الست من علامات الساعة، قد مضى منها: موت النبي -صلى الله عليه وسلم-، ومضى منها: فتح بيت المقدس، وقد جاء في ذكر فتح بيت المقدس في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- ما جاء بعدها من ذكر الموتان، وهي أوبئة وطواعين أصابت الناس، فجاء طاعون عمواس، حيث أن الناس في زمن عمر -رضي الله عنه- أصابهم ذاك الطاعون في بلاد الشام، فهلك خلق كثير، وقد قال بعض أهل العلم: أنه هو الذي أراده رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "بموت يأخذ فيكم كأقعاص الغنم" أي: كمرض يصيب الغنم يفتك بها، ويهلك منها الاعداد الكثيرة.

 

وبعض أهل العلم يقول: إنه ليس محصورا في طاعون عمواس، الذي مات فيه عدد من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، بل هو متكرر بعد ذلك، فقد كثر الموت في هذه الامة في أزمنة متعددة، بكل ما أخبر به رسولنا -صلى الله عليه وسلم- بالقتل، وبالاوبئة، فقد جاءت أحاديث عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منها: حديث عائشة -رضى الله عنها- قالت: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا تفنى أمتي إلا بالطعن والطاعون" [رواه أحمد].

 

والطعن، هو القتل.

 

والطاعون، هو الوباء.

 

وهذا مما بشر به النبي -صلى الله عليه وسلم- وأخبر، وهو لا ينطق عن الهوى، ذكر المؤرخون: أن كثرة الموتان له أسباب من كثرة المجاعات، أو كثرة الفتن، أو كثرة الهرج، والقتل، أو وقوع الوباء، وسببه في الغالب فساد الهواء لكثرة العمران، لكثرة ما يكون بداخله، ويخالطه من العفن، والرطوبات المفسدة، وإذا فسد الهواء، وهو غذاء الروح الحيواني، فإنه يسري الفساد، فيكون بذلك ما يكون ما عرف في الأزمنة المتأخرة من الفيروسات، وغيرها من أسباب الهلكة، والموت.

 

وكذلك تكون جزاء مرتبا على ما يراه الله -عز وجل- من الفساد في الأخلاق، والاختلال في التدين، والبعد عن حدود الله -عز وجل-، وقد أنذر نبينا -صلى الله عليه وسلم-: أن كثرة الفتن تكون بسبب اختلال الدين، والجرأة على المعاصي، سيما الزنا، والربا، فما ظهر الزنى في قوم حتى يجهرو ابه إلا كثر فيهم من الطواعين، والأوجاع، ما لم يكن في أسلافهم.

 

ودلت السنة: على أن الفواحش والبغي أيضا سببان لكثرة ا?وبئة، ففي الحديث: "لم تظهر الفاحشة في قوم حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم من الطواعين، والاوجاع التي لم تكن فيمن مضى من أسلافهم الذين مضوا".

 

وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "ما ظهر البغي -أي الظلم والجور والعدوان- في قوم قط إلا ظهر فيهم الموتان".

 

فهذا هو سبب هذه الاوبئة: كثرت المعاصي، والفواحش، وكثرة الظلم والجور.

 

وقد وقع في المائة الاولى من هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- أربعة طواعين مهلكة ابتلي بها الناس آنذاك، فمنها: الطاعون الذي وقع في السنة السادسة من هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- عام صلح الحديبية، لكنه لم يكن في جزيرة العرب، بل وقع في بلاد الشام، في بلاد فارس والروم، وسلم منه أهل الاسلام.

 

ثم الطاعون الثاني: وهو طاعون عمواس في بلاد الشام أيضا، واسشتشهد فيها جمع من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أبرزهم معاذ بن جبل -رضي الله عنه-، وأبو عبيدة بن الجراح، وشرحبيل بن حسنة، والفضل بن العباس بن عبد المطلب، وغيرهم، وقد هلك فيه أكثر من خمسة وعشرين ألفا، وكان عمر حينها يفتح بيت المقدس في فلسطين، ثم انصرف بالمسلمين تنفيذا لما جاء عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "إذا سمعتم بالطاعون في بلد فلا تدخولها، وإن كنتم فيها فلا تخرجوا منها".

 

وهذا تأصيل لنظام الحمية في الإسلام، والحجر الصحي، فمن كان في بلد موبوء، فلا يجوز له أن يخرج منه، حتى لا ينقل العدوى، فكم من حامل للمرض ليس بمريض.

 

ومن كان في خارج البلد، فلا يجوز له أن يدخلها إذا تيقن الوباء؛ حتى لا يصاب بما هو منه في عافية.

 

وحصل طاعون بعد ذلك أيضا سمي الطاعون: الجارف؛ لكثرة ما اجترف من الناس وأهلك، وذلك في زمن دولة عبد الله بن الزبير -رضي الله عنه وأرضاه-، وقد جاء فيه أنه هلك في يوم واحد سبعون ألفا، ومات فيه لانس بن مالك -رضي الله عنه- خادم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من دعا له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بثلاث دعوات عندما طلبت أمه من رسول الله ذلك، فقالت: ادع لبني هذا، فقال: "اللهم كثر ماله وولده، وأدخله الجنة" فكثر ولده، حتى أنه في هذا الطاعون الجارف مات له في يوم واحد ثلاثة وسبعون ولدا.

 

قال الفقهاء: ومات لعبد الرحمن بن أبي بكرة -رضي الله عنه- أربعون ابنا في يوم واحد.

 

ومات لعبيد الله بن عمير ثلاثون ابنا.

 

ومات لصدقة بن عامر سبعة أبناء في يوم واحد، دخل بيته فوجدهم قد سجوا جميعا، فقال : "اللهم إني مسلم مسلم".

 

وقال معاذ التمار: وأخبرت أن الدار تصبح وفيها خمسون، فتمسي وليس فيها أحد.

 

وأما الطاعون الرابع في المائة الآولى: فكان سنة 87 من الهجرة، ويسمى طاعون: الفتيات؛ لآنه بدأ في العذارى، والبنات، والجواري، وابتدأ من البصرة في العراق، وبواسط، ثم انتقل إلى الشام، والكوفة، ومات فيه كثير من الناس، حتى مات منهم عبد الملك بن مروان الخليفة، ولذا يسميه بعض المؤرخين بطاعون: الاشراف؛ لكثرة ما مات فيه من أصحاب المكانة والشرف.

 

وتتابعت الاوبئة والطواعين عبر القرون، ووقع ما أخبر به رسولنا -عليه الصلاة والسلام- من كثرة الموتان، وأنه من علامات الساعة، وأن فناء أمته صلى الله عليه وسلم بالطعن، والطاعون، أي بالقتل، والاوبئة، فكان صلى الله عليه وسلم قد أخبر بما يقع، وهو الذي لا ينطق عن الهوى عليه الصلاة والسلام.

 

عباد الله: في زماننا هذا كثرت الاوبئة، وكان فيها من الاوبئة ما لا يعرف في الزمن السابق، فانتشر في الناس أمراض غريبة عجيبة، فهذا ا?يدز، وهذا السارس، وهذا جنون البقر، وهذا انفلونزا الطيور والخنازير، وغيرها من الاسماء التي ظهرت، وتظهر كل يوم في مسمى جديد، ومنها: الكورونا، ومنها: آيبولا، ومنها غيره، حتى أن منظمة الصحة الدولية سجلت في خمسة أعوام فقط أكثر من مائة وألف وباء، في مناطق العالم المختلفة، وبإذن الله -تعالى- تمكن الخلق من السيطرة عليها، واكتشاف اللقاحات التي تمنعها -بإذن الله عز وجل-؛ لكن إذا أذن الله بفناء جمع من الناس عجزوا عن السيطرة عليها، والله يحكم لا معقب لحكمه.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [يونس: 107].

 

اللهم بارك لنا في القرآن العظيم، وانفعنا بما فيه من الايات والذكر الحكيم.

 

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

اللهم لك الحمد كله، ولك الفضل كله، وإليك يرجع الامر كله، أنت رب الطيبين، أنت ربنا.

اللهم إنا نسألك من كل هم فرجا، ومن كل ضيق مخرجا، ومن كل بلاء عافية، وأن تغفر لنا وترحمنا، وإن أردت في قوم فتنة فاقبضنا غير مفتونين.

نعوذ بك من درك الشقاء، وجهد البلاء، وسوء القضاء، وشماتة الاعداء، ونسألك اللهم مردا إليك غير مخز ولا فاضح.

أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم تسليما كثيرا.

 

أما بعد:

 

عباد الله: اتقوا الله وأطيعوه، وأنيبوا إليه، وتوكلوا عليه، فإنه لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو الله مولانا: (وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [آل عمران: 122].

 

أيها المسلمون: الاوبئة والطواعين، ابتلاء من الله -سبحانه وتعالى- لعباده، وعقوبة لمن أراد عقابه، والمؤمنون إذا أصابتهم مصيبة قاموا بأمر الله -عز وجل-، فيصبرون ويحتسبون، ويؤجرون على ذلك أعظم الاجر، فمن مات في الوباء كان موته في الوباء شهادة له، كما أخبر بذلك رسولنا -صلى الله عليه وسلم-، ففي الحديث عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن الطاعون، فأخبرني: "أنه عذاب يبعثه الله على من يشاء، وإن الله يجعله رحمة للمؤمنين، ليس من أحد يصيبه الطاعون فيمكث في بلده صابرا محتسبا يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتبه الله له إلا كان له مثل أجر شهيد" [رواه الامام البخاري].

 

وفي حديث آخر: "الطاعون شهادة لكل مسلم" [والحديث متفق عليه].

 

"والفرار من الطاعون كالفرار من الزحف" كما جاء في حديث عنه صلى الله عليه وسلم.

 

والتوجيه النبوي فيه أنه: إذا سمع بالوباء في بلد، فلا تقدموا عليه، وإذا وقع في أرض وأنتم فيها، فلا تخرجوا منها.

 

وهذا التوجيه الكريم: يقتضي محاصرة الوباء، وعند إعلان المسؤولين بأنه وباء، وبأنه أصبح خارج السيطرة والتحكم في شأنه، فينبغي للمسلم أن يحتسب عند الله الالتزام بالنصوص الشرعية فيما يكون عليه حاله من عدم التعرض لمثل هذه الاوبئة أو المساعدة في انتشارها، وكان عمر -رضي الله عنه- خرج بالناس فلما عوتب رضي الله عنه في ذلك لما أبى أن يدخل إلى أرض عمواس لما فيها من الطواعين، وقف واستشار أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فلم يجد عند كثير منهم خبرا، فقال: أرجع بالناس، ولا أدخل، فعاتبه بعض الصحابة، وقالوا: تفر من قدر الله؟ قال: نعم، نفر من قدر الله، إلى قدر الله.

 

فجاء عبد الرحمن بن عوف، فأخبر عمر -رضي الله عنه- أنه سمع رسول الله -صلى الله وسلم- يقول: "إذا سمعتم بالطاعون في بلد فلا تدخلوها" فقال: الحمد لله الذي وفقنا لما أمر به رسول الله -صلى الله وسلم-.

 

وهذا يدل على أن هذا الحديث قد جعل للناس مرجعا وأصلا في التعامل مع الاوبئة، والاضرار.

 

وكذا فعل عمر -رضي الله عنه- مع توافر الصحابة، وإجماعهم، وتأييدهم لما فعله رضي الله عنه، فهو دليل آخر بالاجماع على تقصي الوباء، والتحصي له، والابتعاد عنه.

 

عباد الله: إن الله -عز وجل- يبلو عباده بما يشاء، يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، فاملؤوا قلوبكم يقينا بأنه لن يصيبكم إلا ما كتب الله لكم، فلقد كانت الطواعين، والاوبئة تأخذ من البيت من تأخذ، وتترك من تترك، فمن حي أحياه الله، ومن مات، فالله الذي أماته، ولكل أجل: (وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) [آل عمران: 122].

 

فلا يكن همك في أن تدفع عن نفسك ما لم يدفعه الله، ولا أن تجلب لنفسك ما لم يجلبه الله، فعلى الله توكلوا إن كنتم مؤمنين! وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مسلمين.

 

وليأخذ المؤمن بالاجراءات المناسبة في مثل هذه الاحوال، بالحرص على الخير، والتوبة إلى الله، والانابة إلى الله، وإنكار المنكرات التي هي سبب غضب الله على من أنزل بهم ما شاء من هذه الاوبئة.

 

فالتوبة تجب ما قبلها، وما تدارك الانسان نفسه من شيء أعظم من أن يتدارك نفسه بالتوبة إلى الله.

 

وحين نتكلم بهذا الكلام، فإننا -والحمد لله رب العالمين- في عافية من الله عظيمة، ولكن نسمع من كثير من الناس شيء من القلق، والتحرز الذي لا طائل وراءه، والحرص الذي لا ينبغي أن يكون فيه حتى أشغل نفسه، وأهله، ومن حوله بالتحرز الذي لا دليل عليه، وبالاحتياط الذي لا مبرر له، فلكم سئل أهل العلم عن جواز السفر إلى بعض مناطق المملكة التي فيها بعض حالات: الكورونا، ولم يكن في هذا السؤال بأس، لكن ينبغي أن يكون للناس علم بما ينبغي أن يكونوا عليه في مثل هذا الحال.

 

فأنت -أيها المسلم- لم يكن عندك في يوم من الايام شك في أن الله قادر على أن يبتليك بما شاء، وأنت في عقر بيتك، وفي داخل مجلسك، بعيدا عن مخالطة الناس، وما أصاب البعيدين هو الذي سيصيبك إذا شاء رب العالمين، وقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالاحتياط ، ولكنه قال: "لا عدوى ولا طيرة".

 

ولما سئل عن العدوى، قال: "لا عدوى ولا طيرة".

 

فهنا أراد أن ينزع من الناس التعلق بالمحسوسات فقط، ثم قال في الحديث الاخر: "لا يورد ممرض على مصح".

 

أي من كان في إبله، أو في أنعامه مرض، فلا يوردها على الابل، أو الانعام السليمة؛ حتى لا يصيبها.

 

وقال في حديث آخر: "فر من المجذوم كما تفر من الاسد".

 

فهذه الاحاديث تدل على أنه ينبغي أن يكون هناك توازن:

 

أولا: أن تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأن الذي أصاب أول مريض بالمرض، حتى انتشر في الناس قادر على أن يجعلك أنت أيضا أول من يصاب في بلدك، والله كاف عباده بما شاء، وليس الأمراض بعيب، ولكنها قد تكون رحمة من الله، يسوق الله الشهادة لمن شاء من عباده المؤمنين، وقد يصاب من لم يخطئ، وما ذلك إلا رحمة من الله، كان معاذ -رضي الله عنه- في طاعون عمواس، يقول: "يا طاعون خذني يا طاعون خذني" ومات به رضي الله عنه، لما سمع من حديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن الموت به شهادة.

 

والاحاديث الاخرى تدل على وجوب الاحتراز، والتحري، وعدم المخالطة لاهل المرض، ومن فيهم شيء من عوارضه، وهذا ما يوصي به العلماء، والمختصون من الاحتياطات الاحترازية، ليس القلق، وليس الإرجاف في الناس، وليس تخويف الناس، وليس نشر القلق في الناس، فهذا ليس بمطلب شرعي، بل المسلم عاقل فطن، يعرف كيف يتصرف في مثل هذه الامور، ونحن في عافية -ولله الحمد والمنة- في أحوالنا جميعا، وليس عندنا قليل من كثير أصاب الله به غيرنا من الامم، فاحمدوا الله على نعمه، واشكروه على فضله، واسألوه من صدق، وبصدق، أن يصرف عنا وعنكم، وعن إخواننا المسلمين كل شر وفتنة.

 

ألا وصلوا على البشير النذير، والسراج المنير، محمد بن عبد الله، فقد أمركم الله بذلك، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56].

 

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد.

 

 

 

قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات
جميع التعليقات
  • عبد الوهاب العمري
    هشام جمال عمر

    بارك الله فيك و سدد الله خطاك و حفظك و رعاك

  • عبد الوهاب العمري
    احمد

    احسنتم وسلمتم من كل سوء وكل المسلمين فى شتى بقاع الأرض
    اللهم احفظنا بحفظك وارفع عنا غضبك وعافنا واعف عنا يا ارحم الراحمين

لقد تجاوزت الحد المسموح له في التعليقات