المحاسبة الجادة

عبدالباري بن عواض الثبيتي

2022-10-12 - 1444/03/16
عناصر الخطبة
1/ الاعتبار بسرعة مرور الليالي والأيام 2/ مفاسد الغفلة عن الأجل 3/ صور من التفريط في حياتنا 4/ الحث على اغتنام الأعمار 5/ وجوب محاسبة النفس 6/ أحوال الأمة بين عام مضى وعام قادم.

اقتباس

ما الذي أهمّك في عامك الماضي وأقضّ مضجعَك: لقمة تأكلها ولباسًا تلبسه، متعة عابرة، لذة عاجلة، مالاً تقتنيه وتجمعه، أم كان همُّك أن تحيى لله سالكًا سُبُلَ مرضاتِه وجنّاتِه؟ ما الذي آلمك في أيامك الماضية: منصبٌ لم تستطع تحصيلَه ودنيا لم تبلغ مناك فيها، أم أنّ دعوةَ الله تختلج في نفسك، فإذا علا منارُها وارتفع لواؤها خفق القلبُ فرحًا، وتهادت النفس سرورًا، وإذا أصابتها العواصف والأدواء دمعتِ العين وحزنت النفس وجأر اللسانُ يشكو إلى ربّ العباد أحوالَ العباد؟

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

أمّا بعد: فاتقوا الله ـ عبادَ الله ـ حقَّ التقوى، وراقبوه في السرّ والنجوى، قال الله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ) [آل عمران:102].

 

إنّ هذه الشمسَ التي تطلع كلَّ يوم من مشرقها وتغرب في مغربها تحمِل أعظمَ الاعتبار، فطلوعُها ثم غيابُها إيذان بأنّ هذه الدنيا ليست دارَ قرار، وإنما طلوعٌ وزوال.

 

انظر إلى هذه الشهور، تهلّ فيها الأهلّة صغيرةً كما يولَد الأطفال، ثم تنمو رويدًا رويدًا كما تنمو الأجسام، حتى إذا تكامل نموُّها أخذت في النقص والاضمحلال، وهكذا عمر الإنسان.

 

تتجدّد الأعوام عامًا بعد عام، فإذا دخَل العام الجديد نظر الإنسان إلى آخره نظرَ البعيد، ثم تمرّ به الأيام سِراعًا، فينصرم العامُ كلمح البصر، فإذا هو في آخر العام، وهكذا عُمر الإنسان، يتطلّع إلى آخره تطلُّع البعيد، فإذا به قد هجم عليه الموت. يؤمّل الإنسان بطولِ العمر، ويتسلَّى بالأماني، فإذا بحبلِ الأماني قد انصرم، وبناء الأماني قد انهدَم.

 

إنّنا في هذهِ الأيّام نودّع عامًا ماضيًا شهيدًا، ونستقبل عامًا مقبلاً جديدًا، فليتَ شِعري ماذا أودَعنا في عامنا الماضي؟ وماذا نستقبل به العامَ الجديد؟ قال أبو الدرداء -رضي الله عنه-: "يا ابنَ آدم، إنما أنتَ أيّامٌ، فإذا ذهب منك يومٌ ذهبَ بعضُك" (أخرجه البيهقي في الشعب (7/381) وفي الزهد الكبير (511) عن قتادة عنه).

 

وقال أبو حازم -رحمه الله تعالى-: "عَجبًا لقومٍ يعملون لدارٍ يرحلون عنها كلَّ يوم مرحلة، ويدَعون أن يعمَلوا لدارٍ يرحلون إليها كلَّ يوم مرحلة" (صفة الصفوة: 2/165).

 

كيف يفرح مَن يومُه يهدِم شهرَه، وشهرُه يهدِم سنتَه، وسنتُه تهدم عمرَه؟! كيف يفرح من عُمره يقوده إلى أجلِه، وحياتُه تقوده إلى موته؟! قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "كيفَ نفرَح والموتُ من ورائنا، والقبور أمامنا، والقيامةُ موعدنا، وعلى جهنّم طريقنا، وبين يدَي ربّنا موقفنا؟!" (إحياء علوم الدين: 4/184).

 

لقد ضربتِ الدنيا في قلوبنا بسَهم، ونصبَت في قلوبنا رايات، ليلُنا ونهارُنا في حديثٍ عن الدنيا: كم نَربح؟ كيف نجمَع؟ إن ضُرِب موعِدٌ للدّنيا بادرنا إليه مبكِّرين، وأقمَنا عند بابه فرِحين، ولا نُبقي للآخرة في قلوبنا إلاّ ركنًا ضيِّقًا وذِكرًا قصيرًا.

 

انظر إذا رُفع الأذان: كم ترى من المبكِّرين المسرعين؟ وفي الطرقات ترى الكثرةَ تسير بعجلةٍ للدّنيا. لقد وصّى رسولنا –صلى الله عليه وسلم- ابنَ عمر بوصيّة بليغةٍ تصحِّح منظورَ المسلم إلى هذه الحياةِ الدنيا حيث قال: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل" (أخرجه البخاري: 6416).

 

وعلى هذا فعابر السبيل يتقلّل من الدّنيا، ويقصِّر الآمال، ويستكثر من زادِ الإيمان، حديثُه تلاوةُ كتاب الله، وهمُّه المسابقة إلى الخيرات، فاليوم الذي مضى لا يعود، ولهذا يقول معاذ بن جبل -رضي الله عنه- وهو على فراش الموت: "اللهمّ إنّك تعلم أني لم أكن أُحبُّ البقاءَ في الدنيا ولا طولَ المكثِ فيها لجري الأنهار ولا لغرس الأشجار، ولكن كنتُ أحبّ البقاءَ لمكابدةِ الليل الطويل وظمَأ الهواجر في الحرّ الشديد ولمزاحمة العلماء بالرُّكَب في حِلَق الذِّكر" (أخرجه أحمد في الزهد (ص181)، وأبو نعيم في الحلية: 1/239).

 

عابرُ السبيل لا يدنّسُ نقاءَ النهار بآثامه، ولا يقصِّر الليلَ بغفلته ومنامه، إن دُعي إلى الطاعةِ أجاب، وإن نودِي إلى الصلاة لبّى، على قدمِ الاستعداد أبدًا في غدوِّه ورواحه، إنّه يعلم أنَّ مَن أمضى يومًا من عمره في غير حقٍّ قضاه أو فَرضٍ أدّاه أو مَجدٍ أثَّله أو حمدٍ حصَّله أو خير أسَّسه أو عِلم اقتبسه فقد عقّ يومَه وظلَم نفسَه.

 

إخوةَ الإسلام، إنَّ الضغوطَ المعاشيةَ اليوميّة حالت بين العبد وبين الخلوةِ مع نفسه والحديث إليها، فهو في حالةٍ من الجري الدائم للحصول على المزيد، في سباقٍ مع الدنيا، ونهَمٍ على شهواتها، وحِرصٍ شديد هائل على أحوالها. ولهذا يقول سعيد بن مسعود رحمه الله تعالى: "إذا رأيتَ العبدَ تزداد دنياه وتنقُص آخرته وهو بذلك راضٍ فذلك المغبونُ الذي يُلعَب بوجهه وهو لا يشعر" (أخرجه ابن المبارك في الزهد: 628).

 

ويقول محمد بن واسع: "إذا رأيتَ في الجنة رجلاً يبكي، ألستَ تعجَب من بكائه؟!" قيل: بلى، قال: "فالذي يضحَك في الدنيا ولا يدري إلى ماذا يصير هو أعجبُ منه" (إحياء علوم الدين: 3/128).

أخي المسلم، حاسِب نفسَك في نهاية العام لتعرفَ رصيدَك من الخير والشرّ ومدّخراتِك من الأعمال الصالحة، هذه وصيةُ عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "حاسِبوا أنفسَكم قبلَ أن تحاسبوا، وزنوها قبل توزنوا" (أحمد في الزهد (ص120)، وأبو نعيم في الحلية (1/52).

 

فالمحاسبةُ تكشِف عن خبايا نفسِك، وتظهِر عيوبها، فيسهل عليك علاجُها قبل أن تندمَ لفوات الأوان، قال مالك بن دينار رحمه الله: "رحِم الله عبدًا قال لنفسه: ألستِ صاحبةَ كذا؟! ألستِ صاحبةَ كذا؟! ثم ذمَّها، ثم خطمها، ثم ألجمها كتابَ الله -عز وجل-، وكان لها قائدًا" (إحياء علوم الدين (4/405)، وإغاثة اللهفان (1/79).

 

ولا تقولنّ لشيء من سيّئاتك: هو حقير، فلعلّه عند الله نخلةٌ وعندك نقير.

 

إنّ المحاسبةَ التي لا يتعدّى أثرُها دمعَ العين وحزنَ القلبِ دونَ صلاحٍ وإصلاح محاسبةٌ ميّتة، ونتيجة قاصرة. المحاسبةُ المثمِرة تلك التي تولّد ندمًا على المعصية، وتحوُّلاً إلى الخير، فهلُمّ نتساءل: حقوقُ الله هل وفّيتها؟ حقوق العباد هل أدّيتَها؟ ما حالك مع الصّلاة؟ هل تؤدّيها مع الجماعة بشروطها وأركانها وواجِباتها وخشوعِها؟ هل تسكب من خشيةِ الله الدموع، فإنّ النار لا تدخلُها عينٌ بكت من خشية الله؟ هل ما زلتَ مصِرًّا على هجر صلاتَي الفجر والعصر مع الجماعة؟ تلك صلاةُ المنافقين، ومن فاتته صلاةُ العصر حبِط عملُه، كما أخبر الصادق المصدوق –صلى الله عليه وسلم- (أخرجه البخاري : 553، 594).

 

 أمازلتَ غافلاً عن تلاوةِ كتاب الله وقد كنتَ مقبِلاً عليه في شهر رمضان؟ النوافلُ والمستحبّات لِمَ تفرّط فيها وهي علامة الإيمان وطريق محبّة الرحمن؟ فقد ورد في الحديث القدسي: "وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أحبَّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمَع به، وبصرَه الذي يبصر به، ويدَه التي يبطش بها، ورجله التي يمشي عليها" (أخرجه البخاري: 6502).

 

ما الذي أهمّك في عامك الماضي وأقضّ مضجعَك: لقمة تأكلها ولباسًا تلبسه، متعة عابرة، لذة عاجلة، مالاً تقتنيه وتجمعه، أم كان همُّك أن تحيى لله سالكًا سُبُلَ مرضاتِه وجنّاتِه؟

 

ما الذي آلمك في أيامك الماضية: منصبٌ لم تستطع تحصيلَه ودنيا لم تبلغ مناك فيها، أم أنّ دعوةَ الله تختلج في نفسك، فإذا علا منارُها وارتفع لواؤها خفق القلبُ فرحًا، وتهادت النفس سرورًا، وإذا أصابتها العواصف والأدواء دمعتِ العين وحزنت النفس وجأر اللسانُ يشكو إلى ربّ العباد أحوالَ العباد؟

 

هل كنتَ في الماضي زارعًا للخير، تغرس بكلماتك الفضائل، وتنثر العطرَ بأفعالك، أم كنت تغرس الشرَّ والسوءَ وتؤذي إخوانك؟

 

ذلك ماضٍ لا حيلةَ لإرجاعه، وإن كنتَ تملك محوَ ذنوبه وسيّئاته بالتوبة والاستغفار.

 

أمّا عامُك الجديد فإنّك تملكه إن كتب الله لك فيه أجلاً. ابدأ عامَك الجديدَ بهمّة عاليةٍ وعزيمة وقّادة، مقدِّمًا حقوقَ سيّدك وإلهك ومولاك، وحقُّه سبحانه أن يطاعَ فلا يُعصى، وأن يذكَر فلا ينسَى، وأن يُشكرَ فلا يُكفَر.

 

أدِّ حقوقَ والديك بالرعاية والعطفِ والحنان، وحقوقَ زوجك وأبنائك بترسيخ الإيمان والتربية الصالحة، تذكَّر أقاربَك وجيرانك، ولا تطردِ المحتاجين من الأرامل واليتامى والمساكين.

 

أدّ حقوقَ الخدَم والعمّال قبل أن يجفَّ عرقُهم، واحذر ظُلمَهم، فإنّ الظلمَ ظلماتٌ يومَ القيامة.

 

أخي المسلم، وأنتَ ترى زوالَ الأيام وذهاب الأعمار ذكِّر نفسَك بحقيقة الدنيا التي تهفو إليها النفوس، ذكّرها بأنّ أيامَها ماضية وزهرتها ذاوية وزينتها فانية، مسَرّاتها لا تدوم. ذكِّرها بالنعيم المقيم في جنّات الخلود، (أُكُلُهَا دَائِمٌ وِظِلُّهَا) [الرعد:35].

أخي المسلم، إنّك في العام الجديد لا تدري ما يستجدّ لك فيه من أحوالٍ مع تقلّباتِ الليل والنهار، فخذ من صحّتِك لمرضك، ومن حياتك لموتك، ومن غِناك لفقرك، ومن شبابك لهرمِك.

 

ها هو العام الجديد قد أقبل، فاستثمر أيّامه ولياليه، قال الله تعالى: (قُلْ يا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر:53].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإيّاكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على كلِّ حال، ونسأله العافيةَ والمعافاةَ الدائمةَ في الحال والمآل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، تفرّد بالعظمة والجلال، وأشهد أنّ سيّدنا ونبيّنا محمّدًا عبده ورسوله سنيُّ الخصال، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ما دامت الأيام والليالي.

 

أمّا بعد: فاتقوا الله حقَّ التقوى.

 

إخوةَ الإسلام، تستقبل الأمّةُ الإسلاميّة عامَها الجديد بجسَدٍ مقطَّع الأعضاء، مشتَّتِ الأشلاء، وبجروح نازفة في مواقعَ عديدة.

 

إنها مواجعُ وفجائع، هَزهزَت أعصابَ المسلمين، وفتقَت أشجانَهم، والأمّةُ إذا جنحَت إلى الشهوات وأحبّت الآثام واشتغلت بالخبيث عن الطيّب أسَرها الهوى، وفقدت الشعورَ بالمسؤولية، فضلّ سعيُها، وخاب أمرها، وتسلّط عليها عدوّها جزاءً وفاقًا.

 

وفي حديث ثوبان أنّ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: "يوشك الأممُ أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلةُ إلى قَصعتها"، قال قائل: يا رسول الله، ومن قلّةٍ يومئذ؟! قال: "لا، بل أنتم كثير، ولكنّكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنّ الله من صدور عدوّكم المهابةَ منكم، ولتعرفُنَّ في قلوبكم الوهَن"، قال قائل: يا رسول الله، وما الوهن؟ قال: "حبُّ الدنيا وكراهية الموت" (سنن أبي داود: (3745)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (958).

 

كيف تنتصر الأمةُ على عدوّها وقد هُزِمت في معركتها مع النّفس، ونخر جسدَها التفرّقُ والاختلاف؟!

 

وعلى الرغم من الأثقال والأدواء فإنّ فجرًا صادقًا يلوح في الأفق على مستوى الأمّة، فهي تملك مقوِّمات الحضارة وإمكانات السّيادة. بالإيمان والعمل الصالح، بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يجعل الله حزنَ الأمّةِ فرحًا، وعسرَها يُسرًا، وذلَّها عِزًّا، وضعفَها قوّة، لتكون كما أراد الله خيرَ أمّة أخرجت للناس، قال تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) [آل عمران:110].

 

ألا وصلّوا ـ عبادَ الله ـ على رسول الهدى، فقد أمركم الله بذلك في كتابه تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب:56]، اللهمّ صلّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمّد، وارض اللهم عن خلفائه الأربعة الراشدين...

 

 

 

المرفقات

الجادة1

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات