طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

10278

الخشية سبيل النجاة

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / جامع حي النزهة /
التصنيف الرئيسي : أحوال القلوب التربية
تاريخ الخطبة : 1420/09/16
تاريخ النشر : 1436/12/26
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/قصة توبة المرأة الغامدية 2/أهمية خشية الله ومراقبته وحقيقتها وضابطها 3/خشية يوسف -عليه السلام- لربه ومراقبته له 4/بعض فضائل خشية الله ومراقبته 5/نماذج مؤثرة في خشية الله ومراقبته
اقتباس

انظروها من ورائكم، تقطع ردهات الزمن، وتمخر عباب التاريخ، تخوض غماره، بسفينتها العظيمة، لتحجز قبل تلك البواخر مرسى. كأني بها وقد أقبلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بخطىً ثابتة، وفؤادِ يرجف وجلاً وخشية، رمت بكل مقاييس البشر وموازينهم، تناست العار والفضيحة، لم تخشى الناس، أو عيون الناس، وماذا يقول الناس؟ أقبلت تطلب الموت، نعم تطلب الموت، فالموت يهون إن كان معه الـ…

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

أما بعد:

 

انظروها من ورائكم، تقطع ردهات الزمن، وتمخر عباب التاريخ، تخوض غماره، بسفينتها العظيمة، لتحجز قبل تلك البواخر مرسى.

 

كأني بها وقد أقبلت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بخطىً ثابتة، وفؤادِ يرجف وجلاً وخشية، رمت بكل مقاييس البشر وموازينهم، تناست العار والفضيحة، لم تخشى الناس، أو عيون الناس، وماذا يقول الناس؟ أقبلت تطلب الموت، نعم تطلب الموت، فالموت يهون إن كان معه المغفرة والصفح، يهون إن كان بعده الرضا والقبول، يهون إن كان فيه إطفاء لحرقة الألم، ولسع المعصية، وتأنيب الضمير: "يا رسول الله أصبت حدًا فطهرني".

 

عندها يشيح النبي -صلى الله عليه وسلم- عنها بوجهه، فتقبل عليه وتقول: يا رسول الله أصبت حدًا فطهرني، أُراك تريد أن تردني؛ كما رددت ماعز بن مالك، فو الله إني حبلى من الزنا، فقال: "اذهبي حتى تضعيه".

 

فولت والفرح يملأ قلبها، والسرور يخالط نفسها أن نجت من موت محقق؟ وردها رسول الله، كلا، بل لم يزل الهم يعترك في فؤادها وسياط الخوف تعلو هامة تفكيرها.

 

ويمر الشهر والشهر، والآلام تلد الآلام، فتأتي بوليدها تحمله: ها أنا ذا وضعته فطهرني يا رسول الله، فيقول البر الرحيم: "اذهبي حتى ترضعيه فتفطميه".

 

فعادت بابنها الرضيع، فلو رأيتها ووليدها بين يديها، والناس يرقبونها عجبًا وإكبارًا، والشيطان يسول لها ويزين أن تلك فرصتك، وقد قمت بما عليك، والنبي -صلى الله عليه وسلم- ردك مرارًا، وترجع به، وحولين كاملين، كلما ألقمته ثديها، أو ضمته إلى صدرها زاد تعلقها به وتعلقه بها، وحبها له، فهي أم، وللأم أسرار وأخبار.

 

وتدور السنة تعقبها سنة، وتأتي به في يده خبزة يأكلها، يا رسول الله قد فطمته فطهرني، عجبًا لها ولحالها! أي إيمانٍ هذا الذي تحمله، ما هذا الإصرار والعزم، ثلاث سنين تزيد أو تنقص، والأيام تتعاقب، والشهور تتوالى، وفي كل لحظة لها مع الألم قصة، وفي عالم المواجع رواية، فيدفع النبي -صلى الله عليه وسلم- الصبي إلى رجل من المسلمين، ويؤمر بها فتدفن إلى صدرها ثم ترجم، فيطيش دم من رأسها على خالد بن الوليد، فسبها على مسمع من النبي -صلى الله عليه وسلم-، فقال عليه الصلاة والسلام: "والله لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لقبلت منه"[رواه مسلم ح (1695)].

 

إنه الخوف من الله، إنها خشية الله ترتقي بالنفوس، فلا ترى لها قرارًا إلا بجوار الرحمن في جنة الرضوان.

 

إنها الخشية لم تزل بتلك المؤمنة حين وقعت في حبائل الشيطان، واستجابت له في لحظة ضعف، نعم أذنبت، ولكنها قامت من ذنبها بقلبٍ يملأه الإيمان، ونفسٍ لسعتها حرارة المعصية، نعم أذنبت ولكن قام في قلبها مقام التعظيم لمن عصت، فتحشرجت في صدرها سؤالات، كيف أعصيه وهو المنعم الخالق! كيف أعصيه وهو الرازق الواهب؟ كيف أعصيه وقد نهاني؟ كيف أعصيه وقد كساني وآواني؟! فلم تقنع إلا بالتطهير وإن كان طريقه إزهاق النفس وذهاب الحياة.

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ * هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ * مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ * ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ * لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ)[ق: 31 – 35].

 

قال الحسن: "إن الرجل ليذنب الذنب فما ينساه، وما يزال متخوفًا منه حتى يدخل الجنة"[رواه البخاري ومسلم واللفظ له].

 

عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "ما رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مستجمعًا ضاحكًا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يتبسم قالت: وكان إذا رأى غيمًا أو ريحًا عُرف ذلك في وجهه، فقالت: يا رسول الله، أرى الناس إذا رأوا الغيم فرحوا رجاء أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عَرفتُ في وجهك الكراهية؟ فقال: "يا عائشة، ما يُؤمنني أن يكون فيه عذاب، قد عُذب قوم بالريح، وقد رأى قوم العذاب، فقالوا: (هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا)[الأحقاف: 24] [الحديث رواه البخاري ح (4829)، مسلم ح (899)].

 

في مصنف ابن أبي شيبة عن العباس العِّميِّ -رحمه الله- قال: "بلغني أن داود -عليه السلام- قال: سبحانك تعاليت فوق عرشك، وجعلت خشيتك على من في السموات والأرض، فأقرب خلقك إليك أشدهم لك خشية، وما علم من لم يخشك؟ وما حكمة من لم يطع أمرك؟ ".

 

إن الخشية الحقة، والخوف المحمود، هو الحامل على العمل، الذي لا يزال يدفع بصاحبه إلى الطاعة، وينفره من المعصية.

 

الخشية الحقة، هي التي تربي القلب حتى لا يفرق بين معصية وأخرى، فلا ينظر إلى صغر المعصية، ولكن ينظر إلى عظمة من عصى، قال الله -سبحانه- يحصر المنتفعين بالذكرى: (طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى * إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى)[طه: 1 – 3].

 

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا * فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا * إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا * إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا)[النازعات: 41 – 45].

 

وقال سبحانه: (فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى)[الأعلى: 8 – 9].

 

إن المنتفعين بالذكرى، المستفيدين من النذارة والبشارة هم أهل الخشية والمراقبة، قال جل ذكره: (إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ)[فاطر: 18].

 

(وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ * إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ)[يس: 10- 11].

 

أهل الخشية هم السعداء في الدنيا، الفائزون في الآخرة: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ)[النور: 52].

 

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ * جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ)[البينة: 6 – 7].

 

روى الترمذي وابن ماجة وصححه الألباني عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "سألت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن هذه الآية: (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ)[المؤمنون: 60] قالت: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: "لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذي يصومون، ويصلون، ويتصدقون، وهم يخافون ألا تقبل منهم: (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ)[المؤمنون: 61].

 

وفي يوم حضره الشيطان، وغابت فيه خشية الله ومراقبته أجمع أخوة يوسف على رميه في غياهب البئر، وكان ما كان من أمر السيارة، وبيع العبيد وهو الحر الأبي، وبعد كل ما لاقى من الآلام والمتاعب وهو بعدُ فتح يافع دخل بيت العزيز غلامًا يخدم، وقد بلغ من الجمال مبلغًا حتى أوتي شطر الحسن، لم تصبر معه امرأة العزيز المفرطة في البهاء والجمال، حتى تجملت وتزينت وغلقت الأبواب، فأقبلت تدعو وتغري هيت لك، هيت لك، قد ملكت جمالاً تغريه به، ومنصبًا وجاهًا يحفظه من العقوبة، فهي امرأة العزيز، وكان الطلب منها، بعد أن غلقت الأبواب، وهو في نفسه غريب بعيد عن أهله ووطنه، والغريب قد يقدم بما لا يقدم عليه أهل الديار، وهو شاب قد فطر على الميل إلى الأنثى بما ركب الله فيه من شهوة، فتصور كل هذا، والمكان يعلوه السكون، لا يُسمع فيه إلا نداء الإثم والفجور، هيت لك، هيت لك.

 

حينها أقبل يوسف -عليه السلام-: (قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ)[يوسف: 23].

 

عندها هرب يوسف -عليه السلام-، هرب إلى الله، فرّ إلى الله، يمم الباب خشية من الله، فمدت يدها تجر قميصه.

 

ودارت الأيام وعظم الإغراء، وقُدِّم عليه السلام بين يدي نساء عِلية القوم فقُطعت الأيدي، وأعجمت الألسن: (وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ)[يوسف: 31].

 

في هذه الأثناء نطقت صاحبة الشأن وأعلنت أمرها، وجددت عزمها: (قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِنَ الصَّاغِرِينَ)[يوسف: 32].

 

أبعد الحرمان، وفراق الأهل والأوطان، وألم الرق والعبودية يكون السجن؟

 

قلها، تكلم، تخلص بكلمة، استعطفها، اعرض أمرك على العزيز، قص خبرك، اهرب وانجُ بنفسك، كلا، كلا: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ)[يوسف: 33].

 

السجن، نعم، ولمَ لا يكون إذا كان دون العهر والفاحشة والرذيلة.

 

روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" وذكر منهم: "ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله".

 

قال مسروق -رحمه الله-: "كفى بالمرء علمًا أن يخشى الله، وكفى بالمرء جهلاً أن يعجب بعمله".

 

وقال إبراهيم بن سفيان: "إذا سكن الخوف القلب أحرق مواضع الشهواتِ منه وطرد الدنيا عنه".

 

راود رجل امرأة في ظلمة الليل، فقال: لا يرانا من أحد إلا هذا الكوكب. فقالت: وأين مكوكبها؟ فوجل وأقلع.

 

واليوم عاثت الدنيا بأهلها فأضحى المخلوق يخشى المخلوق دون الخالق، يرجو المربوب دون الرب -سبحانه-، فعجبًا لمن يخشى الناس، ويخاف الناس، وعيون الناس، وألسنة الناس، وعقاب الناس، فأعماله للخلق، وسؤاله للخلق، يعطي ليرضي فلان، ويمنع ليحظى بقرب فلان، يحب للدنيا، ويبغض للدنيا، خاب وخسر، ما قام في قلبه الوجل من ربه، ولا عرف الله حق المعرفة: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ)[الزمر: 67].

 

قال عمر بن عبد العزيز: "من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله خاف من كل شيء": (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً)[النساء: 77].

 

(أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)[التوبة: 13]. 

 

(إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ)[التوبة: 18].

 

إن هذه العبادة العظيمة، إن مفهوم الخشية والمراقبة غاب في قاموس كثير من الناس إلا من رحم ربك، غاب في تعاملنا مع ربنا، في تعاملنا في أنفسنا، في تعاملنا مع الناس في أقوالنا، في أفعالنا، في بيعنا وشرائنا، في تربيتنا لأبنائنا، في أدائنا في وظائفنا، في تعاملنا مع الأجراء والخدم، في حياتنا كلها، والموفق من وفقه الله.

 

بالخوف والخشية تصلح أمور العباد، بل يصلح الكون كله، قال أبو حفص: "الخوف سراج في القلب يبصر به ما فيه من الخير والشر".

 

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)[البقرة: 74]،.

 

(لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)[الحشر: 21].

 

فكم من البشر وفي الحجارة والجبال والأشجار والحيوان خير منه، وقديمًا قيل: "من كان بالله أعرف كان له أخوف".

 

ولهذا يتمايز المؤمن من غيره، ويظهر الصادق في خشيته ممن يدّعي ويتزين، يظهر أهل الخشية الحقة في وقت الخلوات وساعات الوحدة والعزلة عن الخلق.

 

فكثير أولئك الذين يتصدقون أمام الناس ولكنهم في السر قليل.

 

كثير الذين يتورعون عن ظلم الناس أمام الناس، وهم في السر أظلم الخلق.

 

كثيرٌ هم أولئك الذين يقومون بالطاعات ويهجرون المعاصي في حضرة الخلق، وإذا خلوا بمحارم الله انتهكوها: (إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ)[الملك: 12].

 

 

الخطبة الثانية:

 

في صحيح مسلم عن عائشة -رضي الله عنها- قالت: فقدت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليلة من الفراش، فالتمسته فوقعت يدي على بطن قدميه وهو في المسجد -أي في السجود- وهما منصوبتان، وهو يقول: "اللهم أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك".

 

وأخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "إني لأنقلب إلى أهلي، فآخذ التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها".

 

قال الحسن البصري -رحمه الله-: "لقد مضى بين يديكم أقوام لو أن أحدهم أنفق عدد هذا الحصى لخشي أن لا ينجو من عظم ذلك اليوم".

 

وقال رحمه الله: "عملوا والله بالطاعات، واجتهدوا فيها، وخافوا أن ترد عليهم، إن المؤمن جمع إيمانًا وخشية، والمنافق جمع إساءة وأمنًا".

 

روى الترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع، ولا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم".

 

وروى الترمذي وابن ماجة وحسنه النووي عن أنس -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دخل على شاب وهو في الموت فقال: "كيف تجدك؟" قال: والله يا رسول الله إني أرجو الله وإني أخاف ذنوبي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "لا يجتمعان في قلب عبد في مثل هذا الموطن إلا أعطاه الله ما يرجو، وأمنه مما يخاف".

 

قال عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: "لو نادى مناد من السماء: أيها الناس إنكم داخلون الجنة كلكم إلا رجلاً واحدًا لخفت أن أكون أنا هو".

 

وروى البيهقي بسنده عن العباس بن عبد المطلب -رضي الله عنه- قال: "كنا جلوسًا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- تحت شجرة فهاجت الريح، فوقع ما كان فيها من ورق نخِر، وبقي ما كان من ورق أخضر، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "ما مثل هذه الشجرة؟" فقال القوم: الله ورسوله أعلم، فقال: "مثل المؤمن إذا اقشعر من خشية الله – عز وجل- وقعت عنه ذنوبه وبقيت له حسناته"[رواه أبو يعلى في مسنده، وأشار الهيثمي على تضعيفه (10/310)].

 

 

 

الملفات المرفقة
سبيل النجاة
عدد التحميل 32
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات