كفى بالموت واعظا

فؤاد بن يوسف أبو سعيد

2022-10-12 - 1444/03/16
عناصر الخطبة
1/الموت مكتوب على كل شيء 2/الأجل محتوم 3/أسباب الموت 4/بعض صور حسن الخاتمة 5/بعض صور سوء الخاتمة والتحذير من ذلك 6/شوق المؤمن للقاء الله وفزع الكافر

اقتباس

الموتُ إذا أقبلَ هيَّأَ اللهُ -سبحانه- له الأسباب، فمنهم من يموت بمرض من الأمراض، ومنهم من يموت بالقتل، ومنهم من يموت بالخنق أو التردي من شواهق الجبال، أو شرْبِ السُّموم. ومنهم من يموت مِيتة مشرِّفة، كمن يموت في سبيلٍ من سُبُل الخير؛ يموت غاديا إلى المسجد أو رائحا، أو ساعيا على أرملة أو يتيم أو مسكين، أو...

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70 - 71].

 

أما بعد:

 

فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهدي هديُ محمد -صلى الله تعالى عليه وسلم-، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار.

 

إن الله -جل جلاله- قد كتب الفناء على كل شيء، وكتب الموت على كل مخلوقٍ حيٍّ، عند الموت؛ يستوي الكبير والصغير، والملك والأمير، والرئيس والوزير، والصالح والطالح، والمؤمن والكافر، والغني والفقير، فلا رادَّ لقدره وقضائه، ولا مانع لمواهبه وعطائه، فوحِّد الله أيها الإنسان: (وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [القصص: 88].

 

فلا مخلوق كتب له البقاء، ولا موجود كتب له الدوامُ والخلود، و (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) [الرحمن: 26 - 27].

 

فإذا كان أحبُّ خلق الله إلى الله؛ وهو محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، قال له الله: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) [الزمر: 30] فكيف بغيره من الناس؟!

 

والنفوس لها آجال محدودة، وأعمار معدودة، لا تزيد ولا تنقص، ولا يتقدم الأجل عن موعده ولا يتأخر، قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "اللهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ" قَالَ: فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "قَدْ سَأَلْتِ اللهَ لآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَنْ يُعَجِّلَ شَيْئًا قَبْلَ حِلِّهِ، أَوْ يُؤَخِّرَ شَيْئًا عَنْ حِلِّهِ، وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ، أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ، كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ" [مسلم (2663)].

 

فالكفارُ والمكذِّبون بالموت وما بعده، والمتشبثون بالدنيا، هؤلاء: (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ * وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ * مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ) [الحجر: 3 - 5].

 

فالأجل محتوم، وكلُّ أمَّةٍ تنتظرُ أجلَها: (فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) [الأعراف: 34].

 

ف "سُبْحَانَ من كتب الْمَوْتَ على من تَحت عَرْشِه، سبحانَ من تفرَّدَ بالوجودِ الأزليِّ والبقاءِ السرمديِّ دون خلقه، سُبْحَانَ من سَاوَى بَين الْبَريَّة فِي وُرُود حِيَاض الْمنية، فَلا الْقويُّ يعتصم مِنْهَا بقوَّتِه، وَلا الْعَزِيزُ يرْتَفع عَنْهَا بعزتِه" [التذكرة في الوعظ، لابن الجوزي (ص: 106)].

 

الموتُ إذا أقبلَ هيَّأَ اللهُ -سبحانه- له الأسباب، فمنهم من يموت بمرض من الأمراض، ومنهم من يموت بالقتل، ومنهم من يموت بالخنق أو التردي من شواهق الجبال، أو شرْبِ السُّموم، قال ابن نُباتة السعدي -بضم النون، توفي سنة خمس وأربعمائة-:

 

ومن لم يمت بالسيف مات بغيره *** تعددت الأسباب والموت واحدُ

 

ومنهم من يموت مِيتة مشرِّفة، كمن يموت في سبيلٍ من سُبُل الخير؛ يموت غاديا إلى المسجد أو رائحا، أو ساعيا على أرملة أو يتيم أو مسكين، أو يموت شهيدا في سبيل الله لرفع كلمة لا إله إلا الله، فيُذكر على إثرها بالخير، ويورث الثناءَ الحسن، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: مُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرًا -أي مدحوا صاحبها- فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ" وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرًّا -أي ذموا صاحبها- فَقَالَ نَبِيُّ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ" قَالَ عُمَرُ: فِدًى لَكَ أَبِي وَأُمِّي، مُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا خَيْرٌ، فَقُلْتَ: "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ" وَمُرَّ بِجَنَازَةٍ، فَأُثْنِيَ عَلَيْهَا شَرٌّ، فَقُلْتَ: "وَجَبَتْ، وَجَبَتْ، وَجَبَتْ" فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَمَنْ أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللهِ فِي الأَرْضِ" [البخاري (1367)، ومسلم (949) واللفظ له].

 

وعَنْ أَبِي الأَسْوَدِ، قَالَ: قَدِمْتُ المَدِينَةَ وَقَدْ وَقَعَ بِهَا مَرَضٌ، فَجَلَسْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- فَمَرَّتْ بِهِمْ جَنَازَةٌ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِأُخْرَى فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: وَجَبَتْ، ثُمَّ مُرَّ بِالثَّالِثَةِ، فَأُثْنِيَ عَلَى صَاحِبِهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ، فَقَالَ أَبُو الأَسْوَدِ: فَقُلْتُ: وَمَا وَجَبَتْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟! قَالَ: قُلْتُ: كَمَا قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "أَيُّمَا مُسْلِمٍ، شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ، أَدْخَلَهُ اللَّهُ الجَنَّةَ" فَقُلْنَا: وَثَلاَثَةٌ، قَالَ: "وَثَلاَثَةٌ" فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ، قَالَ: "وَاثْنَانِ" ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الوَاحِدِ" [صحيح البخاري (1368)].

 

فالشهادة للمسلم من المسلمين ما هي إلا بسبب أعمال حسنة كان يقوم بها حال حياته جعلت الناس يثنون عليه، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي زُهَيْرٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالنَّبَاوَةِ، أَوِ الْبَنَاوَةِ، قَالَ: وَالنَّبَاوَةُ مِنَ الطَّائِفِ، قَالَ: "يُوشِكُ أَنْ تَعْرِفُوا أَهْلَ الْجَنَّةِ، مِنْ أَهْلِ النَّارِ" قَالُوا: بِمَ ذَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قَالَ: "بِالثَّنَاءِ الْحَسَنِ، وَالثَّنَاءِ السَّيِّئِ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ اللَّهِ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ" [سنن ابن ماجة (4221)].

 

أما من مات على حالة من هذه الحالات الواردة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فهو من الشهداء، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "الشُّهَدَاءُ خَمْسَةٌ: المَطْعُونُ" "والطَّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ" [البخاري (2830) ومسلم (1916)] "وَالمَبْطُونُ" الذي يصاب بداء في البطن فيموت بسببه "وَالغَرِقُ" الذي يموت غرقا "وَصَاحِبُ الهَدْمِ" الذي يقع عليه جدار ونحوه كارتطامه بسيارة "وَالشَّهِيدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" [كما في صحيح البخاري (2829)].

 

وفي رواية: "وَصَاحِبُ ذَاتِ الْجَنْبِ شَهِيدٌ".

 

في شرح السنة للبغوي (12/ 155): "ذَات الْجُنُبِ: هِيَ الدُّبَيْلَةُ، وَهِيَ قُرْحَةٌ قَبِيحَةٌ تَثْقُبُ الْبَطْنَ".

 

"وَصَاحِبُ الْحَرِيقِ شَهِيدٌ، .. وَالْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجُمْعٍ شَهِيدة" [سنن أبي داود (3111) والنسائي (1846) وصحيح الترغيب (2/ 72، ح1398)].

 

جاء في شرح السنة للبغوي (5/ 370) أنها: "الْمَرْأَة تَمُوتُ وَفِي بَطْنِهَا وَلَدٌ، وَقِيلَ: هِيَ الْمَرْأَةُ تَمُوتُ وَلَمْ يَمْسَسْهَا رَجُلٌ" أي تموت بكرا.

 

وفي رواية: "وَالْمَجْنُونُ شَهَادَةٌ" [سنن النسائي (3194)].

 

وفي رواية: "والخارُّ عن دابته في سبيل الله" [الصحيحة (1667)].

 

أما الموت أثناء أداء عبادة من العبادات؛ فشأنه عظيم عند الله -جل جلاله-، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ رَجُلاً أَوْقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ -أي وقع من على دابته في الحج- وَهُوَ مُحْرِمٌ فَمَاتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "اغْسِلُوهُ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَكَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلا وَجْهَهُ، فَإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا" [مسلم (1206)].

 

وهو الميت الوحيد من بين الموتى الذين لا تغطَّى رؤوسهم، ولا وجوههم عند التكفين، وعند الدفن.

 

والموت في البقاع الطاهرة، والأماكن المقدسة له مكانة عظيمة، وشرفٌ كبير، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "مَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِهَا، فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا" [سنن الترمذي (3917)].

 

وفي رواية للبيهقي في شعب الإيمان (6/ 62، ح3884): "مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ؛ فَمَنْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا وَشَهِيدًا" [صحيح الترغيب والترهيب (2/ 26، ح1195)].

 

ومن نوى عملا صالحا خالصا من قلبه نالَ أجرَه وإن لم يعملْه، ف "مَنْ سَأَلَ اللهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ، بَلَّغَهُ اللهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ" [مسلم (1909)].

 

ومنهم -والعياذ بالله- من يموت ميتة قبيحة، كمن يموت وهو يشرب المسكراتِ والمخدراتِ والمفترات، أو يموت منتحرا، ف "مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ؛ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ شَرِبَ سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ؛ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ؛ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا" [مسلم (109)].

 

أو يموت في حال ذهابه لمعصية من معاصي الله جلَّت قدرتُه، كمن يموت وهو ذاهب إلى ماخور من مواخير الخمور، أو إلى وكر من أوكار الدعارة، أو الانضمام إلى عصابة من عصابات القتل والإرهاب والإجرام، أو فعل أيِّ معصية، فإنه سيبعث يوم القيامة على العمل الذي مات عليه، عَنْ جَابِرٍ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يَقُولُ: "يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ" [مسلم (2878)].

 

وعن جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: "يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ؛ الْمُؤْمِنُ عَلَى إِيمَانِهِ، وَالْمُنَافِقُ عَلَى نِفَاقِهِ" [مصنف عبد الرزاق الصنعاني (3/ 586، ح6746)].

 

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "إِنَّمَا يُبْعَثُ النَّاسُ عَلَى نِيَّاتِهِمْ" [سنن ابن ماجة (4229) صحيح الجامع (3107)].

 

"إن فِي الْمَوْت حِكْمَةً لمن أَرَادَ التدبُّرَ، وعبرة لمن اعْتبر، فَمن الْحِكْمَة فِي الْمَوْت؛ وضعُ عمادِ المتكبرين، وتنغيصُ حَيَاةِ المترفين، وَتَكْذيبُ ظنونَ الآملين، وتنبيهُ عقولِ الغافلين، وإزعاجُ قُلُوبِ المطمئنين، وَرفعُ أَيدي المتسلطين، وَتَخْفِيفُ أثقالِ الْعِبَادَة عَن العاملين، وَفَوْزُ المحبين بلقاء من كَانُوا إِلَيْهِ مشتاقين، وَلَو لم يكنْ فِي الْمَوْت إِلاَّ أَنه قَضَاءُ ربِّ الْعَالمين؛ لَكَانَ الرِّضَا بِهِ فرضًا لازِمًا لجَمِيع الْمُؤمنِينَ، الْمَوْت انْقِطَاعٌ عَن دارِ الفناء، واتصالٌ بدارِ الْبَقَاء، وَخُرُوجٌ من دَار الْعَمَل، وَدخُولٌ فِي دَار الْجَزَاء، الْمَوْتُ رَاحَة الْمُسِيءِ والمحسن؛ أما الْمُسِيء فَيَنْقَطِع عَنهُ اسْتِمْرَارُ طغيانِه، وَأمَّا المحسنُ فيفضي إِلَى دَار الْجَزَاء على إحسانه، الْمَوْت فِيهِ لِقَاءُ الأحباب، وإحرازُ الثَّوَاب، فَلَيْسَ يكرههُ إِلاَّ مريبٌ مرتاب" [التذكرة في الوعظ، لابن الجوزي (ص: 107)].

 

عن عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يَقُولُ: "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا، أَصَابَ الْعَذَابُ مَنْ كَانَ فِيهِمْ، ثُمَّ بُعِثُوا عَلَى أَعْمَالِهِمْ" [صحيح مسلم (2879)].

 

عن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "إِنَّ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَخَذَ رَجُلاً فَخَيَّرَهُ بَيْنَ أَنْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ، أَوْ يَقْتُلَ نَفْسًا، أَوْ يَزْنِيَ، أَوْ يَأْكُلَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ، أَوْ يَقْتُلُوهُ إِنْ أَبَى، فَاخْتَارَ أَنْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ، وَأَنَّهُ لَمَّا شَرِبَهَا لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ شَيْءٍ أَرَادُوهُ مِنْهُ" وَأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ لَنَا مُجِيبًا: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْرَبُهَا فَيَقْبَلَ اللَّهُ لَهُ صَلاةً أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، وَلا يَمُوتُ وَفِي مَثَانَتِهِ مِنْهَا شَيْءٌ إِلاَّ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بِهَا الْجَنَّةُ، فَإِنْ مَاتَ فِي أَرْبَعِينَ لَيْلَةً؛ مَاتَ مَيْتَةً جَاهِلِيَّةً" [المستدرك للحاكم (4/ 163، ح7236)، وسكت عنه الذهبي في التلخيص، والمعجم الأوسط (1/ 116، ح363)، والصحيحة (2695)].

 

وَقَالَ الضَّحَّاكُ: "مَنْ مَاتَ وَهُوَ مُدْمِنُ خَمْرٍ؛ بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ سَكْرَانُ" [تنبيه الغافلين بأحاديث سيد الأنبياء والمرسلين، للسمرقندي (ص: 147)].

 

وانظر إلى سوء خاتمة العصاة المعرضين عن دين رب العالمين، والمنشغلين عن طاعة سيد المرسلين -صلى الله عليه وسلم-، جاء في كتاب "مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار، للسلمان 3/ 162)": "وقيل -لمغنٍّ عند احتضاره-: قل: "لا إله إلا الله" فجعل يهذي بالغناء، وقال: "وما ينفعني ما تقول ولم أدع معصية إلا ركبتها" ثم مات.

 

وقيل -لمحتضر تارك للصلاة-: قل: "لا إله إلا الله" فقال: "وما يغني عني؟ وما أعلم أني صليت لله صلاة" ثم مات ولم يقلها.

 

وقيل لآخر: قل: "لا إله إلا الله" فقال: "هو كافر بما تقول" ومات.

 

وقيل لآخر: قل: "لا إله إلا الله" فقال: "كلَّما أردت أن أقولها؛ فلساني يمسك عنها".

 

وقال ابن القيم -رحمه الله-: أخبرني من حضر بعضَ الشحاذين عند الموت، فجعل يقول: "لله فُليسٌ، لله فُليسٌ" فمات.

 

وأخبرني أحدُ التجار عن قريب له احتضر وهو عنده، فجعلوا يلقنونه: "لا إله إلا الله" وهو يقول: "هذه القطعة رخيصة، هذا مشتري جيد".

 

وسبحان الله! كم شاهد الناسُ من هذا عِبَرًا، والذي يخفى عليهم من أحوال المحتضرين أعظم.

 

وإذا كان العبد في حال حضورِ ذهنِه وقوتِه، وكمالِ إدراكِه، قد تمكن منه الشيطانُ واستعمله بما يريده من المعاصي.

 

فمن -يا- تُرَى يسلَمُ على ذلك؟! فهنالك: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) [إبراهيم: 27].

 

فكيف يوفق لحسن الخاتمة من أغفل اللهُ قلبَه عن ذكره، واتبع هواه وكان أمره فرطا؟!

 

نقل عن شاربِ الدخان أنه كلما قيل له: قل: "لا إله إلا الله" قال: "تِتِن حارّ، تتن حارّ".

 

ونقل عن بقَّالٍ: أنه كان يُلَقَّن عند الموت كلمتي الشهادتين، فيقول: "خمسة، ستة، أربعة" فكان مشغولا بالحساب، الذي طال له إلفُه، فغلب على لسانه، ولم يوفَّق للشهادتين -والعياذ بالله-.

 

ويُخشى على صاحب المعاصي والمنكرات، ومتخذي آلآت اللهو من شطرنج وأعواد، وأوراق لعب .. وأسطوانات، وكرةٍ ومذياعِ وتلفزيون، وفيديو وسينما -وإنترنت- وصور ذوات الأرواح؛ أن يكون مشغولا بها في آخر لحظة من حياته، فيكون ختامُ صحيفته -والعياذ بالله- ما نطق به لسانُه ممّا يأتي فيها من المنكرات؛ من أغانِ وصور وتمثيليات، ونحو ذلك.

 

نسأل الله أن يعصمنا وإخواننا المسلمين منها.

 

واعلم أن سوء الخاتمة -أعاذنا الله وإياك وجميع المسلمين منها-: لا تكون لمن استقام ظاهره، وصلح باطنه، وإنما تكون لمن كان له فساد في العقل، وإصرارٌ على الكبائر، وإقدام على العظائم".

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله ...

 

"الْمَوْت فِيهِ تواصلُ الأحباب، وَبِه حَيَاة الْمُؤمن الأوَّاب، يشتاقُه الْبَرُّ الْمُطِيع؛ لأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى زلفى وَحسنِ مآب، يحلو الْمَمَات لمن رجا بمماته لقيا الْكَرِيم الْمَاجِد الْوَهَّاب، ويحيدُ مِنْهُ كَافِر أَو فَاجر قد يشرده سخطه وعقاب، فامهَدْ لنَفسك قبل موتك موقنا أَن الْمَمَات مقطع الأَسْبَاب، وَاعْلَم بأنك عَن قريب خَالِدٌ فِي دَارِ خُلْدٍ أَو أَلِيم عِقَاب، سيصحو السَّكْرَان من سكرِه، حِين لا يُمكنهُ تلافي أمرِه، سيندم المضيع على تضييعِه، إِذا قابله أَمرُ صَنِيعه" [التذكرة في الوعظ، لابن الجوزي (ص: 108)].

 

فهناك: (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء: 88 - 89].

 

ولا ينفع هناك إلاَّ النوايا الصالحةُ الخالصة، عن عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "يَغْزُو جَيْشٌ الكَعْبَةَ، فَإِذَا كَانُوا بِبَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ، يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ" قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، وَفِيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ، وَمَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ؟ قَالَ: "يُخْسَفُ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ" [صحيح البخاري (2118) ومسلم (2884)].

 

كان عُمَر -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- يدعو: "اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ مَوْتِي فِي بَلَدِ رَسُولِكَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-" [البخاري (1890)].

 

ونحن ندعو بدعائه، فنقول: اللهم ارزقنا شهادةً في سبيلك، وموتًا في بلد رسولك محمِّد -صلى الله عليه وسلم-.

 

اللَّهُمَّ إِنّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ العَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالجُبْنِ وَالهَرَمِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَالمَمَاتِ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ.

 

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لنا وَارْحَمْنا، وَأَلْحِقْنا بِالرَّفِيقِ.

 

اللَّهُمَّ أَحْيِنا مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لنا، وَتَوَفَّنا إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لنا، اللهُمَّ أَنْتَ الْمَلِكُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ أَنْتَ رَبُّنا، وَنحنُ عَبْيدُكَ، ظَلَمْنا أنَفُسَنا، وَاعْتَرَفْنا بِذَنوبنا، فَاغْفِرْ لنا ذُنُوبنا جَمِيعًا، إِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَ أَنْتَ، وَاهْدِنا لأَحْسَنِ الأَخْلاقِ لا يَهْدِي لأَحْسَنِهَا إِلاَّ أَنْتَ، وَاصْرِفْ عَنّا سَيِّئَهَا لا يَصْرِفُ عَنّا سَيِّئَهَا إِلاَّ أَنْتَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي يَدَيْكَ، وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ، نحن بِكَ وَإِلَيْكَ، تَبَارَكْتَ وَتَعَالَيْتَ، نَسْتَغْفِرُكَ وَنَتُوبُ إِلَيْكَ.

 

اللهُمَّ، مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّةِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ؛ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّةِ محمدٍ -صلى الله عليه وسلم- شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ.

 

اللهُمَّ أَصْلِحْ لنا دِيننا الَّذِي هُوَ عِصْمَةُ أَمْرنا، وَأَصْلِحْ لنا دُنْيَانا الَّتِي فِيهَا مَعَاشُنا، وَأَصْلِحْ لنا آخِرَتنا الَّتِي فِيهَا مَعَادُنا، وَاجْعَلِ الْحَيَاةَ زِيَادَةً لنا فِي كُلِّ خَيْرٍ، وَاجْعَلِ الْمَوْتَ رَاحَةً لنا مِنْ كُلِّ شَرٍّ [الأدعية من البخاري ومسلم].

 

واعلموا ­-عباد الله-: أنَّ الله -تعالى- أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، فقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56].

 

اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمَّدٍ النبي الهاشمي العربي الأوفى، وارض اللهم عن الأربعة الخلفا، والسادة الحنفا، أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، وعن سائر الصحابة أهل الصدق والوفا، وعن التابعين ومن تبعهم بإحسان ولطريقتهم اقتفى، وعنا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا خير من تجاوز وعفا.

 

عباد الله: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا)[الأحزاب: 56].

 

فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون.

 

 

 

المرفقات

بالموت واعظا

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات