طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    من معاني الحكمة في الدعوة إلى الله    ||    فنون التعاسة ومعززاتها!    ||    الخروج إلى تبوك    ||    أوفوا بوعد الأطفال    ||    بين الألف والياء    ||    الأمن العام اللبناني: 545 نازحا سوريا عادوا اليوم إلى بلادهم    ||    السعودية تطالب المجتمع الدولي بالتحرك لوقف العنف ضد الروهينجا فى ميانمار    ||    الغموض يحيط بكارثة نفوق الأسماك في العراق    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

10195

كثرة الكذابين والدجالين تعيق الأمة عن تقدمها وتطورها

المكان : فلسطين / غزة / بدون / الزعفران /
تاريخ الخطبة : 1433/05/07
تاريخ النشر : 1436/11/08
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/كثرة الكذابين وخطرهم على الأمة 2/حديث القرآن عن الكذابين 3/بعض أوصاف الكذابين وصفاتهم 4/تفشي الكذب في آخر الزمان 5/حديث السنة النبوية عن الكذابين 6/التحذير من كذبة إبريل 7/كذب وسائل الإعلام 8/حالات يجوز فيها الكذب 9/الفرار من الكذاب إلى المعاريض
اقتباس

أوَّل ما وقع الكذب، من إبليس على آدم وزوجِه، وحلف على كذبه، والشياطين كلُّهم كذابون، وكَذَبَ فرعون على قومه، وكذَب قارون، وكَذَب إخوةُ يوسف -عليه السلام-، وكذَبَت امرأة العزيز على يوسف -عليه السلام-، وكذبت امرأة هلال بن أمية، وأقسمت مع كذبها أنها …

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران: 102].

(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء: 1].

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70 – 71].

 

أما بعد:

 

فإن أصدقَ الحديث كتابُ الله، وأحسنَ الهدي هديُ محمد -صلى الله تعالى عليه وسلم-، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعة ضلالة، وكلَّ ضلالة في النار.

 

إن كثرةَ الكذابين والدجالين وانتشار الإشاعات المغرضة بين المسلمين تعيق الأمة عن تقدمها وتطورها، وانتشار الكذب مخالف لقول الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة: 119].

 

ومخالف لهدي نبينا محمد -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الذي قَالَ: “إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى البِرِّ، وَإِنَّ البِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الفُجُورِ، وَإِنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا” [البخاري (6094)].

 

وأوَّل ما وقع الكذب، من إبليس على آدم وزوجِه، وحلف على كذبه: (وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَا) أي حلف لهما (إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاهُمَا بِغُرُورٍ) [الأعراف: 20 – 22].

 

والشياطين كلُّهم كذابون: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ) [الشعراء: 221 – 223].

 

وعن أبي هُرَيْرَةَ، يَقُولُ: إِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ، ضَرَبَتِ المَلاَئِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ، كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ -حجر أملس- فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا لِلَّذِي قَالَ: الحَقَّ، وَهُوَ العَلِيُّ الكَبِيرُ، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُ السَّمْعِ، وَمُسْتَرِقُ السَّمْعِ هَكَذَا بَعْضُهُ فَوْقَ بَعْضٍ -وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِكَفِّهِ فَحَرَفَهَا، وَبَدَّدَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ- فَيَسْمَعُ الكَلِمَةَ فَيُلْقِيهَا إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، ثُمَّ يُلْقِيهَا الآخَرُ إِلَى مَنْ تَحْتَهُ، حَتَّى يُلْقِيَهَا عَلَى لِسَانِ السَّاحِرِ أَوِ الكَاهِنِ، فَرُبَّمَا أَدْرَكَ الشِّهَابُ قَبْلَ أَنْ يُلْقِيَهَا، وَرُبَّمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ، فَيَكْذِبُ مَعَهَا مِائَةَ كَذْبَةٍ -الساحر أو الكاهن- فَيُقَالُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَنَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا: كَذَا وَكَذَا، فَيُصَدَّقُ بِتِلْكَ الكَلِمَةِ الَّتِي سَمِعَ مِنَ السَّمَاءِ” [البخاري (4800)].

 

وكَذَبَ فرعون على قومه، فقال: (مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي) [القصص: 38].

 

و(أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) [النازعات: 24].

 

وكذَب قارون عندما: (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) [القصص: 78].

 

وكَذَب إخوةُ يوسف -عليه السلام-: (وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ * قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ * وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) [يوسف: 16- 18].

 

وكذَبَت امرأة العزيز على يوسف -عليه السلام- عندما: (اسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ * قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ * فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ) [يوسف: 25 – 28].

 

وكذبت امرأة هلال بن أمية وأقسمت مع كذبها أنها صادقة، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا-: أَنَّ هِلاَلَ بْنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ، فَجَاءَ فَشَهِدَ، وَالنَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: “إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ، فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ؟” ثُمَّ قَامَتْ فَشَهِدَتْ” [البخاري (5307)].

 

فشهدت كاذبة في شهادتها.

 

وإذا شهد ثلاثة أو أقل بالزنا على شخص؛ فهم من الكذابين ولو رأوا بأعينهم ما لم يشهد الرابع: (لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ) [النور: 13].

 

وبعض الناس يبني مسجدا لا يبنه لله ولا ليذكر فيه الله، وإنما لأغراض أخرى كالرياء والسمعة، أو ليتخذ عينا لأعداء الله وأعداء المسلمين، فهذا مسجد من مساجد الضرار: (وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) [التوبة: 107].

 

والكفار يكذبون على المؤمنين: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالاً مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ) [العنكبوت: 12 –  13].

 

واليهود يغلب عليهم الكذب: (وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [آل عمران: 78].

 

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- شَاةٌ -مصليّة مشويّة- فِيهَا سُمٌّ، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “اجْمَعُوا إِلَيَّ مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ يَهُودَ” فَجُمِعُوا لَهُ، فَقَالَ: “إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ، فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْهُ؟” فَقَالُوا: نَعَمْ، قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “مَنْ أَبُوكُمْ؟” قَالُوا: فُلاَنٌ، فَقَالَ: “كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فُلاَنٌ” قَالُوا: صَدَقْتَ، قَالَ: “فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُ عَنْهُ؟” فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِمِ، وَإِنْ كَذَبْنَا عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا، فَقَالَ لَهُمْ: “مَنْ أَهْلُ النَّارِ؟” قَالُوا: نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا، ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “اخْسَئُوا فِيهَا، وَاللَّهِ لاَ نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا” ثُمَّ قَالَ: “هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ؟” فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أَبَا القَاسِمِ، قَالَ: “هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟” قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: “مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟” قَالُوا: أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ” [البخاري (3169)].

 

والنصارى عندهم كذبٌ كبيرٌ، وإفكٌ عظيم: (أَلا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) [الصافات: 151 – 152].

 

وهناك زُمْرةٌ من الكذابين الذين يفترون على الله الكذب؛ وهم الذين يمدحون أنفسهم، ويثنون عليها ويزكونها: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً * انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا) [النساء: 49 – 50].

 

وممن يفترون على الله الكذب، من ذبَحَ لغير الله، وشرع نُسُكا لغير الله، ف (مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) [المائدة: 103].

 

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ) [الأنعام: 21].

 

ومن ذلك: الافتراءِ والكذبِ على الله؛ تغييرُ الدين، واستبدالُ الشريعة، واستحسانُ البدع، والبعدُ عن الوحي، وادعاءُ النبوة، ونزولُ الوحي عليه: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ) [الأنعام: 93].

 

وأيضا الكذابون الذين يحلُّون الحرام، ويحرِّمون الحلالَ فنهَى اللهُ المؤمنين عن ذلك: (وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [النحل: 116- 117].

 

وما أشدَّ جريمتَه من حلفَ بالله كاذبا مِنْ أجلِ حطام الدنيا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “مَنِ اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ” قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: ثُمَّ قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ -جَلَّ ذِكْرُهُ-: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلا أُولَئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ) [آل عمران: 77]. [البخاري (7445)].

 

إنه المال، إنها الأرض، إنها الخصومة، فقد ثبت: “أَنَّ أَرْوَى بِنْتَ أُوَيْسٍ، ادَّعَتْ عَلَى سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ أَرْضِهَا، فَخَاصَمَتْهُ إِلَى مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ، فَقَالَ سَعِيدٌ: أَنَا كُنْتُ آخُذُ مِنْ أَرْضِهَا شَيْئًا بَعْدَ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: وَمَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-؟ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، يَقُولُ: “مَنْ أَخَذَ شِبْرًا مِنَ الارْضِ ظُلْمًا، طُوِّقَهُ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ” فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ: لا أَسْأَلُكَ بَيِّنَةً بَعْدَ هَذَا، فَقَالَ: “اللهُمَّ، إِنْ كَانَتْ كَاذِبَةً فَعَمِّ بَصَرَهَا، وَاقْتُلْهَا فِي أَرْضِهَا” قَالَ: “فَمَا مَاتَتْ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهَا، ثُمَّ بَيْنَا هِيَ تَمْشِي فِي أَرْضِهَا، إِذْ وَقَعَتْ فِي حُفْرَةٍ فَمَاتَتْ” [مسلم (1610)].

 

يسرق ويكذب ويصدقه عيسى -عليه السلام-؛ لأنه حلف بالله -تعالى-، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، قَالَ: “رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ -عليه السلام- رَجُلا يَسْرِقُ، فَقَالَ لَهُ: أَسَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلا وَاللَّهِ الَّذِي لاَ إِلَهَ إِلا هُوَ، فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللَّهِ، وَكَذَّبْتُ عَيْنِي” [البخاري (3444)].

 

وهناك مجاهدون كذابون في جهادهم، وعلماءُ وحفظةٌ لكتاب الله كذّابون في ادعائهم، وأغنياءُ وأثرياء يتصدقون ويعطون ويكذبون في عطائهم، هدفهم أن يقال عنهم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: “إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ: جَرِيءٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ، وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ، وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَ الْقُرْآنَ لِيُقَالَ: هُوَ قَارِئٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ، وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ، فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا، قَالَ: فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا؟ قَالَ: مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلا أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ، قَالَ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ: هُوَ جَوَادٌ، فَقَدْ قِيلَ، ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ، ثُمَّ أُلْقِيَ فِي النَّارِ” [مسلم (1905)].

 

وقبل يوم القيامة سيفشو الكذب، ويكثر الدجالون، فمن أراد الوصول إلى الحكم استخدم الكذب، ومن أراد الوصول إلى قلوب الناس وامتصاص دمائهم وكدِّهم، وعرقهم استخدم أعلى أنواع الكذب، وهو ادعاء الصلاح والدين والتقوى والورع، واستخدم الدجل وادعى النبوة، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -قَالَ: “لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، قَرِيبًا مِنْ ثَلاَثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ” [البخاري (3609)].

 

فكذَبَ هؤلاء حتى صارَ الكذبُ صفةً لازمةً لهم على صيغة المبالغة، فهذا مسيلمةُ الكذاب، والأسودُ العنسي الكذاب، وسجاحُ وغيرُهم ممن ادعى النبوة والوحي، وما ذاك إلا لتحقيق مآرب سياسية، وأغراض دنيوية، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- قَالَ: قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَجَعَلَ يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ، وَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قِطْعَةُ جَرِيدٍ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: “لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ القِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا، وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ ليَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ، وَإِنِّي لأَرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا رَأَيْتُ” فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ، رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ، فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا، فَأُوحِيَ إِلَيَّ فِي المَنَامِ: أَنِ انْفُخْهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ، يَخْرُجَانِ بَعْدِي” فَكَانَ أَحَدُهُمَا العَنْسِيَّ، وَالآخَرُ مُسَيْلِمَةَ الكَذَّابَ، صَاحِبَ اليَمَامَةِ [البخاري (3620، 3621)].

 

فأصبح الكذب وادعاء النبوة تجارة رابحة، فتكررت عبر السنين، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ -رضي الله تعالى عنها وعن أبيها- قال: “إِنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- حَدَّثَنَا:أَنَّ فِي ثَقِيفٍ كَذَّابًا وَمُبِيرًافَأَمَّا الْكَذَّابُ فَرَأَيْنَاهُ، وَأَمَّا الْمُبِيرُ فَلا إِخَالُكَ إِلا إِيَّاهُ، قَالَ: فَقَامَ عَنْهَا وَلَمْ يُرَاجِعْهَا” [مسلم (2545)].

 

فالكذابُ المختارُ بنُ أبي عبيدٍ -الذي ادعى النبوة- والمُبير هو الحَجَّاج، كما فسرت ذلك للحجاج حين قتل ولدها -رضي الله عنه-” [مسند الفاروق، لابن كثير (2/ 664)].

 

ومن الملوك والحكام والرؤساء من يكذبُ على شعبه ورعيته، فيا وَيْلَه! عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “ثَلاثَةٌ لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ -قَالَ أَبُو مُعَاوِيَةَ: وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ- وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: شَيْخٌ زَانٍ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ” [مسلم (107)].

 

أما عن كَذْبة إبريل؛ فحدث ولا حرج كيف سرت هذه الخطيئة في المسلمين، وأساسها من النصارى الفرنسيين “حدث في منتصف القرن السادس عشر -الميلادي-، حين أبدلت فرنسا تقويمَها، وجعلت رأس السنة أول يناير بدلا من أبريل.

 

وكان أولُ أبريلَ مخصصا للمعايدة، فلما أُبدِلَ رأسُ السنة صار الناس يتمازحون بالهدايا الكاذبة، وصار الكذِبُ عادةً مألوفة.

 

والكذب عموما حرام في أبريلَ أو غيرِه، حتى إن وعدت الأم أو الأب طفلهما ولم يفوا له تحسب كذبة، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ: أَنَّهُ قَالَ: دَعَتْنِي أُمِّي يَوْمًا وَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَاعِدٌ فِي بَيْتِنَا، فَقَالَتْ: هَا تَعَالَ أُعْطِيكَ، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيهِ؟” قَالَتْ: أُعْطِيهِ تَمْرًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تُعْطِهِ شَيْئًا كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ” [سنن أبي داود (4991)].

 

أما قول البعض: “كذبة بيضاء، فهذا لا يجوز، فالكذب كذب لا أبيض ولا أسود“.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله …

 

وبدل أن تكون كذبة واحدة في السنة، انتشر الكذبُ في هذا الزمان، وتسمعه في كل وقت وحين، عبر وسائل الإعلام المختلفة، في نشراتِ الأخبار، والبرامجِ المتخصصةِ في إثارةِ الفتنِ بين المسلمين، وتُحِيل أمْنَهم خوفا، وراحتَهم مشقَّةً وتعبًا، وحياتَهم قلقًا واضطرابًا، وما ذاك إلا بكذبهم الذي بلغ الآفاق، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: “رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ رَجُلَيْنِ أَتَيَانِي، قَالاَ: الَّذِي رَأَيْتَهُ يُشَقُّ شِدْقُهُ فَكَذَّابٌ، يَكْذِبُ بِالكَذْبَةِ تُحْمَلُ عَنْهُ حَتَّى تَبْلُغَ الآفَاقَ، فَيُصْنَعُ بِهِ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ” [البخاري (6096)].

 

والكذبُ صفةٌ ملازمةٌ للمنافقين، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “آيَةُ المُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ” [البخاري (33)].

 

وستخرج شياطين في آخر الزمن علانيَةً يكذبون على الناس، قَالَ عَبْدُ اللهِ: “إِنَّ الشَّيْطَانَ لِيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ، فَيَأْتِي الْقَوْمَ، فَيُحَدِّثُهُمْ بِالْحَدِيثِ مِنَ الْكَذِبِ، فَيَتَفَرَّقُونَ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنْهُمْ: سَمِعْتُ رَجُلاً أَعْرِفُ وَجْهَهُ، وَلا أَدْرِي مَا اسْمُهُ يُحَدِّثُ“.

 

وعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: “إِنَّ فِي الْبَحْرِ شَيَاطِينَ مَسْجُونَةً، أَوْثَقَهَا سُلَيْمَانُ، يُوشِكُ أَنْ تَخْرُجَ، فَتَقْرَأَ عَلَى النَّاسِ قُرْآنًا” [رواهما مسلم في المقدمة، بعد الحديث رقم (7)].

 

فيوهمون الناس بتزويقِ كذبِهم أنهم صادقون، وما يقولونه في منزلة القرآن فيصدقهم الناس، ويتبعونهم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّهُ قَالَ: “سَيَكُونُ فِي آخِرِ أُمَّتِي أُنَاسٌ يُحَدِّثُونَكُمْ مَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ، وَلا آبَاؤُكُمْ، فَإِيَّاكُمْ وَإِيَّاهُمْ” [مسلم (6)].

 

وما أكثر هؤلاء اليوم تراهم يظهرون على الشاشات، ويأتون بما لا يثبت في كتاب ولا سنة، ولم يعرفه السلف الصالح؛ الصحابة وأتباعهم، ولقد أوصى النبي -صلى الله عليه وسلم- بأصحابه خيرا، وحذَّر من الكذب الذي سيكثر بين الناس في آخر الزمان، عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: خَطَبَنَا عُمَرُ بِالجَابِيَةِ، فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِينَا فَقَالَ: “أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَفْشُو الكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلا يُسْتَحْلَفُ، وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلا يُسْتَشْهَدُ” [سنن الترمذي (2165) وقال: “هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ” ابن ماجة (2363)، وانظر: ح(2546) في صحيح الجامع].

 

قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُظُهُورًا بَيِّنًا حَتَّى يَشْمَلَ الأقْوَالَ وَالأفْعَالَ وَالْمُعْتَقَدَاتِ -وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ-” [فتح الباري، لابن حجر (7/ 6)].

 

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: “لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْكَذِبُ، وَتَتَقَارَبَ الأَسْوَاقُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ” قِيلَ: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: “الْقَتْلُ” [مسند أحمد، ط الرسالة (16/ 422) (10724) الصحيحة (2772)].

 

ووالله لقد ظهرت الفتن، وكثر الكذب، حتى صارت القنوات الفضائية ووسائل الإعلام تسهل وصول الكذب إلى الناس في بيوتهم، وتقاربت الأسواق، وتقارب بالزمان، وكثر القتل للمسلمين من المسلمين، وأضحت مساجدنا تشكو إلى الله من الكذابين على منابرها، والدجالين في حلقاتها، إلا من رحم الله -تعالى-، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ سَعِيدٍ الثَّوْرِيِّ: أَنَّهُ قِيلَ لِسُفْيَانَ: إِنَّ ابْنَ بِنْتِهِ يَقُولُ: “سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَجْلِسُ فِي مَسَاجِدِهِمْ شَيَاطِينُ يُعَلِّمُونَهُمْ أَمْرَ دِينِهِمْ” قَالَ سُفْيَانُ: “قَدْ بَلَغَنَا ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ: “سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَجْلِسُ فِي مَسَاجِدِهِمْ شَيَاطِينُ, كَانَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ قَدْ أَوْثَقَهُمْ فِي الْبَحْرِ, يَخْرُجُونَ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ أَمْرَ دِينِهِمْ” قَالَ سُفْيَانُ: بَقِيَتْ أُمُورٌ عِظَامٌ” قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ: قَالَ زُهَيْرُ بْنُ عَبَّادٍ: يَعْنِي سُفْيَان: “يُعَلِّمُونَ النَّاسَ, فَيُدْخِلُونَ فِي خِلالِ ذَلِكَ الأَهْوَاءَ الْمُحْدَثَةَ, فَيُحِلُّونَ لَهُمُ الْحَرَامَ, وَيُشَكِّكُونَهُمْ فِي الْفَضْلِ وَالصَّبْرِ وَالسُّنَّةِ, وَيُبْطِلُونَ فَضْلَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا, وَيَأْمُرُونَهُمْ بِالإِقْبَالِ عَلَى طَلَبِ الدُّنْيَا, وَهِيَ رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ” [البدع، لابن وضاح (2/ 162، ح240)].

 

لم تسلم المساجد، ولم تسلم طرقاتُ وأسواقُ المسلمين من إبليس اللعين، عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ قَالَ: “لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمْشِيَ إِبْلِيسُ فِي الطُّرُقِ وَالأسْوَاقِ, فَيَقُولُ: حَدَّثَنِي فُلانٌ عَنْ فُلانٍ عَنْ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا أَوْ كَذَا” [الكفاية في علم الرواية، للخطيب البغدادي (ص: 430)].

 

أما الإصلاح بين الناس، وبين الزوج وزوجته، وفي الحروب لو انفلت من الإنسان كلمة تخالف الحقيقة فيعفى عنها الإنسان، عن أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: “لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، فَيَنْمِي خَيْرًا، أَوْ يَقُولُ خَيْرًا” [البخاري (2692) مسلم (2605)].

 

قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ أَسْمَعْ يُرَخَّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ كَذِبٌ إِلا فِي ثَلاثٍ: الْحَرْبُ، وَالإصْلاحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا.

 

وفي شرح مشكل الآثار (7/ 361): “وَكَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا نَفْيُ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- الْكَذِبَ عَمَّنْ كَانَتْ هَذِهِ الأَحْوَالُ مِنْهُ, وَكَانَ فِيهِ, وَلَمْ يُرَخِّصْ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ إِنَّهُ كَذِبٌ، أَيْ: لِظَاهِرِهِ عِنْدَهُمْ, وَلَيْسَ قَائِلُهُ بِكَذَّابٍ إِذْ كَانَ لَمْ يَرِدْ بِهِ الْكَذِبَ إِنَّمَا أَرَادَ مَعْنًى سِوَاهُ, فَكَانَ فِي ذَلِكَ نَفْيُ الْكَذِبِ مِمَّا كَانَ مِنْهُ” أ. هـ.

 

واتقِ الكذبَ -يا عبد الله-، وعليك بالمعاريض التي ليس فيها كذب، قال البخاري في صحيحه: “بَابٌ: المَعَارِيضُ مَنْدُوحَةٌ عَنِ الكَذِبِ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: سَمِعْتُ أَنَسًا -قال-: مَاتَ ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ، فَقَالَ: كَيْفَ الغُلاَمُ؟ قَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: هَدَأَ نَفَسُهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ، وَظَنَّ أَنَّهَا صَادِقَةٌ” ولم تقل له إنه مات!.

 

وقَالَ عُمَرُ: “إِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ مَا يَكُفُّ أَوْ يَعِفُّ الرَّجُلَ عَنِ الْكَذِبِ” [مصنف ابن أبي شيبة (5/ 282، ح26095)].

 

 

 

الملفات المرفقة
الكذابين والدجالين تعيق الأمة عن تقدمها وتطورها
عدد التحميل 85
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات