طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    سنة الله في تقدير الأرزاق    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

8226

الوطنية شعور أم شعار؟!

المكان : المملكة العربية السعودية / الرياض / بدون /
تاريخ الخطبة : 1435/11/24
تاريخ النشر : 1435/11/26
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/ فارق كبير بين العطاء الحقيقي والاستهزاء 2/ ادعاء محبة الأوطان 3/ كثرة الشعارات البراقة التي ترفع في العصر الحديث 4/ مظاهر جوفاء وشعارات خرقاء 5/ سمات الوطنية الصادقة 6/ ميل الإنسان إلى وطنه وبني جنسه.
اقتباس

كَم هِيَ الأَعيَادُ القَومِيَّةُ وَالأَيَّامُ الوَطنِيَّةُ التي تُقَامُ في دِيَارِ المُسلِمِينَ عَامَّةً وَفي بُلدَانِ العَرَبِ خَاصَّةً، وَهِيَ وَأَصحَابُهَا وَالدَّاعُونَ إِلَيهَا وَالمُتَابِعُونَ لها، أَبعَدُ مَا يَكُونُ عَن رُوحِ القُومِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ وَالوَطَنِيَّةِ الصَّادِقَةِ، إِذْ تُختَزَلُ القَومِيَّةُ وَالوَطَنِيَّةُ في يَومٍ بِعَينِهِ أَو أُسبُوعٍ فَحَسبُ، مُقتَصَرًا فِيهِمَا عَلَى مَظَاهِرَ جَوفَاءَ وَشِعَارَاتٍ خَرقَاءَ، ثُمَّ يُنطَلَقُ بَعدَهَا لِلإِفسَادِ في الأَرضِ أَو خِيَانَةِ الأَوطَانِ، أَو طَعنِ المُجتَمَعَاتِ وَإِهَانَةِ بَنِي الإِنسَانِ!!

 

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

أَمَّا بَعدُ، فَـ(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم وَالَّذِينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ) [البقرة: 21]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة: 119].

 

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، كَم هُوَ الفَرقُ بَينَ أَن تُطعِمَ جَائِعًا أَو تَكسُوَ عَارِيًا، أَو تَقضِيَ حَاجَةَ مُحتَاجٍ أَو تُنَفِّسَ كُربَةَ مَكرُوبٍ، وَبَينَ أَن تُريَهُم أُنَاسًا يَأكُلُونَ أَلَذَّ الطَّعَامَ أَو يَلبَسُونَ أَفخَرَ الثِّيَابِ، أَو تَحكِيَ لَهُم قِصَّةَ نَجَاحِ شَخصٍ قُضِيَت حَاجَتُهُ أَو نُفِّسَت كُربَتُهُ.

 

إِنَّكَ إِن تُطعِمِ الجَائِعَ وَلَو لُقمَةً صَغِيرَةً، أَو تُلبِسِ العَارِيَ وَلَو ثَوبًا خَلَقًا، أَو تُسَاهِمْ في قَضَاءِ حَاجَةِ المُحتَاجِ وَلَو بِقَلِيلٍ، أَو تَبذُلْ وَلَو يَسِيرًا لِتَنفِيسِ كَربِ المَكرُوبِ، تَنَلْ بِذَلِكَ مِنَ النَّاسِ الشُّكرَ وَالحَمدَ وَالذِّكرَ الحَسَنَ، وَتَجِدْ عِندَ اللهِ أَعظَمَ الجَزَاءِ وَأَوفَرَ الثَّوَابِ.

 

وَأَمَّا إِن كَانَ جُهدُكَ وَسَعيُكَ مَقصُورًا عَلَى أَن تُرِيَ الجَائِعَ وَالعَارِيَ أُنَاسًا يَأكُلُونَ وَآخَرِينَ مُكتَسِينَ، أَو تَقُصَّ عَلَى المُحتَاجِ وَالمَكرُوبِ قِصَصَ أَقوَامٍ مُنَعَّمِينَ، فَإِنَّ كُلاًّ مِنهُم سَيَشعُرُ حِينَئِذٍ أَنَّكَ إِنَّمَا تَستَهزِئُ بِهِ وَتَسخَرُ مِنهُ، أَو أَنَّكَ كَذُوبٌ مُرَاوِغٌ تَتَشَبَّعُ بما لم تُعطَ، أَو أَنَّكَ عَاجِزٌ لا حِيلَةَ في يَدِكَ، وَلَن تَنَالَ إِذْ ذَاكَ مِنَ النَّاسِ إِلاَّ الذَّمَّ وَالمَقتَ، وَكُرهَ مَا تَفعَلُ وَاحتِقَارَهُ، وَلَن تَجِدَ عِندَ رَبِّكَ إِلاَّ عُقُوبَةَ الكَاذِبِينَ وَجَزَاءَ المُنَافِقِينَ وَعَاقِبَةَ المُستَهزِئِينَ، قَالَ – سُبحَانَهُ – : (لَا تَحسَبَنَّ الَّذِينَ يَفرَحُونَ بما أَتَوا وَيُحِبُّونَ أَن يُحمَدُوا بما لم يَفعَلُوا فَلَا تَحسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِنَ العَذَابِ وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ) [آل عمران: 188].

 

يُقَالُ مِثلُ هَذَا الكَلامِ – أَيُّهَا المُسلِمُونَ – لِمَا يَرَاهُ العَاقِلُ في عَالَمِنَا اليَومَ، مِن كَثرَةِ الادِّعَاءَاتِ الكَاذِبَةِ، وَالتَّلوِيحِ بِالشِّعَارَاتِ البَرَّاقَةِ الخَادِعَةِ، مِن أُنَاسٍ تَتَمَدَّحُ بما لم تَعمَلْ، وَلا تَستَحيِي أَن تَقُولَ ما لا تَفعَلُ، وَإِذَا هِيَ بَلَغَت في جُهدِهَا أَن تُلقِيَ الكَلِمَاتِ الرَّنَّانَةَ، أَو تَكتُبَ العِبَارَاتِ الجَمِيلَةَ، أَو تُقِيمَ الحَفَلاتِ المُتَكَلَّفَ عَلَيهَا أَو تُنَظِّمَ الأَعيَادَ المُبتَدَعَةَ، ظَنَّت أَنَّهَا بِهَذَا قَد بَلَغَت في التَّقَدُّمِ وَالمَدَنِيَّةِ شَأنًا عَظِيمًا، أَو أَنَّهَا غَيَّرَت وَاقِعًا أَلِيمًا، أَو خَدَمَت بِلادَهَا وَمُجتَمَعَاتِهَا وجَاءَت من الحَضَارةِ بما لم يَأتِ بِهِ الأَوَائِلُ، وَمَا عَلِمَت أَنَّهَا إِنَّمَا تَفعَلُ بِذَلِكَ في بُلدَانِهَا وَمُجتَمَعَاتِهَا فِعلَ المُخَدِّرِ في عَقلِ مُتَعَاطِيهِ، إِذْ يَغِيبُ بِهِ عَن وَاقِعِهِ وَلَو كَانَ مُرًّا، وَيَصعَدُ بِهِ إِلى جُوٍّ مِنَ الفَرَحِ المَصنُوعِ وَالنَّشوَةِ الكَاذِبَةِ، الَّتِي لا يَستَطِيعُ التَّخَلُّصَ مِن آثَارِهَا السَّيِّئَةِ فِيمَا بَعدُ، إِلاَّ بِالعَودَةِ إِلى تَعَاطِي ذَلِكَ المُخَدِّرِ مَرَّةً أُخرَى وَثَانِيَةً وَثَالِثَةً، إِلى أَن يَأتِيَهُ أَجَلُهُ أَو يُدرِكُهُ عَدُوُّهُ، وَهُوَ لم يُحَصِّلْ حَمدًا وَلم يَسلَمْ مِن ذَمٍّ .

 

أَيُّهَا المُسلِمُونَ، كَم هِيَ الشِّعَارَاتُ البَرَّاقَةُ الَّتي تُرفَعُ في عَصرِنَا الحَاضِرِ!! وَيَحمِلُهَا كَثِيرُونَ وَيَتَبَاهَونَ بِحَملِهَا، سَوَاءٌ في الخَارِجِ أَوِ الدَّاخِلِ، بَعِيدًا عَنَّا وَقَرِيبًا مِنَّا، وَمِن أَعدَائِنَا وَمِن بَنِي جِلدَتِنَا، في حِينِ أَنَّ تِلكَ الشِّعَارَاتِ لا حَظَّ لَهَا مِنَ الصِّدقِ في نَفسِهَا، وَمِن ثَمَّ فَلا يُستَنكَرُ أَن أَذهَبَ اللهُ مِن قُلُوبِ النَّاسِ تَقدِيرَ أَصحَابِهَا، بَل وَنَزَعَ مَهَابَتَهُم مِنَ الصُّدُورِ وَلم يُقِمِ النَّاسُ لَهُم وَزنًا، حَتى وَإِن كَانُوا مِنَ الأَكَابِرِ أَوِ العُظَمَاءِ، أَوِ المُلُوكِ وَالرُّؤَسَاءِ، أَوِ الهَيئَاتِ أَوِ المُنَظَّمَاتِ، وَهَذَا هُوَ الجَزَاءُ الطَبِيعِيُّ لعَدَمِ الصِّدقِ مَعَ اللهِ ثُمَّ مَعَ الآخَرِينَ، قَالَ – سُبحَانَهُ – : (وَلَو صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيرًا لَهُم) [محمد: 21].

 

أَجَلْ – أَيُّهَا المُسلِمُونَ – إِنَّ عَدَمَ الصِّدقِ في الادِّعَاءِ، قَد جَعَلَ لِلمُدَّعِينَ في قُلُوبِ النَّاسِ بُغضًا لَهُم وَنُفرَةً مِنهُم، وَمَلَلاً مِمَّا يَأتُونَ بِهِ وَيُقَدِّمُونَهُ، غَيرَ أَنَّ الغَرِيبَ حَقًّا، أَنَّهُ مَا زَالَ في الأُمَّةِ المُؤمِنَةِ وَالمُجتَمَعَاتِ المُسلِمَةِ، مَن بَقِيَ يَعِيشُ في الوَهمِ وَيُصَدِّقُ الأَكَاذِيبَ، مُضَيِّعًا وَقتَهُ وَعُمرَهُ في طَردِ السَّرَابِ، وَمَا عَلِمَ أَنَّهُ بِانجِرَافِهِ وَرَاءَ كُلِّ نَاعِقٍ وَانقِيادِهِ لِكُلِّ نَابِحٍ، وَتَقَرُّبِهِ لِكُلِّ مُبغِضٍ شَانِئٍ وَعَدُوٍّ مُشَاحِنٍ، يُذهِبُ في كُلِّ يَومٍ مِن دِينِهِ جُزءًا، وَيَفقِدُ مِن مَبَادِئَهِ نَصِيبًا، وَيَنحَرِفُ عَن صِرَاطِ اللهِ المُستَقِيمِ شَيئًا فَشَيئًا.

 

 وَلَقَد كَانَ يَكفِي الأُمَّةَ أَفرَادًا وَمُجتَمَعَاتٍ، أَنَّهَا مَا زَالَت مُنذُ أَكثَرَ مِن سِتِّينَ عَامًا أَو يَزِيدُ، مَحَطَّةَ تَجَارِبَ فَاسِدَةٍ، وَمَمَرًّا لِمَنَاهِجَ غَرِيبَةٍ عَنهَا، وَمُستَودَعَ شِعَارَاتٍ نَشَازٍ وَمَدَارِسَ فِكرِيَّةٍ ضَالَّةٍ، وَهَدَفًا لِقَومِيَّاتٍ ضَيِّقَةٍ وَوَطَنِيَّاتٍ مَحدُودَةٍ، وَحِزبِيَّاتٍ آسِنَةٍ وَعُنصُرِيَّاتٍ نَتِنَةٍ، غَايَتُهَا نَبذُ الدِّينِ القَوِيمِ وَحَربُهُ وَإِقصَاؤُهُ، وَتَنحِيَتُهُ مِنَ الحَيَاةِ العَامَّةِ وَالقَضَاءُ عَلَيهِ، بَل وَالاعتِدَاءُ عَلَى المُقَدَّرَاتِ وَنَهبُ الخَيرَاتِ.

 

كَم هِيَ الأَعيَادُ القَومِيَّةُ وَالأَيَّامُ الوَطنِيَّةُ التي تُقَامُ في دِيَارِ المُسلِمِينَ عَامَّةً وَفي بُلدَانِ العَرَبِ خَاصَّةً، وَهِيَ وَأَصحَابُهَا وَالدَّاعُونَ إِلَيهَا وَالمُتَابِعُونَ لها، أَبعَدُ مَا يَكُونُ عَن رُوحِ القُومِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ وَالوَطَنِيَّةِ الصَّادِقَةِ، إِذْ تُختَزَلُ القَومِيَّةُ وَالوَطَنِيَّةُ في يَومٍ بِعَينِهِ أَو أُسبُوعٍ فَحَسبُ، مُقتَصَرًا فِيهِمَا عَلَى مَظَاهِرَ جَوفَاءَ وَشِعَارَاتٍ خَرقَاءَ،  ثُمَّ يُنطَلَقُ بَعدَهَا لِلإِفسَادِ في الأَرضِ أَو خِيَانَةِ الأَوطَانِ، أَو طَعنِ المُجتَمَعَاتِ وَإِهَانَةِ بَنِي الإِنسَانِ!!

 

 وَلَو كَانَت ثَمَّةَ وَطَنِيَّةٌ صَادِقَةٌ وَقَومِيَّةٌ حَقِيقِيَّةٌ، لَكَانَت مَنهَجَ إِصلاحٍ شَامِلٍ، وَرِحلَةَ عُمُرٍ فَاضِلٍ، يَبنِي صَاحِبُهَا وَلا يَهدِمُ، وَيُصلِحُ وَلا يُفسِدُ، وَيُعطِي قَبلَ أَن يَأخُذَ، وَيُؤثِرُ وَلا يَطمَعُ، وَيَعدِلُ وَلا يَظلِمُ، وَأَمَّا مَن هُوَ مُهدِرٌ لِمُقَدَّرَاتِ بَلَدِهِ، أَو خَائِنٌ لأَمَانَتِهِ، أَو مُفَرِّطٌ في مَسؤُولِيَّتِهِ، أَو تَارِكٌ كَثِيرًا مِمَّا يَلزَمُهُ فِعلُهُ، أَو مُقَدِّمٌ مَصلَحَةً خَاصَّةً عَلَى المَصَالِحِ العَامَّةِ، فَمَا عَرَفَ القَومِيَّةَ وَلا لَبِسَ ثِيَابَ الوَطَنِيَّةِ، فَكَيفَ بِمَن هُوَ وَرَاءَ ذَلِكَ يُحَارِبُ الدِّينَ القَوِيمَ، وَيَنتَزِعُ مِنَ القُلُوبِ صِالِحَ القِيَمِ، وَيُجلِبُ عَلَى النَّاسِ بِنِيرَانِ الشُّبُهَاتِ وَيَجرِفُهُم إِلى مُستَنقَعَاتِ الشَّهَوَاتِ، وَيُرِيدُ الانتِقَالَ بِهِم مِن حَيَاةِ العَدلِ وَالإِحسَانِ وَالطُّهرِ وَالعَفَافِ وَالصِّدقِ وَالأَمَانَةِ وَكُلِّ خُلُقٍ حَسَنٍ، إِلى بَهِيمِيَّةِ الكُفَّارِ وَفَحشَائِهِم وَمُنكَرِهِم وَبَغيِهِم، وَأَخلاقِهِم السَّيِّئَةِ وَعَادَاتِهِمُ القَبِيحَةِ .

 

 أَلا فَلْنَتَّقِ اللهَ – أَيُّهَا المُسلِمُونَ – وَلْنَكُنْ مَعَ الصَّادِقِينَ، وَلا نَغتَرَّنَّ بِبَهَارِجِ الهَالِكِينَ، فَإِنَّمَا الفَلاحُ لِمَن أَحسَنَ القَولَ ثُمَّ بَرَّ وَصَدَقَ، وَاستَقَامَ عَلَى الإِيمَانِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ وَأَحسَنَ وَثَبَتَ، وَدَعَا النَّاسَ إِلى سَبِيلِ رَبِّهِم وَجَمَعَ عَلى الإِسلامِ كَلِمَتَهُم، قَالَ – سُبحَانَهُ – : (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ استَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ المَلَائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحزَنُوا وَأَبشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتي كُنتُم تُوعَدُونَ * نَحنُ أَولِيَاؤُكُم في الحَيَاةِ الدُّنيَا وَفي الآخِرَةِ وَلَكُم فِيهَا مَا تَشتَهِي أَنفُسُكُم وَلَكُم فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِن غَفُورٍ رَحِيمٍ * وَمَن أَحسَنُ قَولاً مِمَّن دَعَا إِلى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّني مِنَ المُسلِمِينَ) [فصلت: 30- 33].

 

 

الخطبة الثانية:

 

أَمَّا بَعدُ، فَاتَّقُوا اللهَ – تَعَالى – وَأَطِيعُوهُ وَلا تَعصُوهُ، وَاعلَمُوا أَنَّ حُبَّ المَرءِ وَطَنَهُ وَمَيلَهُ إِلى قَومِهِ وَبَني جِنسِهِ، فِطرَةٌ مَغرُوسَةٌ في قَلبِهِ وَنَفسِهِ، لا يَحتَاجُ إِلى أَن يَتَعَاهَدَهَا غَيرُهُ أَو يُنَمِّيَهَا، أَو يَجعَلَ مَقَايِيسَ أَو مَعَايِيرَ مُختَرَعَةً لإِثبَاتِ وُجُودِهَا أَو عَدَمِهَا، وَأَمَا مَا يُسَمَّى بِالأَعيَادِ القَومِيَّةِ وَالأَيَّامِ الوَطَنِيَّةِ، فَإِنَّمَا هِيَ شَيءٌ احتَاجَت إِلَيهِ بَعضُ الحُكُومَاتِ الظَّالِمَةِ، وَخَاصَّةً في البِلادِ الكَافِرَةِ وَالأَنظِمَةِ الغَاشِمَةِ، فَجَعَلَتهُ لِلتَّلبِيسِ عَلَى مَن ظَلَمَتهُم وَهَضَمَتهُم، وَخِدَاعِ مَن أَكَلَت حُقُوقَهُم وَاحتَقَرَتهُم.

 

وَأَمَّا بِلادُ المُسلِمِينَ وَأَئِمَّتُهُم، فَلَيسُوا بِحَاجَةٍ إِلى مِثلِ هَذِهِ البِدَعِ، إِذْ إِنَّ حُبَّ المُسلِمِينَ لِدِيَارِهِم، وَطَاعَةَ الرَّعِيَّةِ لِقَادَتِهِم، وَامتِثَالَ أَمرِهِم وَتَوقِيرَهُم، وَلُزُومَ الجَمَاعَةِ مَعَهُم وَعَدَمَ الخُرُوجِ عَلَيهِم، كُلُّ أُولَئِكَ دِينٌ يَدِينُ المُسلِمُونَ بِهِ رَبَّهُم، وَيَفعَلُونَهُ طَلَبًا لِمَا عِندَهُ وَدَفعًا لِلشُّرُورِ وَدَرءًا لِلفِتَنِ، مُمتَثِلِينَ قَولَ رَبِّهِم – سُبحَانَهُ – : (وَأَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمرِ مِنكُم) [النساء: 59]، وَقَولَ نَبِيِّهِم – عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ – في الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيهِ : "مَن أَطَاعَني فَقَد أَطَاعَ اللهَ، وَمَن عَصَاني فَقَد عَصَى اللهَ، وَمَن يُطِعِ الأَمِيرَ فَقَد أَطَاعَني، وَمَن يَعصِ الأَمِيرَ فَقَد عَصَاني"، وَقَولَهُ فِيمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ : "السَّمعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى المَرءِ المُسلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لم يُؤمَرْ بِمَعصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعصِيَةٍ فَلا سَمَعَ وَلا طَاعَةَ".

 

 أَلا فَلْنَتَّقِ اللهَ – أَيُّهَا المُسلِمُونَ – وَلْنَحفَظْ أَمنَ أَوطَانِنَا وَاطمِئنَانَهَا، بِالإِيمَانِ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَشُكرِ النِّعمَةِ وَحِفظِهَا، وَالتَّنَاصُحِ فِيمَا بَينَنَا وَالأَمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهيِ عَنِ المُنكَرِ، وَلْنُظهِرْ شَعَائِرَ دِينِنَا وَلْنُحَافِظْ عَلَيهَا، فَإِنَّهُ مَا حُفِظَتِ البُلدَانُ بِمِثلِ هَذَا، وَلا حَلَّت بها النِّقَمُ إِلاَّ بِضِدِّهِ، قَالَ – سُبحَانَهُ – : (الَّذِينَ آمَنُوا وَلم يَلبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمنُ وَهُم مُهتَدُون) [الأنعام: 82].

 

وَقَالَ – جَلَّ وَعَلا – : (وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِن مَكَّنَّاهُم في الأَرضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالمَعرُوفِ وَنَهَوا عَنِ المُنكَرِ وَللهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ)[الحج: 40- 41]، وَقَالَ – تَعَالى – : (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَريَةً كَانَت آمِنَةً مُطمَئِنَّةً يَأتِيهَا رِزقُهَا رَغَدًا مِن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَت بِأَنعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالخَوفِ بما كَانُوا يَصنَعُونَ * وَلَقَد جَاءَهُم رَسُولٌ مِنهُم فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ العَذَابُ وَهُم ظَالِمُونَ * فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلَالاً طَيِّبًا وَاشكُرُوا نِعمَةَ اللهِ إِن كُنتُم إِيَّاهُ تَعبُدُونَ)[النحل: 112- 114].

 

 وَقَالَ -سُبحَانَهُ- : (كَدَأبِ آلِ فِرعَونَ وَالَّذِينَ مِن قَبلِهِم كَفَرُوا بِآيَاتِ اللهِ فَأَخَذَهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِم إِنَّ اللهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ العِقَابِ * ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لم يَكُ مُغَيِّرًا نِعمَةً أَنعَمَهَا عَلَى قَومٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * كَدَأبِ آلِ فِرعَونَ وَالَّذِينَ مِن قَبلِهِم كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِم فَأَهلَكنَاهُم بِذُنُوبِهِم وَأَغرَقنَا آلَ فِرعَونَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ) [الأنفال: 52- 54].

 

 

 

 

الملفات المرفقة
شعور أم شعار؟!
عدد التحميل 117
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات