المسلمون بين الماضي والحاضر

علي مشاعل

2022-10-12 - 1444/03/16
التصنيفات: التربية
عناصر الخطبة
1/ خير أمة أُخرجت للناس 2/ مساوئ الفخر بالأنساب والأحساب 3/ الإسلام لم يميز بين لون ولون 4/ اعتزاز القادة المسلمين بدينهم وإخلاصهم العمل له 5/ القوة الضاربة التي ترهب أعداء الإسلام 6/ كلام مهم لأحد مفكري الغرب.

اقتباس

لقد كان أجدادنا وأسلافنا فيما مضى من الزمان متمسكين بالدين معتصمين بحبله المتين، لقد دكت قوة إيمانهم عروش القياصرة، وزلزلت قوة عقيدتهم تيجان الأكاسرة، فماذا نحن اليوم فاعلون؟! هل نحن على خطاهم سائرون؟! أم عن منهجهم غافلون؟، لا تصلح هذه الأمة في آخر زمانها إلا بما صلحت به في أول زمانها، لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ألا وهو الاجتماع على الدين ومعرفة منهج رب العالمين والتمسك بالصراط المستقيم.

 

 

الخطبة الأولى:

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونؤمن به ونتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وصفيه ومختاره من خلقه وخليله، أشهد أنه بلّغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح للأمة وكشف الله به الغمة، تركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك صلوات الله وتسليماته وتبريكاته عليه وعلى أهل بيته.

 

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) [آل عمران:102]،  (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) [النساء:1]، (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب:70-71].

 

أما بعد: يتساءل الإنسان في هذه الأزمان كيف كان آباؤنا وأسلافنا، كيف كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام، كيف كانوا بين الأمم؟ هل كانوا مثلنا اليوم بين الأمم؟!

 

إخوة الإيمان: إن التاريخ ليعرض بالإفصاح كيف كان العرب قبل الإسلام في ذل وانقسام وتقاتل وخصام، حتى إن قائلهم:

 

وأحيانا على بكر أخينا *** إذا لم نجد إلا أخانا

 

تقتسم القبيلة لتقتل، لم يكن شيء يوحدها ويجمعها، فهم في جاهلية جهلاء وضلالة عمياء إلى أن آذن الله ببزوغ شمس خير البرية، وبعث الله سيدنا محمدًا -صلى الله عليه وسلم- فوحد العرب، فكان خير نبي من خير أمة، كان بنو إسرائيل يطمحون أن يكون آخر الأنبياء منهم، وهم يعلمون ما في كتبهم من التوراة والإنجيل، وأن البشارة بنبي آخر الزمان، وأنه من العرب، لكنهم كانوا يريدونه كذبًا وزورا وبهتانا وادعاءً أن يكون من بني إسرائيل.

 

إن أمة المسلمين والإسلام في ذلك الزمان كانت من العرب، وقام العرب في مكة بالتخلق بهذا الدين وبناء الأنفس عليه، شكّلوا أنفسهم على عقيدة الإيمان وأخلاق الإسلام، وكونوا ذواتهم في ثلاث عشرة سنة، لم يكونوا يواجهون أحدًا، بل كانوا يتحملون الأذى ثم اضُطروا للهجرة فهاجروا، وهاجر النبي -صلى الله عليه وسلم- وبدءوا يتعرضون بالعدوان من قريش واليهود والأحزاب المختلفة يحاولون القضاء على الإسلام وأهله.

 

هكذا كان حال المسلمين، هكذا عانوا وهكذا ابتُلوا وزُلزلوا زلزالا شديدا، ومع ذلك كان النصر معهم، وكانت القوة لديهم ما كانوا يتصورون أبداً أن القوة لا تكون بكثرة عدة أو كثرة عُدد.

 

يقول مولانا -تبارك وتعالى- في بيان فضله على من آمن (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [الأنعام:122].

 

آية عظيمة ككل آية في القرآن (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ) ضرب الله المثل جعل الكفر موتًا، وجعل الإيمان حياة، جعل الكفر ظلمات وضلالة وجعل الإيمان نورًا وهداية (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ) كان كافرًا فهديناه (أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا) هو الإيمان.

 

(يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ)  هو الاعتماد على الله هو الاستقامة على دين الله (يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ) أمم الكفر، أمم الضلال، أمم الشرك والإلحاد، أمم عبادة البشر وعبادة العباد وعبادة المخلوق، عبادة الهوى وعبادة الشيطان وعبادة الشهوات (كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا) ذلك كمن رضي بالضلال دينًا وبالشرك معتقدًا، ما خرج ولم يخرج وما فكر أن يخرج من قوقعة الظلم والظلمات (كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ)، الكافرون زين لهم شياطينهم ما كانوا يعملون قديمًا وحديثًا فهم لا يفكرون في ضلالهم ولا يقفون على كفرهم وشركهم وانحرافهم يظنون أنفسهم خُلقوا من أجل ما خُلقوا له يفعلون، لم يعرفوا أنهم خُلقوا للهدى والعبادة للإيمان والرشاد، للقيام بعمارة الأرض إنسانية وليس ماديًّا فقط أن يعمروها وأن يعيشوا بها بشرًا أسوياء لا ظلم ولا عدوان لا على النفس ولا على الآخرين، بل إنصاف وإيمان واهتداء.

 

إخوة الإيمان: إن أمة الإسلام هي خير أمة أُخرجت للناس، هي الأمة الوسط، هي الأمة التي لم تمل إلى جانب المادة على حساب الروح، ولم تمل إلى حساب الروح على حساب المادة، بل أعطت للروح والجسد حقهما.

 

نجد بني إسرائيل كانوا متوجهين إلى المادة، ونجد النصارى منهم من غلبت عليه المادة ومنهم من ترهب، فمال إلى الكهنوت وإلى الروحانيات المفرطة، فلم يكونوا على جانب وسط من الفكر والمعتقد، الدين الذي أوحى الله به إلى أنبيائهم كان هو الإسلام، ولكنهم بعد ذلك مالوا عنه، قد تكون تشريعاتهم ليست كاملة كتشريعات الإسلام هي في زمانهم أدت الغرض، وهي من الله تشريع محكم ولكنه مؤقت، وكلهم بحفظها فلم يقوموا بحفظها، فسلبها عنهم، وأذن بالرسالة الخاتمة الباقية إلى قيام الساعة.

 

تشريعهم كان متناسبًا لأحوالهم، لكن ذلك التشريع ليس من طابعه البقاء والاستمرار، هكذا أذن الله في تشريعاته وكتبه المنزلة على أنبيائه السابقين أن تكون لفترة مؤقتة ولأمة معينة، ثم بعد ذلك ينتهي مفعولها لتأتي الرسالة الباقية الخالدة التي فيها القواعد والأصول والأركان والأسس المتسعة للناس على اختلاف زمانهم ومكانهم لا تضيق بحالة ولا باختراع ولا بتطور من شؤون الحياة.

 

إخوة الإيمان: لقد عرف أسلافنا حقيقة الدين فافتخروا به لم يفتخروا بغرور إنما بشكر وحمد لله -عز وجل-، قال قائلهم من أسلافنا:

 

ومما زادني شرفًا وتيهًا *** وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك يا عبادي *** وأن أرسلت أحمد لي نبـيا

 

افتخار وشكر وعرفان بعبودية الله، دخولي تحت قولك "يا عبادي"، وأن أرسلت أحمد لي "نبيا" اعتقاد وإنصاف بعظمة هذا النبي وقيادته فهو سيد ولد آدم كما أمره ربه أن يخبر الناس، لم يكونوا يفتخرون كما افتخروا في الجاهلية بقبائلهم، وإنما لما أكرمهم الله بالإسلام عرفوا قدره فركلوا أمور الجاهلية كلها بأرجلهم فقال قائلهم:

 

أبي الإسلام لا أب لي سواه *** إذا افتخروا بقيسٍ أو تميمِ

 

الفخر بالأنساب والأحساب، والقبيلة والدم، والعرق واللون، واللغة والجنس، والبلد والوطن، وما إلى ذلك .. له انتماء جاهلي، إنما المسلم أبوه الإسلام، وأرضه التي يعيش عليها هي أرض الإسلام، لا يميز الإسلام بين أحد، الإسلام سوَّى بين الأحرار والعبيد كما تعلمون، في الوقت الذي نعيش عصرنا الذي يدعي الناس فيه التقدم وهم يفرقون في بلدان متحضرة بين الأسود والأبيض، بين اللغات المختلفة، بين الأجناس، بل إن الناس الذين يقطنون بلدًا من البلدان في العالم المتقدم ويأخذون جنسيته لا يزال أهل ذلك البلد يفرّقون بين قديم وحديث، بين من تجنس وبين من هو أصلاً من ذلك الوطن، أيّ وحدة جاء بها الناس اليوم في عصر المدنية والحضارة تضاهي توحيد الإسلام لكل من انتسب إليه ومساواته بين كل من استظل بمظلته !

 

لا شيء كالإسلام -أيها الإخوة- يوحدنا ويجمعنا ويسوي بيننا، ويجعل الحق هدفنا، ويجعل الفضيلة غايتنا، ويجعل الجميع عبادا متساويين كأسنان المشط أمام دين الله وشرعه، دينهم واحد وإلههم واحد وأبيهم واحد وأصلهم واحد "كلكم لآدم وآدم من تراب" (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) لتعارفوا وليس لتفاخروا إنما لتعارفوا (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[الحجرات: 12].

 

إخوة الإيمان: لقد كان أجدادنا وأسلافنا فيما مضى من الزمان متمسكين بالدين معتصمين بحبله المتين، لقد دكت قوة إيمانهم عروش القياصرة، وزلزلت قوة عقيدتهم تيجان الأكاسرة، فماذا نحن اليوم فاعلون؟! هل نحن على خطاهم سائرون؟! أم عن منهجهم غافلون؟، لا تصلح هذه الأمة في آخر زمانها إلا بما صلحت به في أول زمانها، لا يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها، ألا وهو الاجتماع على الدين، ومعرفة منهج رب العالمين، والتمسك بالصراط المستقيم.

 

إخوة الإيمان: لقد اجتمع المسلمون الأوائل بعد تفرّق، وقووا بعد ضعف، وفتحوا أعظم دولتين كانتا في زمنهم أعظم دولتين إمبراطوريتين؛ إمبراطورية الفرس والروم، قوتين عظميين كانتا في زمن العرب قديمًا وزمن المسلمين عندما ابتعث الله النبي محمدًا -صلى الله عليه وسلم- .

 

لم يكونوا بمعزل عن الأمم، لقد كانت هناك قوى ظالمة، وكان هناك ظلم عالمي، ومع ذلك كيف ترعرع الإسلام في قلوب المسلمين، وكيف تعاظم هذا الدين في نفوس أبنائه، ترعرع كما تترعرع النبتة، وكما تنبثق الشجرة، وكما ترسل أغصانها بقدرة باريها وكما يغمر جزعها وكما يعظم ظلها، هكذا شيئًا فشيئًا حتى آتت أكلها كل حين بإذن ربها.

 

أجل أيها الإخوة: يا لها من عزة عاشها أسلافنا! ويا له من دين عظيم حقق فيهم ثماره وآتى أكله، لقد صدق أولئك الرجال (مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [الأحزاب: 23].

إخوة الإيمان: لقد كان الفرس والروم قديمًا يقتسمون السيطرة على العالم، عندما ابتعث الله النبي محمدًا -صلى الله عليه وسلم-، فماذا كان وماذا حصل؟!

 

كان العرب -كما عرفنا- مزقًا وأشلاء، قبائل وطوائف تجمعوا فحول الدين رعاة الإبل والغنم إلى قادة الشعوب والأمم، ورقوا في سلم المجد لاتكالهم على الله وتمسكهم بدين الله.

 

إن الإسلام -كما أشرت- لم يميز بين لون ولون، بل جعل بلال الحبشي يصعد الكعبة ليؤذن، وجعل أبا جهل وأبا لهب في ذل وخسران وإهانة وهما الشريفان القرشيان!!

 

لقد أكد الإسلام في النفوس ألا تمايز بين الناس إلا بالإيمان والعمل الصالح يوم نحقق في نفوسنا هذا الميزان يعلو شأننا وتتحد قلوبنا وتقوى أواصلنا وتخافنا الأمم.

 

 لقد تنازع المهاجرون والأنصار يوم حفر الخندق في سلمان الفارسي -الذي كان متقدمًا في السن فإن بعض الروايات تقول: عاش على ما يزيد على ثلاثمائة سنة قبل الإسلام وبعده- كان يعمل في الخندق عمل رجال عدة، فكان المهاجرون يقولون: سلمان منا، والأنصار يقولون: سلمان منا، فسمعهم النبي -صلى الله عليه وسلم- وسلمان فارسي الأصل وليس بعربي ولا قرشي فقال: "سلمان منا آل البيت"، ليس منكم ولا منهم فآل بيت محمد كل مؤمن تقي، أعطاه وسامًا رفيعا وقلده شرفًا عظيما بنسبته إليه "سلمان منا آل البيت" بصدقه، بإيمانه ببحثه عن الحقيقة بتضحيته بكل شيء؛ ترك أهله وبلده ومعتقده وهاجر إلى الشام يتنقل من راهب إلى راهب، ثم من رقّ إلى رقّ عند العرب وعند اليهود حتى أكرمه الله بالإيمان بخير خلق الله محمد -صلى الله عليه وسلم- وعانى ما عانى وقاسى ما قاسى حتى جنى الثمرة بصدقه وبحثه وصبره وهو في سبيل الحق مضحٍ.

 

إخوة الإيمان: إنه الإسلام الذي رفع أهله فيما مضى بصدقهم، لا يترك الإسلام أهله إنما هم الذين يبتعدون عنه، إن ربعي بن عامر -رضي الله عنه- عندما ذهب إلى ملك الفرس، ودخل إلى بلاطه وقصره يتكأ على رمحه، ويدوس سجاده الفاخر ولا يبالي بتلك الزينة ولا العظمة ولا بتلك الحضارة المادية الزائفة القائمة على الشرك والوثنية، لم يبال بشيء إنما كان يشهد فضل الله عليه وعلى من آمن مثله بهذا الدين، ووقف أمام ملك الفرس يقول: "نحن قوم ابتعثنا الله لنُخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة".

 

هكذا قال ربعي بن عامر أمام ملك الفرس وأباطرته ورجع غير مفتون، بل قد زاد إيمانه لم يرجع كما رجع كثير من شبابنا من الشرق والغرب قد فُتنوا بتلك الحضارة الزائفة، وبدءوا يقلدونهم فيما يصلح وما لا يصلح، إنما كان الصحابة عندما يرون ما بالأعداء والكفار من بُعد ومن قساوة ومن كفر كانوا يدركون فضل الله عليهم أيما إدراك فيحمدونه على نعمة الإسلام أعظم الحمد، وكانوا يحتقرون كل النعم الباقية التي يرونها عند الناس الآخرين؛ لأن كل نعيم دون الجنة حقير وأعظم نعمة في الدنيا هي شهادة "لا إله إلا الله محمد رسول الله".

 

إخوة الإيمان لقد كان من قادة المسلمين أبو عبيدة بن الجراح -رضي الله عنه- ذلكم القائد الهادئ الوديع الأمين، أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح -رضي الله عنه- تولى قيادة جيش المسلمين في بلاد الشام، فأذل كبرياء هرقل، وطرده من ربوع الشام ذليلاً محتقرًا أمام عزة هذا الدين ورجاله فخرج هرقل من سوريا يائسًا وهو يقول: "سلام عليك يا سوريا، سلامًا لا لقاء بعده".

 

هكذا كان المسلمون وهكذا فعل الإسلام فعله عندما صدق أهله معه، وعندما صدقوا في توحدهم على دين الله واعتصامه بحبله.

 

إخوة الإيمان: لقد خضعت الممالك كلها للإسلام والمسلمين، ودانت عن بكرة أبيها وما كان المسلمون أبداً ليذلوا وهم يقولون لا إله إلا الله، محمد رسول الله، كانوا يضحون بالغالي والنفيس في سبيل هذا الدين ما كانوا يحرصون على الدنيا كحرصنا، كان أحدهم يقول: لأوجهن للعدو جيشًا يحبون الموت كما يحب عدوهم الحياة"، لو أرادوا خلع الجبال لخلعوها، كما قال عنهم ملك الصين في ذلك الوقت لقوة إرادتهم وقوة عزائمهم.

 

وانظروا إخوة الإيمان كيف كان المسلمون في فطنة ويقظة كيف كانوا مهما اختلفوا فيما بينهم لا يمكن أن يشقوا الطاعة، ولا أن يوسعوا الفجوة، ولا أن يسمحوا لكافر أن يدخل بينهم.

 

هذا سيدنا معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنهما- ضرب أروع الأمثلة في هذا الصدد عندما اختلف مع سيدنا علي -رضي الله عنه- ماذا فعل هرقل؟ أراد هرقل أن ينتهز فرصة الخلاف بينهما فأرسل إلى معاوية يقول له -اسمعوا إلى التاريخ كيف كان فيما مضى هرقل يرسل إلى معاوية؛ يريد أن يغتنم فرصة الخلاف بين المسلمين- يقول "يا معاوية لقد علمت ما كان بينك وبين صاحبك فإن شئت أرسلت إليك بجيش قوي يأتي لك بعلي مكبلاً بالأغلال بين يديك".

 

إنه الصنيع، صنيع الخبث والمكر أينما كان وحيثما كان، إن أمة الإسلام قد تكفل الله لها بألا يغلبها عدو من خارجها، ألا يستأصل شأفتها إنما يكون بأسها بينها، لا يمكن لأحد أن يغلبها إذا صدقت مع أنفسها لكن عندما يوجد المتخاذلون والفاسقون والمنافقون فهم السلم الذي يصعد عليه الكافرون.

 

ماذا فعل معاوية وهو يرى العرض السخي الذي يسيل له لعاب من يحب الغلبة والنصر والفوز على خصمه ماذا قال معاوية؟ كتب إلى هرقل يقول: "من معاويةَ بنِ أبي سفيان إلى هرقلَ، أما بعد، فأنَا وعليّ أخوان، كُلٌّ منّا يرى أن الحق له، ومهما يكن من أمرٍ فما أنت بأقربَ إليََّ من عليٍّ، فاكففْ يا هرقلُ عنّا خُبْثَكَ وشَرّكَ وإلا أتيتُ إليك بجيشٍ جَرّارٍ، عليّ قائدُه، وأنا تحتَ إمْرَةِ عليّ حتى أُمَلّكَهُ الأرضَ التي تحتَ قدميكَ!"

 

الله أكبر على أولئك الكفرة، ما هذه الكلمات العظيمة التي تنم عن وعي صادق وعن إيمان صادق، فالمؤمن قد يختلف مع أخيه، ولكنه أبداً ولا يمكن بحال من الأحوال أن يجعل الكافر نصيرًا له على أخيه المسلم الذي يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله.

 

إخوة الإسلام: لقد امتدح الله المسلمين بقوله (أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ) [الفتح: 29]، ما علينا إلا أن نذكر كيف كان أسلافنا وأجدادنا وصحابة نبينا -عليه الصلاة والسلام- فنسير على هداهم:

 

 فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم *** إن التشبه بالكرام فلاح

 

إخوة الإيمان: يجب أن نقارن ما كنا عليه وما صرنا إليه أحوال الأمة فيما مضى، وأحوالنا فيما نعيش من هذه الأيام، إن الله –عز وجل- ينادينا في كل وقت وحين في قرآنه العظيم (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ)[آل عمران: 103].

 

إن الألفة والمحبة والمودة فيما بين المسلمين هي القوة الضاربة التي ترهب أعداء الإسلام، إن أعداء الإسلام قد عرفوا مكامن القوة في الإسلام والمسلمين، أجل أيها الإخوة حتى إن قائلهم كان يقول قائل من أعداء الإسلام كان يقول عن هذه الأمة: "أنا لا أجهل هذه الأمة –أي أمة الإسلام- لقد اتخذت القرآن مهجورا" كان يتكلم عنها في عصرها الحاضر كان يبين حال هذه الأمة اليوم.

 

يقول أحد مفكري الغرب: "أنا لا أجهل أن هذه الأمة قد اتَّخذت القرآن مهجورا، وأنَّها فُتِنت بالمال، وشُغِفتْ بجمعه وادِّخاره، كغيرها من الأمم، أنا خبيرٌ بأنَّ ليل الشرق داجٍ مكفهرّ، وأنَّ علماء الإسلام وشيوخه ليست عندهم تلك اليد البيضاء التي تشرق لها الظلمات ويضيء لها العالم، ولكني أخاف أن قوارع هذا العصر وهزَّاته ستقضُّ مضجعها، وتوقظ هذه الأمة، وتوجهها إلى شريعة محمد -صلى الله عليه وسلم-".

 

هكذا يقول مفكر من مفكريهم: "وإني أحذركم وأنذركم من دين محمد -صلى الله عليه وسلم- حامي الذِّمار، حارس الذمم والأعراض، دين الكرامة والشرف، دين الأمانة والعفاف، دين المروءة والبطولة، دين الكفاح والجهاد، يلغي كلَّ نوعٍ من أنواع الرِّقِّ، ويمحو كلَّ أثرٍ من آثار استعباد الإنسان، لا يفرِّق بين مالكٍ ومملوك، ولا يؤْثر سلطانًا على صعلوك، يزكِّي المال من كل دنس ورجس، ويجعله نقيًّا صافيًا، ويجعل أصحابَ الثروة والملاَّك مستخلفين في أموالهم، أمناءَ الله، وكلاءَ على الأموال، وأيُّ ثورةٍ أعظم، وأي انقلاب أشد خطرًا مِمَّا أحدثه هذا الدين في عالم الفكر والعمل، يوم صرخ: إن الأرض لله لا للملوك والسلاطين؟!

 

فابذلوا جهدكم أن يظلَّ هذا الدِّين متواريًا عن أعين الناس، وليهنكم أن المسلم بنفسه هو ضعيف الثقة بربه، قليل الإيمان بدينه، فخير لنا أن يظل مشتغلاً بمسائل علم الكلام، والإلهيات، وتأويل كتاب الله والآيات، اضربوا على آذان المسلم، فإنه يستطيع أن يكسر طلاسم العالم، ويبطلَ سحرنا بأذانه وتكبيره، واجتهدوا أن يطول ليله، ويبطئَ سَحَرُه، أشغلوه يا إخوتي عن الجدِّ والعمل، حتَّى يخسر الرهان في العالم، خيرٌ لنا أن يبقى المسلم عبدًا لغيره، ويهجرَ هذا العالَم، ويعتزلَه، ويتنازلَ عنه لغيره؛ زهدًا فيه، واستخفافًا لخطره، يا ويلتنا! ويا شقوتنا لو انتبهت هذه الأمة، التي يعزم عليها دينُها أن تراقب العالم".

 

انظروا إلى وصاياهم، انظروا إلى مخططاتهم هم لا يخافون من قوانا المادية، لا يخافون من أعدادنا الهائلة التي أصبحت غثاء كغثاء السيل إنما يخافون أن يستيقظ الإسلام في قلوبنا أن يستيقظ الإسلام في بيوتنا، يخافون أن يستيقظ الإسلام في بلداننا، نلتف حول الدين وأن نتمسك بشعائره وأن نضحي بأرواحنا في سبيل المحافظة على هذا الدين كما أمر رب العالمين، إنهم يخافون ذلك فقط، يخافون من هذا الذي يسمونه المارد الإسلام الذي إذا استيقظ أكل الأخضر واليابس بزعمهم إنما هو يحيي الأرض بإذن ربه، يرفع الظلم ممن ظلم، إنما الإسلام دين الرحمة، الإسلام دين السماحة، الإسلام دين الدعوة بالحكمة، الإسلام اللطف والنظافة، الإسلام دين الإنسانية، لا دين السفك للدماء كما يصوره الأعداء، لقد شوهوا صورة الإسلام.

 

إن هذا المفكر فيهم يريد أن يبقى الإسلام متواريًا عن الناس، ولكنهم تطوروا فشوّهوا الإسلام لم يتركوه متواريًا إنما شوهوه في أذهان الناس جميعًا مسلمهم وكافرهم، حتى أصبح كثير من المسلمين يختفي ويتخفى من الإسلام، ولا يريد أن يظهر في بلدان ما أنه مسلم؛ لأن الإسلام قد صور على أنه انحراف وعلى أنه تطرف وعلى أنه إرهاب بينما الإسلام يحارب الإرهاب ويحارب التطرف ويحارب كل انحراف ليرجع الناس إلى الفطرة السليمة إلى الإنسانية الحق التي خلقهم الله عليها.

 

محمد -عليه الصلاة والسلام- ما بعث ليقتل الناس كلهم أبدًا إنما بعث ليهديهم، إنما بعث ليردهم إلى فطرهم، إنما بعث هاديًا ومعلمًا، ما كان يريد قتل الكافر إنما كان يريد إزالة كفره حتى إذا أسر الكافر على المواجهة وحتى إذا قاتل الكافر في سبيل الباطل والكفر عندئذ كان يرده ويصده وإن أدى ذلك إلى قتله، لكن الفرص سنحت له كثيرًا أن يقتل المشركين وأعظم فرصة سانحة يوم فتح مكة يوم استطاع لو أراد أن يقتل صناديد قريش والعرب المتبقية بعد تلك الحروب في العام الثاني من الهجرة لكنه ماذا فعل؟! كلكم يعلم ماذا فعل محمد بن عبد الله -صلى الله عليه وسلم- وأول من يعلم ذلك قارئو التاريخ من الأمم الأخرى "اذهبوا فأنتم الطلقاء" هذا محمد، محمد العفو، محمد الرحيم، محمد الصفح، محمد السماحة، وهذا هو دين الإسلام أيها الإخوة.

 

نسأل الله -عز وجل- أن يردنا إلى الإسلام ردًّا جميلاً، وأن يجمل الإسلام في قلوبنا ويزينه في نفوسنا، أن يخرج من قلوبنا حب الدنيا والهوى والشهوات، أن يجعلنا مسلمين حقًّا مؤمنين حقًّا، أن يرقى بنا إيماننا إلى مصاف أسلافنا، أن يعزنا الله بالإسلام ويعز الإسلام بنا وأن يرينا عز هذا الدين بمنه وكرمه إنه أرحم الراحمين، وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون.

 

الخطبة الثانية:

 

لم ترد.

 

 

 

المرفقات

بين الماضي والحاضر

إضافة تعليق

ملاحظة: يمكنك اضافة @ لتتمكن من الاشارة الى مستخدم

التعليقات