طريقة تسجيل أعضاء في الموقع الجديد وتفعيل الحساب    ||    سنة الله في تقدير الأرزاق    ||

ملتقى الخطباء

عنوان الخطبة

6752

حياة القلوب

المكان : المملكة العربية السعودية / أبها / جامع آل عطيف /
التصنيف الرئيسي : أحوال القلوب
تاريخ النشر : 1435/02/12
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
عناصر الخطبة
1/العناية بالقلوب 2/أقسام أمراض القلوب 3/أصول عامة في إصلاح القلوب 4/علامات القلب السليم
اقتباس

سوف يكون الحديث عن “حياة القلوب”، والشارع الحكيم قد اعتنى بهذا العضو الخطير، وسعى إلى تطهيره وتنقيته من كل ما يشوبه؛ لذلك القلب هو موضع اهتمام جميع الرسالات السماوية، وجميع الكتب، وجميع الأنبياء إنما بعثوا لإصلاح القلوب. ينتاب القلب أمراض حسيّة وأمراضٌ معنوية، والأمراض الحسيّة تؤدي إلى الموت، وفقدان الدنيا، أما الأمراض المعنوية، وهي أشد خطورةً تؤدي إلى …

 

 

 

 

الخطبة الأولى:

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله…

 

أيها المسلمون: اتقوا الله -تعالى- فلا سعادة ولا نجاة، ولا فوز إلا بالتقوى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا) [الأحزاب: 70- 71].

 

حديثي إليكم في هذا اليوم عن موضوعٍ في غاية الأهمية، في وقتٍ قست فيه القلوب، وضعف فيه الإيمان، واشتغل الناس بالدنيا، وأعرضوا عن الآخرة.

 

سوف يكون الحديث عن “حياة القلوب”، والشارع الحكيم قد اعتنى بهذا العضو الخطير، وسعى إلى تطهيره وتنقيته من كل ما يشوبه؛ لذلك القلب هو موضع اهتمام جميع الرسالات السماوية، وجميع الكتب، وجميع الأنبياء إنما بعثوا لإصلاح القلوب.

 

ينتاب القلب أمراض حسيّة وأمراضٌ معنوية، والأمراض الحسيّة تؤدي إلى الموت، وفقدان الدنيا، أما الأمراض المعنوية، وهي أشد خطورةً تؤدي إلى خسران الدنيا والآخرة: (خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ) [الحـج: 11].

 

وللأسف أن الناس في هذا الزمان يهتمون بعلاج الأمراض الحسيّة أكثر من اهتمامهم بالأمراض المعنوية.

 

عباد الله: القلب يمرض كما يمرض البدن، وشفاؤه بالتوبة، والقلب يصدأ كما تصدأ المرآة وجلاؤها بالذكر، والقلب يعرى كما يعرى الجسم وزينته التقوى، والقلب يظمأ ويجوع كما يظمأ ويجوع البدن، وطعامه وشرابه المعرفة بالله ومحبته والتوكل عليه، ولم تخلق النار إلا لإذابة القلوب القاسية، بل أعظم عقوبة على العبد هي قسوة القلب، والبعد عن الله -تعالى-.

 

أيها المؤمنون: هذه أصولٌ نفيسة، وأسبابٌ دافعة، ٌفي إصلاح القلوب:

 

الأصل الأول: القلب موضع نظر الله -تعالى-؛ عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إن الله -تعالى- لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم“[رواه مسلم].

 

فالله -تعالى- يوم القيامة لا ينظر إلى كم رصيدك؟ أو ما هو منصبك ورتبتك؟ ولا ينظر إلى كم لديك من الأولاد والقصور والعقار، ولكن الله ينظر إلى هذا القلب وما فيه من خيرٍ أو شر، لذا ينبغي علينا أن نهتم بهذا العضو ونزيّنه بزينة الإيمان والتوبة والإنابة.

 

الله -تعالى- أنزل لباسين: لباساً ظاهراً يواري العورة، ويسترها ولباساً باطناً من التقوى يجمّل العبد ويستره، فإذا انكشف هذا الغطاء انكشفت عورته الباطنة كما تنكشف عورته الظاهرة بنزع ما يسترها من لباس.

 

الأصل الثاني: صلاح الجوارح بصلاح القلب؛ عن النعمان بن بشير -رضي الله عنه- عن النبي – صلى الله عليه وسلم- قال: “ألا و إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب“.

 

فإذا كان القلب صالحاً فتبعاً لذلك تصلح الجوارح فلا ترى العين إلا حلال ولا تسمع الأذن إلا الحلال ولا يقول اللسان إلا ما يرضي الله -تعالى-، وإذا كان القلب فاسداً فتبعاً لذلك تفسد الجوارح، فترى العين تنظر إلى الحرام والقنوات المحرمة والأذن يسمع الغناء والحرام، وكذلك اللسان تجده يفري في أعراض الناس صباح مساء، يقول صلى الله عليه وسلم: “لا يستقيم إيمانُ عبدٍ حتى يستقيم قلبه ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه“.

 

الأصل الثالث: القلب كثيرُ التقلّب، يقول صلى الله عليه وسلم: “القلب ابن آدم أشد انقلاباً من القدر إذا استجمعت غلياً“.

 

ويقول صلى الله عليه وسلم: “إن هذا القلب كريشةٍ بفلاةٍ من الأرض يُقيمها الريح ظهراً لبطن“.

 

وفي هذا دليلٌ على أن القلب كأنه ريشه لخفته وسرعة تأثره بالفتن، وهو كالثوب الأبيض يؤثر فيه أدنى أثر هو كذلك مثل المرآة الصافية يؤثر فيها أدنى شيء.

 

الأصل الرابع: القلبُ عُرضةٌ للفتن، يقول صلى الله عليه وسلم: “تُعرض الفتن على القلوب كعرض الحصير عوداً عوداً، فأي قلبٍ أُشربها نكتت فيه نكتةُ سوداء، وأيّ قلبٍ أنكرها نكتت فيه نكتةٌ بيضاء، حتى تعود القلوب على قلبين: قلبٌ أسود مربادّاً كالكوز مجخيّاً لا يعرف معروفاً، ولا يُنكر منكراً، إلا ما اُشرب من هواه، وقلبٌ أبيض فلا تضره فتنةٌ ما دامت السماوات والأرض“[رواه مسلم].

 

فالقلب الأول يُصاب بمرضين خطيرين هما:

 

الأول: لا يعرف معروفاً ولا يُنكر منكراً، وربما اشتبه عليه المعروف بالمنكر والمنكر بالمعروف، وأصبحت السنة بدعة، والبدعة سنة، والحق باطلاً والباطل حقاً، وهذا هو قلب المنافق، وهو أشر قلوب الخلق.

 

الثاني: تحكيمه هواه وانقياده للهوى، أما القلب الثاني فهو قلبٌ عرف الحق وقبله وأحبه وآثره على غيره، قلبٌ قد أشرق فيه نور الإيمان ينكر فتن الشهوات والشبهات، ولا يقبلها البتة.

 

الأصل الخامس: الأعمالُ تتفاضلُ بتفاضلِ ما في القلوب؛ فقد تكون صورة العملين واحدة، كالصلاة مثلاً وبينهما في التفاضل كما بين السماء والأرض والسبب أن الأول مقبلٌ بقلبه على ربه والقلب الثاني سارحٌ في هذه الدنيا بعيداً غافلاً عن الله -تعالى-، يقول صلى الله عليه وسلم: “ما من مسلمٍ يتوضأ فيحسن الوضوء ثم يقوم فيصلي ركعتين مقبلٌ عليهما بقلبه ووجهه إلا وجبت له الجنة“[رواه مسلم].

 

إذن العبرة بأعمال القلوب لا بأعمال الجوارح، يقول الله -تعالى-: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) [الملك: 2].

 

وهنا قال الله: (أَحْسَنُ عَمَلًا) ولم يقل أكثر عملاً، ولهذا كان الصالحون من هذه الأمة لا يهتمون بكثرة العمل.

 

وعلى هذا الأصل فإن: “عبودية القلب أعظم من عبودية الجوارح“.

 

الأصل السادس: القلبُ هدفٌ للشيطان، لمّا علم الشيطان عدو الله أن مدار النجاة على القلب أجلب عليه بالوسواس والشهوات والشبهات وزيّن له الباطل، ونصب له المصايد والحبائل حتى يُفسد هذا القلب ويجعله بعيداً عن ربه ومولاه غارقاً في بحر الفتن.

 

الأصل السابع: “أمراض القلب خفيّة، وإهمالها يؤدي إلى الهلاك“؛ مثل الرياء والعجب والكبر والشهرة وغيرها، وهذه أمراض خفية قد لا يعرفها صاحب هذا القلب، وهذا قد يؤدي به إلى الهلاك -والعياذ بالله -تعالى-.

 

وهؤلاء اهتموا بالأعمال الظاهرة، وأهملوا أعمال القلوب، ولم يراقبوا الله في خلواتهم؛ فعن سهل بن سعد الساعدي قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من آهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس وهو من أهل الجنة“.

 

وخاتمة السوء تكون بسبب دسيسة باطنة للعبد لا يطّلع عليها الناس؛ يقول الحسن البصري -رحمه الله-: “النفاق اختلاف السر والعلانية والقول والعمل“.

 

ويقول بلال بن سعد: “لا تكن وليّاً لله -عز وجل- في العلانية وعدوّاً له في السر“.

 

اللهم يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلوبنا على دينك. تكرر ثلاثا.

 

أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم ولعموم المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 

 

الخطبة الثانية:

 

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه صلى الله وسلم عليه وعلى آله وأصحابه صلاة دائمةً إلى يوم القيامة.

 

أما بعد:

 

يقول الله -تعالى-: (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) [الشعراء: 88- 89].

 

نسال الله أن يرزقنا، وإياكم قلوباً سليمة.

 

والقلب السليم له علامات ودلالات، ومن هذه العلامات:

 

العلامة الأولى: أن يكون القلب سليماً من محبة ما يكرهه الله -تعالى- من الشرك الخفي والجلي والأهواء والبدع والفسوق والمعاصي كبيرها وصغيرها ظاهرها وباطنها، قيل: يا رسول الله أي الناس أفضل؟ قال صلى الله عليه وسلم: “كلُ مخموم القلب صدوق اللسان” قالوا: صدوق اللسان نعرفه فما مخموم القلب؟ قال: “هو التقي النقي لا إثم فيه ولا بغي ولا غِلّ ولا حسد“.

 

هذا القلب أفضل القلوب إلى الله، وأحبها إليه.

 

العلامة الثانية: أن يرتحل هذا القلب من الدنيا وطلبها وينزل بمنازل الآخرة، ويحل بها حتى كأنه من أهلها، والناس في هذا الزمان، والى الله المشتكى، سافروا في طلب الدنيا، وقعدوا عن الآخرة وطلبها.

 

العلامة الثالثة: إنه لا يزال يضرب على صاحبه حتى يُنيب إلى الله، ويتعلق به تعلق المُحب إلى حبيبه، لذا ترى صاحب هذا القلب كلما فعل ذنباً تراه يسرع بالتوبة والاستغفار، وكما قال أحد السلف: “أفضل عباد الله إلى الله رجلٌ اجترح ذنباً فكلما ذكر ذنبه استغفر ربه“.

 

العلامة الرابعة: انه لا يفتر عن ذكر الله -تعالى- ولا يسأم من الأنس به، فذكر الله عنده أحلى من العسل، وأشهى من الماء العذب الصافي لدى العطشان في اليوم الصائف.

 

كيف لا والرسول -صلى الله عليه وسلم- يقول: “لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله“.

 

العلامة الخامسة: هذا القلب إذا عُرضت عليه الفتن والقبائح والشهوات والشبهات نفر منها بطبعه وأبغضها ولم يلتفت إليها وحياؤه يمنعه من الوقوع في هذه المعاصي والمخالفات ويحميه من الفتن.

 

العلامة السادسة: القلب السليم عندما تفوته طاعة من الطاعات أو وردٌ من القران وجد لفواتها ألمٌ عظيم، رحم الله ابن القيّم ما عساه أن يقول فيمن ليس له وردٌ يومي، بل ما عساه أن يقول فيمن تفوته الصلاة ولا يجد لفواتها ألم أو حسرة، يقول صلى الله عليه وسلم: “من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله” أيّ فقد أهله وماله.

 

العلامة السابعة: إنه يشتاق إلى طاعة ربه كما يشتاق الجائع إلى الطعام والشراب؛ فتراه يشتاق إلى الصلاة بعد الصلاة والصيام بعد الصيام والطاعة بعد الطاعة.

 

وهكذا بقية العبادات والطاعات.

 

العلامة الثامنة: أن القلب السليم يُصبح ويُمسي وليس له همٌ غير رضى الله -تعالى-، وأيّ حياةٌ أطيب وأجمل من هذه الحياة، وفي الحديث: “من أصبح والدنيا همّه شتت الله عليه شمله، وجعل الله فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما قُدر له، ومن أصبح والآخرة همّه جمع الله عليه شمله، وجعل غناه في قلبه واتته الدنيا وهي راغمه“.

 

العلامة التاسعة: إنه يكون أشحّ بوقته أن يذهب ضائعاً أكثر من شحّ الناس بمالهم، وأهل التجارة بتجاراتهم، والوقت رأس مال العبد المؤمن، ويجب عليه أن لا يقضي أنفاسه إلا في طاعة ربه ومولاه، وإضاعة الوقت في غير فائدة أشد من الموت؛ لأن الموت يقطع من الدنيا أما إضاعة الوقت فتقطع من الدنيا والآخرة -والعياذ بالله- من هذا حاله.

 

العلامة العاشرة: أن يكون اهتمامه بتصحيح العمل أعظم من اهتمامه بالعمل نفسه، فيعمل وهو يستحضر الإخلاص والصدق، والمتابعة والإحسان والاقتداء.

 

رزقنا الله وإياكم الإخلاص والصدق.

 

عباد الله: صلوا وسلموا على من أُمرتم بالصلاة والسلام عليه، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56].

 

صلى الله وسلم عليه ما تعاقب الليل والنهار، وما تعانق الأخيار، وما تصافح الأبرار، وما هطلت الأمطار…

 

الدعاء…

 

 

 

 

الملفات المرفقة
القلوب
عدد التحميل 501
قم بالنقر على اسم الملف للتحميل
قيِّم‬ :
طباعة المفضلة
A - A +
مواد في نفس المحور
التعليقات